قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع و العشرون و مائتان في معرفة حال المراد»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن المراد هو المجذوب بالحال‏ في كل حال على حل و ترحال‏
يمشي به و هو في بيضاء في دعةعلى المقامات من حال إلى حال‏
عناية منه و الرحمن يحرسهبعينه فهو في نعمى و إقبال‏

اعلموا أن المراد في اصطلاح القوم هو المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له فهو يجاوز الرسوم و المقامات من غير مشقة بل بالتذاذ و حلاوة و طيب تهون عليه الصعاب و شدائد الأمور و ينقسم المرادون هنا إلى قسمين القسم الواحد أن يركب الأمور الصعبة و تحل به البلايا المحسوسة و النفسية و يحس بها و يكره ذلك الطبع منه غير أنه يرى و يشاهد ما له في ذلك في باطن الأمر عند الله من الخير مثل العافية في شرب الدواء الكرية فيغلب عليه مشاهدة ذلك النعيم الذي في طي هذا البلاء فيلتذ بما يطرأ عليه من مخالفة الغرض و هو العذاب النفسي و من الآلام المحسوسة لأجل هذه المشاهدة كعمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه من أصحاب هذا المقام فقال في ذلك ما أصابني الله بمصيبة إلا رأيت أن لله علي فيها ثلاث نعم النعمة الواحدة حيث لم تكن تلك المصيبة في ديني و النعمة الثانية حيث لم تكن مصيبة أكبر منها إذ في الجائز أن يكون ذلك و النعمة الثالثة ما عند الله لي فيها من تكفير الخطايا و رفع الدرجات فاشكر الله تعالى عند حلول كل مصيبة و هنا فقه عجيب في طريق القوم تعطيه الحقائق لمن عرف طريق الله فإن البلاء لا يقبل الشكر و النعمة لا تقبل الصبر فإن شكر من قام به البلاء فليس مشهوده إلا النعم فيجب عليه الشكر و إن صبر من قامت به النعماء فليس مشهوده إلا البلاء و هو ما فيها من تكليف طلب الشكر عليها من الله و ما كلفه من حكم التصرف فيها فمشهوده يقتضي له الصبر و الحق سبحانه يردف عليه النعم و هو في شهوده ينظر ما لله عليه فيها من الحقوق فيجهد نفسه في أدائها فلا يلتذ بما يحسب الناس أنه به ملتذ فيصبر على ترادف النعماء عليه فهو صاحب بلاء فليس المعتبر إلا ما يشهده الحق في وقته فهو بحسب وقته إما صاحب شكر أو صاحب صبر فهذا حال القسم الواحد من المرادين و أما القسم الآخر فلا يحس بالشدائد المعتادة بل يجعل الله فيه من القوة ما يحمل بها تلك الشدائد التي يضعف عن حملها غيرها من القوي كالرجل الكبير ذي القوة فيكلف ما يشق على الصغير أن يحمله فما عنده خبر من ذلك بل يحمله من غير مشقة فإنه تحت قوته و قدرته و يحمله الصغير بمشقة و جهد فهذا ملتذ بحمله فارح بقوته يفتخر بها لا يجد ألما و لا يحس به كما قال أبو يزيد في بعض مناجاته‏

أريدك لا أريدك للثواب‏و لكني أريدك للعقاب‏
و كل مآربي قد نلت منهاسوى ملذوذ وجدي بالعذاب‏

فطلب اللذة بما جرت العادة به أن يثمر عذابا خرقا للعادة فما طلب العذاب يقول أهل الله ليس العجب من ورد في بستان و إنما العجب من ورد في قعر النيران يقول صاحب هذا الكلام ليس العجب ممن يلتذ بما جرت العادة أن يلتذ به الطبع و إنما العجب أن يلتذ بما جرت العادة أن يتألم به الطبع ذكر أن بعض المحبين جنى جناية فجلده الحاكم مائة جلدة فما أحس بتسع و تسعين منها فما استغاث فلما كان في السوط المكمل مائة استغاث فقيل له في ذلك فقال العين التي كنت أعاقب من أجلها كانت تنظر إلي فكنت أتنعم بالنظر إليها فما كنت أحس بمواقع السوط من ظهري فلما كان في السوط الموفي مائة غابت عني فأحسست بموقع السوط فاستغثت و رأيت المرأة الصالحة بمكة فاطمة بنت التاج ضربها أبوها ضربا مبرحا من غير جناية فما أحست بذلك و كانت تحس بشي‏ء يحول بين ظهرها و مواقع السياط فيقع السوط في ذلك الحائل و تسمع وقع السوط بإذنها و تتعجب حيث لا تحس به و قد جرى لنا مثل هذا في بدايتنا في حكاية طويلة فهذا المراد قد يعطيه الله اللذة دائما بكل شي‏ء يقوم به من بلاء و نعمة فإن النعيم ليس بشي‏ء زائد على عين اللذة القائمة بالشخص كما إن البلاء ليس بشي‏ء زائد على وجود عين الألم و أما الأسباب الموجبة لهما فغير معتبرة عندنا فليس صاحب البلاء إلا من قام به الألم و ليس صاحب النعمة سوى من قامت به اللذة و يكون السبب ما كان معتادا أو غير معتاد و هذا القسم قد يجعل الله فيه إن يكون مرادا له في نفسه جميع ما يريد الله أن ينزله به فإذا أعطاه الله مرادة و لا بد من ذلك فإن ذلك مراد لله تعالى فإنه يتلذذ بوقوع مراده فتكون الشدائد و المكاره المضادة مرادة له فتحل به فيحملها بما عنده و ما جعل الله فيه من القوة فقد يكون حال المراد بهذه المثابة و أهل البداية في هذا الطريق كلهم عند حصول التوبة ملتذون بكل شدة تطرأ عليهم فهي شدة عند غيرهم و هي ملذوذة هينةعندهم و لهذا أهل النهاية من العارفين يحنون إلى البداية لأجل هذا اللذة فإنهم لا يجدونها في النهاية فإنهم أهل تمييز متحققون بالحق فهم أهل غضب و رضي فيحنون إلى البداية لأجل ما فيها من الالتذاذ و كلما كمل الرجل أعطاه الله التمييز في الأمور و حققه بالحقائق إذ الموطن يعطي ذلك فلو كان مزاج الدنيا على مزاج الجنة لم يعط إلا نعيما مجردا أو على مزاج النار لم يعط إلا ألما فلما كان ممتزجا وقتا هكذا و وقتا هكذا كان العارفون بحسب الموطن و إذا علمت هذا فاعلم أنه يكون أيضا من أحوال المراد رفع التمني و الطمع و الإخلاص من نفسه مع المبالغة في الأعمال فيشاهدها من حيث ما هو محل لجريانها و يجعلها من جملة الأقدار الجارية عليه و ذلك لفنائه عما ينسب إليه من الحول و القوة فليس له مقام و لا يحكم عليه حال فإنه لا يرى المقام و لا الحال لنظره إلى رب المقام و الحال بعين رب المقام و الحال متفرج في جريان الأقدار عليه و ظهورها فيه و هو مع نفسه كأنه لا داخل فيها و لا خارج عنها «وصل» و أما كون هذا الشخص سمي مرادا ليس معناه أنه مراد لما أريد به و إنما معناه أنه محبوب فإن المحبوب لا يكون معذبا بشي‏ء فلا بد أن يحول المحب بين ما يؤلم محبوبه و بين محبوبه و إن لم يفعل ذلك فليس بمحب و لا ذلك محبوبا و كذا وقع أن الله ما ابتلى من ابتلى من عباده المحبوبين عنده من كونهم محبوبين و إنما رزقهم من جملة ما رزقهم أن جعلهم محبين له فلما ادعوا محبته ابتلاهم من كونهم محبين لا من كونهم محبوبين فافهم فالمحبوب له الإدلال و المحب له الخضوع فالمراد هو المحبوب فلا يذوق بلاء و أما المراد الذي يكون مرادا لما أريد به فإنه لا بد أن يرزق الإرادة لما أريد به فلا يقع له إلا ما هو مراد له و قد ذكرناه و ما كل مراد لما أريد به يكون له إرادة فيما أريد به فمن يكون له إرادة ذلك فهو المراد المصطلح عليه في هذا الطريق فالمراد لما أريد به هو حال يعم الخلق أجمعه ما فيه اختصاص و من يكون له إرادة فيما أريد به فذلك خصوص و هو المطلوب بهذه اللفظة و هذا الاسم في هذا الطريق عند أهل الله فيكون مرادا مريدا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ فإن الكلام في باب الإرادة و المراد و المريد يطول‏