قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب السادس و الثمانون و مائتان في معرفة منزل من قيل له كن فأبى فلم

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
شمس الفناء بدت في كاف تكوينيلعلمها أنها بالنور تفنيني‏‏
و قد أشارت و لم أعلم إشارتهابأن في ذلك الإيماء تعنيني‏
فكنت واو العين العلم ظاهرةخفية العين بين الكاف و النون‏
فصلت في اللوح أسرارا متوجةقد كان أجملها الرحمن في النون‏

من هذا المنزل قيدت جزءا سميته الفناء في المشاهدة فلنذكر الآن ما يتضمنه هذا المنزل على ما يحوي عليه من الأصول فإن البسط فيه يطول فاعلم أن مظهر هذا المنزل اسمه النور و لكن الأنوار على قسمين نور ما له شعاع و نور شعشعاني فالنور الشعشعاني إن وقع فيه التجلي ذهب بالأبصار و هو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم حين قيل له يا رسول الله هل رأيت ربك فقال صلى الله عليه و سلم نوراني أراه‏ يقول نور كيف أراه يريد النور الشعشعاني فإن تلك الأشعة تذهب بالأبصار و تمنع من إدراك من تنشق منه تلك الأشعة و هو أيضا الذي أشار إليه صلى الله عليه و سلم‏ بقوله إن لله سبعين حجابا من نور و ظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه‏ و السبحات هنا هي أنوار حقيقته فإن وجه الشي‏ء حقيقته و أما النور الذي لا شعاع له فهو النور الذي يكون فيه التجلي و لا شعاع له و لا يتعدى ضوؤه نفسه و يدركه المبصر في غاية الجلاء و الوضوح بلا شك و تبقي الحضرة التي يكون فيها هذا الذي كشفت له في غايةمن الوضوح لا يغيب عنه منها شي‏ء في غاية الصفاء و في هذا التجلي‏ يقول النبي صلى الله عليه و سلم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر فمن بعض ما يريد بهذا التشبيه الذي وقع بالرؤية إدراك ذات القمر لضعف أشعة القمر أن يمنع البصر من إدراك ذاته و الصحيح في ذلك أنه يريد به إذا كسف ليلة بدره فإنه عند ذلك يدرك البصر ذات القمر التي لا تقبل الزيادة و لا النقصان فهو إدراك محقق لذات القمر ثم قال في نفس الحديث أو كما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب و في ذلك الوقت يكون نورها أقوى فتظهر الأشياء كلها بها فيدرك البصر كلما وقع عليه من الأشياء إدراكه حين كشفت له هذه الشمس و إذا أراد أن يحقق النظر إلى ذات الشمس في هذه الحالة لا يقدر فأوقع التشبيه أن هذا التجلي ليس يمنع أن يرى الناس بعضهم بعضا أي لا يفنى فلهذا أوقع التشبيه برؤية القمر ليلة البدر و برؤية الشمس و ما اقتصر على واحد منهما و أكد البقاء في هذا المشهد بقوله لا تضارون و لا تضامون من الضيم و الضم الذي هو المزاحمة و من الضير و الإضرار و لما دخلت هذا المنزل وقع لي فيه التجلي في النور الذي لا شعاع له فرأيته علما و رأيت نفسي به و رأيت جميع الأشياء بنفسي و بما تحمله الأشياء في ذواتها من الأنوار التي تعطيها حقائقهم لا من نور زائد على ذلك فرأيت مشهدا عظيما حسيا لا عقليا و صورة حقية لا معنى ظهر في هذا التجلي اتساع الصغير لدخول الكبير فيه مع بقاء الصغير على صغره و الكبير على كبره كالجمل يلج في سَمِّ الْخِياطِ يشاهد ذلك حسا لا خيالا و قد وسعه و لا تدري كيف و لا تنكر ما تراه فسبحان من تعالى عن إدراك ما تكيفه العقول و فضل إدراك البصر عليها لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فأظهر عجز العقول بهذا التجلي الذي أظهر به قوة الأبصار و فضلها على العقول و أظهر في تجليه في النور الشعشعاني عجز الأبصار و قوة العقول و فضلها على الأبصار ليتصف الكل بالعجز و ينفرد الحق بالكمال الذاتي فمن عاين هذا المنزل يرى من العجائب و الآيات ما لا يمكن أن يحويه غيره و أول هذا المنزل عند دخولك فيه ترى نفسك مظهرا للحق فإذا رأيته تتحقق من نفسك أنه ليس هو و هو آخر هذا المنزل فيتضمن أوله هو مشاهدة و يخاطبك في هذا التجلي بأنه ليس هو فإنه من التجليات التي لا تفني عين المشاهدة فتجمع بين الرؤية و الخطاب و آخر هذا المنزل يتضمن الهو و هو في الغيب من غير رؤية و هو متعلق نظر العقل فأول هذا المنزل بصري و آخره عقلي و ما بينهما و هذا منزل يتضمن أيضا ما نذكره‏ فاعلم إن الأسرار التي يمنحها الحق عبده من أهل هذه الطريقة على قسمين منها أسرار تعطيك بذاتها إن تظهرها في الأكوان من غير حرج في ذلك عليك و لا تحتاج في إظهارها للغير إلى إذن إلهي و أسرار لا تعطيك بذاتها هذا الحكم و هي على قسمين قسم منها تحتاج في إظهاره إلى إذن إلهي فإن أظهرته عن غير إذن قوبلت و وقع الحرج و الجناح عليك في إظهاره و قد وقع لي مثل هذا و لكن بحمد الله قوبلت بالعتاب لا بالعقاب رحمة من الله بي و عناية و أسرار أخر لا يعطيها الحق لأحد بواسطة فلو طلبت الأذن فيها إذا أطلعك الحق عليها أن توصلها ما أذن لك فإنها أذواق لا تعرفها من غيرك بمجرد العبارة عنها فإنها مما ينفرد الحق بإيصالها من الحق إلى العبد كما يفعل بالأحوال فلو رام أحد أن يعبر عن الشوق الذي يجده إلى من اشتاق إليه ما أطاق ذلك و لا وصل إلى فهم الآخر منه شي‏ء إلا أن يقوم الشوق به مثل ما قام بصاحبه فيعرف عند ذلك حقيقة مسمى هذا اللفظ و كذلك ما في معناه و كلذة الجماع التي حرمها العنين لا يتمكن لمن قامت به أن يوصلها بالتعريف إلى العنين و كذلك كل علم يتعلق بالحواس لا يمكن للعقل أن يصل إلى معرفته بنفسه و لا بالعبارة عنه إلا أن يحس به الآخر فالذي يختص بهذا المنزل معرفة الأسرار التي يتوقف إظهارها ممن قامت به و أعطيته على الأذن الإلهي و معرفة الأسرار الإلهية المستورة خلف حجاب الصور التي لا تظهر إلا لمن كان على بينة من ربه في ذلك فإذا شهدت البينة لها عند العبد قبلها فلا يحتاج إلى شاهد مثل ما يحتاج في غيرها فإذا حصل العبد في هذا المقام و وهبه الحق من هذه الأسرار وهب تجل و اطلع على أمور غامضة من العلم بالله سترها في نفسه و كتمها عن غيره وفاء بحق الأمانة و حفظها و معرفة بقدرها و منزلتها و يطلع على هذه الأسرار معنا من ينسب بعض الأفعال إلى غير الله من المعتزلة و الفلاسفة و أهل الشرك الذين عبدوا غير الله مع عبادة الله فقد ينفردون في أوقات مع الله دون الشريك و ذلك في أوقات الضرورات المهلكة التي يقطعون فيها إن آلهتهم لا تغني‏عنهم فيها شيئا فيلجئون إلى الله في رفعها فمن تلك الحقيقة المستورة فيهم في حال لا يكون فيه تحت اضطرار حسي من ذلك الوجه ينالون هذه الأسرار و إن كانوا أشقياء فإن نيلهم إياها مما يزيد في شقاوتهم حيث عرفوا من بيده الاقتدار و عدلوا عنه و عملوا لغيره مما نصبوه بأيديهم و أيدي من هو من جنسهم إلها و ظهر لهم عجزه و تمادوا على غيهم كما قال تعالى في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ‏ و اعلم أن بينة الله في عباده على قسمين القسم الواحد هو البينة الحقيقية و هو قوله تعالى أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ يعني في نفسه و أما من تقام له البينة في غيره فقد يمكن أن يقبلها و يمكن أن لا يقبلها و الذي يقبلها إن قبلها تقليد أ لم تكن في حقه آية بينة و لا تنفعه و إنما يكون التقليد فيما يجي‏ء به الرسول من الأحكام لا من البينات و الشواهد على صدقه و إن لم يقبلها تقليدا فما قبلها إلا أن يكون هو عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ في إن تلك آية بينة على صدق دعوى من ظهرت على يديه فيما ادعاه فعلمت من هذا أن الشي‏ء لا ينفعك إلا إذا كان فيك و لا يضرك إلا إذا كان فيك و لهذا نقول في كثير من كلامنا إن حقيقة العذاب هو وجود الألم فيك لا أسبابه سواء وقعت الأسباب فيك أو في غيرك فلا نقول في الأشياء إلا أن تقوم لك منك و أقلها أن يقوم بك التصديق بما يتحقق به أهل طريق لله بأنه حق و إن لم تذقه و لا تخالفهم فتكون على بينة من ربك و لا بد في كونهم صادقين و بتلك البينة التي أنت عليها توافقهم في ذلك فأنت منهم في مشرب من مشاربهم فإنهم أيضا ممن يوافق بعضهم بعضا فيما يتحققون به في الوقت و إن كان لا يدرك هذا ذوقا ما أدركه صاحبه فيقر له به و يسلمه له و لا ينكره لارتفاع التهمة و مجالسة هؤلاء الأقوام لغير المؤمن بهم خطر عظيم و خسران مبين كما قال بعض السادة و أظنه رويما من قعد معهم و خالفهم في شي‏ء مما يتحققون به في سرائرهم نزع الله نور الايمان من قلبه فلا يزال الإنسان على الحالة التي هو عليها حتى يقوم له الشاهد بالخروج عنها فمن كان في حالة الكتم كتم و من كان في حالة الإظهار أظهر و أفشى قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا من هؤلاء الفرق فالله يجعلنا و إياكم ممن هو عَلى‏ بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ فإن تلاه شاهد فحسن و مزيد طمأنينة و تقوية للنفس فيما هي بسبيله و إن لم يكن ذلك ففي كونه على بينة من ربه كفاية فإن الشاهد إن لم يكن فيه المشهود له على بينة أنه صادق فيما يشهد له به و إلا فلا يقبله في باطنه كالشاهد مع صاحب الدعوى إذا كان في دعواه محقا فهو على بينة في نفسه من ربه إنه صادق و لكن الحاكم يطالبه بالشاهد فإذا شهد الشاهد له علم المشهود له أنه صادق في شهادته ببينته التي هو عليها إنه على حق في دعواه و إن كان المدعي ليس بصادق في دعواه فهو على بينة من نفسه و من ربه إنه غير صادق فبما ادعاه فإذا طلبه الحاكم بالشاهد فأتى بشاهد زور فشهد له أنه صادق في دعواه فالمدعي على بينة من نفسه و من ربه إن ذلك الشاهد الذي شهد له زور و شهد بالباطل و لا يقبله في نفسه و إن قبله الحاكم فأول ما يتجرح شاهد الزور عند من شهد له بما يعلم المشهود له أن الأمر على خلاف ما شهد له به فلهذا قلنا إن الشاهد لا نلتزمه إذ كنا لا نقبله و لا نتحقق صدقه و لا كذبه إلا حتى يكون في ذلك على بينة من الله فاعلم ذلك‏ و اعلم بعد أن تقرر هذا أن الأمر الذي كنى عنه الحق بأنه بينة لك من عنده هو سفير من الله إلى قلبك من خفي غيوبه مختص بك من حضرة الخطاب الإلهي و التعريف من الله أنه من عنده فخذ به و انظر ما يقبله فاقبله و ما يدل عليه فاعتمد عليه و ما ينفيه فانفه كما يفعل صاحب الفكر في دليله غير إن صاحب الفكر قد يتخذ دليلا ما ليس بدليل في نفس الأمر و قد يتخذ دليلا ما هو دليل في نفس الأمر و لكن بالنظر إلى قوة العقل فقد أعطى ما في قوته فلا يكون أبدا من حيث هو عقل إلا إن ذلك دليل و هو دليل و صاحب البينة من ربه على نور من الله و صراط مستقيم لا يعلم الأشياء بها إلا على ما تكون عليه الأشياء لا يقبل الشبه إلا شبها ذوقا من صورته لا يتمكن له أن يلبس فيها عليه بخلاف أصحاب الأفكار و الذي يعطيه هذا السفير منه ما يعطيه ما هو مختص به و منه ما يعطيه ما هو مطلوب له و لغيره و منه ما هو مطلوب لغيره و لا يعطيه ما ليس له و لا لغيره و مما يعطيه ما هو له مقيم و ما ليس له بمقيم فالمقيم كالمقامات و غير المقيم كالأحوال ثم إن أصحاب هذا المقام يتفرقون فيه و يتنوعون على نوعين منهم من يعصم من تأثير هواه و منهم من لا يعصم من تأثير هواه فيه مع أن كل واحد من الطائفتين على علم محقق فبينتهم التي هم عليها أنه معصوم و أن هواه ليس له عليه سبيل و أنه غير معصوم و أن هواه قد أثر فيه لما سبق في علم الله فيه و هل ينفعه هذا العلم عند الله في سعادته‏أم لا فعندنا إنه نافع و عند غيرنا إنه غير نافع و إنما وقع الخلاف في مثل هذه المسألة بوجود الكشف عند الواجد و عدم الكشف عند المخالف مع الاستناد إلى أمر معارض إما عقلي و إما سمعي ثم إن الله تعالى أمر عباده بالإقامة على ما خلقهم له من الذلة و الافتقار إليه ببواطنهم عامة و بظواهرهم على طريقة مخصوصة بينها لهم الشارع و هي جميع الأفعال المقربة إلى الله سواء اقترنت بها في الصورة الظاهرة عزة أو ذلة و ربوبية أو عبودية بخلاف الباطن فإن الباطن يجري على الأمر المحقق الذي هو في نفسه عليه و الظاهر يجري على ما تقتضيه المصلحة في الوقت بك أو بغيرك فإن ظهر ربوبية و عزة في ظاهر العبد العارف كما ذكرناه لمصلحته فإن الميل في الباطن إلى الذلة و العبودية موجود عنده و هو المعتمد عليه و ذلك عارض و لا سيما في موطن التكليف و من هذا المنزل ينشئ العبد الأعمال صورا قائمة يكون فيها خلاقا بالفعل و لكن مما يقع له به السعادة عند الله فلا يزال ينشئ تلك الصورة حتى يراها قائمة بين يديه حسا ينظر إليها و يفرح بها و جميع ما يظهر من تلك الصورة مما تقتضيه السعادة فإنما هو لمنشئ هذه الصورة و هو هذا العبد فهي له كرأس المال و ما يكون عنها كالأرباح و الأرباح إنما تعود منفعتها على رب المال لا على نفس المال و من هذا المنزل أيضا يظهر الجود الذاتي الذي لا يمكن دفعه لا اختيار للعبد فيه فيعطي من نفسه لربه ما سأله فيه إن يعطيه مما لو لم يسأله فيه لأعطاه إياه و هذا من كرم الله حيث علم أنه لا بد أن يعطيه ذلك لأنه أمر تقتضيه ذاتك فسألك في ذلك أن يجازيك على امتثال أمره في ذلك كما سألك فيما يمكن أن تعطيه و فيما يمكن أن تأباه فأجرى هذا مجرى هذا جودا منه و ليقوم جزاء ما أعطيته عن أمره مما هو عطاء ذاتي في مقابلة ما منعته و خالفت فيه أمره مما ليس هو عطاء ذاتيا بل إمكانيا و هي جميع الأعمال المشروعة فلهذا أمرك بما لا يمكنك الانفكاك عنه كما لا يمكن للسراج أن يمنع ضوءه و لكن يتصور أن يقال له أعط الأبصار ضوءك ليدركوا به الأشياء فتجازي من حيث ذلك و ذلك أن تعلم أن حضرة كن تتضمن روحا و جسما و قد يرتبطان و قد لا يرتبطان فإذا ارتبطا كان هذا الجسم حيا على هذه الصورة من الكاف و الواو و النون و إذا كان حيا انفعل عنه ما يتوجه عليه لارتباط الروح به و هو الأذن الإلهي كالنفخ من عيسى عليه السلام في الطائر مقارنا للاذن الإلهي الذي هو النفخ الإلهي فاندرج النفخ الإذني الإلهي الذي به حيي الطائر و ارتبط روحه في النفخ الجسماني القائم بعيسى فإذا وجد جسم كن من غير ارتباط الروح به لم يكن عنه شي‏ء أصلا إذ الميت لا يضاف إليه فعل أصلا و لا يقوم لعقل فيه شبهة بخلاف الحي و الصورة الجسمية فيهما واحدة و إذا انفرد روح كن دون جسميته انفعلت عنه الأشياء و من جملة الأشياء جسمية كن الذي هو في عالم الحروف فإذا علمت ما أوضحناه لك في هذا الكلام وقفت على أمر عظيم من قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ذلك الأمر و لا بد و يقول الحق سبحانه لعباده في كلامه العزيز أَقِيمُوا الصَّلاةَ و اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا و جاهِدُوا و لا يقع شي‏ء من ذلك لأنه قال لهم اخلقوا و ليس من شأنهم أن يخلقوا فتعلق بهم جسم كن لا روحها فكانت ميتة يحرم عليهم استعمالها فإذا تعلق الأذن الإلهي الذي هو كن الحية بإيجاد عين الجهاد أو الرباط أو الصلاة أو أي شي‏ء كان من أفعال العباد تكون في حين التوجه علينا و ليس من شأن الأفعال أن تقوم بنفسها فكانت الصلاة تظهر في غير مصل و الصيام في غير صائم و الجهاد في غير مجاهد و هو لا يصح فلا بد من ظهورها في المجاهد و المصلي و غير ذلك فإذا ظهرت فيه نسب الله الفعل إليه و جازاه عليه منة منه و فضلا لأنه ما ظهر عين الصلاة إلا في المصلي فلو لم ينسب الفعل إليه لكان قد حافى الخطاب و التكليف و مباهتة للحس و كان لا يوثق بالحس في شي‏ء فحسم الله هذا الأمر بما نسب من هذه الأفعال لمن أظهرها فيه و أضافها إليه و أمرهم بها و ليس خلقها لهم وإنما ذلك إلى الله تعالى فانظر ما أعجب هذا الأمر مع ما يتضمنه من التناقض المحقق و الايمان بالطريقتين المتناقضتين فيه واجب و الاطلاع عليه من باب الكشف مع وجود الايمان به تأييد عظيم و قوة لمن أعطى ذلك فإن في هذا الموطن زل كثير من أهل الكشف و هو قوله و أضله الله على علم و العلم كان لا ينبغي أن يصاحبه الضلال و لا يستلزمه و هنا قد وجد فيه ذلك فلا يخلو إما أن ضل بعلم أو لا بعلم و الأمر فيه إشكال ثم إن هذا المنزل يتضمن الجزاء على الأعمال يعني جزاء من ذكرناه في هذا المنزل من الكاتمين لأسرار الحق الذين أمنهم الله عليها مما لا يظهرونها إلا عن إذن إلهي و من ذكرناه‏من الطوائف معهم فجزاؤهم الجلال و العظمة و الهيبة و في الدنيا الخوف و القبص و الوحشة و في الأحوال الاصطلام و في المحبة الغليل و الاشتياق و الشوق و الكمد و الخشية و التحقق بذلك في كل موطن بحسب ذلك الموطن من الدوام و عدم الدوام إلا أنه في ظهور كونه لا يتخلله غفلة و لا فترة أصلا فإذا زال المقام زال الحال لزواله هذا جزاء من حفظ الأمانة و لم يظهرها إلا بأمر الله و جزاء من أظهرها بإذن الله الإقامة في جوار الله من اسمه الرب لا غيره من الأسماء و معرفة العلوم التي تتعلق بمن هو تحت حيطته و دون منزلته لا بمن هو فوقه و إن هذه الحالة لهم دائمة و المقام لهم دائم في الدنيا و الآخرة و لهم الجمال و الأنس و من الأحوال الرضاء و من المحبة الوصلة و التعانق و الالتذاذ بثم المحبوب و ضمه و من خصائص هذا المنزل إن صاحبه لا يبذل المجهود من نفسه في أعماله بل أعماله دون قوته و طاقته و يقبل الله منه ذلك فإنه ممن اتقى الله حَقَّ تُقاتِهِ ما هو ممن اتقى الله استطاعته و صاحب هذا المقام لا يتصور منه أن يطلب من الحق ما لم يعطه مما هو جائز أن يحصل له و يمنعه من ذلك الحياء من الله حيث لم يبذل المجهود من نفسه فيما كلفه من الأعمال على جهة الندب فهو قانع بما أعطاه ربه و لا يجد حسرة فوت لما فإنه مع علمه بما فاته لأن حاله الالتذاذ في ذلك الوقت بما هو فيه من النعيم و قد بينا أصول هذا المنزل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏