قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السادس و العشرون و مائتان في معرفة الإرادة»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

الإرادة عند القوم لوعة يجدها المريد من أهل هذه الطريقة تحول بينه و بين ما كان عليه مما يحجبه عن مقصوده‏

لوعة في القلب محرقة‏ هي بدء الأمر لو علموا
فلهذا حن صاحبهاللذي عنه العباد عموا
فإذا يبدو لناظرهيعتريه البهت و الصمم‏
فتراه دائما أبدابلهيب النار يصطلم‏
كل شي‏ء عنده حسنو بهذا كلهم حكموا

و الإرادة عند أبي يزيد البسطامي ترك الإرادة و ذلك قوله أريد أن لا أريد فأراد محو الإرادة من نفسه و قال هذا القول في حال قيام الإرادة به ثم تمم و قال لأني أنا المراد و أنت المريد يخاطب الحق و ذلك أنه لما علم إن الإرادة متعلقها العدم و المراد لا بد أن يكون معدوما لا وجود له و رأى أن الممكن عدم و إن اتصف بالوجود لذلك قال أنا المراد أي أنا المعدوم‏و أنت المريد فإن المريد لا يكون إلا موجودا و أما الإرادة عندنا فهي قصد خاص في المعرفة بالله و هي أن تقوم به إرادة العلم بالله من فتوح المكاشفة لا من طريق الدلالة بالبراهين العقلية فتحصل له المعرفة بالله ذوقا و تعليما إلهيا فيما لا يمكن ذوقه و هو قوله وَ اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ الله و قالت المشايخ في الإرادة إنها ترك ما عليه العادة و قد تكون عادة زيد ما هي عادة عمرو فيترك عمرو عادته بعادة زيد لأنها ليست عادة له ثم اعلم في مذهبنا إنك إذا علمت أن الإرادة متعلقها العدم و علمت إن العلم بالله مراد للعبد و علمت أنه لا يحصل العلم به على ما يعلم الله به نفسه لأحد من المخلوقين مع كون الإرادة من المخلوقين لذلك موجودة فالإرادة للعبد ما دام في هذا المقام لازمة لازم حكمها و هو التعلق بالمعدوم و العلم بالله كما قلنا لا يصح وجوده فالعبد حكم الإرادة فيه أتم من كونها فيمن يدرك ما يريد فليست الإرادة الحقيقية إلا ما لا يدرك متعلقها فلا يزال عينها متصفا بالوجود ما دام متعلقها متصفا بالعدم فإن الإرادة إذا وجد مرادها أو ثبت زال حكمها و إذا زال حكمها زال عينها و ينبغي للإرادة فينا أن لا تزول فإن مرادها لا يكون و أما من يتكون عن إرادته ما يريد فلا تصحبه الإرادة وجودا و إنما بقيت الإرادة هناك لأن متعلقها آحاد الممكنات و آحادها لا تتناهى فوجودها هناك لا يتناهى و لكن يختلف تعلقها باختلاف المرادات و الذي يشير إليه أهل الله في تحقيق الإرادة أنها معنى يقوم بالإنسان يوجب له نهوض القلب في طلب الحق المشروع ليتصف به بالعمل ليرضى الله بذلك فيكون ممن رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ فصاحب الإرادة يسعى في إن يكون بهذه المثابة ثم ما زاد على هذا مما يناله أهل الله من الفتوح و الكشف و الشهود و أمثال هذه الأحوال فذلك من الله ليست مطلوبة لصاحب الإرادة التي يقتضيها طريق الله إنما جل إرادتهم إن يكونوا على حال مع الله يرضى الله في أقوالهم و أفعالهم و أحوالهم إيثار الجناب الحق لا رغبة في نعيم ينالونه بذلك و لا فرارا من ضده دنيا و لا آخرة بل هم على ما شرع لهم و لله الأمر فيهم بما يشاء لا تخطر لهم حظوظ نفوسهم بخاطر هذا أتم ما توجبه الإرادة في المريد و إن خطر لهم حظ في ذلك فما خرجوا عن حكم الإرادة و لكن يكون صاحب الحظ النفسي ناقص المقام بالنظر إلى الأول مع كونه صاحب إرادة كما قال تعالى وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى‏ بَعْضٍ مع أن النبوة موجودة فما زالوا من النبوة مع فضل بعضهم على بعض و أما معنى قول الطائفة في الإرادة إنها لوعة يجدها المريد تحول بينه و بين ما كان عليه مما يحجبه عن مقصوده فصحيح غير أنه ثم أمر تعطيه المعرفة بالله إذا حصل له العلم بالله من طريق الكشف و التعليم الإلهي فلا يبقى شي‏ء يتصف به العبد يحجبه عن مقصوده إذا كان مقصوده الحق فهو يشهده في كل عين و في كل حال و لا ينال هذا المقام إلا من رضي الله عنه و من علامات صاحب هذا المقام معانقة الأدب إلا أن يسلب عنه عقله بهذه المشاهدة فلا يطالب بالأدب كالبهاليل و عقلاء المجانين لأنه طرأ عليهم أمر إلهي ضعفوا عن حمله فذهب بعقولهم في الذاهبين و حكمهم عند الله حكم من مات على حالة شهود و نعت استقامة و بقي من حالته هذه حكمه حكم الحيوان ينال جميع ما يطلبه حكم طبيعته من أكل و شرب و نكاح و كلام من غير تقييد و لا مطالبة عليه عند الله مع وجود الكشف و بقائه عليهم كما يكشف الحيوان و كل دابة حياة الميت على النعش و هو يخور و يقول سعيدهم قدموني قدموني و يقول الشقي إلى أين تذهبون بي و يشاهدون عذاب القبر و يرون ما لا يراه الثقلان كذلك هذا الذي ذهب الله بعقله فيه حكمه حكم الحيوان و كل دابة و كما هو الميت على حكم ما مات عليه كذلك هذا البهلول هو على حكم ما ذهب عنده عقله فهو معدود في الأموات بذهاب عقله معدود في الأحباء بطبعه فهو من السعداء الذين رضي الله عنهم كمسعود الحبشي و علي الكردي و جماعة رأيناهم بهذه المثابة بالشام و بالمغرب و هم من عباد الله على مثل هذا الحال نفعنا الله بهم و مهما رد على من هذه حاله عقله و هو في الحياة الدنيا فإنه من حينه يلازم الآداب الشرعية و يعانقها و من أبقى عليه عقله كان عند القوم أتم و أعلى قيل للشيخ أبي السعود بن الشبل ما تقول في هؤلاء المجانين من أهل الله فقال رضي الله عنه هم ملاح و لكن العاقل أملح يشير إلى أن العناية بمن أبقى عليه عقله أتم فهذا أصل ما يرجع إليه مجموع أقوال أهل الله في الإرادة المصطلح عليها عندهم و إن اختلفت عباراتهم فهم بين أن ينطقوا في ذلك بأمر كلي أو بأمر جزئي بحسب ذوقه و ما يترجح عنده في حاله فإنهم لا يتعدون في العبارة عن الشي‏ء ما يعطيه ذوقهم و لا يتصنعون و لا يتعملون‏و لا يأخذون شيئا في تحقيق ذلك عن فكرهم بل ما يتعدى نطقهم ذوقهم و وجودهم فهم أهل صدق و علم محقق لا تدخله شبهة عندهم و من فكر فليس منهم و يصيب و يخطئ و ليس صاحب الفكر بصاحب حال و لا ذوق و أما أهل الاعتبار فيكون منهم أصحاب أذواق و يعتبرون عن ذوق لا عن فكر و قد يكون الاعتبار عن فكر فيلتبس على الأجنبي بالصورة فيقول في كل واحد إنه معتبر و من أهل الاعتبار و ما يعلم أن الاعتبار قد يكون عن فكر و عن ذوق و الاعتبار في أهل الأذواق هو الأصل و في أهل الأفكار فرع و صاحب الفكر ليس من أهل الإرادة إلا في الموضع الذي يجوز له الفكر فيه إن كان ثم مما لا يمكن أن يحصل الأمر المفكر فيه إلا به بفتح الكاف فحينئذ يأخذه من بابه و هل ثم أمر بهذه المثابة لا يمكن أن ينال من طريق الكشف و الوجود أم لا فنحن نقول ما ثم و نمنع من الفكر جملة واحدة لأنه يورث صاحبه التلبيس و عدم الصدق و ما ثم شي‏ء إلا و يجوز أن ينال العلم به من طريق الكشف و الوجود و الاشتغال بالفكر حجاب و غيرنا يمنع هذا و لكن لا يمنعه أحد من أهل طريق الله بل مانعة إنما هو من أهل النظر و الاستدلال من علماء الرسوم الذين لا ذوق لهم في الأحوال فإن كان لهم ذوق في الأحوال كأفلاطون الإلهي من الحكماء فذلك نادر في القوم و تجد نفسه يخرج مخرج نفس أهل الكشف و الوجود و ما كرهه من كرهه من أهل الإسلام إلا لنسبته إلى الفلسفة لجهلهم بمدلول هذه اللفظة و الحكماء هم على الحقيقة العلماء بالله و بكل شي‏ء و منزلة ذلك الشي‏ء المعلوم و الله هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ و من يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و الحكمة هي علم النبوة كما قال في داود عليه السلام و إنه ممن آتاه الله الملك و الحكمة فقال وَ آتاهُ الله الْمُلْكَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ و الفيلسوف معناه محب الحكمة لأن سوفيا باللسان اليوناني هي الحكمة و قيل هي المحبة فالفلسفة معناه حب الحكمة و كل عاقل يحب الحكمة غير أن أهل الفكر خطؤهم في الإلهيات أكثر من إصابتهم سواء كان فيلسوفا أو معتزليا أو أشعريا أو ما كان من أصناف أهل النظر فما ذمت الفلاسفة لمجرد هذا الاسم و إنما ذموا لما أخطئوا فيه من العلم الإلهي مما يعارض ما جاءت به الرسل عليهم السلام بحكمهم في نظرهم بما أعطاهم الفكر الفاسد في أصل النبوة و الرسالة و لما ذا تستند فتشوش عليهم الأمر فلو طلبوا الحكمة حين أحبوها من الله لا من طريق الفكر أصابوا في كل شي‏ء و أما ما عدا الفلاسفة من أهل النظر من المسلمين كالمعتزلة و الأشاعرة فإن الإسلام سبق لهم و حكم عليهم ثم شرعوا في أن يذبوا عنه بحسب ما فهموا منه فهم مصيبون بالأصالة مخطئون في بعض الفروع بما يتأولونه مما يعطيهم الفكر و الدليل العقلي من أنهم إن حملوا بعض ألفاظ الشارع على ظاهرها في حق الله مما أحالته أدلة العقول كان كفرا عندهم فيؤولونه و ما علموا إن لله قوة في بعض عباده تعطي حكما خلاف ما تعطي قوة العقل في بعض الأمور و توافق في بعض و هذا هو المقام الخارج عن طور العقل فلا يستقل العقل بإدراكه و لا يؤمن به إلا إذا كانت معه هذه القوة في الشخص فحينئذ يعلم قصوره و يعلم أن ذلك حق فإن القوي متفاضلة تعطي بحسب حقائقها التي أوجدها الله عليها فقوة السمع لو عرض عليها حكم البصر أحالته و البصر كذلك مع غيره من القوي و العقل من جملة القوي بل هو المستفيد من جميع القوي و لا يفيد العقل سائر القوي شيئا و من صح له حكم الإرادة المصطلح عليها عند أهل الله عرف هذه المقامات كلها و المراتب كشفا و عرف صورة الغلط في الأشياء و أنه واقع في النسب و الوجوه و كل غالط إنما غلط في النسبة حيث نسبها إلى غير جهتها فيأخذها أهل الله فيجعلون تلك النسبة في موضعها و يلحقونها بمنسوبها و هذا معنى الحكمة فأهل الله من الرسل و الأولياء هم الحكماء على الحقيقة و هم أهل الخير الكثير جعلنا الله من أهل الإرادة و ممن جمع بين العادة و ترك العادة من حيث ما تعطيه الشهادة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏