اعلم أن المكر يطلقه أهل الله على إرداف النعم مع المخالفة و إبقاء الحال مع سوء الأدب و إظهار الآيات من غير أمر و لا حد و اعلم أنه من المكر عندنا بالعبد أن يرزق العبد العلم الذي يطلب العمل و يحرم العمل به و قد يرزق العمل و يحرم الإخلاص فيه فإذا رأيت هذا من نفسك أو علمته من غيرك فاعلم إن المتصف به ممكور به و لقد رأيت فيواقعة و أنا ببغداد سنة ثمان و ستمائة قد فتحت أبواب السماء و نزلت خزائن المكر الإلهي مثل المطر العام و سمعت ملكا يقول ما ذا نزل الليلة من المكر فاستيقظت مرعوبا و نظرت في السلامة من ذلك فلم أجدها إلا في العلم بالميزان المشروع فمن أراد الله به خيرا و عصمه من غوائل المكر فلا يضع ميزان الشرع من يده و شهود حاله و هذه حالة المعصوم و المحفوظ فأما إرداف النعم مع المخالفة فهو موجود اليوم كثير في المنتمين إلى طريق الله و عاينت من الممكور بهم خلقا كثيرا لا يحصى عددهم إلا الله و هو أمر عام و أما إبقاء الحال مع سوء الأدب فهو في أصحاب الهمم و هم قليلون على أنا رأينا منهم جماعة بالمغرب و بهذه البلاد و هو أنهم يسيئون الأدب مع الحق بالخروج عن مراسمه مع بقاء الحال المؤثرة في العالم عليهم مكرا من الله فيتخيلون أنهم لو لم يكونوا على حق في ذلك لتغير عليهم الحال نعوذ بالله من مكره الخفي قال تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ و قال وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ و قال إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَ أَكِيدُ كَيْداً و هو من كاد من أفعال المقاربة أي كاد إن يكون حقا لظهوره بصفة حق فهو كالسحر المشتق من السحر الذي له وجه إلى الليل و وجه إلى النهار فيظهر للممكور به وجه النهار منه فيتخيل أنه الحق نعوذ بالله من الجهل و اعلم أن المكر الإلهي إنما أخفاه الله عن الممكور به خاصة لا عن غير الممكور به و لهذا قال من حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ فأعاد الضمير على المضمر في سَنَسْتَدْرِجُهُمْ و قال وَ مَكَرُوا مَكْراً وَ مَكَرْنا مَكْراً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فمضمرهم هو المضمر في مكروا فكان مكر الله بهؤلاء عين مكرهم الذي اتصفوا به وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ ثم قد يمكر بهم بأمر زائد على مكرهم فإنه أرسله سبحانه نكرة فقال وَ مَكَرْنا مَكْراً فدخل فيه عين مكرهم و مكر آخر زائد على مكرهم و قد يكون المكر الإلهي في حق بعض الناس من الممكور بهم يعطي الشقاء و هو في العامة و قد يكون يعطي نقصان الحظ و هو المكر بالخاصة و خاصة الخاصة لسر إلهي و هو أن لا يأمن أحد مكر الله لما ورد في ذلك من الذم الإلهي في قوله فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ و من خسر فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ فأخفى المكر الإلهي و أشده سترا في المتأولين و لا سيما إن كانوا من أهل الاجتهاد و ممن يعتقد أن كل مجتهد مصيب و كل من لا يدعوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ و علم قطعي فما هو صاحب أتباع لأن المجتهد مشرع ما هو متبع إلا على مذهبنا فإن المجتهد إنما يجتهد في طلب الدليل على الحكم لا في استنباط الحكم من الخبر بتأويل يمكن أن يكون المقصود خلافه فإذا أمكن فليس صاحبه ممن هو على بصيرة و إن صادف الحق بالتأويل فكان صاحب أجرين بحكم الاتفاق لا بحكم القصد فإنه ليس على بصيرة و إن لم يصادف الحق كان له أجر طلب الحق فنقص حظه فهذا مكر إلهي خفي بهذا العالم المتأول فإنه من المتأهلين أن يدعو إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ بتعليم الله إياه إذا كان من المتقين فمكر العموم الإلهي في إرداف النعم على أثر المخالفات و زوالها عند الموافقات فلا يؤخذ بها فإن كان من علماء عامة الطريق فيرى إن ذلك من حكم قوة الصورة التي خلق عليها فيدعي القهر و التأثير في الحكم الإلهي بالوعيد و يرى أن عموم الحكمة أن يعطي الأسماء الإلهية حقها فيرى أن الاسم الغفار و الغفور و أخواته ليس له حكم إلا في المخالفة فإن لم تقم به مخالفات لم يعط بعض الأسماء الإلهية حقها في هذه الدار و يحتج لنفسه بقول الله يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً و كذلك يفعل و هذا النظر كله لا يخطر له عند المخالفة و إنما يخطر له ذلك بعد وقوع المخالفة فلو تقدمها هذا الخاطر لمنع من المخالفة فإنه شهود و الشهود يمنعه من انتهاك الحرمة الشرعية و لهذا ورد الخبر إذا أراد الله إنفاذ قضائه و قدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى إذا أمضى فيهم قضاءه و قدره ردها عليهم ليعتبروا فمنهم من يعتبر و منهم من لا يعتبر كما قال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فمنهم من عبده و منهم من أشرك به فما يلزم نفوذ حكم العلة في كل معلول فلو أبقى عليهم عقلهم ما وقع منهم ما وقع كذلك لو كان المشهود له عند إرادة وقوع المخالفة للأسماء الإلهية لمنعه الحياء من المسمى أن ينتهك حرمة خطابه في دار تكليفه فالمخالف يقاوم القهر الإلهي و من قاوم القهر الإلهي هلك فإذا أردف النعم على من هذه حالته تخيل أن ذلك بقوة نفسه و نفوذ همته و عناية الله به حيث رزقه من القوة ما أثر بها في الشديد العقاب و غاب عن الحليم و عن الإمهالو عدم الإهمال فإن لم يقصد انتهاك الحرمة بقوة ما هو عليه من حكم اسم إلهي فليس بممكور به مثل عصاة العامة عن غفلة و ندامة بعد وقوع مخالفة فالصبر على إرداف النعم لما في طيها من المكر الإلهي أعظم من الصبر على الرزايا و البلايا فإن الله يقول لعبده مرضت فلم تعدني ثم قال في تفسير ذلك أما إن فلانا مرض فلم تعده فلو عدته لوجدتني عنده كما يجده الظمآن المضطر عند ما يسفر له السراب عن عدم الماء فيرجع إلى الله بخلاف النعم فإنها أعظم حجاب عن الله إلا من و فقه الله و أما مكر الله بالخاصة فهو مستور في إبقاء الحال عليه مع سوء الأدب الواقع منه و هو التلذذ بالحال و الوقوف معه و ما يورث من الإدلال فيمن قام به و الهجوم على الله و عدم طلب الانتقال منه و ما قال الله لنبيه وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و ما أسمعنا ذلك إلا تنبيها لنقول ذلك و نطلبه من الله و لو كان خصوصا بالنبي لم يسمعنا أو كان يذكر أنه خاص به كما قال في نكاح الهبة فللحال لذة و حلاوة في النفس يعسر على بعض النفوس طلب الانتقال من الأمر الذي أورثه ذلك الحال بل لا يطلب المزيد إلا منه و جهل أن الأحوال مواهب و أما المكر الذي في خصوص الخصوص و هو في إظهار الآيات و خرق العوائد من غير أمر و لا حد الذي هو ميزانها فإنه لما وجب على الأولياء سترها كما وجب في الرسل إظهارها إذ أمكن الولي منها و أعطى عين التحكيم في العالم يطلب الممكور به لنقص حظ عن درجة غيره يريد الحق ذلك به و جعل فيهم طلبا لطريق إظهارها من حيث لا يشعر أن ذلك مكر إلهي يؤدي إلى نقص حظ فوقع الإلهام في النفس بما في إظهار الآيات على أيديهم من انقياد الخلق إلى الله عز و جل و إنقاذ الغرقى من بحار الذنوب المهلكة و أخذهم عن المألوفات و إن ذلك من أكبر ما يدعى به إلى الله و لهذا كان من نعت الأنبياء و الرسل و يرى في نفسه أنه من الورثة و أن هذا من ورث الأحوال فيحجبهم ذلك عما أوجب الله على الأولياء من ستر هذه الآيات مع قوتهم عليها و غيبهم عن ما أوجب الله على الرسل من إظهارها لكونهم مأمورين بالدعاء إلى الله ابتداء و الولي ليس كذلك إنما يدعو إلى الله بحكاية دعوة الرسول و لسانه لا بلسان يحدثه كما يحدث لرسول آخر و الشرع مقرر من عند العلماء به فالرسول على بصيرة في الدعاء إلى الله بما أعلمه الله من الأحكام المشروعة و الولي على بصيرة في الدعاء إلى الله بحكم الاتباع لا بحكم التشريع فلا يحتاج إلى آية و لا بينة فإنه لو قال ما يخالف حكم الرسول لم يتبع في ذلك و لا كان على بصيرة فلا فائدة لإظهار الآية بخلاف الرسول فإنه ينشئ التشريع و ينسخ بعض شرع مقرر على يد غيره من الرسل فلا بد من إظهار آية و علامة تكون دليلا على صدقه إنه يخبر عن الله إزالة ما قرره الله حكما على لسان رسول آخر أعلاما بانتهاء مدة الحكم في تلك المسألة فيكون الولي مع خصوصيته قد ترك واجبا فنقصه من مرتبته ما يعطيه الوقوف مع ذلك الواجب و العمل به فلا شيء أضر بالعبد من التأويل في الأشياء فالله يجعلنا على بصيرة من أمرنا و لا يتعدى بنا ما يقتضيه مقامنا و الذي أسأل الله تعالى أن يرزقنا أعلى مقام عنده يكون لأعلى ولي فإن باب الرسالة و النبوة مغلق و ينبغي للعالم أنه لا يسأل في المحال و بعد الأخبار الإلهي يغلق هذا الباب فلا ينبغي أن نسأل فيه فإن السائل فيه يضرب في حديد بارد إذ لا يصدر هذا السؤال من مؤمن أصلا قد عرف هذا و يكفي الولي من الله أن جعله على بصيرة في الدعاء إلى الله تعالى من حيث ما يقتضيه مقام الولاية و الاتباع كما جعل الرسول يدعو إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ من حيث ما يقتضيه مقام الرسالة و التشريع و يعصمنا من مكره و لا يجعلنا من أهل النقص و يرزقنا المزيد و الترقي دنيا و آخرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الأحد و الثلاثون و مائتان في المكر»
يستدرج العاقل في عقله من حيث لا يعلمه الماكر
و مكره عاد عليه و مايدري بذاك الفطن الخابر
فمن أراد الأمن من مكرهليحصل الباطن و الظاهر
يحقق الميزان من شرعهفيعلم الرابح و الخاسر