قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و الثلاثون و مائتان في الوقت»

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الوقت ما أنت موصوف به أبدا‏ فلا تزال بحكم الوقت مشهودا
فالله يجعل وقتي منه مشهدهفإن في الوقت مذموما و محمودا
له الشئون من الرحمن و هي بناتقوم شرعا و إيمانا و توحيدا

اعلم أن القوم اصطلحوا على إن حقيقة الوقت ما أنت به و عليه في زمان الحال و هو أمر وجودي بين عدمين و قيل‏الوقت ما يصادفهم من تصريف الحق لهم دون ما يختارون لأنفسهم و قيل الوقت ما يقتضيه الحق و يجريه عليك و قيل الوقت مبرد يسحقك و لا يمحقك و قيل الوقت كل ما حكم عليك و مدار الكل على أنه الحاكم و مستند الوقت في الإلهية وصفه نفسه تعالى إنه كل يوم في شأن فالوقت ما هو به في الأصل إنما يظهر وجوده في الفرع الذي هو الكون فتظهر شئون الحق في أعيان الممكنات فالوقت على الحقيقة ما أنت به و ما أنت به هو عين استعدادك فلا يظهر فيك من شئون الحق التي هو عليها إلا ما يطلبه استعدادك فالشأن محكوم عليه بالأصالة فإن حكم استعداد الممكن بالإمكان أدى إلى أن يكون شأن الحق فيه الإيجاد أ لا ترى أن المحال لا يقبله فأصل الوقت من الكون لا من الحق و هو من التقدير و لا حكم للتقدير إلا في المخلوق فصاحب الوقت هو الكون فالحكم حكم الكون كما قررنا في ظهور الحق في أعيان الممكنات بحسب ما تعطيه من الاستعداد فتنوعه بها و هو في نفسه الغني عن العالمين و لما كانت أذواق القوم في الوقت تختلف لذلك اختلفت عباراتهم عنه و الوقت حقيقة كل ما عبروا به عنه و هكذا كل مقام و حال ليس يقصدون في التعبير عنه الحد الذاتي و إنما يذكرونه بنتائجه و ما يكون عنه مما لا يكون إلا فيمن ذلك المقام أو الحال نعته و صفته فمن أحكامه فيهم و في غيرهم أن الله قد رتب لهم أمورا معتادة يتصرفون فيها بحكم العادة مما لا جناح عليهم فيها أو مما قد اقترن به خطاب من الحق بأنه قربة فيختارون لأنفسهم فعل ذلك على جهة القربة إن كان من القرب أو على كونه مرفوع الحرج فيصادفهم من الحق أمر لم يكن في خاطرهم و لا اختاروه لأنفسهم فيعلمون إن الوقت أعطى ذلك الأمر و أن الله اختاره لهم فإنه القائل وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي يقدر و يوجد ثم قال وَ يَخْتارُ و نفى أن تكون لهم الخيرة فقال ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ و عندنا إن ما هنا اسم و هو في موضع نصب على أنه مفعول بقوله وَ يَخْتارُ الذي كان لهم الخيرة يعني فيه فإذا علم العبد ذلك سلم الحكم فيه لله و استسلم و كان بحكم وقت ما يمضيه الله فيه لا بحكم ما يختاره لنفسه في المنشط و المكره و يرى أن الكل له فيه خير فيعامله الله في كل ذلك بخير فإن كان وقته يعطي نعمة و كان عقده مع الله مثل هذا رزقه الشكر عليها و القيام بحق الله فيها و أعين عليها و إن كان بلاء رزق الصبر عليه و الرضاء به و جعل الله له مخرجا من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ كرجل يريد أن يسبح الله مائة ألف تسبيحة فيحتاج إلى زمان طويل في ذلك مع ما فيه من التعب و التفرغ إليه من الحضور فيعثر على خبر صدق أن النبي صلى الله عليه و سلم جعل قول الإنسان سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضاء نفسه سبحان الله مداد كلماته ثلاث مرات و الحمد لله مثل ذلك و الله أكبر مثل ذلك و لا إله إلا الله مثل ذلك أفضل مما أراده هذا العبد فقال هذا القول الذي جاءه بحكم المصادفة و إن لم يكن عنده منه خبر و ترك ما كان يريد أن يذكره و علم إن الذي اختار الله له بهذا التعريف في هذا الوقت أعظم مما اختاره لنفسه و قد وقع هذا من رسول الله صلى الله عليه و سلم مع عجوز مر عليها و الحديث مشهور فإذا اقتضى الحق أمرا و كان له بك عناية أجراه عليك و رزقك القيام بحقه فالعاقل من أهل الله من يرى أن الخير كله الذي يكون للعبد هو فيما اقتضاه الحق فيما شرع لعباده و بعث به رسوله صلى الله عليه و سلم فمن استعمله الله في اقتضاء الحق المشروع فما بعد عناية الله به من عناية لمن عقل عن الله فالوقت المعلوم من جانب الحق هو عين ما خاطبك به الشرع في الحال فكن بحسب قول الشارع في كل حال تكن صاحب وقت و هو علامة على أنك من السعداء عند الله و هذا عزيز الوجود في أهل الله هو لآحاد منهم من أهل المراقبة لا يغفلون عن حكم الله في الأشياء و هنا زلت أقدام طائفة من أهل الحضور مع الله في كل شي‏ء فهم لا يغفلون عن الله طرفة عين و لكنهم يغفلون عن حكم الله في الأشياء أو في بعضها أو أكثرها فمن لم يغفل عن حكم الله في الأشياء فما غفل عن الله فقد جمعوا بين الحضور مع الله و مع حكمه فهم أكثر علما و أعظم سعادة و هم أصحاب الوقت الذي يعطي السعادة و بعض رجال الله علم إن الله لا يعدم الأشياء القائمة بأنفسها بعد وجودها و لا يتصف بإعدام أحوالها و لا أعراضها بعد وجودها و إنما الأشياء تكون على أحوال فتزول تلك الأحوال عنها فيخلع الله عليها أحوالا غيرها أمثالا كانت أو أضدادا مع جواز إعدام الأشياء بمسكه الإمداد بما به بقاء أعيانها لكن قضى القضية أن لا يكون الأمر إلا هكذا و لذلك قال إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ و لكن ما فعل فإن الإرادة و المشيئة ما تحدث له إذ ليس محلا للحوادث فمشيئته‏أحدية التعلق لكنه في الأشياء بين أن يجمعها أو يفرقها كلا أو بعضا و هي الأكوان فالوقت على الحقيقة عند الكامل جمع و تفرقة دائما و من الناس من يشهد التفرقة خاصة في الجمع و لا يشهد جمع التفرقة فيتخيل إن ذلك عين الوقت فإذا سئل عن الوقت يشبهه بالمبرد فيقول الوقت مبرد يسحقك و لا يمحقك يقول يفرق جمعيتك و لا يذهب عينك فمن عرف الوقت و أن الحكم له فيه سكن تحت ما حكم به عليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏