قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب التاسع و العشرون و مائتان في حال الهمة»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إذا كنت في همة فاتئد‏ فإن الوجود لها مستعد
و لا تفتحن بها مغلقاو لا تك ممن بها يستبد
و لا تركنن إليها و كنكما أنت في باطن المعتقد

نريد بباطن المعتقد كون الله هو الفاعل للأشياء لا أثر فيها لهمة مخلوق و لا لسبب ظاهر و لا باطن لعلمه بأن الأسباب إنما جعلها لله ابتلاء ليتميز من يقف عندها ممن لا يرى وقوع الفعل إلا بها ممن لا يرى ذلك و يرى الفعل لله من ورائها عندها لا بها اعلم أن الهمة يطلقها القوم بإزاء تجريد القلب للمنى و يطلقونها بإزاء أول صدق المريد و يطلقونها بإزاء جمع الهمم بصفاء الإلهام فيقولون الهمة على ثلاث مراتب همة تنبه و همة إرادة و همة حقيقة فاعلم إن همة التنبه هي تيقظ القلب لما تعطيه حقيقة الإنسان مما يتعلق به التمني سواء كان محالا أو ممكنا فهي تجرد القلب للمنى فتجعله هذه الهمة أن ينظر فيما يتمناه ما حكمه فيكون بحسب ما يعطيه العلم بحكمه فإن أعطاه الرجوع عن ذلك رجع و إن أعطاه العزيمة فيه عزم فيحتاج صاحب هذه الهمة إلى علم ما تمناه و أما همة الإرادة و هي أول صدق المريد فهي همة جمعية لا يقوم لها شي‏ء و هذه الهمة توجد كثيرا في قوم يسمون بإفريقية العزابية يقتلون بها من يشاءون فإن النفس إذا اجتمعت أثرت في أجرام العالم و أحواله و لا يعتاض عليها شي‏ء حتى أدى من علم ذلك ممن ليس عنده كشف و لا قوة إيمان أن الآيات الظاهرة في العالم على أيدي بعض الناس إنما ذلك راجع إلى هذه الهمة و لها من القوة بحيث أن لها إذا قامت بالمريد أثرا في الشيوخ الكمل فيتصرفون فيهم بها و قد يفتح على الشيخ في علم ليس عنده و لا هو مراد به بهمة هذا المريد الذي يرى أن ذلك عند هذا الشيخ فيحصل ذلك العلم في الوقت للشيخ بحكم العرض ليوصله إلى هذا الطالب صاحب الهمة إذ لا يقبله إلا منه و ذلك لأن هذا المريد جمع همته على هذا الشيخ في هذه المسألة و الحكايات في ذلك مشهورات مذكورة و أثر هذه الهمة في الإلهيات‏ قول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فمن جمع همته على ربه إنه لا يغفر الذنب إلا هو و أن رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ كان مرحوما بلا شك و لا ريب قال تعالى وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ من الْخاسِرِينَ لأنهم ظنوا أن الله لا يعلم كثيرا مما يعملون فلهذا قلنا إنه لا بد من علم‏ما تتعلق به هذه الهمة فإن تعلقت بمحال لم يقع و عاد وبالها على صاحبها فأثر في نفسه بهمته و إن تعلقت بما ليس بمحال وقع و لا بد و هنا من هذه الطائفة تعلقت بالمحال و هو نفي العلم عن الله ببعض أعمال العباد فعذبهم الله بأعمالهم فظنهم أرداهم و هذه مسألة لا يمكننا أن أو فيها حقها لاتساعها و ما يدخل فيها مما لا ينبغي أن يقال و لا يذاع غير أن لها النفوذ حيث وجدت فإذا لم تجتمع و دخلها خلل فليس لها هذا الحكم فلو إن هؤلاء الذين ظنوا بربهم أنه لا يعلم كثيرا مما يعملون يظنون أن الله لا يؤاخذ على الجريمة لما هو عليه من الصفح و التجاوز و تحجبهم جمعيتهم على هذا عن بطشه تعالى و شديد عقابه لم يؤاخذهم فإن ظنهم أنما تعلق بممكن و أما همة الحقيقة التي هي جمع الهمم بصفاء الإلهام فتلك همم الشيوخ الأكابر من أهل الله الذين جمعوا هممهم على الحق و صيروها واحدة لاحدية المتعلق هربا من الكثرة و طلبا لتوحيد الكثرة أو للتوحيد فإن العارفين أنفوا من الكثرة لا من أحديتها في الصفات كانت أو في النسب أو في الأسماء و هم متميزون في ذلك أي هم على طبقات مختلفة و إن الله يعاملهم بحسب ما هم عليه لا يردهم عن ذلك إذ لكل مقام وجه إلى الحق و إنما يفعل ذلك ليتميز الكثير الاختصاص بالله الذي اصطنعه الله لنفسه من عباد الله عن غيره من العبيد فإن الله أنزل العالم بحسب المراتب لتعمير المراتب فلو لم يقع التفاضل في العالم لكان بعض المراتب معطلا غير عامر و ما في الوجود شي‏ء معطل بل هو معمور كله فلا بد لكل مرتبة من عامر يكون حكمه بحسب مرتبته و لذلك فضل العالم بعضه بعضا و أصله في الإلهيات الأسماء الإلهية أين إحاطة العالم من إحاطة المريد من إحاطة القادر فتميز العالم عن المريد و المريد عن القادر بمرتبة المتعلق فالعالم أعم إحاطة فقد زاد و فضل على المريد و القادر بشي‏ء لا يكون للمريد و لا للقادر من حيث إنه مريد و قادر فإنه يعلم نفسه تعالى و لا يتصف بالقدرة على نفسه و لا بالإرادة لوجوده إذ من حقيقة الإرادة أن لا تتعلق إلا بمعدوم و الله موجود و من شأن القدرة أن لا تتعلق إلا بممكن أو واجب بالغير و هو واجب الوجود لنفسه فمن هناك ظهر التفاضل في العالم لتفاضل المراتب فلا بد من تفاضل العامرين لها فلا بد من التفاضل في العالم إذ هو العامر لها الظاهر بها و هذا مما لا يدرك كشفا بل إدراكه بصفاء الإلهام فيكشف المكاشف عمارة المراتب بكشفه للعامرين لها و لا يعلم التفاضل إلا بصفاء الإلهام الإلهي فقد نبهناك على معرفة الهمة بكلام مبسوط في إيجاز فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏