قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و العشرون و مائتان في حال المريد»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

فاعلم يا ولي وفقك الله أنه‏

ليس المريد الذي قامت إرادته‏ به و لكنه من ينقضي غرضه‏
فإن أراد أمورا ليس يدركهافإن حاكمه في صرفه مرضه‏
و ليس إذ ذاك من أهل الطريق و لافي حكمه جوهر في الكون أو عرضه‏

لفظة المريد عند المحققين من أهل الله تطلق بإزاء المنقطع إلى الله المؤثر جناب الله الساعي في محاب الله و مراضيه و قد يطلقونها بإزاء المتجرد عن إرادته و أعظم مراتب المريد عندهم و عندنا إن يكون نافذ الإرادة لا عن كشف فإن كان عن كشف فليس بمريد و إنما هو عالم بما يكون كما أنه ليس من شرط المراد أن تكون له إرادة فيما يقع في الوجود به و بغيره أن يكون ما يقع مشهودا له في إرادته فيريده قبل وقوعه بل قد لا يكون ذلك و ليس بشرط و إنما حاله إن الأمر إذا وقع في الوجود يرضى به و يلتذ بوقوعه و لا يرده بخاطره و لا يكرهه‏ فاعلم أنه من أعلمه الله مراده فيما يكون عناية منه فإنه مطلوب بالتأهب لذلك و لا سيما فيما يقع به لا بغيره فيتلقاه بالصفة التي يطلبها ذلك الواقع شرعا من رضي أو صبر أو شكر فإن كان مع هذا الإعلام يكون مريدا لذلك فتلك إرادة موافقة و يكون مريدا لقيام الإرادة به لا لنفوذ إرادته فإنه لا ينبغي في الطريق أن يسمى مريدا إلا من تنفذ إرادته و هو الله أو من أعطاه الله ذلك من خلقه و ما سمعنا إنه نال هذا المقام أحد من خلق الله فإنه قد صح عندنا كشفا و نقلا إنه لا مقام أعلى من مقام محمد صلى الله عليه و سلم و مع هذا قد سأل الله في أشياء منها أن لا يجعل الله بأس أمته بينها فلم يقبل سؤاله في ذلك قال صلى الله عليه و سلم فمنعنيها فإذا لم يكمل مقام نفوذ الإرادة له صلى الله عليه و سلم فكيف يناله غيره فإنه ممن انفرد الله به فمن أطلعه الله على مراداته فما أراد إلا ما يقع فيظهر نفوذ إرادته و ما يعلم الناس ما هو مشهوده الذي أشهده الحق فهم يتخيلون أن ذلك المراد الواقع من أثر همته و ليس‏كذلك فالمريد من انقطع إلى الله تعالى عن نظر و استبصار و طلب مرضاة الله و تجرد عن إرادته إذ علم أنه ما يقع في الوجود إلا ما يريده الله لا ما يريده الخلق فيقول هذا المريد فلما ذا أتعني و أريد ما لا أعلم أنه يقع أم لا يقع فإنه لا علم لي بما في علم الله تعالى من ذلك فإن وقع ما أريد فلكونه مراد الله فبما ذا أفرح و إن لم يقع فلا بد من انكسار الخيبة فاستعجل الهم و ربما ينجر معه عدم الرضي لعدم وقوع المراد فالأولى إن لا يريد إلا ما يريده الحق كان ما كان على الإجمال فمتى وقع تلقيته بالقبول و الرضي فيتجرد عن إرادته فلا يبقى له إرادة الأعلى هذا الحكم و أما الذي يطلعه الله من المريدين على مراد الله في العالم فإن ذلك قد يكون على أحد طريقين الطريق الواحدة بأخبار إلهي و كشف لما يكون و الطريق الثانية أن يرزقه الله علم ما تعطيه حقائق الأشياء و ترتيبها الإلهي الذي رتبت عليه فيريد عند ذلك أمرا ما فلا تخطئ له إرادة بل يقع مراده على حسب ما تعلق به فهذا مريد بالحق كما كان سميعا بصيرا بالحق إذ كان الحق سمعه و بصره فتكون أيضا إرادته و مهما أخطأت إرادته فليس بمريد على الحقيقة إذ لا فائدة في إن لا يكون مريدا إلا من قامت به الإرادة و إنما الفائدة في إن لا يكون مريدا إلا من تنفذ إرادته فالمريد في هذه الطريقة يحمل المشاق و الشدائد و المكاره مشاق و شدائد و مكاره غير ملتذ بها بل يحملها من أجل الله أو أجل ما له فيها أي في حملها من السعادة الأبدية أعلاها و أن يشكر الله فعله فيكون ممن أثنى الله عليه فيتجرع الغصص و يصبر عليها لعلمه بما في طي ذلك من الخير الإلهي و قد يكون بعض رجال الله مريدا من وجه مرادا من وجه فتختلف أحواله فتختلف أحكامه فإذا التذ بالواقع المكروه كان مرادا و إذا تألم بالواقع المحبوب كان مريدا فكيف حاله بالمكروه فهذا حال المريد قد بيناه مفصلا لمن يعقل من أهل الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏