فيه حصل من الحضرة المحمدية و الموسوية نصفها»
أما قولنا و كم للعين من نظر مصيب فإنما جئنا به صنعة شعرية لما قلنا قبل في صدر البيت و إنما المذهب الصحيح إن العين لا تخطئ أبدا لا هي و لا جميع الحواس فإن إدراك الحواس الأشياء إدراك ذاتي و لا تؤثر العلل الظاهرة العارضة في الذاتيات و إدراك العقل على قسمين إدراك ذاتي هو فيه كالحواس لا يخطئ و إدراك غير ذاتي و هو ما يدركه بالآلة التي هي الفكر و بالآلة التي هي الحس فالخيال يقلد الحس فيما يعطيه و الفكر ينظر في الخيال فيجد الأمور مفردات فيحب أن ينشئ منها صورة يحفظها العقل فينسب بعض المفردات إلى بعض فقد يخطئ في النسبة الأمر على ما هو عليه و قد يصيب فيحكم العقل على ذلك الحد فيخطئ و يصيب فالعقل مقلد و لهذا اتصف بالخطإ و لما رأت الصوفية خطأ النظار عدلوا إلى الطريقة التي لا لبس فيها ليأخذوا الأشياء عن عين اليقين ليتصفوا بالعلم اليقيني فإن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما جهله و لا يتصف باليقين و لهذا جاز أن يضاف العلم إلى اليقين و ليس من إضافة الشيء إلى نفسه لا لفظا و لا معنى فأما اللفظ فإن لفظة اليقين ما هي لفظة العلم فجازت الإضافة و من طريق المعنىإن اليقين عبارة عن استقرار العلم في النفس و الاستقرار ما هو عين المستقر بل الاستقرار صفة للمستقر و هي حقيقة معنوية لا نفسية فليست عين نفس العلم فجازت الإضافة و إنما قلنا إن الجاهل قد يتصف بالعلم فيما هو جاهل به فهو قوله تعالى فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى فذكر اعلم في الصنفين إنما شرحنا بهذا الكلام ما قلناه في شعرنا فهو يتضمن شرح ما في هذا المنزل فلهذا أوردناه فلنرجع لي ما يعطيه هذا المنزل فنقول و الله المؤيد اعلم أن من هذا المنزل تسبيح الحصى في كف النبي صلى الله عليه و سلم و من هذا المنزل أكله كتف الشاة و من هذا المنزل حبه جبل أحد و من هذا المنزل سلم عليه الحجر و منه يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب و يابس و منه هرب الحجر بثوب موسى عليه السلام حتى أبصرت بنو إسرائيل عورته بريئة مما نسبوا إليه فقال فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قالُوا وَ كانَ عِنْدَ الله وَجِيهاً و منه قالت السموات و الأرض لما تعلق بهما الأمر الإلهي أَتَيْنا طائِعِينَ و لما كان طلب حمل الأمانة عرضا لا أمرا لهذا أبت القبول لعلمها أنها تقع في الخطر فلا تدري ما يؤول إليه أمرها في ذلك و حكم هذا المنزل في الشرع واسع فلنذكر بتأييد الله بعض ما يتضمنه هذا المنزل إن شاء الله تعالى فأول علم يتضمنه هذا المنزل علم الحركات المعقولة و المحسوسة فاعلم إن الحركات و هي المعاني التي تكون عنها الانتقالات و اختلف أصحابنا فيها هل هي ذوات موجودة في عينها أم هي نسب و هي عندنا نسب و هذه النسب تعطي من الأحكام بحسب ما تنسب إليه فلها نسبة في المتحيزات تخالف نسبتها في غير المتحيزات و نسبة في الأجسام تخالف نسبتها في الجواهر و ما من موجود إلا و لها فيه نسبة خاصة و إن كانت نسبة قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ينزل ربنا إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من الليل و هو موصوف سبحانه بأنه على عرشه مستو بالمعنى الذي أراده وَ هُوَ سبحانه مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ كما يليق به و هو أقرب من حَبْلِ الْوَرِيدِ إلينا و هو تعالى في العماء ما فوقه هواء و ما تحته هواء فهذا كله يدلك على ما يراد بالانتقالات فقد يكون ظهور حكم صفة على صفة و قد يكون الانتقال من حال إلى حال و قد يكون من حيز إلى حيز و قد يكون من مكان إلى مكان و قد يكون من منزلة إلى منزلة فقد أعلمتك أن الانتقال سار في جميع الموجودات على ما تستحقه ذواتها فتختلف كيفيات النسب و كله راجع إلى حكم الحركة و من هذا الباب قوله تعالى سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ ثم لتعلم بعد أن قررنا هذا أن الحركة في المتحركات على قسمين طبيعية و هي كالنمو في الناميات و عرضية و العرضية اختيارية و غير اختيارية فالاختيارية لا توجد إلا في الحيوان و غير الاختيارية تكون في الحيوان و غيره و قسرية و هي التي تقع من غير المتحرك سواء اقتضاها طبعه أو لم يقتضها طبعه فالجماد و النبات الحركة القسرية فيه لا يقتضيها طبعه و غير الجماد تكون فيه على خلاف ما يقتضيه اختياره و قد يكون المحرك من جنس المحرك و قد لا يكون و قد تكون الحركة قسرية عن حركة قسرية و قد تكون لا عن حركة قسرية فالأولى كتحريك الرياح الأغصان و الثانية رمى الإنسان الحجر علوا في الهواء و يدق الكلام في هذه المسألة و يخفى فإنها مسألة عظيمة القدر و ما هي من العقول ببال و لها تعلق بباب التولد مثل حركة الخاتم لحركة الإصبع و حركة الكم لحركة اليد و للحركة سلطان عظيم حكمها مشهود في الأجسام و لوازمها و معقول في المعاني و ما لا يعرف حده فلها السريان الأتم في الموجودات و أول حكم لها في كل ما سوى الله خروج الأعيان و انتقالها من حالة العدم إلى حالة الوجود و لا يصح استقرار من موجود أصلا فإن الاستقرار سكون و السكون عدم الحركة فافهم و بعد أن تقرر هذا فإن الحركة التي في هذا المنزل التبس على الناس أمرها فما عرفوا هل هي طبيعية أو قسرية أو طبيعية قسرية أو طبيعية لا قسرية أو قسرية لا طبيعية و إنما تصور الخلاف ممن لم يشهد هذا المنزل و لا دخل فيه و هي عندنا حركة طبيعية اختيارية لإظهار أسرار عن أمر إلهي و اختلفوا في السبب الموجب لهذه الحركة هل السبب سبب الحميات أو سببها عالم الأنفاس أو لا سبب لها إلا الأمر الإلهي فاعلم إن الأمر في ذلك وجود الأمر الإلهي في عالم الأنفاس فتوجه على هذا الكون فحركه فقبل الحركة بطبعه كتوجه الهواء على الأشجار ليحركها بهبوبه فالمشاهد يرى حركة الأغصان لهبوب الرياح و العلم يرى أنهلو لا ما أخلت الأغصان أحيازها لم تجد الرياح حيث تهب فلها الحكم فيها بوجه و ليس لها الحكم فيها بوجه و كان المقصود من تحريك الهواء الأشجار إزالة الأبخرة الفاسدة عنها لئلا تودع فيها ما يوجب العلل و الأمراض في العالم إذا تغذت به تلك الأشجار فيأكلها الحيوان أو تفسد هي في نفسها بتغذيها بذلك فكان هبوب الرياح لمصالح العالم حيث يطرد الوخم عنه و يصفي الجو فتكون الحياة طيبة فالريح سبب مقصود غير مؤثر في مسببه و إنما الأثر في ذلك لناصب الأسباب و جاعلها حجابا عنه ليتبين الفضل بين الخلائق في المعرفة بالله و يتميز من أشرك ممن وحد فالمشرك جاهل على الإطلاق فإن الشركة في مثل هذا الأمر لا تصح بوجه من الوجوه فإن إيجاد الفعل لا يكون بالشركة و لهذا لم تلتحق المعتزلة بالمشركين فإنهم وحدوا أفعال العباد للعباد فما جعلوهم شركاء و إنما أضافوا الفعل إليهم عقلا و صدقهم الشرع في ذلك و الأشاعرة وحدوا فعل الممكنات كلها من غير تقسيم لله عقلا و ساعدهم الشرع على ذلك لكن ببعض محتملات وجوه ذلك الخطاب فكانت حجج المعتزلة فيه أقوى في الظاهر و ما ذهبت إليه الأشاعرة في ذلك أقوى عند أهل الكشف من أهل الله و كلا الطائفتين صاحب توحيد و المشرك إنما جهلناه لكون الموجود لا يتصف إلا بإيجاد واحد و القدرة ليس لها في الأعيان إلا الإيجاد فلا يكون الموجود موجودا بوجودين فلا يصح أن يكون الوجود عن تعلق قدرتين فإن كل واحدة منهما إنما تعطي الوجود للموجود فإذا أعطته الواحدة منهما وجوده فما للأخرى فيه من أثر فبطل إذا حققت الشركة في الفعل و لهذا هو غير مؤثر في العقائد فالمشرك الخاسر المشروع مقته هو من أضاف ما يستحقه الإله إلى غير الله فعبده على أنه إله فكأنه جعله شريكا في المرتبة كاشتراك السلطانين في معنى السلطنة و إن كان هذا لا يحكم في ملك هذا و لكن كل واحد منهما سلطان حقيقة و بعد أن عرفت ما يتعلق من العلم بالحركة على قدر ما أعطاه الوقت من التعريف بذلك فلنبين من هذا المنزل لم وجدت هذه الحركة الخاصة فاعلم أنها وجدت لإظهار ما خفي في الغيب من الأخبار التي يثقل كونها على الخلق كما قال تعالى إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا و قال في شأن الساعة ثَقُلَتْ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و ذلك أن الغيب إذا ثقل عليه الأمر و ضاق عنه و لم يتسع له استراح على عالم الشهادة فتنفس الغيب تنفس الحامل المثقل فأبرز في عالم الشهادة ما كان ثقل عليه حمله و هو في المعنى كما يثقل على الإنسان كتم سره و حمل همه إذا لم يجد من يستريح عليه من إخوانه فإذا وجد أخا يبث إليه من همه الذي هو فيه و ثقل عليه ما يجد في بثه له راحة بما أخذه منه صاحبه فكأنه قاسمه فيه فخف عليه فإن كان ما وقع له به الهم تحت قدرة من يبثه إليه من إخوانه فقضى حاجته أزال ذلك الثقل عنه بالكلية فمثل هذا هو الثقل الذي يكون في الغيب فيستريح على الشهادة و سبب ذلك كونه ليس له إنما هو أمانة عنده للشهادة و إذا كان المطلوب من ذلك الأمر الشهادة فإنما هو عند الغيب أمانة فيكون الغيب مكلفا بحفظها و أدائها في وقتها إلى الشهادة فبالضرورة يثقل عليه أ لا ترى إلى قول الله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً يعني لنفسه جَهُولًا يعني بقدرها فهي ثقيلة في المعنى و إن كانت خفيفة في التحمل فكانت السموات و الأرض و الجبال في هذه المسألة اعلم من الإنسان و لم تكن في الحقيقة اعلم و إنما الإنسان لما كان مخلوقا على الصورة الإلهية و كان مجموع العالم اغتر بنفسه و بما أعطاه الله من القوة بما ذكرناه فهان عليه حملها ثم إنه رأى الحق قد أهله للخلافة من غير عرض عليه مقامها فتحقق إن الأهلية فيه موجودة و لم تقو السموات على الانفراد و لا الأرض على الانفراد و لا الجبال على الانفراد قوة جمعية الإنسان فلهذا فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها و ما علم الإنسان ما يطرأ عليه من العوارض في حملها فسمى بذلك العارض خائنا فإنه مجبول على الطمع و الكسل و ما قبلها إلا من كونه عجولا فلو فسح الحق له في الزمان حتى يفكر في نفسه و ينظر في ذاته و في عوارضه لبان له قدر ما عرض عليه فكان يأبى ذلك كما أبته السماء و غيرها ممن عرضت عليه و لقد روينا فيما رويناه عن الحسن البصري أن رجلا قدم من سفر فقصد دار الحسن فلما خرج إليه الحسن قال له إني قدمت من مدينة كذا و حملني فلان صديقك السلام عليك فهو يسلم عليك فقال له الحسن متى قدمت قال الساعة قال هل مشيت إلى بيتك قبل إن تأتيني قال لا هذا دخولي على حالتي إليك لأؤدي أمانتك قال يا هذا أما إنكلو مشيت إلى بيتك قبل أن تأتيني و مت مت خائنا فالعاقل من لا يعد و لا يحمل أمانة و حكم الأمانة إنما هي لمن توصل إليه لا لمن يحملك إياها قال تعالى إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها و لا شك و لا خفاء أنه في طبع كل شيء القلق مما يثقل عليه حتى يخرجه عنه لكونه ليس له ما ثقل عليه و إنما هو أمر زائد فإذا كان ذلك الأمر له زال ذلك الثقل و فرح به حيث صار ملكه و ظهرت له سيادته عليه أ لا ترى أن الإنسان إذا أودعت عنده مالا كيف يجد ثقله عليه و يتكلف حفظه و صيانته فإذا قال له رب المال قد وهبته لك و أخرجته عن ملكي و خرجت عنه كيف يرجع حمل ذلك المال عنده خفيفا و يسر به سرورا عظيما و يعظم قدر ذلك الواهب في نفسه كذلك العبد أوصاف الحق عنده أمانة لا يزال العارف بكونها أمانة عنده تثقل عليه بمراقبته كيف يتصرف بها و أين يصرفها و يخاف أن يتصرف فيها تصرف الملاك فإذا ثقل عليه ذلك ردها إلى صاحبها و بقي ملتذا خفيفا بعبوديته التي هي ملك له بل هي حقيقته إذ الزائد عليه قد زال عنه و حصل له الثناء الإلهي بأداء أمانته سالمة فقد أفلح من لم يتعد قدره كما يقال في المثل ما هلك امرؤ عرف قدره و من هذا المنزل يعلم متعلق الاستفهام حيث كان و ذلك أن الاستفهام لا يكون إلا مع عدم العلم في نفس الأمر أو مع إظهار عدم العلم لتقرير المستفهم من استفهمه على ما استفهمه مع علم المستفهم بذلك فيقول المستفهم أي شيء عندك و مالك ضربت فلانا فعلة الاستفهام عن الأمور عدم العلم و الباعث على الاستفهام يختلف باختلاف المستفهم فإن كان عالما بما استفهم عنه فالمقصود به إعلام الغير حيث ظنوا و قالوا خلاف ما هو الأمر عليه مثل قوله تعالى لعيسى عليه السلام أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ من دُونِ الله بحضور من نسب إليه ذلك من العابدين له من النصارى فتبرأ عيسى بحضورهم من هذه النسبة فيقول سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ فكان المقصود توبيخ من عبده من أمته و جعله إلها فقد وقع في الصورة صورة الاستفهام و هو في الحقيقة توبيخ و مثل هذا في صناعة العربية إذا أعربوه في الاصطلاح يعربونه همزة تقرير و إنكار لا استفهام و إن قالوا فيه همزة استفهام و المراد به الإنكار فلهم في إعراب مثل هذا طريقتان فينبغي للعبد أن لا يظهر بصفة تؤديه إلى أن يستفهم عنه فيها ربه لما تعطيه رائحة الاستفهام في المستفهم من نفي العلم و ذلك الجناب مقدس منزه عن هذا فاحذر من هذا المقام و لا تعصم من مثل هذا إلا بأن تكون عبوديتك حاكمة عليك ظاهرة فيك على كل حال فإن استفهمك الحق عن شيء فيكون ذلك ابتداء منه لا سبب لك فيه و هو سبحانه لا يحكم عليه شيء فإنه إن شاء استفهم و إن شاء لم يستفهم مع نسبة العلم إليه تعالى فيما يستفهم عنه لا بد من ذلك و للاستفهام أدوات مثل ما و أي و الهمزة فيخص هذا المنزل من الأدوات بما خاصة دون من و غيرها من الأدوات ليس لغيرها من أدوات الاستفهام في هذا المنزل دخول و ما وقفت إلى الآن على سبب اختصاص هذا المنزل بها دون غيرها و هي في الحكم فيمن تدخل عليه حكم من و الهمزة فإنها تدخل على الأسماء و الأفعال و الحروف و ما ثم إلا هذه الثلاث مراتب فعمت فكان لهذا المنزل عموم الاستفهام و لا يصح أن يظهر في هذا المنزل على هذه الحالة إلا أداة ما لأن معانيه تطلبها و قد يستفهم بالإشارة و من هذا المنزل إفشاء الأسرار و خفي الغيوب لطلب المواطن لها فيعلم الإنسان من هذا المنزل المواطن التي ينبغي أن يبدي فيها مما عنده من الغيوب و يعرف أن موطن الدنيا لا يقتضي ذلك و لهذا لم يظهر من ذلك على الملامية شيء و أعني بالغيوب هنا كل غيب لا يطلبه الموطن و أما الغيوب التي يطلبها كل موطن فلا بد أن يخرج غيب كل موطن في موطنه إلى الشهادة و هذا حال الملامية إلا أن يقترن بإبراز ذلك أمر إلهي و لا يقترن به أمر قط إلا أن يطلبه حال ما من الأحوال و أما من غير حال تطلبه فلا و لهذا جهل الناس مقادير أهل الله تعالى عند الله و بهذا سموا أمناء فإذا اقتضى الموطن إبراز غيبه فالعارف أول من يبادر إلى ذلك و يسارع فيه و إن لم يفعل كان غاشا خائنا لا يصلح لشيء فإن سبق بإظهاره غيره تعين عليه ذلك الوقت إخفاؤه و أن لا يطلع أحد من الخلق على ما عنده فيه إذ قد ناب غيره فيه منابه فلم يبق لهذا العارف في إظهار ذلك منه إلا حظ نفس لا غير و هذا ليس من شأن خصائص الحق و أهله فإن جاءه وحي من الله بذلك مع أنه قد ظهر على يد غيره فليبادر لأمر الله فيه و ليظهره و يكون فيه كالمؤيد للأول و اعلم أنه ما من جنس من أجناس المخلوقين إلا و قد أوحي إليه من ملك و جن و إنسان و حيوان و نبات و جماد فذكر من الحيوان النحل و من الجماد السماء و الأرض و إن كان الكل عندنا أحياء و لكن نجري على المعهود المتعارف في الحس الغالب و قال تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و قال وَ إِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ و قال وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا و قال لَوْ كانَ في الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ من السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا و قال وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ أي بلحنهم و الوحي على ضروب شتى و يتضمنه هذا المنزل فمنه ما يكون متلقى بالخيال كالمبشرات في عالم الخيال و هو الوحي في النوم فالمتلقى خيال و النازل كذلك و الوحي كذلك و منه ما يكون خيالا في حس على ذي حس و منه ما يكون معنى يجده الموحى إليه في نفسه من غير تعلق حس و لا خيال بمن نزل به و قد يكون كتابة و يقع كثيرا للأولياء و به كان يوحى لأبي عبد الله قضيب البان و لأبي زكريا البجائي بالمعرة بدير النقرة و لتقى بن مخلد تلميذ أحمد بن حنبل صاحب المسند و لكن كان أضعف الجماعة في ذلك فكان لا يجده إلا بعد القيام من النوم مكتوبا في ورقة و مما يتضمن هذا المنزل خلق الأعراض صورا ذوات قائمة متحيزة في رأى العين فاعلم أن الإنسان إذا جاء الله به إليه جمعه عليه جمعية لا تفرقة فيها حتى يهبه الله تعالى في ذلك ما يريد أن يهبه مما سبق في علمه فإذا خرج عن ذلك المشهد و عن تلك الحالة حرج بما حصل له و كان قد حصل له أمرا كليا مجملا غير مفصل فيبدو له عند الخروج مفصل الأعيان لكل جزء منه صورة تخصه فيخرج عن حال جمعيته إلى حال تفرقته فتبادر صور الأعمال إليه دفعة واحدة و تتعلق كل صورة منها بمن كان أصلا في وجودها فأما له و إما عليه فتتعلق بعينه صور نظره و بإذنه صور تعلق سمعه و كذلك سائر حواسه في ظاهره و يتعلق بباطنه صور أعمال باطنه من أعمال فكره و خياله و سائر قواه الباطنة فيه فإن كانت الصور العملية توجب فرحا فرح بذلك و بضده و إن كانت صور الأعمال توجب حزنا و غما كان الإنسان بحسب ما توجبه الصورة فإن كان من صورة ما يوجب هذا و يوجب هذا كان فرح الجزء الذي له صورة العمل المفرح فرحا من حيثيته لا من حيث النفس المكلفة فيتنعم ذلك الجزء الإنساني بقدر ذلك و يحزن الجزء الآخر بصورة عمله أيضا و النفس في هذه الحالة تفرح بحكم التبعية لفرح هذا و تحزن بحكم التبعية لحزن هذا في حال واحدة بإقبالين مختلفين كما كانت تسمع في حال النظر في حال البطش في حال السعي في حال اللمس في حال الشم في حال الطعم و لا يشغلها واحد عن الباقي مع أحدية المدرك كذلك ينعم من طريق و يحزن من طريق فهو الفرح المحزون و هو الرابح المغبون إلى أن يدخل الجنة و هذا من أعجب المشاهد و قليل واجده في هذه الدار من أهل الطريق لعدم كشفهم و تحققهم و قلة علمهم بذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ