اعلم أن الغربة عند الطائفة يطلقونها و يريدون بها مفارقة الوطن في طلب المقصود و يطلقونها في اغتراب الحال فيقولون في الغربة الاغتراب عن الحال من النفوذ فيه و الغربة عن الحق غربة عن المعرفة من الدهش أما غربتهم عن الأوطان بمفارقتهم إياها فهو لما عندهم من الركون إلى المألوفات فيحجبهم ذلك عن مقصودهم الذي طلبوه بالتوبة و أعطتهم اليقظة و هم غير عارفين بوجه الحق في الأشياء فيتخيلون إن مقصودهم لا يحصل لهم إلا بمفارقة الوطن و أن الحق خارج عن أوطانهم كما فعل أبو يزيد البسطامي لما كان في هذا المقام خرج من بسطام في طلب الحق فوقع به رجل من رجال الله في طريقه فقال له با أبا يزيد ما أخرجك عن وطنك قال طلب الحق قال له الرجل إن الذي تطلبه قد تركته ببسطام فتنبه أبو يزيد و رجع إلى بسطام و لزم الخدمة حتى فتح له فكان منه ما كان فهؤلاء هم السائحون فجعل الله سياحة هذه الأمة الجهاد في سبيل الله و اعلم أن هذا الأمر ليس باختيار العبد و إنما صاحب هذا الأمر يطلب وجود قلبه مع ربه في حاله فإذا لم يجده في موضع يقول ربما إن الله تعالى لم يقدر أن يظهر إلى قلبي في هذا الموضع فيرحل عنه رجاءالحصول لما علم إن الله تعالى قد رتب أمورا و اقتضى علمه أزلا أنه لا يكون كذا إلا بموضع كذا و بطالع كذا و بسبب كذا فلما حكم عليه هذا الإمكان و فقد قلبه في بعض المواطن عن وجود متقدم أولا عن وجود رحل عن ذلك الموطن رجاء حصول البغية هذا سبب اغترابهم عن الأوطان و أمثاله فإن بعضهم قد يفارق وطنه لما كان فيه من العزة فإذا رأى أنه قد زاد عزا بالزهد و التوبة أو لم يكن مذكورا فاشتهر بالتوبة و الخير فأورثه عزا في قلوب الناس فوقع الإقبال عليه بالتعظيم فيفر و يغترب عن وطنه إلى مكان لا يعرف فيه لمعرفته بنفسه مع ربه فإن تعظيم الناس للشخص سم قاتل مؤثر فيه أثرا يؤديه إلى الهلاك و هذا أيضا من الأسباب المؤدية إلى مفارقة الموطن و الاغتراب عن الأهل فحيث وجد قلبه مع الله أقام أخبرني شيخي أبو الحسين ابن الصائغ الزاهد المحدث بسبتة قال سمعت شيخنا أبا عبد الله محمد بن رزق رحمه الله في سياحة كنا معه فيها اقرأ عليه بعض أجزاء الحديث و كان صاحب رواية يقول مررت في سياحتي بمسجد خراب في فلاة من الأرض فقلت أدخل اركع فيه ركعتين فدخلته فوجدت قلبي فقعدت فيه سنتين فأين زمان ركعتين من سنتين فمطلوبهم بالغربة عن الأوطان وجود القلب مع الله فحيثما وجدوه قاموا في ذلك الموضع قال بعضهم كنت مارا إلى مكة فرأيت في الطريق شابا تحت شجرة و هو يصلي في البرية وحده فقلت له أ لا تمشي إلى مكة فقال لي كنت أسير إلى مكة عام أول فلما مررت بهذه الشجرة وجدت قلبي فلي هنا سنة لا أبرح من هذا الموضع إلا إن فقدت قلبي قال فبعد سنة مررت بذلك الموضع و بتلك الشجرة فلم أجد الشاب فمشيت غير بعيد فإذا بالشاب قائم يصلي فسلمت عليه فعرفني فقلت له رأيتك قد تركت تلك السمرة فقال لي لما فقدت قلبي أخذت في طريقي الذي نويت أولا أريد مكة فانتهيت إلى هذا الموضع فوجدت قلبي فإنا به أيضا مقيم فقلت له من أين طعامك و شرابك قال من عنده يجيئني به في الوقت الذي يريد أن يغذيني قال فتركته و انصرفت و ما أدري ما انتهى إليه أمره بعد ذلك فقد يطلبون بالغربة وجود قلوبهم مع الله و أما غربة العارفين عن أوطانهم فهي مفارقتهم لإمكانهم فإن الممكن وطنه الإمكان فيكشف له أنه الحق و الحق ليس وطنه الإمكان فيفارق الممكن وطن إمكانه لهذا الشهود و لما كان الممكن في وطنه الذي هو العدم مع ثبوت عينه سمع قول الحق له كن فسارع إلى الوجود فكان ليرى موجدة فاغترب عن وطنه الذي هو العدم رغبة في شهود من قال له كن فلما فتح عينه أشهده الحق أشكاله من المحدثات و لم يشهد الحق الذي سارع إلى الوجود من أجله و في هذه الحال قلت
إذا ما بدا الكون الغريب لناظري حننت إلى الأوطان حن الركائب
يقول فأردت الرجوع إلى العدم فإني أقرب إلى الحق في حال اتصافي بالعدم مني إليه في حال اتصافي بالوجود لما في الوجود من الدعوى و طلب حالة الفناء عن الحق للبقاء بالحق هو أن يرجع إلى حالة العدم التي كان عليها فهذه غربة أيضا موجودة واقعة عن وطن بغير اختيار العبد و من غربة العارفين بالله غربتهم عن صفاتهم عند وجودهم الحق عين صفاتهم و هذه غربة حقيقية فإن الصفة مضافة إليهم بكلام الله و هو الصادق فهم أهل صفة و لكن ما هي تلك الصفة و إلى من تضاف حقيقة فإن العالم يضاف إلى الله بأنه عبد الله كما إن الله مضاف إلى العالم فإنه رب العالمين فإضافة العبد مستندة إلى إضافة الحق فأول غربة اغتربناها وجودا حسيا عن وطننا غربتنا عن وطن القبضة عند الإشهاد بالربوبية لله علينا ثم عمرنا بطون الأمهات فكانت الأرحام وطننا فاغتربنا عنها بالولادة فكانت الدنيا وطننا و اتخذنا فيها أوطانا فاغتربنا عنها بحالة تسمى سفر أو سياحة إلى أن اغتربنا عنها بالكلية إلى موطن يسمى البرزخ فعمرناه مدة الموت فكان وطننا ثم اغتربنا عنه بالبعث إلى أرض الساهرة فمنا من جعلها وطنا أعني القيامة و منا من لم يجعله وطنا فإنه ظرف زماني و الإنسان في تلك الأرض كالماشي في سفره بين المنزلتين و يتخذ بعد ذلك أحد الموطنين إما الجنة و إما النار فلا يخرج بعد ذلك و لا يغترب و هذه هي آخر الأوطان آخر الأوطان التي ينزلها الإنسان ليس بعدها وطن مع البقاء الأبدي و أما قولهم في الغربة إنها الاغتراب عن الحال من النفوذ فيه فتلك غربة أخرى و ذلك أن أصحاب الأحوال لا شك أن لهم النفوذ و التحكم و بها يكون خرق العوائد لهم المشهورة في العالم فإذا اطلعوا على إن الحال لا أثر له فيما ظهر له من الفعل عند قيامه بهم فيما أعطاه الكشف لم يرضوا به فاغتربوا عنه و قالوا الوقوف معه وبال على صاحبه فيرون أن الغربة عنه غاية السعادة و أنه من أعظمحجاب يحجب به الإنسان و أنه موضع المكر و الاستدراج فإن العاقل لا يقف في مواطن إمكان المكر فيها بل ينبغي له أن لا يقف إلا في موضع يكون على بصيرة فيه كما فعل موسى في غربة الوطن فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي من الْمُرْسَلِينَ فاغترب بجسمه عن وطنه خوفا منهم فلو كان مثل خروج محمد صلى الله عليه و سلم من مكة إلى المدينة مهاجرا لم يكن خوفه منهم بل كان مشهوده خوفه من الله أن يسلطهم عليه فوهب له مع الرسالة التي كانت له قبل هجرته السيادة على العالمين فإن الهجرة كانت له مطلوبة و هي الاغتراب عن وطنه فعلامة صدق المريد في غربته عن وطنه حصول مقصوده فإذا لم يحصل فخلل في غربته إذا طلبه وجده فليس بصادق و إذا فارقه بالكلية ظاهرا و باطنا فلا بد من حصول المقصود فمن تعلق قلبه بوطنه في حال غربته فما اغترب الغربة المطلوبة و أما الغربة عن الحق التي هي من حقيقة الدهش عن المعرفة فاعلم إن الإمكان موطنه غير موطن الوجوب بل هما موطنان للواجب و الممكن و موطن الممكن العدم أو لا و هو موطنه الحقيقي فإذا اتصف بالوجود فقد اغترب عن وطنه بلا شك و كان في حال سكناه في وطنه مشاهدا للحق فإنه جار له إذ وصف العدم له أزلا وصف الوجود لله أزلا فاغترب عن وطنه بالوجود ففارق مجاورة الحق و لزم الحدوث بهذه الغربة و الحق غير متصف بهذه الصفة و لم يتصف الحق بالحدوث أزلا في حال عدمه فاغترب عن الحق بحدوثه و لما حصل له الوجود الحادث و وقعت المشاركة في الوجود بينه و بين الحق دهش فإنه رأى ما لا يعرفه فإنه عرف نفسه متميزا عن الحق بحال العدم فلما فارق هذا الحال بالوجود أدركه الدهش عن المعرفة الأولى و هذه الغربة حال رجلين رجل لم يأنس بهذا المقام و لا وصل إليه بطريق استدراج و ترق من حال إلى حال بل أتاه بغتة فجاءه ما لم يعهده و لا ألفه فرأى نفسه تضعف عن حمله فيخاف من عدم عينه فيدهش عن تحصيل تلك المعرفة و يرجع إلى حسه عاجلا فيتغرب عن الحق في تلك الرجعة و رأينا من أهل هذا المقام أبا العباس أحمد العصاد المعروف بمصر بالحريري و ما رأينا غيره و أما الرجل الآخر فهو رجل ما من معرفة ترد عليه إلا و تدهشه لعظيم ما يرى مما هو أعلى مما حصل له و أمكن فيتغرب عن الحق الذي كان بيده و يحصل من هذه المعرفة حقا يقوم به إلى وقت تجل آخر يعطي فيه معرفة تدهشه لما ذكرناه فيتغرب أيضا عن الحق الذي حصل له في هذه المعرفة دائما أبدا دنيا و آخرة و أما العارفون المكملون فليس عندهم غربة أصلا و إنهم أعيان ثابتة في أماكنهم لم يبرحوا عن وطنهم و لما كان الحق مرآة لهم ظهرت صورهم فيه ظهور الصور في المرآة فما هي تلك الصور أعيانهم لكونهم يظهرون بحكم شكل المرآة و لا تلك الصور عين المرآة لأن المرآة ما في ذاتها تفصيل ما ظهر منهم و ما هم فما اغتربوا و إنما هم أهل شهود في وجود و إنما أضيف إليهم الوجود من أجل حدوث الأحكام إذ لا تظهر إلا من موجود فمرتبة الغربة ليست من منازل الرجال فهي منزلة أدنى ينزلها المتوسطون و المريدون و أما الأكابر فما يرون أنه اغترب شيء عن وطنه بل الواجب واجب و الممكن ممكن و المحال محال فتعين وطن كل مستوطن و لو قامت غربة بهم لانقلبت الحقائق و عاد الواجب ممكنا و الممكن واجبا و المحال ممكنا و الأمر ليس كذلك و الغربة عند العلماء بالحقائق في هذا المقام غير موجودة و لا واقعة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ