قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع و الثمانون و مائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني و أسرا

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

من الحضرة المحمدية»

شخص الزمان له نفس تدبره‏ غيدا معطرة من عالم الأمر
جيم و عين وفاء من منازلهاجاءت به رسله في محكم الذكر
لها صلاتان من علم الغيوب و ماللظهر و العصر ذاك الفخر و الفجر

من أراد أن يقف على ما تضمنه هذا المنزل في التجلي الصمداني الذي هو خاص به من المعارف و الحقائق و الأسرار الضيائية و غيرها فليطالعه في باب القلب من كتاب مواقع النجوم لنا في علم هذا الطريق فلنذكر في هذا المنزل ما سوى ذلك مخافة التطويل‏ فاعلم إن لهذا المنزل الإنابة و ممن تحقق بها أبو يزيد البسطامي و هي الجمعية الذاتية و لا تكون للعارف من الله إلا عن شهود محقق من خلف حجاب مظهر بشرى و اعلم أن القوم قد اصطلحوا على ألفاظ لمعان قرروها في نفوسهم يخاطبون بها بعضهم بعضا كما فعلت كل طائفة فيما تنتحله من العلوم كالنحويين و أصحاب العدد و المهندسين و الأطباء و المتكلمين و الفقهاء و غيرهم فمما اصطلحت عليه هذه الطائفة الهوية و الإنية و الأنانية لأغراض في نفوسهم فهذا المنزل من ذلك منزل الأنانة فالإنية هي عبارة عن الحقيقة من حيث الأحدية و الأنانية التي هنا عبارة عن الحقيقة الأحدية التي هي عين الجمع فهذا منزل من منازل الغيوب لا ظهور له في الشهادة لكن المنازل التي في الغيب على ضربين منازل يكون عنها آثار في الشهادة يستدل بتلك الآثار عليها و إن كانت غيبا سواء ورد بذلك التعريف الإلهي أو لم يرد من حيث الخطاب و منازل لا يكون عنها في الشهادة أثر فلا تعرف إلا من طريق التعريف الإلهي و لا نتحقق تحقق منازل الآثار و هذه الأنانية من المنازل التي لها آثار في عالم الشهادة و الملكوت و آثارها مختلفة و تتقيد باختلاف آثارها و إن كانت في نفسها مطلقة فتارة تتقيد باسم ضمير مثلها في الرتبة فتحتاج إلى تقييد آخر مثل قوله تعالى إنا أوحينا إليك فإنا و النون من أوحينا على مرتبة واحدة من حيث أحدية حقيقة الجمعية و التقييد لأنا الوحي و التقييد للنون من أوحينا ما يذكره بعده من قرآن أو روح أو غير ذلك و تارة لا يتقيد باسم ضمير مثل قولهم إنا بنى فلان و كما قيل‏

نحن بنى ضبة إذ جد الوهل الموت أحلى عندنا من العسل‏

و ما وقفت على مثل هذا في القرآن فكنا نستشهد به و إنما استشهدت بهذا و إن لم يكن قرآنا فإنه من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم و الذي تقيدت به في هذا المنزل الإنزال الإلهي لا التنزيل على العارفين من عباده إما بما أجراه في خلقه أو بما يجريه في خلقه و إنزاله على قسمين قسم يكون الإنزال على جهة التعريف بمكانة ما يجريه في خلقه أو ما أجراه‏و مرتبته فيكون تنزله على قلب لعبد من الغيب في الغيب من عين واحد إلى عين واحد لا يقبل التفصيل و القسم الآخر يكون تنزله على قلب العبد و هو مشغول في تدبير هيكله و طبيعته لا يأخذه عن ذلك و ذلك الإنزال من عين جمع إلى عين جمع ليفصل ما نزل عليه لخلقه مما أجراه لله أو يحكيه حكى لنا عن جماعة منهم أبو البدر عن شيخنا عبد القادر رحمه الله أنه قال إن السنة تأتيني إذا دخلت فتخبرني بما يكون فيها و يحدث و كذلك الشهر و الجمعة و اليوم و كذلك كان الشيخ أبو يعزى أبو النور ببلاد المغرب كان إذا دخل رمضان جاءه يعلمه بما قبل فيه من العمل و ممن قبل و يقبل و إنما قيدته هنا في حق شيخنا أبي يعزى برمضان لأن صاحبنا أبا زيد الرقراقي الأصولي أخبرني بشهادة هذا في شهر رمضان إذ كان هذا المخبر عنده في ذلك الوقت فرأى رمضان قد جاءه مخبرا بما ذكرناه فلا تعرف منازل الأكوان عند الله من طريق التعريف الإلهي و العناية بهذا المقرب إلا بتعريف الله عباده في أسرارهم بما يلقيه فيها من نفث روح في روع مثل ما كانت الملائكة تنزل على الأنبياء عليهم السلام بذلك‏ و اعلم أن المراتب التي يكون الخلق عليها متفاضلة في كل جنس فالرسل يفضل بعضهم بعضا و الأنبياء يفضل بعضهم بعضا و المحققون يفضل بعضهم بعضا و العارفون يفضل بعضهم بعضا و هكذا إلى أصحاب الصنائع العملية فهذا المنزل يفضل غيره في التجليات الإلهية المشبه رؤيتها برؤية القمر و الشمس بألفي تجل و ثمان تجليات منطوية مندرجة في الألفين المذكورين غير أن هذه الثمانية لها خصوص وصف يظهر في تجلى المقامات الذي هو مائة و ستة و ستون تجليا فعند ذلك يظهر سلطان هذه الثمانية من التجليات و يعطي من المعارف ما شاء الله أن يعطي و أما الألفان فهي تجليات سريعة الزوال مكثها قليل و لا تعطي علما عاما و أما المائة و الستة و الستون فتعطي من العلوم العامة السارية في الموجودات و بقائها و ما يكون عنها و بسببها علما عاما مجردا خالصا ثابتا لا يتزلزل و لا يشتبه و إن كان حكمه ينتقل منه و فيه و لا يخرج عنه و اختلف أصحابنا هل ثم تجل في هذه التجليات يتصف بالنقص من حيث الصورة التي يتجلى فيها إذا كانت صورة طبيعية و الطبائع رباعية فيكون التجلي الناقص في الصورة الطبيعية في وقت في العنصر الناري فيكون غير كامل في نفسه و لكن يعطي بحسب ما يعطيه عنصره لا يزيد عليه فإذا كان في تجل آخر انضاف إلى تلك الصورة العنصر الثاني إلى أن يكمل العناصر في أربع تجليات فيقع التجلي في العنصر الرابع بكمال الصورة الطبيعية على صورة مكملة فيلحق بإخوانه من التجليات و الأمر عندنا ليس كذلك و لا يصح أن يكون هناك تجل ينقص أو يزيد و إنما هذا الشخص القائل بهذا ظهرت له حالته في عين التجلي فتخيل أن النقص في التجلي و كان النقص فيه ثم اتفق أنه لما تجلى له التجلي الثاني رأى تلك الصورة التي كان عليها في نفسه قد زاد فيها ما لم يكن و النقص و الزيادة فيه فحكم على التجلي بذلك‏ و اعلم أن الأرواح النورية المسخرة لا المدبرة تنزل على قلوب العارفين كما قلناه بالأوامر و الشئون الإلهية و الخيرات بحسب ما يريده الحق بهذا العبد فترقيه بما نزلت به إليه ترقية و تخليصا إلى الحجاب الأقرب من الحجب البعيدة إلى أن يتولاه الله بارتفاع الوسائط غير إن هذا القلب إذا فارقته التنزلات الروحية التي يشترك فيها أهل هذه الطريقة و الحكماء العاملون على تصفية النفوس و تخليصها من كدر الطبع و قبل أن يتولى الحق أمره بارتفاع الوسائط يمكث معرى عن الأمرين مثل الوقفة بين المقامين و مثل النومة العامة بين الحس و الخيال و هو مقام الحيرة لهذا القلب فإن الذي كان يأنس إليه و يأخذ عنه قد فقده و الذي يأتي إليه ما رآه بعد فيبقى حائرا و لقد أخبرني صاحبي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الأنصاري القرطبي و فقه الله عن شيخنا أبي زكريا الحسنى ببجاية قال أخبرني غير واحد من أصحابه و ممن حضر موته أن الشيخ خرج إلى الناس و كان في المسجد الجامع معتكفا في شهر رمضان و قد غير لباسه الذي كان عليه و قد ظهر فيه التغير فقال لهم ادعوا لي فإني قد فقدت الذي كان عندي و لم يكن بعد قد حصل له شي‏ء مما يأتي و حار في أمره فطلب من الناس الدعاء له فإنه لم يكن من أهل الأذواق الإلهية لغلبة الفقه عليه ما تخلص له الأمر ثم عاد إلى خلوته فأبطأ عليهم خروجه فدخلوا عليه فإذا هو مسجى قد فارق الدنيا فأشار إليهم بتغيير لباسه إن الذي كان يلبسه قد جرد عنه و الحيرة و الافتقار إلى دعاء الإخوان دلت على أنه ما كان الحق تولى أمره الذي أومأنا إليه ففرحت له بذلك لعل الله يكون قد تولاه قبل موته بلحظة فقبضه إليه و هو عنده و حال العارف في هذه الحيرة و الوقفة التضرع‏و الابتهال إلى الله بالافتقار و الخشوع المستعمل في إن يتجلى له حكم توليه إياه بارتفاع الوسائط من الوجه الخاص الذي بين كل موجود و بين ربه الذي لا يعرفه كل عارف و من هذا المنزل يعرف ما ينزل الحق من المعارف على قلوب عباده بإنزال الأرواح إليها قال تعالى يُلْقِي الرُّوحَ من أَمْرِهِ عَلى‏ من يَشاءُ من عِبادِهِ ... أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا و لم يقل هو فكان الروح هو الملقي من عند الله إلى قلوب عباده و يكون أمر الله هو الذي ألقاه و يكون ذلك الروح صورة قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ فارتفعت الوساطة في هذا المنزل إذ كان عين الوحي المنزل هو عين الروح و كان الملقي هو الله لا غيره فهذا الروح ليس عين الملك و إنما هو عين المالكة فافهم فمثل هذا الروح لا تعرفه الملائكة لأنه ليس من جنسها فإنه روح غير محمول ليس نورانيا و الملك روح في نور و هذا الذوق لنا و لسائر الأنبياء و أما الملائكة فقد يكونون ممن اختص بهم الرسل و هو قوله تعالى نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ فهو رسول الرسول و أما تنزل الأرواح الملكية على قلوب العباد فإنهم لا ينزلون إلا بأمر الله الرب و ليس معنى ذلك أن الله يأمرهم من حضرة الخطاب بالإنزال و إنما يلقي إليهم ما لا يليق بمقامهم في صورة من ينزلون عليه بذلك فيعرفون إن الله قد أراد منهم الإنزال و النزول بما وجدوه في نفوسهم من الوحي الذي لا يليق بهم و أن ذلك الوحي من خصائص البشر و يشاهدون صورة المنزل عليه في الصور التي عندهم تسبيحها يا من أظهر الجميل و ستر القبيح للستور التي تسدل و ترفع فيعرفون من تلك الصور من هو صاحبها في الأرض فينزلون عليه و يلقون إليه ما ألقى إليهم فيعبر عن ذلك الملقي بالشرع و الوحي فإن كان منسوبا إلى الله بحكم الصفة سمي قرآنا و فرقانا و توراة و زبورا و إنجيلا و صحفا و إن كان منسوبا إلى الله بحكم الفعل لا بحكم الصفة سمي حديثا و خبرا و رأيا و سنة و قد ينزلون أيضا بالأمر الإلهي من حضرة الخطاب و كلا الوجهين من التنزل يتضمنه قول جبريل لمحمد صلى الله عليه و سلم لما قال له الحق أن يفر له لنبيه صلى الله عليه و سلم عن ربه و لهذا جعله من القرآن و هو حكاية الله عن جبريل و جبريل هو الذي نزل به و ما أخرجه نزوله به و الحكاية عنه عن إن يكون قرآنا فكان جبريل يحكي عن الله تعالى ما حكى الله تعالى عن جبريل أن لو قال لمحمد صلى الله عليه و سلم ذلك لقاله له على هذا الحد في عالم الشهادة و هو قوله وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا فيما شاهده من قول جبريل لمحمد عليهما السلام و هم أعيان ثابتة في حال عدمهم و خطاباتهم أعيان ثابتة في حال عدمهم له فهو الإشارة إليه بقوله نَسِيًّا فكانت الحكاية أمرا محققا عن وجود لله محقق لا يتصف بالحدوث ثم حدث الوجود لتلك الأعيان فأخبرت بما كان منها قبل كونها مما شاهده الحق و لم تشهده لعدم وجودها في عينها روى عن الزهري أنه حدث عن شخص من الثقات حديثا أو حدث عنه فقال المحدث عنه لا أعلم هذا الحديث و لا أنا منه على يقين و لكن أنت عندي ثقة فرواه عنه عن نفسه و قال حدثني فلان عني و قال إني قلت له حدثني فلان و اتصل الإسناد فتنبه لهذه المسألة في طريق الرواية و مما يتضمن هذا المنزل فضل العلم المستور على العلم المشهور و العلم المستور هو على ضربين ضرب منه لم يضمن في الشهادة صور كلمات و ضرب ضمن صور كلمات فمثل العلم المضمن صور كلمات و هو مستور عن إن يتعلق به معرفة عارف على القطع إلا بأخبار إلهي فهو علم ما تشابه من القرآن الذي لا يعلم تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله فهذا من العلوم المستورة و لكن لا يعرف من صور الكلمات في أي وجه هو مستور فيه و العلم الثاني المستور هو الذي لم يكن له صورة يحتجب بها من صور الكلمات و فضل مثل هذا العلم و منزلته مجهولة يعلمها الله و من أعلمه الله و قد يصادف الإنسان العمل بما يقتضيه ذلك العلم و هو لا يعرف ذلك حتى ينتقل إلى الدار الآخرة فيجد ثمرة عمله مرتبطة بمنزلة ذلك العلم المستور فيعلمه‏ عند ذلك و مما يتعلق بهذا الباب إنزال الهو منزلة الشاهد مع بقاء الهو في عينه منزها و لا يكون الهو ينزل أبدا إلا في صور مدركة بالحس إما في الحس و إما في الخيال و يسمى بالهو في حال ظهور الصورة ليعلم أن الهو روح تلك الصورة و مدلولها فيعلم إن تلك الصورة لا يعلم معناها إلا الله كما قال تعالى وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ و من كان عند الهو كان بحيث الهو و الهو غيب و الذي يكون عنده غيب و إذا كان غيبا عند غيب فلا تعلمه الشهادة و إنما يعلمه الغيب فلا يعلم ما في الغيب إلا من هو غيب فمن حيث الصور ينسب إلى الغيب الظرفية فإذا ارتفعت الصور زال الغيب لأن الحجاب قد ارتفع فلا يتصف‏بالغيب و لا بالشهادة لأن الشهادة لا تنفك عن الصور و قد قلنا لا صورة فقد قلنا لا شهادة و الصورة تجعل ذلك الأمر غيبا و قد قلنا بزوال الصورة فقد رفعنا حكم الغيب عن ذلك الأمر فلا غيب و لا شهادة و في هذا المنزل من العجائب و الأسرار ما لو أظهرناه لتوقفت عقول أكثر علماء هذه الطريقة السليمة عن قبول مثلها و من هذا المنزل يتلقى ملك الموت آجال الناس و اختلف أهل الكشف في آجال الحيوان و في آجال كل ما سوى الإنسان هل هذا المنزل منزل علمها أم لا و هل لما عدا الحيوان آجال أم لا فاعلم إن الله تعالى جعل لكل صورة في العالم أجلا تنتهي إليه في الدنيا و الآخرة إلا الأعيان القابلة للصور فإنه لا أجل لها بل لها منذ خلقها الله الدوام و البقاء قال تعالى كُلٌّ يَجْرِي إِلى‏ أَجَلٍ مُسَمًّى و قال ثُمَّ قَضى‏ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ فجاء بكل و هي تقتضي الإحاطة و العموم و قد قلنا إن الأعيان القابلة للصور لا أجل لها فبما ذا خرجت من حكم كل قلنا ما خرجت و إنما الأجل الذي للعين إنما هو ارتباطها بصورة من الصور التي تقبلها فهي تنتهي في القبول لها إلى أجل مسمى و هو انقضاء زمان تلك الصورة فإذا وصل الأجل المعلوم عند الله في هذا الارتباط انعدمت الصورة و قبل العين صورة أخرى فقد جرت الأعيان إلى أجل مسمى في قبول صورة ما كما جرت الصورة إلى أجل مسمى في ثبوتها لتلك العين الذي كان محل ظهورها فقد عم الكل الأجل المسمى فقد قدر الله لكل شي‏ء أجلا في أمر ما ينتهي إليه ثم ينتقل إلى حالة أخرى يجري فيها أيضا إلى أجل مسمى فإن الله خلاق على الدوام مع الأنفاس فمن الأشياء ما يكون مدة بقائه زمان وجوده و ينتهي إلى أجله في الزمان الثاني من زمان وجوده و هي أقصر مدة في العالم و فعل الله ذلك ليصح الافتقار مع الأنفاس من الأعيان إلى الله تعالى فلو بقيت زمانين فصاعدا لاتصفت بالغنى عن الله في تلك المدة و هذه مسألة لا يقول بها أحد إلا أهل الكشف المحقق منا و الأشاعرة من المتكلمين و موضع الإجماع من الكل في هذه المسألة التي لا يقدرون على إنكارها الحركة إلا طائفتين من يجعل الحركة نسبة لا وجود لها و هو الباقلاني من المتكلمين و أصحاب الكمون و الظهور القائلون به و إن قال القائلون بالكمون و الظهور بذلك فإنهم تحت حيطة كل بهذا المذهب فإنه قد جرى في كمونه إلى أجل مسمى و هو زمان ظهوره فقد انقضت مدة كمونه و جرى في ظهوره إلى أجل مسمى و هو زمان كمونه فقد انقضت مدة ظهوره و لا يلزم من جريانهم إلى الأجل أن المراد عدمهم بل يجوز أن يكون له العدم و يجوز أن يكون الانتقال مع بقاء العين الموصوفة بالجري و يجوز أن يكون منه أجل يعدمه و منه ما يكون له أجل بانتقاله يعدمه و هو الذي نذهب إليه و نقول به‏ و اعلم أن لله في هذا المنزل أرواحا من الملائكة بأيديهم من الخيرات و النعيم الدائم ما لا يدري مقداره إلا الله تعالى قد وكلهم الله على ذلك و جعلهم حفظة عليه و خزانا لأصحابه من الأناسي يؤدون ذلك إليه في الوقت الذي قد قرر لهم الحق ذلك و عينه لهم بالحال التي ينتقل ذلك العبد السعيد إليها و كذلك له ملائكة خزنة بالنقيض أيضا معدة لإنسان آخر يؤدون ذلك إليه في الوقت الذي قرره الحق لهم بالحال التي ينتقل إليها ذلك العبد الشقي كل ذلك بتقدير العزيز العليم‏ و اعلم أنه ما من كلمة يتكلم بها العبد إلا و يخلق الله من تلك الكلمة ملكا فإن كانت خيرا كان ملك رحمة و إن كانت شرا كان ملك نقمة فإن تاب إلى الله و تلفظ بتوبته خلق الله من تلك اللفظة ملك رحمة و خلع من المعنى الذي دل عليه ذلك اللفظ بالتوبة الذي قام يقلب التائب على ذلك الملك الذي كان خلقه من كلمة الشر خلعة رحمة و واخى بينه و بين الملك الذي خلقه من كلمة التوبة و هو قوله تبت إلى الله فإن كانت التوبة عامة خلع على كل ملك نقمة كان مخلوقا لذلك العبد من كلمات شره خلع رحمة و جعل مصاحبا لملك المخلوق من لفظة توبته فإنه إذا قال العبد تبت إليك من كل شي‏ء لا يرضيك كان في هذا اللفظ من الخير جمعية كل شي‏ء من الشر فخلق من هذا اللفظ ملائكة كثيرة بعدد كلمات الشر التي كانت منه فإن الإنسان أعطى لفظا يدل على الإفراد و أعطى لفظا يدل على الاثنين و أعطى لفظا يدل على الكثرة فلفظة كل تدل على الكثرة فعلم إن قوله تبت إلى الله من كل شي‏ء إنه تبت إلى الله من كذا تبت إلى الله من كذا تبت إلى الله من كذا كما تقول زيدون تريد بذلك زيد و زيد و زيد هذا أقله إلى ما لا يتناهى كثرة و كذلك لفظة زيود في جمع التكسير فلهذا خلق الله من كلمة الجمع ملائكة بعدد ما تعمه تلك الكلمة و إنما قلنا بأن الملائكة المخلوقة من كلمة الشر يخلع عليها خلع الخير و ترجع ملائكة رحمة في حق هذا التائب و يصاحب بينها و بين الملائكةالمخلوقة من لفظ التوبة عن ذلك الشر فإن الكشف أعطى ذلك و صدقه الوحي المنزل بقول الله تعالى في هذا الصنف يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ فجعل التبديل في عين السيئة و هو ما ذكرناه و لقد أخبرني عبد الكريم بن وحشي المصري و كان من الرجال بمكة رحمه الله سنة تسع و تسعين و خمسمائة قال لي ركبت البحر من جدة نطلب الديار المصرية فلما مخرنا جئنا ليلة و نحن نجري في وسط البحر و قد نام أهل المركب فإذا شخص من الجماعة قد قام يريد قضاء الحاجة فزلقت رجله و وقع في البحر و أخذته الأمواج فسكت الرائس و ما تكلم و كانت الريح طيبة فما شعر رائس المركب إلا و الرجل يجي‏ء على وجه الماء حتى دخل المركب و صحبته طائر كبير فلما وصل إلى المركب طار الطائر و نزل بجامور الصاري على رأس القرية ثم رآه قد مد منقاره إلى إذن ذلك الرجل كأنه يكلمه ثم طار فلم يقل له الرائس شيئا حتى إذا كان في وقت آخر من النهار أخذه الرائس و أكرمه و سأله الدعاء فقال له الرجل ما أنا من القوم الذين يسأل منهم الدعاء فقال له الربان رأيتك البارحة و ما جرى منك فقال يا أخي ليس الأمر كما ظننت و لكني لما وقعت في البحر و أخذتني الأمواج تيقنت بالهلاك و علمت إن الاستغاثة بكم لا تفيد فقلت ذلك تقدير العزيز العليم مستسلما لقضاء الله فما شعرت إلا و طائر قد قبض علي و أقامني من بين الأمواج و حملني على موج البحر إلى أن أدخلني المركب كما رأيت فتعجبت من صنع الله و بقيت أتطلع إلى الطائر و أقول يا ليت شعري من يكون هذا الطائر الذي جعله الله سبب نجاتي و حياتي فمد الطائر منقاره من أعلى الصاري إلى أذني و قال لي أنا كلمتك ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ و به سميت فكان اسم ذلك الطائر ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فهذا مما أشرنا إليه من خلق الله الملائكة من الكلمات و تلك الكلمات تكون أسماءهم و بها يتميزون و بها يدعون كانت ما كانت و يختص بهذا المنزل علوم كثيرة و تجليات يطول الكلام فيها و يكفي هذا القدر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏