قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب التاسع و الثمانون و مائتان في معرفة منزل العلم الأمي الذي ما تق

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
العلم بالله تزيين و تحليةو العلم بالفكر تشبيه و تضليل‏‏
و العلم بالفكر إجمال و مغلطةو العلم بالله تحقيق و تفصيل‏
و العلم بالفكر أعلام مجردةو العلم بالله تحويل و تبديل‏
فلا تغرنك أقوال مزخرفةفإن مدلولها جهل و تعليل‏
فالفيلسوف يرى نفي الإله بماتعطيه علته و ذاك تعطيل‏
و الأشعري يرى عينا مكثرةو ذاك علم و لكن فيه تمثيل‏

الأمية عندنا لا تنافي حفظ القرآن و لا حفظ الأخبار النبوية و لكن الأمية عندنا من لم يتصرف بنظره الفكري و حكمه العقلي في استخراج ما تحوي عليه من المعاني و الأسرار و ما تعطيه من الأدلة العقلية في العلم بالإلهيات و ما تعطيه للمجتهدين من الأدلة الفقهية و القياسات و التعليلات في الأحكام الشرعية فإذا سلم القلب من علم النظر الفكري شرعا و عقلا كان أميا و كان قابلا للفتح الإلهي على أكمل ما يكون بسرعة دون بطء و يرزق من العلم اللدني في كل شي‏ء ما لا يعرف قدر ذلك إلا نبي أو من ذاقه من الأولياء و به تكمل درجة الايمان و نشأته و يقف بهذا العلم على إصابة الأفكار و غلطاتها و بأي نسبة ينسب إليها الصحة و السقم و كل ذلك من الله و يعلم مع حكمه بالباطل أنه لا باطل في الوجود إذ كان كل ما دخل في الوجود من عين و حكم لله تعالى لا لغيره فلا عبث و لا باطل في عين و لا حكم إذ لا فعل إلا لله و لا فاعل إلا الله و لا حكم إلا لله و لا حاكم إلا الله فمن تقدمه العلم بما ذكرناه فبعيد إن يحصل له من العلم اللدني الإلهي ما يحصل للأمي منا الذي ما تقدمه ما ذكرناه فإن الموازين العقلية و ظواهر الموازين الاجتهادية في الفقهاء ترد كثيرا مما ذكرناه إذ كان الأمر جله و معظمه فوق طور العقل و ميزانه لا يعمل هنالك و فوق ميزان المجتهدين من الفقهاء لا فوق الفقه فإن ذلك عين الفقه الصحيح و العلم الصريح و في قصة موسى و الخضر دليل قوي على ما ذكرناه فكيف حال الفقيه و أين الأينية و ما شاكلها التي نسبها الشارع و الكشف إلى الإله من الموازين النظرية و البراهين العقلية على زعم العقل و حكم المجتهد فالرحمة التي يعطيها الله عبده أن يحول بينه و بين العلم النظري و الحكم الاجتهادي من جهة نفسه حتى يكون الله يحابيه بذلك في الفتح الإلهي و العلم الذي يعطيه من لدنه قال تعالى في حق عبده خضر عَبْداً من عِبادِنا فأضافه إلى نون الجمع آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا بنون الجمع وَ عَلَّمْناهُ بنون الجمع من لَدُنَّا بنون الجمع عِلْماً أي جمع له في هذا الفتح العلم الظاهر و الباطن و علم السر و العلانية و علم الحكم و الحكمة و علم العقل و الوضع و علم الأدلة و الشبه و من أعطى العلم العام و أمر بالتصرف فيه كالأنبياء و من شاء الله من الأولياء أنكر عليه و لم ينكر هذا الشخص على أحد ما يأتي به من العلوم و إن حكم بخلافه و لكن يعرف موطنه و أين يحكم به فيعطي البصر حقه في حكمه و سائر الحواس و يعطي العقل حكمه و سائر القوي المعنوية و يعطي النسب الإلهية و الفتح الإلهي حكمهم فبهذا يزيد العالم الإلهي على غيره و هوالبصيرة التي نزل القرآن بها في قوله تعالى أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و هو تتميم قوله تعالى بَعَثَ في الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ فهو النبي الأمي الذي يدعو على بصيرة مع أميته و الأميون هم الذين يدعون معه إلى الله على بصيرة فهم التابعون له في الحكم إذ كان رأس الجماعة و المجتهد و صاحب الفكر لا يكون أبدا على بصيرة فيما يحكم به فأما المجتهد فقد يحكم اليوم في نازلة شرعية بحكم فإذا كان في غد لاح له أمر آخر أبان له خطأ ما حكم به بالأمس في النازلة فرجع عنه و حكم اليوم بما ظهر له و يمضي الشارع حكمه في الأول و الآخر و يحرم عليه الخروج عما أعطاه الدليل في اجتهاده في ذلك الوقت فلو كان على بصيرة لما حكم بالخطإ في النظر الأول بخلاف حكم النبي فإن ذلك صحيح أعني الحكم الأول ثم رفع الله ذلك الحكم بنقيضه و سمي ذلك نسخا و أين النسخ من الخطاء فالنسخ يكون مع البصيرة و الخطاء لا يكون مع البصيرة و كذلك صاحب العقل و هو واقع من جماعة من العقلاء إذا نظروا و استوفوا في نظرهم الدليل و عثروا على وجه الدليل أعطاهم ذلك العلم بالمدلول ثم تراهم في زمان آخر أو يقوم لهم خصم من طائفة أخرى كمعتزلي و أشعري أو برهمى أو فيلسوف بأمر آخر يناقض دليله الذي كان يقطع به و يقدح فيه فينظر فيه فيرى إن ذلك الأول كان خطأ و أنه ما استوفى أركان دليله و أنه أخل بالميزان في ذلك و لم يشعر و أين هذا من البصيرة و لما ذا لا يقع له هذا في ضرورات العقل فالبصيرة في الحكم لأهل هذا الشأن مثل الضروريات للعقول فمثل هذا العلم ينبغي للإنسان أن يفرح به حكي عن أبي حامد الغزالي المترجم عن أهل هذه الطريقة بعض ما كانوا يتحققون به قال لما أردت أن انخرط في سلكهم و آخذ مأخذهم و أغرف من البحر الذي اغترفوا منه خلوت بنفسي و اعتزلت عن نظري و فكري و شغلت نفسي بالذكر فانقدح لي من العلم ما لم يكن عندي ففرحت بذلك و قلت إنه قد حصل لي ما حصل للقوم فتأملت فيه فإذا فيه قوة فقهية مما كنت عليه قبل ذلك فعلمت أنه بعد ما خلص لي فعدت إلى خلوتي و استعملت ما استعمله القوم فوجدت مثل الذي وجدت أولا و أوضح و أسنى فسررت فتأملت فإذا فيه قوة فقهية مما كنت عليه و ما خلص لي عاودت ذلك مرارا و الحال الحال فتميزت عن سائر النظار أصحاب الأفكار بهذا القدر و لم ألحق بدرجة القوم في ذلك و علمت أن الكتابة على المحو ليست كالكتابة على غير المحو أ لا ترى الأشجار منها ما يتقدم ثمره زهره و هو كمرتبة علماء النظر إذا دخلوا طريق الله كالفقيه و المتكلم و منه ما لا يتقدم ثمره زهره و هو الأمي الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري فيأتيه ذلك بأسهل الوجوه و سبب ذلك أنه لما كان لا فاعل إلا الله و جاء هذا الفقيه و المتكلم إلى الحضرة الإلهية بميزانهما ليزنوا على الله و ما عرفوا إن الله تعالى ما أعطاهم تلك الموازين إلا ليزنوا بها لله لا على الله فحرموا الأدب و من حرم الأدب عوقب بالجهل بالعلم اللدني الفتحي فلم يكن على بصيرة من أمره فإن كان وافر العقل علم من أين أصيب فمنهم من دخل و ترك ميزانه على الباب حتى إذا خرج أخذه ليزن به لله و هذا أحسن حالا ممن دخل به على الله و لكن قلبه متعلق بما تركه إذ كان في نفسه الرجوع إليه فحرم من الحق المطلوب بقدر ما تعلق به خاطره فيما تركه للالتفات الذي له إليه و أحسن من هذا حالا من كسر ميزانه فإن كان خشبا أحرقه و إن كان مما يذوب أذابه أو برده حتى يزول كونه ميزانا و إن بقي عين جوهره فلا يبالي و هذا عزيز جدا ما سمعنا أن أحدا فعله فإن فرضنا و ليس بمحال إن الله قوى بعض عباده حتى فعل مثل هذا كما ذكر أبو حامد الغزالي عن نفسه أنه بقي أربعين يوما حائرا و هذا خطر ليس حال الأمي على هذا فإن الأمي يدخل إلى الله مؤمنا و هذه الحال التي ذكرها أبو حامد ليست حال القوم و إنما هي حالة من لم يكن على شريعة فأراد إن يعرف ما ثم فسأل فدل على طريق القوم فدخل ليعرف الحق بتعريف الله فهذا أيضا طاهر المحل و أبو حامد كان محله مشغولا بالحيرة فلم يقو قوة هذا في قبول ما يرد به الفتح الإلهي فإذا اتفق على التقدير أن يفتح على مثل هذا الشخص الذي هو بهذه المثابة أبصر فيما يفتح له به تلك الموازين التي أذهبها فيعجب من ذلك فلما خرج خرج بها فوزن بها لله لا عليه كما فعلته الأنبياء عليهم السلام فهو لا يرد شيئا و لا يضع شيئا في غير ميزانه و ارتفع الغلط و الشك و عرف معنى قوله وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فجعلها موازين كثيرة ليزن بكل ميزان ما وضع له و لما وزن المتكلم بميزان عقله ما هو خارج عن‏العقل لكونه وراء طوره و هو النسب الإلهية لم يقبله ميزانه و رمى به و كفر به و تخيل أنه ما ثم حق إلا ما دخل في ميزانه و المجتهد الفقيه وزن حكم الشرع بميزان نظره كالشافعي المذهب مثلا أراد أن يزن بميزانه تحليل النبيذ الذي قبله ميزان أبي حنيفة فرمى به ميزان الشافعي فحرمه و قال أخطأ أبو حنيفة و لم يكن ينبغي للشافعي المذهب مثلا أن يقول مثل هذا دون تقييد و قد علم إن الشرع قد تعبد كل مجتهد بما أداه إليه اجتهاده و حرم عليه العدول عن دليله فما وفى الصنعة حقها و أخطأ الميزان العام الذي يشمل حكم الشريعة على الإطلاق و هو الذي استند إليه علماء الشريعة بلا خلاف في أصول الأدلة و في فروع الأحكام فأما في الأصول فالمثبتون القياس دليلا أداهم إلى ذلك اجتهادهم المشروع لهم و قد علم المخالف لهم من الظاهرية أن كل مجتهد متعبد بما أعطاه اجتهاده و لكن يقول فيهم إنهم أخطئوا في إثباتهم القياس دليلا و ليس للظاهرية تخطئة ما قرره الشرع حكما فيثبت القياس دليلا شرعا و يثبت نفي القياس أن يكون دليلا شرعا و أما في الفروع‏ فكعلي رضي الله عنه الذي يرى نكاح الربيبة إذا لم تكن في الحجر و إن دخل بأمها لعدم وجود الشرطين معا و إنه بوجودهما تحرم الربيبة يعني بالمجموع و المخالف لا يرى ذلك فالميزان العام يمضي حكم كل واحد منهما و لكن العامل بالميزان العام قليل لعدم الإنصاف فقد بينا في هذا الفصل سبب الحرمان الذي حكم على الفقهاء العقلاء النظار فلم يلجوا باب هذا العلم الشريف الإحاطي الذي يسلم لكل طائفة ما هي عليه سواء قادهم ذلك إلى السعادة أو إلى الشقاء و لا يسلم له أحد طريقه سوى من ذاق ما ذاقوه و آمن به كما قال أبو يزيد إذا رأيتم من يؤمن بكلام أهل هذه الطريقة و يسلم لهم ما يتحققون به فقولوا له يدعو لكم فإنه مجاب الدعوة و كيف لا يكون مجاب الدعوة و المسلم في بحبوحة الحضرة و لكن لا يعرف أنه فيها لجهله بها فالله يجعلنا ممن جعل له نورا من النور الذي يَهْدِي به من يَشاءُ من عِبادِهِ حتى يهدي به إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ الله الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ من الموازين و الصراطات أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ و ترجع قال تعالى في معرض الامتنان منه على رسوله صلى الله عليه و سلم وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً من أَمْرِنا و هو قوله يُلْقِي الرُّوحَ من أَمْرِهِ ... ما كُنْتَ تَدْرِي ما الْكِتابُ وَ لا الْإِيمانُ و هو عرو المحل عن كل ما يشغله عن قبول ما أوحي به إليه وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً يعني هذا المنزل نَهْدِي به من نَشاءُ من عِبادِنا فجاء بمن و هي نكرة في الدلالة مختصة عنده ببعض عباده من نبي أو ولي و إنك لتهدي بذلك النور الذي هديتك به فإن كان هذا العبد نبيا فهو شرع و إن كان وليا فهو تأييد لشرع النبي و حكمه أمر مشروع مجهول عند بعض المؤمنين به إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في حق النبي طريق السعادة و العلم و في حق الولي طريق العلم لما جهل من الأمر المشروع فيما يتضمنه من الحكمة قال تعالى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ من يَشاءُ وَ من يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً لا يقال فيه قليل ثم قال وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ و اللب نور في العقل كالدهن في اللوز و الزيتون و التذكر لا يكون إلا عن علم منسي فتنبه لما حررناه في هذه الآيات تسعد إن شاء الله تعالى و بعد أن أبنت لك عن مرتبة هذا العلم من هذا المنزل فلنبين أصل هذا العلم و مادة بقائه و حجاب مادته و بما ذا يوصل إلى ذلك بتأييد الله و توفيقه‏ فاعلم إن أصل هذا العلم الإلهي هو المقام الذي ينتهي إليه العارفون و هو أن لا مقام كما وقعت به الإشارة بقوله تعالى يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ و هذا المقام لا يتقيد بصفة أصلا و قد نبه عليه أبو يزيد البسطامي رحمه الله لما قيل له كيف أصبحت فقال لا صباح لي و لا مساء إنما الصباح و المساء لمن تقيد بالصفة و أنا لا صفة لي فالصباح للشروق و المساء للغروب و الشروق للظهور و عالم الملك و الشهادة و الغروب للستر و عالم الغيب و الملكوت فالعارف في هذا المقام كالزيتونة المباركة التي لا هي شرقية و لا غربية فلا يحكم على هذا المقام وصف و لا يتقيد به و هو حظه من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ فالمقام الذي بهذه المثابة هو أصل هذا العلم و بين هذا الأصل و هذا العلم مراتب فالأصل هو الثبات على التنزيه عن قبول الوصف و الميل إلى حال دون حال ثم ينتج هذا الثبات صورة يتصف بها العارف لها ظاهر و لها باطن فالباطن منها لا يصل إليه إلا بعد المجاهدة البدنية و الرياضة النفسية فإذا وصل إلى سر هذا الباطن و هو علم خاص هو لهذا العلم المطلوب كالدهن للسراج و العلم‏كالسراج فلا يظهر لهذا العلم ثمرة إلا في العلماء به كما لا يظهر للدهن حكم إلا في السراج القائم بالفتيلة و هنا يقع له اكتساب الأوصاف التي نزهنا الأصل عنها في ذلك المقام و في هذا المقام نصفه بها من أجلنا لا من أجله فهذا الوصف للآثار لا له كان الله و لا شي‏ء معه و سيأتي الكلام على هذا الأصل في الباب الخمسين و ثلاثمائة من هذا الكتاب و مما يتضمنه هذا المنزل علم خلق الأجسام الطبيعية و أن أصلها من النور و لذلك إذا عرف الإنسان كيف يصفي جميع الأجسام الكثيفة الظلمانية أبرزها شفافة للنورية التي هي أصلها مثل الزجاج إذا خلص من كدورة رملة يعود شفافا و جلى الأحجار من هذا الباب و معادن البلور و المها و إنما كان ذلك لأن أصل الموجودات كلها الله من اسمه نُورُ السَّماواتِ و هي ما علا وَ الْأَرْضِ و هي ما سفل فتأمل في إضافته النور إلى السموات و الأرض و لو لا النورية التي في الأجسام الكثيفة ما صح للمكاشف أن يكشف ما خلف الجدران و ما تحت الأرض و ما فوق السموات و لو لا اللطافة التي هي أصلها ما صح اختراق بعض الأولياء الجدران و لا كان قيام الميت في قبره و التراب عليه أو التابوت مسمرا عليه مجعولا عليه التراب لا يمنعه شي‏ء من ذلك عن قعوده و إن كان الله قد أخذ بأبصارنا عنه و يكشفه المكاشف منا و قد ورد في ذلك أخبار كثيرة و حكايات عن الصالحين و لهذا ما ترى جسما قط خلقه الله و بقي على أصل خلقته مستقيما قط ما يكون أبدا إلا مائلا للاستدارة لا من جماد و لا من نبات و لا من حيوان و لا سماء و لا أرض و لا جبل و لا ورق و لا حجر و سبب ذلك ميلة إلى أصله و هو النور فأول موجود العقل و هو القلم و هو نور إلهي إبداعي و أوجد عنه النفس و هو اللوح المحفوظ و هي دون العقل في النورية للواسطة التي بينها و بين الله و ما زالت الأشياء تكثف حتى انتهت إلى الأركان و المولدات و بما كان لكل موجود وجه خاص إلى موجدة به كان سريان النور فيه و بما كان له وجه إلى سببه به كان فيه من الظلمة و الكثافة ما فيه فتأمل إن كنت عاقلا فلهذا كان الأمر كلما نزل أظلم و أكثف فأين منزلة العقل من منزلة الأرض كم بينهما من الوسائط ثم لتعلم إن جسم الإنسان آخر مولد فهو آخر الأولاد مركب من حَمَإٍ مَسْنُونٍ صَلْصالٍ و هو كما رأيت مائل إلى الاستدارة و إن كانت له الحركة المستقيمة دون البهائم و النبات و فيه من الأنوار المعنوية و الحسية و الزجاجية ما فيه مما لا تجده في غيره من المولدات بما أعطاه الله من القوي الروحانية فما قبلها إلا بالنورية التي فيه فهي المناسبة لقبول هذه الإدراكات و لهذا قال تعالى وَ آيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فاعلم إن النور مبطون في الظلمة فلو لا النور ما كانت الظلمة و لم يقل نسلخ منه النور إذ لو أخذ منه النور لانعدم وجود الظلام إن كان أخذ عدم و إن كان أخذ انتقال تبعه حيث ينتقل إذ هو عين ذاته و النهار من بعض الأنوار المتولدة عن شروق الشمس فلو لا إن للظلمة نورا ذاتيا لها ما صح أن تكون ظرفا للنهار و لا صح أن تدرك و هي مدركة و لا يدرك الشي‏ء إن لم يكن فيه نور يدرك به من ذاته و هو عين وجوده و استعداده بقبول إدراك الأبصار بما فيها من الأنوار له و اختص الإدراك بالعين عادة و إنما الإدراك في نفسه إنما هو لكل شي‏ء فكل شي‏ء يدرك بنفسه و بكل شي‏ء أ لا ترى الرسول صلى الله عليه و سلم كيف كان يدرك من خلف ظهره كما كان يدرك من أمامه و لم يحجبه كثافة عظم الرأس و عروقه و عظامه و عصبه و مخه غير إن الله أعطى الظلمة و الكثافة الأمانة فهي تستر ما تحوي عليه و لهذا لا تظهر ما فيها فإذا ظهر فيكون خرق عادة لقوة إلهية أعطاها الله بعض الأشخاص و إذا أمر من أودع الأمانة من أودعها أن يظهرها لمن شاءه المودع و هو الحق تعالى فله أن يؤديها إليه فلا أمين مثل الأجسام المظلمة على ما تنطوي عليه من الأنوار و قد نبه الله على أمانتهم بذكر بعضهم في قوله وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ فسماه أمينا و هو أرض ذو جدران و أسوار و تراب و طين و لبن فوصفه بالأمانة و أقسم به كما أقسم بغيره تعظيما لمخلوقات الله و تعليما لنا أن نعظم خالقها و نعظمها بتعظيم الله إياها لا من جهة القسم بها فإنه لا يجوز لنا أن نقسم بها و من أقسم بغير الله كان مخالفا أمر الله و هي مسألة فيها خلاف بين علماء الرسوم مشهور أعني القسم بغير الله فكلما اعوجت الأجسام كانت أقرب إلى الأصل الذي هو الاستدارة فإن أول شكل قبل الجسم الأول الاستدارة فكان فلكا و لما كان ما تحته عنه كان مثله و ما بعد عنه كان قريبا منه و لو لم تكن الطبيعة نورا في أصلها لما وجدت بين النفس الكلية و بين الهيولى الكل و الهيولى الذي هو الهباء أول ما ظهر الظلام بوجودها فهو جوهر مظلم فيه ظهرت الأجسام الشفافة و غيرها فكل ظلام في العالم من جوهر الهباء الذي هو الهيولى و بما هي في أصلها من النور قبلت جميع الصور النورية للمناسبة فانتفت ظلمتها بنور صورها فإن الصورة أظهرتها فنسبت إلى الطبع الظلمة في اصطلاح العقلاء و عندنا ليست الظلمة عبارة عن شي‏ء سوى الغيب إذ الغيب لا يدرك بالحس و لا يدرك به و الظلمة تدرك و لا يدرك بها فلو لا إن الظلمة نور ما صح أن تدرك و لو كانت غيبا ما صح أن تشهد فالغيب لا يعلمه إلا هو و هذه كلها مفاتيح الغيب و لكن لا يعلم كونها مفاتح إلا الله يقول تعالى وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ و إن كانت موجودة بيننا لكن لا نعلم أنها مفاتح للغيب و إذا علمنا بالأخبار أنها مفاتح لا نعلم الغيب حتى نفتحه بها فهذا بمنزلة من وجد مفتاح بيت و لا يعرف البيت الذي يفتحه به عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً ثم لتعلم بعد ما عرفتك بسريان النور في الأشياء أن الخلق بين شقي و سعيد فبسريان النور في جميع الموجودات كثيفها و لطيفها المظلمة و غير المظلمة أقرت الموجودات كلها بوجود الصانع لها بلا شك و لا ريب و بما له الغيب المطلق لا تعلم ذاته من طريق الثبوت لكن تنزه عما يليق بالمحدثات كما أن الغيب يعلم أن ثم غيبا و لكن لا يعلم ما فيه و لا ما هو فإذا وردت الأخبار الإلهية على ألسنة الروحانيين و نقلتها إلى الرسل و نقلتها الرسل عليهم السلام إلينا فمن آمن بها و ترك فكره خلف ظهره و قبلها بصفة القبول التي في عقله و صدق المخبر فيما أتاه به فإن اقتضى عملا زائدا على التصديق به عمله فذلك المعبر عنه بالسعيد و هو مما أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ و له الجزاء بما وعده به من الخير في دار القرار و النعيم الدائم الذي لا يجري إلى أجل مسمى فينقطع بحلول أجله من حيث الجملة حكما إلهيا لا يتبدل و لا ينخرم و لا ينتسخ و من لم يؤمن بها و جعل فكره الفاسد أمامه و اقتدى به و رد الأخبار النبوية إما بتكذيب الأصل و إما بالتأويل الفاسد فإن كذب المخبر بما أتاه به و لم يعمل بمقتضى ما قيل له إن اقتضى ذلك عملا زائدا على التصديق به فذلك المعبر عنه بالشقي و هو من جهة ما فيه من الظلمة كما آمن السعيد من جهة ما فيه من النور و له الجزاء بما أوعده إن كذب من الشر في دار البوار و عدم القرار لوجود العذاب الدائم الذي لا يجري إلى أجل مسمى و إن كان له أجل في نفس الأمر من حيث الجملة حكما إلهيا عدلا كما كان في السعيد فضلا لا يتبدل و لا ينخرم و لا ينتسخ و في هذا خلاف بين أهل الكشف و هي مسألة عظيمة بين علماء الرسوم من المؤمنين و بين أهل الكشف و كذلك أيضا بين أهل الكشف فيها الخلاف هل يتسرمد العذاب عليهم إلى ما لا نهاية له أو يكون لهم نعيم بدار الشقاء فينتهي العذاب فيهم إلى أجل مسمى و اتفقوا في عدم الخروج منها و إنهم بها ماكثون إلى ما لا نهاية له فإن لكل واحدة من الدارين ملؤها و تتنوع عليهم أسباب الآلام ظاهرا لا بد من ذلك و هم يجدون في ذلك لذة في أنفسهم بالخلاف المتقدم باطنا بعد ما يأخذ الألم منهم جزاء العقوبة حدثني عبد الله الموروري في جماعة غيره عن أبي مدين إمام الجماعة أنه قال يدخل أهل الدارين فيهما السعداء بفضل الله و أهل النار بعدل الله و ينزلون فيهما بالأعمال و يخلدون فيهما بالنيات و هذا كشف صحيح و كلام حر عليه حشمة فيأخذ جزاء العقوبة الألم موازيا لمدة المعمر في الشرك في الدنيا فإذا فرغ الأمد جعل لهم نعيم في النار بحيث إنهم لو دخلوا الجنة تألموا لعدم موافقة المزاج الذي ركبهم الله فيه فهم يتلذذون بما هم فيه من نار و زمهرير و ما فيها من لدغ الحيات و العقارب كما يلتذ أهل الجنة بالظلال و النور و لثم الحور الحسان لأن مزاجهم يقضي بذلك أ لا ترى الجعل في الدنيا هو على مزاج يتضرر بريح الورد و يلتذ بالنتن كذلك من خلق على مزاجه و قد وقع في الدنيا أمزجة على هذا شاهدناها فما ثم مزاج في العالم إلا و له لذة بالمناسب و عدم لذة بالمنافر أ لا ترى المحرور يتألم بريح المسك فاللذات تابعة للملائم و الآلام لعدم الملائم فهذا الأمر محقق في نفسه لا ينكره عاقل و إنما الشأن هل أهل النار على هذا المزاج بهذه المثابة بعد فراغ المدة أم لا أو هم على مزاج يقتضي لهم الإحساس بالآلام للأشياء المؤلمة و النقل الصحيح الصريح النص الذي لا إشكال فيه إذا وجد مفيدا للعلم يحكم به بلا شك ف الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ و إن كنت لا أجهل الأمر في ذلك و لكن لا يلزم الإفصاح عنه فإن الإفصاح عنه لا يرفع الخلاف من العالم و بعض أهل الكشف قال إنهم يخرجون إلى الجنة حتى لا يبقى فيها أحد من الناس البتة و تبقي أبوابها تصفق و ينبت فيها الجرجير و يخلق الله لها أهلا يملؤها بهم من مزاجها كما يخلق السمك في الماء و عالم الهواء في الهواء و عالم‏ في بطن الأرض لا حياة لهم إلا فيها كالخلد فإذا حصل على ظهر الأرض مات فالغم الذي لنا في ذلك الغم حياتهم فالسمك إذا خرج إلى الهواء مات و كان في الهواء غمه فينطفي فيه نور حياته و الإنسان و الحيوان البري إذا غرق في الماء هلك و كان في الماء غمه ينطفي به نور حياته و ثم حيوان يرى بحري يعيش هنا و يعيش هنا كالتماسح و إنسان الماء و كلبه و بعض الطيور و هذا كله بالطبع و المزاج الذي ركبه الله عليه و قد ذكرنا في هذا المنزل ما فيه كفاية و استوفينا أصوله بعون الله و الهامة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏