قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و الثمانون و مائتان في معرفة منزل التلاوة الأولى من الحض

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
كن للاله كبسم الله للبشرمن اسمه الرب رب الروح و الصور
فالخلق و الأمر و التكوين أجمعهله فلا فرق بين العقل و الحجر
كالزاهد المتعالي في غناه بهفلا يميز بين العين و المدر
و العارف المتعالي في نزاهتهله التميز بين العين و البصر ‏
إذ الرجوع إلى التحقيق شيمة منيرى المنازل في الأعلام و السور

أول ما أمر الله به عبده الجمع و هو الأدب و هو مشتق من المأدبة و هو الاجتماع على الطعام كذلك الأدب عبارة عن جماع الخير كله‏ قال صلى الله عليه و سلم إن الله أدبني أي جمع في جميع الخيرات لأنه قال فحسن أدبي‏ أي جعلني محلا لكل حسن فقيل للإنسان اجمع الخيرات فإن الله جعل في الدنيا عبده عاملا جابيا يجبي له سبحانه جميع ما رسم له فهو في الدنيا يجمع ذلك فما خلقه الله إلا للجمع فإن جمع ما أمر بجمعه و جباه كان سعيدا و وهبه الحق جميع ما جباه و أنعم عليه فكانت أجرته عين ما جمعه مع الثناء الإلهي الحسن عليه بالأمانة و العدل و عدم الظلم و الخيانة و إن كان عبد سوء خان في أمانته فأعطاها غير أهلها و جمع ما لم يؤمر بجمعه مما نهي عنه إن يدخل فيه نفسه و ترك جمع ما أمر بجمعه فلما انقلب إلى سيده و حصل في ديوان المحاسبة و قعد أهل الديوان يحاسبونه و رأى شدة الهول في حسابه و حساب غيره و رأى الأمناء الذين جبوا على حد ما رسم لهم قد سعدوا و آمنوا كثر عليه الغم و الحزن فمنهم من عفي عنه و خلى سبيله لشفاعة شافع و منهم من لم يكن له شفيع فعذب و عصر فمن عرف ما خلق له و عمل عليه استراح راحة الأبد مع أنه في نفسه في زمان جبايته على حذر و خطر و إن كان هذا فأحسن ما جمعه الإنسان في حياته العلم بالله و التخلق بأسمائه و الوقوف عند ما تقتضيه عبوديته و أن يوفي ما تستحقه مرتبة سيده من امتثال أوامره و منزل هذا الأمر من الأسماء الإلهية الاسم الرب و قد نعت الله سبحانه هذا الاسم بالعظمة و الكرم و العلو في مواضع من كتابه العزيز و ذكر ما جعل تحت حكمه و بيده من الأمور و جعل للباء في هذا المنزل سلطانا عظيما حيث جعلها واسطةبين الله و عبده فإن الله تعالى قال لعبده سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فأمره بتنزيهه فقال له العبد مقالة حال بما نسبحه فقال فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ أي لا تنزهه إلا بأسمائه لا بشي‏ء من أكوانه و أسماؤه لا تعرف إلا منه عندنا و إن كانت هذه المسألة مسألة خلاف بين علماء الرسوم فإذا لم تعرف أسماؤه إلا منه و لا ينزه إلا بها فكان العبد ناب مناب الحق في الثناء عليه بما أثنى هو على نفسه لا بما أحدثه العبد من نظره و أي شرف أعظم من شرف من ناب مناب الحق في الثناء عليه و المعرفة به فكان الحق استخلف عبده عليه في هذه الرتبة فلو إن المثنى على الله بأسمائه يعرف قدر هذه المنزلة التي أنزله الله فيها لفنى عن وجوده فرحا بما هو عليه ثم لا يخلو العبد في هذا الثناء إما أن يثني على الله بأسماء التنزيه أو بأسماء الأفعال فالمتقدم عندنا من جهة الكشف أن تبتدئ بأسماء التنزيه و بالنظر العقلي بأسماء الأفعال فلا بد من مشاهدة المفعولات فأول مفعول أشاهده الأقرب إلي و هو نفسي فأثنى عليه بأسماء فعله بي و في و كلما رمت أن أنتقل من نفسي إلى غيري اطلعت على حادث آخر أحدثه في نفسي بطلب يطلب مني الثناء عليه به فلا أزال كذلك أبد الأبد دنيا و آخرة و لا يكون إلا هكذا فانظر ما يبقى علي من منازل الثناء على الله من مشاهدة ما سواى من المخلوقين و هذا المشهد يطلب لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك و لهذا التتميم قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك و بعد الفراغ مني و من المخلوقين حينئذ أشرع في الثناء عليه بأسماء التنزيه و الفراغ من نفسي محال فالوصول إلى مشاهدة الأكوان بالفراغ من الأكوان محال فالوصول إلى أسماء التنزيه محال فإذا رأيت أحدا من العامة أو ممن يدعي المعرفة بالله يثني على الله بأسماء التنزيه على طريق المشاهدة أو بأسماء الأفعال من حيث ما هي متعلقة بغيره‏ فاعلم أنه ما عرف نفسه و لا شاهدها و لا أحس بآثار الحق فيه و من عمي عن نفسه التي هي أقرب إليه فهو على الحقيقة عن غيره أعمى و أضل سبيلا قال تعالى وَ من كانَ في هذِهِ أَعْمى‏ يعني في الدنيا و سماها دنيا لأنها أقرب إلينا من الآخرة قال تعالى إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا يريد القريبة وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى‏ يعني البعيدة فَهُوَ في الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا ثم لتعلم أنك من جملة أسمائه بل من أكملها اسما حتى إن بعض الشيوخ و هو أبو يزيد البسطامي سأله بعض الناس عن اسم الله الأعظم فقال أروني الأصغر حتى أريكم الأعظم أسماء الله كلها عظيمة فاصدق و خذ أي اسم إلهي شئت و لقيت الشيخ أبا أحمد بن سيد بون بمرسية و سأله إنسان عن اسم الله الأعظم فرماه بحصاة يشير إليه إنك اسم الله الأعظم و ذلك أن الأسماء وضعت للدلالة فقد يمكن فيها الاشتراك و أنت أدل دليل على الله و أكبره فلك إن تسبحه بك فإن قلت و هكذا في جميع الأكوان قلنا نعم إلا إنك أكمل دليل عليه و أعظمه من جميع الأكوان لكونه سبحانه خلقك على صورته و جمع لك بين يديه و لم يقل ذلك عن غيرك من الموجودات فإن قلت فقد وصف نفسه بالعظمة قلنا و قد وصفك بالعظمة و ندبك إلى تعظيمه فقال وَ من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ و أنت أعظم الشعائر فيتضمن قوله تعالى فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ إن تنزهه بوجودك و بالنظر في ذاتك فتطلع على ما أخفاه فيك من قرة أعين فأنت اسمه العظيم و من كونك على صورته ثبتت العلاقة بينك و بينه فقال يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و المحبة علاقة بين المحب و المحبوب و لم يجعلها إلا في المؤمنين من عباده و لا خفاء إن الشكل يألف شكله و هو الإنسان الكامل الذي لا يماثل في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و لك حرف لام ألف من الصورة فإنه يلتبس على الناظر أي الفخذين هو اللام و أيهما هو الألف للمشابهة في لآ تداخل كل واحد منهما على صاحبه و لهذا كان لام الألف من جملة الحروف و إن كان مركبا من ذاتين موجودتين في العلم غير مفترقتين في الشكل و لهذا وقع الإشكال في أفعالنا لنا أو لله فلا يتخلص في ذلك دليل يعول عليه فالألف لها الأحدية في المرتبة و الأول من العدد و اللام لها المرتبة الثالثة من أول مراتب العقد و الثلاثة هي أول الأفراد فقد ظهر التناسب بين الأحد و الفرد من حيث الوترية فهو أول في الأحدية و الإنسان الكامل أول في الفردية فاعلم ذلك و لهذا جاء في نشأة الإنسان أنه علقة من العلاقة و العلقية في ثالث مرتبة من أطوار خلقته فهي في الفردية المناسبة له من جهة اللام في مراتب العدد قال تعالى خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ و هذه‏ أول مرتبة ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ هدى ثانية ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً و هي المرتبة الفردية و لها الجمع و الإنسان محل الجمع لصورة الحضرة الإلهية و لصورة العالم الكبير و لهذا كان الإنسان وجوده بين الحق و العالم الكبير و انفصل جميع المولدات ما سوى الإنسان عن وجود الإنسان بأن جميع المولدات ما عداه موجودون عن العالم فهو عن أم بغير أب كوجود عيسى بن مريم صلوات الله عليه و إنما نبهناك على هذا لئلا تقول إن جميع المولدات وجدوا بين الله و العالم و ما كان الأمر كذلك و إلا فلا فائدة لقوله خلق آدم على صورته و لو كانت الصورة ما يتوهمه بعض أصحابنا بل شيوخنا من كونه ذاتا و سبع صفات فإن ذلك ليس بصحيح فإن الحيوان معلوم أن له ذاتا و أنه حي عالم مريد قادر متكلم سميع بصير فكان يبطل اختصاص الإنسان بالصورة و إنما جاءت على جهة التشريف له فلم يبق إلا أن تكون الصورة غير ما ذكروه فإن منعت العلم عن الحيوان كابرت الحس فإن الحيوان مفطور على العلم و أنه يوحى إليه كما قال وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ فإن نازعت في الكلام قلنا لك كلامه من جنس ما يليق بمزاجه و أما المكاشف فلا يحتاج معه إلى هذا فإنه يرى ما نرى و يعلم ما نعلم فإن قلت فكلامنا هو الحقيقة قلنا فالكلام الذي تثبته لنفسك إن أردت به الأصوات و الحروف المركبة فكلام الله عندك على خلاف هذا ليس بصوت و لا حرف إن كنت أشعريا و إن كنت معتزليا فالكلام لمن خلقه و إن كان الكلام عندك عبارة عن كلام النفس فذلك موجود في الحيوان فصوت السنور إذا طلب ما يأكل خلاف صوته إذا طلب ما ينكح فقد أعرب بصوته عما حدثته به نفسه فإن قلت إن ذلك الذي في النفس إرادة و ليس بكلام قلنا و كذلك الإنسان الذي في نفسه إرادة و ليس بكلام فإن قلت ما استدل به أبو إسحاق الأسفراييني الأستاذ من حديث النفس بما مضى و ما مضى لا يكون مرادا إذن فليست إرادة أعني ذلك الذي في النفس قلنا ذلك هو العلم بما قد مضى و التبس عليك و لا دليل لهم على كلام النفس أوضح من هذا و هو مدخول كما رأيت فخرج من هذا أن قوله صلى الله عليه و سلم على صورته لا يريد ما ذكره أصحابنا من الذات و الصفات و كل الجماعة على ذلك فابحث على هذا الكنز حتى يفتح الله عليك به كما فتح به على من شاء من خلقه في قوله يُلْقِي الرُّوحَ من أَمْرِهِ عَلى‏ من يَشاءُ من عِبادِهِ و مما يختص به هذا المنزل من العلوم أيضا إن الله لما خلق العقل الأول أعطاه من العلم ما حصل له به الشرف على من هو دونه و مع هذا ما قال فيه إنه مخلوق على الصورة مع أنه مفعول إبداعي كما هي النفس مفعول انبعاثي فلما خلق الله الإنسان الكامل أعطاه مرتبة العقل الأول و علمه ما لم يعلمه العقل من الحقيقة الصورية التي هي الوجه الخاص له من جانب الحق و بها زاد على جميع المخلوقات و بها كان المقصود من العالم فلم تظهر صورة موجود إلا بالإنسان و العقل الأول على عظمه جزء من الصورة و كل موجود مما عدا الإنسان إنما هو في البعضية و لهذا ما طغى أحد من الخلائق ما طغى الإنسان و علا في وجوده فادعى الربوبية و أكبر العصاة إبليس و هو الذي يقول إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ عند ما يكفر الإنسان إذا وسوس في صدره بالكفر و ما ادعى قط الربوبية و إنما تكبر على آدم لا على الله فلو لا كمال الصورة في الإنسان ما ادعى الربوبية فطوبى لمن كان على صورة تقتضي له هذه المنزلة من العلو و لم تؤثر فيه و لا أخرجته من عبوديته فتلك العصمة التي حبانا الله بالحظ الوافر منها في وقتنا هذا فالله يبقيها علينا فيما بقي من عمرنا إلى أن نقبض عليها أنا و جميع إخواننا و محبينا بمنه لا رب غيره و من هذا المنزل تعرف عقوبة من لم يعرف قدره و جاز حده و احتجب بالصورة عما أراد الحق منه في خلقه بما أخبر به في شريعته فقال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ثم لتعلم إن علم القربة في هذا المنزل من وقف عليه و شاهده كان على بينة من ربه فيما يتقرب إليه به و هو ما نبهناك عليه و مما يتضمنه هذا المنزل خاصة علم الجمع بين التقدير و الإيجاد و لا تجد ذلك في منزل من المنازل مفصلا لا واسطة بينهما إذ كان التقدير يتقدم الإيجاد في نفس الأمر في عالم الزمان و لهذا قيل و بعض الناس يخلق ثم لا يفري‏ فاعلم أنه لم يكن في الأزل شي‏ء يقدر به ما يكون في الأبد إلا الهو فأراد الهو أن يرى نفسه رؤية كمالية تكون لها و يزول في حقه حكم الهو فنظر في الأعيان الثابتة فلم يرعينا يعطي النظر إليها هذه الرتبة الأنانة إلا عين الإنسان الكامل فقدرها عليه و قابلها به فوافقت إلا حقيقة واحدة نقصت عنه و هي وجودها لنفسها فأوجدها لنفسها فتطابقت‏الصورتان من جميع الوجوه و قد كان قدر تلك العين على كل ما أوجده قبل وجود الإنسان من عقل و نفس و هباء و جسم و فلك و عنصر و مولد فلم يعط شي‏ء منها رتبة كمالية إلا الوجود الإنساني و سماه إنسانا لأنه آنس الرتبة الكمالية فوقع بما رآه الإنس له فسماه إنسانا مثل عمران فالألف و النون فيه زائدتان في اللسان العربي فإن قلت فلما ذا ينصرف و عمران لا ينصرف قلنا في عمران علتان و هما اللتان منعتاه من الصرف و هما الزيادة و التعريف أعني تعريف العلمية و الإنسان ليس كذلك فإن فيه علة واحدة و هي الزيادة و ما لفظ الإنسان للإنسان اسم علم و إنما تعريفه إذا سمي بآدم فلما سمي بآدم لم ينصرف للتعريف و الوزن و إنما سمي باسم معلول بعلة تمنعه من الصرف الذي هو التصرف في جميع المراتب ليعلم في صورته الإلهية أنه مقهور ممنوع عبد ذليل مفتقر إذ كانت الصورة الإلهية تعطيه التصرف في جميع المراتب و لهذا سمي بإنسان فرفع و خفض و نصب و ما ثم في الأسماء مرتبة أخرى فهو إنسان من حيث الصورة و منها يتصرف في المراتب كلها و منع الصرف من حيث هو في قبضة موجدة ملك يبقيه ما شاء و يعدمه إن شاء فبالصورة نال الخلافة و التصريف و اسم الإنسانية فمن إنسانيته ثبت أنه غير يؤنس به و من الخلافة ثبت أنه عبد فقير ما له قوة من استخلفه بل الخلافة خلعت عليه يزيلها متى شاء و يجعلها على غيره كما قد وقع و لهذا قال تعالى هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الْأَرْضِ و هي محل الخفض إذ الخفض لا يليق بالجناب العالي فلهذا أقام له نائبا فيه ليعلم أنه عبد فلو استخلف الإنسان في السماء مع وجوده على الصورة لم يشاهد عبوديته في رفعته للصورة و المكان و المكانة فربما طغى و لو طغى ما وقع الأنس به و لهذا من زاحم قصم‏ قال الله الكبرياء ردائي و العظمة إزاري من نازعني واحدا منهما قصمته‏ فالعبد صغير في كبرياء الحق فإن هذا الكبرياء الإلهي ألبسه الصغار و هو حقير في عظمة الحق فإن هذه العظمة الإلهية ألبسته الحقارة فالصغار رداء العبد و الحقارة إزاره فمن نازعه من الأناسي واحدة منهما أي طلب مشاركته فيهما عصم لا قصم و رحم ما حرم و لهذا خلق فتأمل أيها الإنسان لم سماك إنسانا و تأمل لم سماك خليفة و تأمل لم سماك آدم في أول صورة ظهرت و لا تتعد ما تعطيه حقيقة هذه الأسماء و لا تغب عنك فتكون من المفلحين و لهذا ختم الاستخلاف الكامل باسم منصرف و هو محمد صلى الله عليه و سلم ليجبر به ما منع آدم من التصريف فإنه ما منع إلا لعلة قامت به و هو أول في هذا النوع فعصم باسم غير منصرف ليعلم أنه تحت الحجر مقهور لا ينصرف و لا يتصرف إلا فيما حد له ثم بعد ذلك أعطى التصريف جماعة من الخلفاء كنوح و شيث و شعيب و صالح و محمد و هود و لوط و غيرهم لأنه أمن بالأول وقوع ما كان يحذر ثم إنه تخلل هؤلاء الخلفاء أسماء لا تنصرف كإدريس و إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب و سليمان و داود تنبيها للإنسان إذا سلك طريق الله ثم عاد بعد قطع الأسباب و الاعتماد على الله إلى القول بالأسباب و الوقوف عندها لكون الحق وضعها و ربط الأمور بها و حاله الاعتماد على الله و الطبع من عادته الألفة و يسرق صاحبه إلى الركون لمألوفه كما قلنا لأنه إنسان يأنس بمألوفه فربما يتخلله اعتماد على السبب فيضعف اعتماده على الله تعالى فيتفقد نفسه بقطع الأسباب وقتا بعد وقت كما فعل الله بأسماء الخلائف وقتا دعاهم باسم يقتضي لهم التصريف و وقتا دعاهم باسم يمنعهم التصريف تعليما لهم لئلا يقعوا في محظور محذور قال تعالى عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ فلهذا كانت هذه الأسماء التي تمنع الصرف في بعض الخلفاء و أما الذين أعطوا التصريف فهم على قسمين منهم من أعطى التصريف ظاهرا و معنى و هو التصريف الكامل فلهم الاسم الكامل مثل محمد و صالح و شعيب و كل اسم منصرف ظاهر لواحد من هؤلاء الخلفاء و القسم الآخر أعطى التصريف معنى لا ظاهرا فليست له علة تمنعه من الصرف في المعنى و كان آخره حرف علة منعه ذلك الحرف من التصرف في الظاهر فكان مقصورا و سمي ذلك الاسم مقصورا كموسى و عيسى و يحيى فقصروا على المعنى دون الظاهر و سميت هذه بالمقصورة أي قصرت عن درجة التصرف في الظاهر و حبست عنه و منه حور مقصورات في الخيام و إنما قصر من قصر منهم صيانة لا سجنا فصانوا مثل هؤلاء كما صين من لم ينصرف من الأسماء عناية ثم إن الله تعالى لما أراد أن لا يحجبهم عنهم طبا في حقهم لما يعلم ما تقتضيه هذه النشأة من العلل إذ كان الكمال لا يطاق حكمه إلا بالعناية الإلهية فكان من العناية الإلهية بهم إن أجرى عليهم الأسماء النواقص‏ليعلموا أنهم في مرتبة النقص و هو كمالهم عن الكمال الإلهي فقال وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ به يعني محمدا صلى الله عليه و سلم فكنى عنه بالذي جاء بالصدق و الذي من الأسماء النواقص و لما علم إن العبد المقرب يتألم بظهور نقصه و يخاف من الحاقة بالعدم و رجوعه إلى أصله آنسه سبحانه من باب اللطف و الكرم فسمى سبحانه نفسه بالأسماء النواقص فقال هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ و قال هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ من السَّماءِ و ليس في القرآن لله تعالى أكثر من الأسماء النواقص فكان ذلك تأمينا للخلفاء فإنهم قاطعون بأن الحق ليس له مرتبة النقص و لا يقبلها و مع ذلك قد جرت عليه الأسماء النواقص فلو أثرت الأسماء لذاتها في المسمى لأثرت في الله و هي غير مؤثرة فيه إذا فنرجو أنها لا تؤثر فينا تأثير العدم و لكن كمالنا في أن تؤثر فينا تأثير وقوفنا مع عجزنا و فقرنا و هذا الباب الذي فتحناه علينا في هذا المنزل باب واسع لا يتسع الوقت لا يراد بعض ما يعطيه فليكف هذا القدر منه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر التاسع عشر من الفتوح المكي وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏