سلام عليكم و رحمة الله و بركاته اعلموا يا إخواننا أن هذا المنزل من أعظم المنازل قدرا هو منزل النكاح الغيبي و هو نكاح المعاني و الأرواح و يختص بهذا المنزل علم التجلي الإلهي المشبه بالشمس ليس دونها سحاب دون التجلي القمري البدري و هو قوله صلى الله عليه و سلم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر و ليس لهذا التجلي مدخل في هذا المنزل و كما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب و هذا المنزل منزله و من هنا يعرف و هو مظهر إلهي عجيب و من هذا المنزل يعرف الجود المقيد بالخوف و الجزاء و مرتبة الصدق و إن قبح و مرتبة الكذب و إن حسن و الغني المكتسب و هو الغني العرضي و علامات السعادة و علامات الشقاء و خيبة المعتمد على الأمور التي قد نصبها الله للاعتماد عليها و لما ذا يخيب صاحبها مع كون الحق نصبها لهذا و أهلها لها و علم الإفصاح عن درجات التقريب الإلهي من حضرة اللسن و معرفة المقام الذي تتألف فيه الضرتان و تتحابان و معرفة الاصطلام اللازم و صفة من أعطى مقام هذا الاصطلام من المقربين من أمثالهم ممن لم يعطه و الجود بما يجده العارف من كل شيء مما لا يجب عليه و هو خلق الجود الإلهي و هل يكون الحق عوضا ينال بعمل خاص أم لا و لنبين إن شاء الله حقائق هذا المنزل فصلا فصلا إيماء و تلويحا فإنه يطول و الله المؤيد لا رب غيره فمن ذلك النكاح الغيبي المنتج قال تعالى وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ و قال تعالى وَ أَنْزَلَ من السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ به من الثَّمَراتِ و قال جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً و قد تقدم الكلام على هذا الفصل في فصل المعارف من هذا الكتاب في باب الآباء العلويات و الأمهات السفليات فلينظر هنالك و لنذكر في هذا المنزل ما يتعلق به و هو أن المعاني تنكح الأجسام نكاحا غيبيا معنويا فيتولد بينهما أحكامهما و ذلك حجاب على اليد الإلهية الغيبية التي ما من شأنها أن تدرك و من ذلك جميع الصور الظاهرة في الهباء الهباء لها كالمرأة و الصور لها كالبعل و لا يوجد عنهما إلا أعيانهما و هذا من أعجب الأسرار أن يكون الولد عين الأب و الأم لمن هو لهما ولد و الأب و الأم عين الولد لمن هما له أبوان و هو الذي أشار إليه الحلاج رحمه الله في قوله ولدت أمي أباها و لا يكون الوالد عين الولد لمن هو له والد و هو له ولد إلا في هذا النكاح و من هذا الباب قوله كُنْ و هي كلمة أمر التكوين و قال في عيسى إنه كلمة الله و في الموجودات إنها كلمات الله و ما له كلمة في الموجودات إلا كن و هي عين الموجود فإنه الكلمة و توجهها على العيون الثابتة فالأعين لها كالأم فظهرت الكلمات و هو وجود تلك الأعيان عن هذا النكاح الغيبي و كان الولد بينهما عينهما ليس غيرهما و هذا ألطف من الأمر الأول فإن الولد هنا عين كلمة الحضرة فكن عين المكون و هو منسوب إلى الله و الأول في الدرجة الثانية فإنه منسوب إلى الهباء و الصورة و هذا النكاح مدرج فيه فافهم فقد رميت بك على الطريق فالجسمانيات كلها أولاد عن نكاح غيبي و الأجسام كلها منها ما هو عن نكاح غيبي و منها ما هو عن نكاح غيبي مدرج في نكاح حسي كنكاح الرياح و المياه و الحيوانات و النبات و المعادن و ما يتولد في الأجسام العنصرية لا الأجسام الطبيعية فإن العالم الملكي لا يتولد عنه من جنسه شيء إلا أن يكون أبا في وقت لأم عنصرية بما يلقى إليها فما ينتج فذلك الولد بينهما قد يخلق ملكا و هو المعبر عنه بلمة الملك و هو ما يلقيه إلى النفس الإنسانية فيتولد بينهما تسبيحة أو تهليلة تخرج نفسا من المسبح و المهلل فينفتح في عين ذلك النفس و جوهره صورة ملكية يكون ذلك الملك الملقي أباها و النفس أمها فترتقي تلك الصورة إلى أبيها و تلازمه بالاستغفار لأمه التي هي النفس الإنسانية إلى يوم القيامة و من هنا يحكم في الشريعة للوالد بأخذ ولده عن أمه إذا ميز و عقل بلا خلاف فإن هذا الملك يخلق عاقلا و من أعجب الأنكحة الإعدام و لهذا اختلف فيه أهل الكشف فالله سبحانه علقه بالمشيئة فقال إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ و علق الاقتدار بإيجاد قوم آخرين فقال وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ و كان الله على ذلك و لم يقل ذينك على التثنية فكانت الإشارة من حيث أحديتها للأقرب و هو الذي أتى به و من هذا الباب إرسال الريح العقيم فإنها لإزالة أعيان الصور الظاهرة عن التأليف لا أعيان الجواهر فما أنتجت وجودا فنسب إليها العقم و نفي عنها أن تكون لاقحة فهذا نكاح لمجرد الشهوة لا لوجود الولد كنكاح أهل الجنة فما يكون عن كل شهوة كيان و لا بد وجود عيني لنفسهو من هنا وقع الخلاف بين أهل الكشف فمن كشف رجوع أعيان الصور التي كانت موجودة إلى كونها ثابتة غير موجودة قال بأن الريح العقيم قد أنتجت في حضرة الثبوت ما كان قد خرج عنها و هو مشهود للحق و به تعلقت المشيئة بقوله إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أي يردكم إلى الحالة التي كنتم موصوفين فيها بالعدم و إنما كان هذا عقما لأنه لم يظهر عنه وجود العين لنفسه و إن كان ظاهرا مشهودا لخالقه و من لم يشهد رجوع أعيان الصور الموجودة إلى العدم عند توجه المشيئة أو هبوب الريح العقيم قال إن ذلك لا ينتج شيئا فإن الإيجاد للاقتدار لا للمشيئة فقط و للريح اللاقحة لا للعقيم إذ لو ظهر شيء وجودي عنها لم تكن عقيما فهذا سبب الخلاف بين أهل الكشف فمتعلق النافي عين الوجود و متعلق المثبت عين الثبوت فما تواردا على شيء واحد فلا خلاف في الحقيقة إذ كان هذا الطريق عند المحققين منا لا يتصور فيه خلاف إلا أن يكون مثل هذا و هذا خلاف لفظي فإذا فسر كل واحد ما أراده بذلك اللفظ ارتفع الخلاف و يكفي ما أومأنا إليه و من هذا المنزل التجلي الشمسي لما وقع التشبه عند علماء الرسوم في رفع الشك عن الرائي في المرئي بالشمس و القمر ليلة البدر و هو من بعض الوجوه المقصودة في هذا الحديث و لكن عرف المحققون زائدا على هذا أن المظهرين مختلفان و أن التجلي المشبه بالقمر ليلة البدر مظهر خاص لأنه قال ليلة البدر و لم يقل في إبداره فأضافه إلى الليلة فإني أشاهده بدرا مع وجود الشمس بالنهار فما أضافه إلى الليلة إلا لأمر عرفه المحققون و ليس هذا منزل الكلام عليه و لكن هذا المنزل يتضمن منزل التجلي في الشمس فإن الحق يتعالى عند المحققين أن يتجلى في صورة واحدة مرتين أو لشخصين فلا تكرار في أمر عند الحق للإطلاق الذي هو عليه و الاتساع الإلهي و التكرار مؤد إلى الضيق و التقييد فاعلم إن التجلي الشمسي أي المشبه بالشمس هو يسمى عندنا التجلي الأوسع و هو التجلي الذي لا يفنى الإنسان عن رؤية نفسه فيه و قد أومأنا إليه في أول هذا الكتاب في باب الأرض التي خلقت من بقية الطينة الآدمية و هذا التجلي مظهر ذاتي عجيب و نسب التجلي فيه إلى معلوله لا إلى علته مع ظهور العلة في معلولها عينا محققة مجهولة الكيفية كظهور الشمس في النهار مع كون النهار معلولا عن ظهور الشمس و نور السراج عن السراج المنبسط في زوايا الكون فمثل هذا يسمى شهود العلة و معلولها معا فكل تجل لا يغنيك عنك فهو بهذه المثابة و إنما سمي أوسع لأن المشاهد يعم رؤيته المتجلي و المتجلي فيه و له و غير الأوسع لا تشاهد غيره لا نفسك و لا غيرك و لا تعلم شهودك و لا ما أنت فيه حتى تعود إليك و يقع الحجاب فلو قرع الحجاب كان ذلك التجلي مقيدا ضيقا إذ قيده الحجاب و الأوسع يظهر في الحجاب و في غير الحجاب و يفرق الشاهد بين الصورتين و لهذا يقال فيهم ردوهم إلى قصورهم للاشارة إلى عجزهم أي يحبسون فيه و هنا بحور تحوي على أنواع من نفيس الجواهر لا يدركها إلا كل غواص واسع النفس عاشق في الغيب فقد بينت لك المقصود من هذا التجلي الذي يحويه هذا المنزل و فوائده لا تحصى لو ذهبنا نذكرها ما وسعها ديوان فإن له التأبيد في العالم العلوي في الدنيا و له التأبيد في العالم الأخروي السفلي و ما ثم تجل يجمع فيما يكون عنه بين الضدين من ألم و لذة إلا هذا التجلي و هو كتجلي المحبوب للمحب يعانق غيره و يقبله فهو من نظره في لذة و من نظره في ألم و من هذا المنزل معرفة الجود المقيد بالخوف و الجزاء و مرتبة الصدق و إن قبح و مرتبة الكذب و إن حسن و الغني المكتسب و هو الغني العرضي و علامات السعادة و علامات الشقاء و اعلم أن أسباب العطاء تختلف فمنهم من يعطي للعوض و يسمى شراء و بيعا ففيه من الجود إن المشتري قد أنعمت عليه من كونك بائعا ماله غرض عظيم في تحصيله و قد أعطاك هو ما هو مستغن عنه فكل واحد منهما قد جاد على صاحبه بإيصاله إليه ما كان له غرض في تحصيله إذ كان له منع ذلك فبهذا القدر يلحق بباب الجود من جهة المعطي له اسم مفعول لا من جهة المعطي اسم فاعل و قد يعطي الإنسان من هذا الباب خوفا على عرضه أو حلول آلام حسية تحل به فكأنه يشتري الثناء الحسن و العافية و الأمن بذلك العطاء فهو كالأول و الفرق بينهما إن الذي اشترى به في الأول هو مما يمكن أن يكون له فيه غرض و هذا لا يمكن أن يكون له في الألم و إزالة العافية و الأمن غرض أصلا و من يقول بخلاف هذا من أصحابنا إن كان محققا كأبي يزيد في قوله
و كل مآربي قد نلت منها سوى ملذوذ وجدي بالعذاب
فقد أبان عن مقصوده و هو اللذة و هو ما قلناه و ذهبنا إليه و إن لم يكن محققا فما هو من أصل طريقنا بالمعنى و إن ظهر بالصورة فلا كلام لنا معه و منهم من يعطي للانعام و غير ذلك و ليس من هذا المنزل إلا ما ذكرناه خاصة و من هذا الباب قول رسول الله صلى الله عليه و سلم أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه فأمرنا بمحبته لإنعامه و إحسانه و هل يكون منه سبحانه في حق العباد أمر وجودي يخرج عن الإنعام بوجه من الوجوه اختلف أصحابنا في ذلك فمنهم من رأى أن الإنعام فيه عين وجوده و لا يلتفت إلى الأغراض المتعلقة مما يعطيه حكم هذا الموجود المنعم عليه بالوجود فإنه قد أنعم على الألم بوجود عينه و إن كان من يتألم به لا يوافق غرضه فهو نعمة الله على نفسه و لو توقف الأمر على عموم النعمة على الكل بالعين الواحدة ما كان شيء أصلا فإن الحقائق تأبى ذلك فإذا له في كل وجود نعمة فمن كان مقامه الإيثار يصدق في غرضه بزهده إذا قام به حكم الألم أن يشكر الله على ما أنعم به على الألم من وجود عينه بعد أن لم يكن إيثار الجناب الله على غرضه حيث ظهر في الملك من يساعده على تعظيم الله و شكره لأنه يشاهد شكر الألم لله تعالى على إيجاد عينه فأعظم شفيع يكون لمن هذه حاله عند الله الألم من الموجودات و الاسم المبلى و المسقم من الإلهيات فيكون نتيجة تلك الشفاعة وجود اللذة و رحلة الألم إما بزوال السبب أو ببقائه فيكون خرق عادة و هذا من أعظم الخلق الذي يشرف به الإنسان و أما إيثاره في هذا لإرادة الله فلا يدري أحد ما يحصل له من اسمه المريد من الخير إلا الله الذي خصه بهذه الحال الشريفة فهذا هو الصدق مع الله في المعاملة و إن قبح فإنه لو نزل ذلك الألم بغيره فلا بد أن تصحبه هذه الحالة و قبيح عليه في حق الغير أن يراه يشكر الله على ما قام بذلك الغير من الألم و لا سيما إن كان محبوبا له أو نبيا أو رسولا و بما ينتجه هذا المقام من وجود العافية في ذلك الغير ستر القبح الذي كان لبسه هذا المحقق و أما من ترك العطاء في مثل هذا الموطن الذي ذكرناه فأنت تعرف مما بيناه لك ما سبب ذلك الترك و ما المشهود لهذا التارك في وقت الترك فإنه يندرج علم ذلك كله فيما قررناه فابحث عنه فإنه يطول إن أوردناه و قد أعطيناك المفتاح و عينا لك قفله فافتح ما شئته من ذلك و أما الغني المكتسب في هذا الباب فهو حكمه فإن الإنسان إذا استغنى عن الغير كان دليلا على جهله بالحقائق إذ كان الغير لا أثر له فيه فقد علق غناه بغير متعلق و إن استغنى عن الله تعالى فأجهل و أجهل فإنه خرج بهذا الوصف عن العلم المحقق و عن الإسلام فلا أخسر منه لأنه لا أجهل منه فالاستغناء لا يصح حقيقة فإذا أضيف الغني إلى أحد فهي إضافة عرضية لا ذاتية و لهذا هو الاسم الغني للحق تعالى وصف سلبي سلب عنه الافتقار إلى العالم و من افتقر إلى شيء لم يستغن عنه البتة فالاستغناء على الحقيقة إنما هو بالأسباب من حيث النسب أي من حيث إنها نسب فكل نسبة أذهبت عنك ضدها فهي الحاكمة عليك و هل تسمى بغني أم لا فلك النظر فيها بحسب ما تعطيك حقيقة تلك النسبة فإن كانت أغنتك عن غيرها فهي غنى و أنت غني بها و إن لم تغنك فما هي غنى و لا أنت غني بها فالشبع مثلا بمجرد حقيقته لا يقال فيه إنك قد استغنيت به عن الجوع من حيث حقيقة الجوع لأن الجوع ليس مطلوبا لك حتى تستغني بالشبع عنه و لكن إن كان الجوع إذا قام بك أعطاك من الصفاء و الرقة و اللطافة و التحقق بالعبودة و الافتقار ما يعطيه حقيقته فأنت طالب له غير مستغن عنه فإن أعطاك الشبع ما أعطاك الجوع من كل ما ذكرناه فقد استغنيت بالشبع عن الجوع إذ الجوع ليس مطلوبا لنفسه و إنما هو مطلوب لما ذكرناه فإذا وجدنا ذلك في ضده فلا حاجة لنا به إذ الطبع يرده كما إن الطبع يوجده و لذلك كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتعوذ من الجوع و يقول إنه بئس الضجيع و ذلك لأنه أيضا و إن أعطى ما ذكرناه و لكن لا يقطع أن يكون افتقاره ذلك إلى الله بل قد يكون لغير الله فلذا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه إنه بئس الضجيع في العموم فإن شيوخ الطريق يقولون لو بيع الجوع في السوق لزم المريد أن يشتريه و من نظر منهم إلى ما نظره النبي صلى الله عليه و سلم جعله من أغاليط أهل الطريق كأبي عبد الرحمن السلمي إذ عمل أوراقا فيما غلطت فيه الصوفية و هو مذهبنا و للجوع حد و مقدار و هو الجوع المحقق بخلاف الجوع المتخيل فما وقعت الاستعاذة النبوية إلا من الجوع المحقق فإنه يكون به الإنسان عاصيا للشرع ظالما لنفسه إذا كان اختيارا و لهذا كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يجوع قط إلا اضطرارا و هو حال العلماء بالله لأنهم من صفتهم العدلو قد أبنت لك ما فيه كفاية فإنه تلويح يغني عن التصريح و أما أعمال السعادة فعلاماتها أن يستعمل الإنسان في الحضور مع الله في جميع حركاته و ممكناته و أن تكون مشاهدة نسبة الأفعال إلى الله تعالى من حيث الإيجاد و الارتباط المحمود منها و أما الارتباط المذموم منها فإن نسبه إلى الله فقد أساء الأدب و جهل علم التكليف و بمن تعلق و من المكلف الذي قيل له افعل إذ لو لم يكن للمكلف نسبة إلى الفعل بوجه ما لما قيل له افعل و كانت الشريعة كلها عبثا و هي حق في نفسها فلا بد أن يكون للعبد نسبة صحيحة إلى الفعل من تلك النسبة قيل له افعل و ليس متعلقها الإرادة كالقائلين بالكسب و إنما هو سبب اقتداري لطيف مدرج في الاقتدار الإلهي الذي يعطيه الذليل كاندراج نور الكواكب في نور الشمس فتعلم بالدليل أن للكواكب نورا منبسطا على الأرض لكن ما ندركه حسا لسلطان نور الشمس كما يعطي الحس في أفعال العباد إن الفعل لهم حسا و شرعا و أن الاقتدار الإلهي مندرج فيه يدركه العقل و لا يدركه الحس كاندراج نور الشمس في نور الكواكب فإن نور الكواكب هو عين نور الشمس و الكواكب لها مجلى فالنور كله الشمس و الحس يجعل النور للكواكب فيقول قد اندرج نور الكواكب في نور الشمس و على الحقيقة ما ثم إلا نور الشمس فاندرج نوره في نفسه إذ لم يكن ثم نور غيره و المرائي و إن كان لها أثر فليس ذلك من نورها و إنما النور يكون له أثر من كونه بلا واسطة في الكون و يكون له أثر آخر في مرآة تجليه بحكم يخالف حكمه من غير تلك الواسطة فنور الشمس إذا تجلى في البدر يعطي من الحكم ما لا يعطيه من الحكم بغير البدر لا شك في ذلك كذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلى في العبيد فظهرت الأفعال عن الخلق فهو و إن كان بالاقتدار الإلهي و لكن يختلف الحكم لأنه بوساطة هذا المجلى الذي كان مثل المرآة لتجليه و كما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحس و الفعل لنور البدر و هو للشمس فكذلك ينسب الفعل للخلق في الحس و الفعل إنما هو لله في نفس الأمر و لاختلاف الأثر تغير الحكم النوري في الأشياء فكان ما يعطيه النور بوساطة البدر خلاف ما يعطيه بنفسه بلا واسطة كذلك يختلف الحكم في أفعال العباد و من هنا يعرف التكليف على من توجه و بمن تعلق و كما تعلم عقلا إن القمر في نفسه ليس فيه من نور الشمس شيء و أن الشمس ما انتقلت إليه بذاتها و إنما كان لها مجلى و أن الصفة لا تفارق موصوفها و الاسم مسماه كذلك العبد ليس فيه من خالقه شيء و لا حل فيه و إنما هو مجلى له خاصة و مظهر له و كما ينسب نور الشمس إلى البدر كذلك ينسب الاقتدار إلى الخلق حسا و الحال الحال و إذا كان الأمر بين الشمس و البدر بهذه المثابة مع الخفاء و إنه لا يعلم ذلك كل أحد فما ظنك بالأمر الإلهي في هذه المسألة مع الخلق أخفى و أخفى فمن وقف على هذا العلم فهو من أعلى علامات السعادة و فقد مثل هذا من علامات الشقاء و أريد بهذا سعادة الأرواح و شقاوتها المعنوية و إنما السعادة الحسية و الشقاوة فعلاماتهما الأعمال المشروعة بشروطها و هو الإخلاص قال تعالى أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ و قال وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ و يكفي هذا القدر من العلامات مجملا و الله الموفق لا رب غيره و أما خيبة المعتمد على الأمور التي نصبها الله للاعتماد عليها و لما ذا يخيب صاحبها مع كون الحق نصبها لهذا الأمر و أهلها له فاعلم أيها الأخ الولي أن الأمور التي نصبها الحق للاعتماد عليها ما خرجت عنه و لكن جعلها هذا الخائب أربابا من دون الله فاعتمد عليها لذواتها لا على من جعلها فاضربه الجهل كما ذكرناه آنفا فالآثار الظاهرة عن نور الشمس في مرآة البدر إذا نظر فيه الناظر و اعتمد على الشمس في ذلك من حيث هذا المجلى الخاص الذي ربط الله الأثر به فهذا لا يخيب فاته أعطى الأمر حقه و هذا لا ينكسف البدر في حقه أبدا و الذي يخيب هو الذي ينكسف البدر في حقه فيبقى في ظلمة جهله مع وجود ذات المرآة القمرية فيكون هذا الخائب مع ذلك المظهر في الظلمات فإن القمر قد حجب في حق هذا الشخص الذي كان يعتمد عليه إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ من دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ و هي الظلمة فإن الظلمة جهنم و أية ظلمة و أي جهنم أعظم من الجهل و بها شبه الله في قوله أَوْ كَظُلُماتٍ فقال ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ و هو جهل على جهل و هو من جهل و لا يعلم أنه جهل فنفى عنه إن يقارب رؤية يده فكيف إن يراها و أدخل اليد هنا دون غيرها لأنها محل وجود الاقتدار و بها يقع الإيجاد أي إذا أخرج اقتداره ليراه لم يقارب رؤيته لظلمة الجهل لأنه لو رآه لرآه عين الاقتدار الإلهي أ لا تراه إذا أخرجه فيالنور الذي هو العلم رأى يده و هو اقتداره فعلم إن الاقتدار الكوني هو اقتدار الحق لارتفاع الظلمات المتراكمة التي كانت بعضها فوق بعض و لهذا وقع التشبيه بأشد الظلمات فإن ظلمة الجو تقترن معها ظلمة البحر تقترن معها ظلمة الموج تقترن معها ظلمة تراكم الموج تقترن معها ظلمة السحاب التي تحجب أنوار الكواكب فلا يبقى للنور ظهور لا في عينه و لا في مجلى من مجاليه فظلمة الليل ظلمة الطبع و ظلمة البحر ظلمة الجهل و هو فقد العلم و ظلمة الفكر ظلمة الموج و ظلمة الموج المتراكم ظلمة تداخل الأفكار في الشبه و ظلمة السحاب ظلمة الكفر فمن جمع هذه الظلمات فقد خسر خسرانا مبينا و هذه حالة المعطلة لا غيرهم و أما ما يتضمنه هذا المنزل من علم الإفصاح عن درجات القرب الإلهي من حضرة اللسن فاعلم أن ذلك معرفة علم الشارع المترجم عن الله الذي أمرنا بالإيمان بمحكمه و متشابهه و لنقبل جميع ما جاء به فإن ناولنا شيئا من ذلك على أنه مراد المتكلم به في نفس الأمر زال عنا درجة الايمان فإن الدليل حكم على الخير فيعطل حكم الايمان و جاء العلم الصحيح من المؤمن يقول لصاحب هذا الدليل أما القطع منك بأن هذا الذي أعطاك نظرك هو مقصود المفصح بما أفصح به فهو عين الجهل و فقد العلم الصحيح و إن صادف العلم و قد زال عنك الايمان و السعادة مرتبطة بالإيمان و بالعلم الصحيح عن علم و العلم الصحيح هو الذي يبقى معه الايمان فعلى العارف أن يبين طريق السعادة نيابة عن الله تعالى في خلقه كنيابة القمر عن الشمس في إيصال النور فالأنبياء المرسلون عليهم السلام هم التراجمة عن الحق و الورثة على درجتهم بما يعطيهم الله من الفهم فيما جاءت به الرسل من كتاب و سنة فهذا هو علم الإفصاح مختصر و أما علم تألف الضرتين فاعلم إن أبا سعيد الخراز قيل له بم عرفت الله فقال بجمعه بين الضدين و تلا هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ أي هو أول من عين ما هو آخر و ظاهر من حيث ما هو باطن لأن الحيثية في حقه واحدة و كل ضدين ضرتان و هذا لا يدرك من قوة العقل فإن قوة العقل لا تعطيه و إنما يدرك هذا من المقام الذي وراء طور العقل الذي كان من ذلك الطور أعطى الواجبات وجوبها و الجايزات جوازها و المستحيلات إحالتها و الأحديات أحديتها فهو الذي جعل الواحد واحدا كما جعل الواجب واجبا بإعطائه الوجوب و ليس في قوة العقل إدراك ما ذكرناه من حيث فكره فهذا علم صحيح إلهي لا عقلي فإذا اجتمع الضدان في العلم الإلهي فقد تألفت الضرتان و تحابا إذ كانا لعين واحدة فتدبر هذا الفصل بنور الايمان لا بنور العقل فإنه مردود عقلا غير مقبول و كما لم يكن في قوة البصر أن يدرك المعقولات و لم يتعد حده كذلك العقل ليس في قوته إن يدرك ما يعطيه البصر بذاته من غير واسطة البصر فإذا عجزت قوة العقل أن تستقل بعلم المبصرات من حيث ما هي مبصرات و هي مخلوقة و قوة البصر مخلوقة فمن له بإدراك ما يخرج عن طوره إلى ما هو أعلى في نسبته إلى الحق و قد عجز عن إدراك ما خرج عن طوره إلى ما هو أنزل درجة و هو الحس في زعمه و من افتقر إلى مخلوق مثله في أمر فهو إلى الخالق أفقر و يكفي هذه الإشارة فيما يعرفه العارفون من ذلك و أما معرفة الاصطلام اللازم و صفة من أعطى مقام هذا الاصطلام من المقربين من أمثالهم ممن لم يعطه فاعلم أن الاصطلام نار ترد على قلوب المحبين تحرق كل شيء تجده ما سوى المحبوب و قد تذهب في أوقات بصورة المحبوب من نفس المحب و هو الوقت الذي يطلب المحب أن يتخيل محبوبه فلا يقدر على تخيله و لا يقيم صورته لقوة سلطان حرقة لهيب نار الحب فيقال فيه في ذلك الحال مصطلم و هو الذي أراد القائل بقوله
و من هذه الحال قال قيس بن الملوح مجنون بنى عامر صاحب ليلى و كان قد جاءته ليلى و هو مصطلم يأخذ الجليد و يلقيه على صدره فيذيبه من ساعته حرارة الفؤاد و هو يصيح ليلى ليلى طلبا لها لفقد صورتها من خياله فنادته يا قيس أنا مطلوبك أنا ليلى فلم يكن لها في نفسه صورة متخيلة يعرفها بها إلا أنه لما سمع منها اسمها قال لها إليك عني فإن حبكشغلني عنك فهذا حال الاصطلام و هو نعت لازم للحضرة الإلهية مؤثر و لكل اسم إلهي مشهود فيه جمال الحق يحول بين العبد و بين تكييف الحق و يذهب بكل صورة يضبطها أو يتخيلها و لهذا قال صلى الله عليه و سلم ألظوا بيا ذا الجلال و الإكرام من الإلظاظ و هو المثابرة و قرن الجلال بالإكرام و ما ورد الجلال قط في النبويات إلا و الإكرام مصاحب له ليبقى رسم العبد و لا يذهب بعينه فالجلال الذي هو جلال الجمال يكسوك الهيبة فتهاب المقام و هو الذي يجده المحب و العارف في نفسه من تعظيم المحبوب فيؤثر جنابه على كل شيء فإكرام الله به أنه يؤثره على كل شيء و ثم اصطلام يزول في الوقت و هو ما يرد على القلب من مشاهدة المحبوب في صورة الخيال فما دام هذا الخيال دام اصطلامه و الجلال يمحو هذه الصورة من النفس غيرة من تقييده بصورة و له الإطلاق فيزول اصطلام تلك الصورة المقيدة بزوالها و يبقى الاصطلام اللازم الذي هو أثر الجلال في النفس فيرى المحب يكذب الصورة المتخيلة في نفسه التي تقول له أنا محبوبك و يعرض عنها إجلالا لمحبوبه أن يقيده لمعرفته بأن محبوبه لا يتقيد فلهذا يحترق في نفسه حيث يريد أو يتمنى أن يضبط ما لا ينضبط لينعم به و لهذا كان العلم أشرف من المحبة و به أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم أن يسأله الزيادة منه لأنه عين الولاية الإلهية به يتولى الله عباده و به يكرمهم و به يعرفون أنه لا يعرف و أما المحب إذا لم يكن عارفا فهو يخلق في نفسه صورة يهيم فيها و يعشقها فما عبد و لا اشتاق إلا لمن هو تحت حيطته و لا يزيله عن هذا المقام إلا المعرفة فحيرة العارف في الجناب الإلهي أعظم الحيرات لأنه خارج عن الحصر و التقييد
تفرقت الظباء على خداش فما يدري خداش ما يصيد
فله جميع الصور و ما له صورة تقيده و لهذا كان يقول صلى الله عليه و سلم اللهم زدني فيك تحيرا لأنه المقام الأعلى و المنظر الأجلى و المكانة الزلفى و المظهر الأزهى و الطريقة المثلى و من هذه الحضرة صدر الإنذار فعدم القرار و حل البوار بساحة الكفار فلم يبق ستر و لا حجاب إلا مزقه و خرقه هذا المشهد الأسنى فإن الستر يقيد المستور و الحجاب يحد المحجوب و لا حد لذاته و لا تقييد لجلاله فكيف يستره شيء أو تغيب له عين تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ فمن قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فقد صدق لأنه ما ثم موجود لا يغيب له عين و لا يحصره أين إلا الله فجميع الصور الحسية و المعنوية مظاهره فهو الناطق من كل صورة لا في كل صورة و هو المنظور بكل عين و هو المسموع بكل سمع و هو الذي لم يسمع له كلام فيعقل و لا نظر إليه بصر فيحد و لا كان له مظهر فيتقيد فالهو له لازم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَمْحُوا و هو عين ما يمحو قال وَ يُثْبِتُ و هو عين ما يثبت ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في هذا الحكم و به شهد له العلم الصحيح الموهوب فعلم الدليل ينفيه إذ لم يكن بيده منه و لا له تعلق بسوى صفات السلب و التنزيه و علم الكشف يثبته و يبقيه و لا يبدو له مظهرا لا و يراه فيه و العلمان صحيحان فهو لكل قوة مدركة بحسبها ليعرفها أنها ما زالت عن منصبها و أنها لم تحصل بيدها من العلم بالله إلا ما هي عليه في نفسها فذاتها عرفت و نفسها وصفت فخرج عن التقييد و الحدود بظهوره فيها ليكون هو المعبود فقد قضى أن لا يعبد إلا إياه فكانت الأصنام و الأوثان مظاهر له في زعم الكفار فأطلقوا عليها اسم الإله فما عبدوا إلا الإله و هو الذي دل عليه ذلك المظهر فقضى حوائجهم و سقاهم و عاقبهم إذ لم يحترموا ذلك الجناب الإلهي في هذه الصورة الجمادية فهم الأشقياء و إن أصابوا أو لم يعبدوا إلا الله فانظر إلى هذا السريان الوجودي في هذه المظاهر كيف سعد به قوم و شقي به آخرون قال بعضهم كل ما تخيلته في نفسك أو صوره وهمك فالله بخلاف ذلك فصدق و كذب و أظهر و حجب و قال الآخر لا يكون الحق مدلولا لدليل و لا معقولا للعقول لا تحصله العقول بأفكارها و لا تستنزله المعارف بأذكارها فإذا ذكر فبه يذكر و به يفكر و يعقل فهو عقل العقلاء و فكرة المفكرين و ذكر الذاكرين و دليل الدالين لو خرج عن شيء لم يكن و لو كان في شيء لم يكن فهذا قد أبنت لك ما أثره الاصطلام اللازم و أن العلماء هم المقربون الذين أدركوا هذا المشهد الأحمى و هذه المعرفة العظمى و من سواهم فقد نصب له علامة يعبدها و حقيقة يشهدها و هي ما انطوى عليه اعتقاده لدليل قام عنده أو قلد صاحب دليل فهو عند نفسه قد ظفر بمطلوبه و اعتكف على معبوده و سكن إليه و استراح من الحيرة و كفر بما ناقض ما عنده و كفر بلا شك غيره ممن اعتقد غير معتقده فلهذا يكفربعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضا دنيا و آخرة و العالم المحقق لما هو الأمر في عينه يتفرج في ذاته و في العالم ظاهره و باطنه فهو العين المصيبة و هو المثل المنزه المنصوص عليه الذي نفى الحق أن يماثل أو يقابل بقوله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي ليس مثل مثله شيء فالكاف كاف الصفة ما هي زائدة كما يرى بعضهم فبعض العلماء يرى في ذلك أن لو فرض له مثل لم يماثل ذلك المثل فأحرى إن يماثل هو في نفسه و عند بعضهم نفي المثل عن المثل المحقق الذي ذكرناه سئل الجنيد عن المعرفة و العارف فقال لون الماء لون إنائه فأثبت الماء و الإناء فأثبت الحرف و المعنى و الإدراك و نفى الإدراك ففرق و جمع فنعم ما قال و بعد أن أبنت لك عن مرتبة الاصطلام اللازم فلنبين لك ما بقي من هذا المنزل و هو العلم بالجود الإلهي الخارج عن الوجوب و هل يكون الحق عوضا ينال بعمل خاص أم لا فاعلم إن لله جودا مقيدا وجودا مطلقا فإنه سبحانه قد قيد بعض جوده بالوجود فقال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أي أوجب و فرض على نفسه الرحمة لقوم خواص نعتهم بعمل خاص و هو أنه من عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ من بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فهذا جود مقيد بالوجوب لمن هذه صفته و هو عوض عن هذا العمل الخاص و التوبة و الإصلاح من الجود المطلق فجلب جوده بجوده فما حكم عليه سواه و لا قيده غيره و العبد بين الجودين عرض زائل و عرض ماثل قال سهل بن عبد الله عالمنا و امامنا لقيت إبليس فعرفته و عرف مني أني عرفته فوقعت بيننا مناظرة فقال لي و قلت له و علا بيننا الكلام و طال النزاع بحيث إن وقفت و وقف و حرت و حار فكان من آخر ما قال لي يا سهل الله عز و جل يقول وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فعم و لا يخفى عليك إني شيء بلا شك لأن لفظة كل تقتضي الإحاطة و العموم و شيء أنكر النكرات فقد وسعتني رحمته قال سهل فو الله لقد أخرسني و حيرني بلطافة سياقه و ظفره بمثل هذه الآية و فهم منها ما لم نفهم و علم منها و من دلالتها ما لم نعلم فبقيت حائرا متفكرا و أخذت أتلو الآية في نفسي فلما جئت إلى قوله تعالى فيها فَسَأَكْتُبُها الآية سررت و تخيلت أني قد ظفرت بحجة و ظهرت عليه بما يقصم ظهره و قلت له يا ملعون إن الله قد قيدها بنعوت مخصوصة يخرجها من ذلك العموم فقال فَسَأَكْتُبُها فتبسم إبليس و قال يا سهل ما كنت أظن أن يبلغ بك الجهل هذا المبلغ و لا ظننت إنك هاهنا أ لست تعلم يا سهل أن التقييد صفتك لا صفته قال سهل فرجعت إلى نفسي و غصصت بريقي و أقام الماء في حلقي و و الله ما وجدت جوابا و لا سددت في وجهه بابا و علمت أنه طمع في مطمع و انصرف و انصرفت و و الله ما أدري بعد هذا ما يكون فإن الله سبحانه ما نص بما يرفع هذا الإشكال فبقي الأمر عندي على المشيئة منه في خلقه لا أحكم عليه في ذلك بأمد ينتهي أو بأمد لا ينتهي فاعلم يا أخي أني تتبعت ما حكي عن إبليس من الحجج فما رأيت أقصر منه حجة و لا أجهل منه بين العلماء فلما وقفت له على هذه المسألة التي حكى عنه سهل ابن عبد الله تعجبت و علمت أنه قد علم علما لا جهل فيه فهو أستاذ سهل في هذه المسألة و أما نحن فما أخذناها إلا من الله فما لإبليس علينا منة في هذه المسألة بحمد الله و لا غيرها و كذا أرجو فيما بقي من عمرنا و هي مسألة أصل لا مسألة فرع فإبليس ينتظر رحمة الله إن تناله من عين المنة و الجود المطلق الذي به أوجب على نفسه سبحانه ما أوجب و به تاب على من تاب و أصلح فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ عن التقييد في التقييد فلا يجب على الله إلا ما أوجبه على نفسه فالعارف كذلك في جوده لا يتقيد و لا يعطي واجبا يجب عليه فإن وجوب العطاء إنما سببه الملك و لا ملك للعارف مع الله فالمال الذي بيد العارف هو لله ليس له و الزكاة تجب في عين المال على رب المال و لا رب له سواه سبحانه فقد أوجب على نفسه أن يخرج من هذا المال مقدارا معينا هو حق لطائفة من خلقه أوجبه لهم على نفسه في هذا المال الذي بيد العارف فيخرج العارف من هذا المال حق تلك الطائفة نيابة عن رب المال كما يخرج الوصي عن اليتيم بحكم الوكالة فإنه وليه و من هذا الباب زلت طائفة في كشفها لهذا المقام فلم تؤد زكاة ما بيدها من المال و رأيت منهم جماعة مع كونهم يخرجون ما هو أكثر من الزكاة و لا يزكونه و يقولون إن الله تعالى لا يجب عليه شيء و هذا المال لله ليس لي و يدي فيه عارية و أنا في هذه المسألة حنفي المذهب فكما لا يجب على ولي اليتيم إخراج الزكاة عن اليتيم لأن اليتيم لا تجب عليه الزكاة في ماله لأنه المخاطب فلا أزكيه فقد بينت لك وفقك الله الجود الإلهي و تقسيمه و أما هل يكون الحق عوضا لعمل خاص أم لا فاعلم إن مالك بن أنس رضي الله عنه يقول في الرجل يعطي الرجل هدية ثم إن المعطى له لا يكافئه فيطلبه بالمكافاة عند الحاكمفللحاكم إن يفصل عليه الأمر لما فيه من الإجمال ليترتب الحكم على التعيين فيقول له حين أعطيته هذه الهدية ما ابتغيت بها هل ابتغيت بها جزاء من الجنة أو معاوضة في الدنيا أو ابتغيت بها وجه الله فإن قال الخصم ابتغيت بها الأجر في الآخرة من الجنة أو المعاوضة في الدنيا حكم على المعطي إياه برد عين ما أخذه منه إن كانت عينه باقية و إن كانت العين قد ذهبت حكم له بالقيمة على الخلاف في ذلك هل تعتبر القيمة في الشيء في زمان العطاء أو في زمان القضاء و إن قال إنما أعطيتها ابتغاء وجه الله لم يحكم له بشيء في ذلك و قال ليس بيد صاحبك ما قصدته بهديتك فمن وجه أثبته عوضا عنها فيما يظهر فإنه لم يصرح مالك بأكثر من هذا و من وجه ينفي أن يكون عوضا فإنه لا يماثله في القدر شيء من مخلوقاته و الكل نعمته غير أنه المعاوضة على الله لهذا المعطي في الدار الآخرة مما يناسب هديته فإن زاد على ذلك فمن باب المنة و قد قيل
لكل شيء إذا فارقته عوض و ليس لله إن فارقت من عوض
و التحقيق في هذه المسألة أن الحق من حيث ذاته و وجوده لا يقاومه شيء و لا يصح أن يراد و لا يطلب لذاته و إنما يطلب الطالب و يريد المريد معرفته أو مشاهدته أو رؤيته و هذا كله منه ليس هو عينه و إذا كان منه لا عينه فقد يصح أن يكون عوضا فيكون عمله في الدنيا الذي هو الحضور مع الله في قوله اعبد الله كأنك تراه فيكون هذا العمل جزاؤه عند الله رؤيته و هي أرفع المنازل فهي للحاضر هنا في عمله جزاء و هي لغير الحاضر زيادة و منة فهو عند هذا ليس عوضا و هو عند الآخر عوض فيكون الحضور في الدنيا من الجود المطلق من عين المنة و تكون الرؤية من الجود المقيد جزاء بما أوجبه على نفسه فمن جوده شهدت جوده فما خرج عنه شيء و لا أوجب مخلوق عليه شيئا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فإذا أعطى العبد ابتداء لغيره لا جزاء يستحقه ذلك الغير فيكون هذا المعطي لأجل ذلك الاستحقاق تحت قيد الحق فيكون عطاه مثل هذا لا عن استحقاق لا يطلب بذلك إلا وجه الله سواء طلبه بنيته أو لم يطلبه فإن حالة العطاء المبتدأ يعطي ذلك فإنه اتصف فيه بصفة الحق من الجود المطلق حيث لم يكن عطاؤه جزاء و لما كان حاله هذا فكما إن الله تعالى يطلب الجزاء على ما امتن به من النعم على عباده و هو الشكر عليها و معرفة النعم منه و يجازي هو على ذلك الشكر و على تلك المعرفة كذلك يعطى هذا العبد المنعم على غيره ابتداء إطلاق لسان المنعم عليه بالشكر و الثناء عليه ثم يتولى الله جزاءه به لا بالجنة حتى اتصف بهذا العطاء بصفته تعالى فهذا قد أبنت محتملات ما يتضمنه هذا المنزل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ