قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثالث و التسعون و مائتان في معرفة منزل سبب وجود عالم الشهادة

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

و سبب ظهور عالم الغيب من الحضرة الموسوية»

إذا ما الشمس كان لها شعاع‏ فذاك النور من قبلي أتاها
إذا ما الموت حل بكل نفسفذاك الموت من رب براها
إذا ما جنة المأوى تجلتمزينة إلينا في حلاها
نعمنا بالرياح لما حوتهمن الطيب الممسك في شذاها
و إن طمست نجوم في سماءفذاك الطمس أورثها زهاها
و إن دخلت نفوس في نفوسفإن دخولها فيها مناها
و عمار القفار لها شرودمن الصيد الذي يفنى ذماها
و لو أن الرسول يرى نفوساترد رسالتيه لما أتاها
و لو عرضت عليه الحجب عمايجي‏ء به المنازع ما أباها
و لو أن الجواري سابحاتإلى أمد لحقق منتهاها
و لو أن الليالي مرسلاتغدائرها لما شقوا دجاها
و لو أن الصباح يرى وجوهامنورة الجوانب من ضحاها
لأخجله و مات بها عزاماو هيمه و تيمه هواها
و لو أن الهلال يكون بدرالأربعة و عشر ما تلاها
و لو أن البحار تكون ماءفراتا لم يلذ به سواها
و لو أن الأراضي ذات سطحلما قال المهيمن قد دحاها
و أظهر فبه زينة كل شي‏ءو أخفى حكمة فيه ثراها
و لو أن الديار بها أنيسلكان أنيسها رب بناها
و لكن لا يصح الأنس عنديبذات ما لها صفة تراها
و لو أن العوالي في سفاللكان سفالها أعلى ذراها
و لو أن الرواسي شامخاتلكان شموخها ممن علاها
و لكن الشموخ لها مقامبه رب البرية قد حباها
و لو أن الصحيفة قيدت منيقيدها لري و قد محاها
و لو أن الجحيم تكون نارابلا برد مشيت على هواها
و لكن العذاب وجود ضدتراه النفس ذوقا في جناها
و لو أن المحبة ذات شخصلا ضعف شوقها منها قواها
و لو نظر المشرع حين تخلوبمن تهواه شرعا ما نهاها
و لو أن السماء بلا نجوملنورها قليل من سناها
و لو أن الرياح جرت رخاءلزعزعها و أفقدها رخاها
و لو أن المياه تغور غورالاحيا العالمين ندا يداها
و لو أن السحاب حمت حياهاعن الكفار أغناهم حياها
و لو أن الجبال تسير سيرالكان سماؤها منها ثراها
و لو أن العيون ترى سناهابلا حجب لحل بها عماها
و لو أن الملوك تراك عيناإذا أقبلتم حلت حباها
و لو نطق الكتاب بكل حمدعلى أحد من الدنيا عناها
و لو أن المغير يغير صبحاعليها في الفلاة لما سباها
و يثبت في مواقف مهلكاتلقوتها إذا أمر دهاها
لقد أقسمت بالسبع المثانيو من سور الحروف بعين طاها
لقد أبصرت عين الشمس تخفىعن الأبصار إذ تعطي نداها
فتبصر جوها بيدي سحاباو تبصر أرضها تزهو رباها
و تظهر حسنها لعمي عيونو يخفى طرفها عنا عناها
و لما قيل قد رحلت و غابتو قد تركت خليفتها أخاها
أجبت رسولها لما أتانيليسأل أن تكلمني شفاها
فقلت الستر أولى بي لأنيرأيت فناء عيني في فناها
فما رحلت لبغض كان منهاو لكن كان عن حاد حداها
إجابته لأمر و اعتناءبه جود المهيمن قد حذاها
فصار الكل مفتقرا إليهاو صار الكون يرغب في حداها
فكم من حفرة قد كنت فيهاو لولاها لملت على شفاها
لعلة شهوة لو أن عيسىتؤيده الأساة لما شفاها
و كم من طعمة أكلت بحرصلشهوتها و لم تبلغ أناها
و كم من شهوة نظرت إليناو نلناها عصمنا من أذاها
و لم تك نفسنا يوما نوتهاو كان العقل قد أخفى نواها
مخافة أن تطالبه نفوسبها و العقل يحذر من جفاها
و لا خطرت له يوما ببالو لا حكمت عليه و لا نواها
و لكن الشريعة أثبتتهاإلى أهل السعادة في خساها
فنالوها و لم تعقب حجاباو صانهم المهيمن عن زكاها

اعلم أيدنا الله و إياك أن هذه القصيدة و كل قصيدة في أول كل باب من هذا الكتاب ليس المقصود منها إجمال ما يأتي مفصلا في نثر الباب و الكلام عليه بل الشعر في نفسه من جملة شرح ذلك الباب فلا يتكرر في الكلام الذي يأتي بعد الشعر فلينظر الشعر في شرح الباب كما ينظر النثر من الكلام عليه ففي الشعر من مسائل ذلك الباب ما ليس في الكلام عليه بطريق النثر و هي مسائل مفردات تستقل كل مسألة في الغالب بنفسها إلا أن يكون بين المسألتين رابط فيطلب بعضها بعضا كالإنسان فإنه يطلب الكلام في الحيوان بما فيه من الإحساس و يطلب النبات بما فيه من النمو و الغذاء و يطلب الجماد بما فيه مما لا يحس كالأظفار و الشعر فيتعلق بالنبات لنموها و يتعلق بالجماد لعدم إحساسها و ما في الوجود شي‏ء أصلا لا يكون بينه و بين شي‏ء آخر ارتباط أصلا حتى بين الرب و المربوب فإن المخلوق يطلب الخالق و الخالق يطلب المخلوق و لذا كان العلم من العالم على صورة المعلوم و خرج المعلوم على صورة العلم و إن لم يكن كذلك فمن أين يقع التعلق فلا تصح المنافرة من جميع الوجوه أصلا فلا بد أن تتداخل المسائل للارتباط الذاتي الذي في الوجود بين الأشياء كلها فافهم ما أشرت به إليك في هذا الارتباط فإنه ينبئ عن أمر عظيم إن لم تتحققه زلت بك قدم الغرور في مهواة من التلف فإنه من هنا تعرف ما معنى قول من قال بحدوث العالم و من قال بقدم العالم مع الإجماع من الطائفتين بأنه ممكن و إن كل جزء منه حادث و ليس له مرتبة واجب الوجود بنفسه و إنما هو عند بعضهم واجب الوجود بغيره إما لذات الموجد عند بعضهم و إما لسبق العلم بوجوده عند آخرين و لو لا صحة الارتباط الذي أشرنا إليه لما صح أن يكون العالم أصلا و هو كائن فالارتباط كائن و المنافرة و عدم المنافرة من وجه آخر فكل حقيقة إلهية لها حكم في العالم ليس للأخرى و هي نسب فنسبة العالم إلى حقيقة العلم غير نسبته إلى حقيقة القدرة فحكم العلم فيه لا مناسبة بينه و بين المقدور و إنما مناسبته بينه و بين المعلوم و الأمر من كونه معلوما يغاير كونه مقدورا فإذا نظرته على هذا النسق قلت لا مناسبة بين الله و بين عباده و إذا نظرت بالعين الأخرى أثبت النسبة فإنها موجودة في الكل فاحكم بحسب ما تراه و ما يغلب عليك في الوقت و إذا تبينت الحقائق لذي عينين فليقل ما حد له الشرع أن يقول و لا يقل بعقله فإن إطلاق الألفاظ منها ما هو محجور علينا مع صحة المعنى و منها ما هو مباح لنا مطلقا مع فساد المعنى طلاق نسبة الظرفية لمن لا يقبل الظرفية و كنسبة استفادة العلم لمن لا يستفيد علما فالإطلاق مشروع و الوجه المنافي معقول كما حجر إطلاق نسبة الولد و أدخله تحت حكم لو و كما حجر تبديل القول الإلهي في قوله ما يبدل القول لدي و أدخله تحت لو و لا يدخل تحت لو إلا الممكن و العقل يدل على الإحالة في الولد دلالة عقلية و يدل على الإمكان في هداية الناس أجمعين دلالة عقلية و يدل على إحالة هداية الناس أجمعين لما سبق في العلم من الاختلاف دلالة عقلية و تدل لفظة لو على أنه مخير في نفسه إن شاء شاء أمرا ما و إن شاء لم يشأ ذلك الأمر و هذا ورد به الإخبار الإلهي و يحيله العقل و قد أمرنا الله بالعلم به و جعل الآيات دلائل لأولي الألباب و لكن لما هي دلائل عليه خاصة فلا يخلو الأمر في أمره إيانا بالعلم به هل نسلك في ذلك دلالة الشارع و الوقوف عند إخباره تقليدا أو نسلك طريقة النظر فيكون معقولا أو نأخذه من دلالة العقل ما يثبت به عندنا كونه إلهاو نأخذ من دلالة الشرع ما نضيفه إلى هذا الإله من الأسماء و الأحكام فنكون مأمورين في العلم به سبحانه شرعا و عقلا و هو الصحيح فإن الشرع لا يثبت إلا بالعقل و لو لم يكن كذلك لقال كل أحد في الحق ما شاء مما تحيله العقول و ما لا تحيله و هم قد فعلوا ذلك مع الايمان بالشرع و دخلوا بالتأويل في أمور لا حاجة لهم بها و لو استغنوا عنها لم يطالبهم العقل بذلك و لا سألهم الشرع عن ترك ذلك بل يسألهم الشرع عن فعل ذلك و هم فيه على خطر و لا حجة على ساكت إلا إذا وجب عليه الكلام فيما سكت فيه و قد اندرج في هذا الكلام جميع ما ذكرناه في القصيدة التي في أول الباب فإنه جميع ما عدد فيها من الأمور تطلب حقائق إلهية تستند إليها و تنافر حقائق إلهية فمما يتضمن هذا المنزل تجلى الحجاب بين كشفين و تجلى الكشف بين حجابين و ما في المنازل منزل يتضمن هذا الضرب من التجلي إلا هذا المنزل فإن التجلي المنفرد في المظهر من غير بينية يعطي ما لا يعطيه في البينية و التجلي المفرد الذاتي في غير المظهر يعطي ما لا يعطيه في البينية و هذا التجلي الواقع في البينية يعطي الحصر بين أمرين و كل محصور محدود بمن حصره و هذا أعجب المعارف في هذا الطريق أن يكون التجلي الذاتي الذي له الإطلاق محصورا فهو كما يقال عن القاعد في حال قعوده إنه قائم فظاهر الأمر أنه لا يتصور فسبحان من تنزه عن الأضداد و قبلتها أوصافه‏ قال صلى الله عليه و سلم ترون ربكم كما ترون الشمس بالظهيرة فإن كان أراد النهار بهذا اللفظ فقد عم التجليات الذاتية و إن اختلفت في حكم التجلي كاختلاف صفة تنزيهه باسمه الغني عن الفقر و صفة تنزيهه بالأحدية عن الشريك بقوله وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في الْمُلْكِ كذلك التجليات الذاتية البصرية مثل هذه التجليات الذاتية العقلية و إن كان أراد بالظهيرة وقتا معينا في النهار و هو الأظهر في المعنى المحقق و اللفظ و عليه أولى أن يحمل هذا القول فإن النهار كله تجل ذاتي لأن الشمس فيه ظاهرة بذاتها فإن النهار جلاها للابصار و إن كان النهار معلولا عنها فظهرت بذاتها من أول شروقها إلى حال غروبها و لها تجل و حكم في كل دقيقة يعرفها من يعرفها و يجهلها من يجهلها و الذي يعرف الكل من ذلك ما امتد زمانه فيفرقون ما بين حكمها في طلوعها و شروقها و حكمها في إشراقها و حكمها في ضحاها و حكمها في زوالها و هو أول غشيها و حكمها في عصرها و حكمها في قبض ضوئها و قلة سلطانه عما كان عليه فيما يقابله من أول النهار و صدره و حكمها عند سقوطها و لكل تجل و إن كان ذاتيا حكم ليس للآخر فما عدا الطرفين فهو تجل ذاتي بين تجليين ذاتيين إلا الطرفين فهو تجل ذاتي عقيب تجل حجابي و الطرف الآخر تجل ذاتي يعقبه تجل حجابي فهو تجل ذاتي بين تجل ذاتي و حجابي و قد رمينا بك على الطريق فافهم من حالات تغير الأحكام الشمسية في هذه الآنات و وقوع التشبيه منها في آن معين و هو الظهيرة و حالة الصحو و عدم السحاب بينها و بين الرائي و خذ أنت في الآنات الباقية آثار التجلي الذاتي‏ فاعلم إن النور المنبسط على الأرض الذي هو من شعاع الشمس الساري في الهواء ليس له حقيقة وجودية إلا بنور البصر المدرك لذلك فإذا اجتمعت العينان عين الشمس و عين البصر استنارت المبصرات و قيل قد انبسط الشمس عليها و لذلك يزول ذلك الإشراق بوجود السحاب الحائل لأن العين فارقت هذه العين الأخرى بوجود السحاب و هي مسألة في غاية الغموض لأني أقول لو أن الشمس في جو السماء و ما في العالم عين تبصر من حيوان ما كان لها شعاع منبسط في الأرض أصلا فإن نور كل مخلوق مقصور على ذاته لا يستنير به غيره فوجود أبصارنا و وجود الشمس معا أظهر النور المنبسط أ لا ترى الألوان تنقلب في الجسم الواحد المتلون بالخضرة مثلا أو الحمرة إذا اختلفت منك كيفيات النظر إليه من الاستقامات و الانحرافات كيف يعطيك ألوانا مختلفة محسوسة تدركها ببصرك لا وجود لها في الجسم المنظور إليه في الشمس و لا تقدر تنكر ذلك و لا سيما إذا كان الجسم المنظور إليه في الشمس فقد أدركت ما لا وجود له حقيقة بل نسبة كذلك النور المنبسط على الأرض و كتقلب الحرباء في لون ما تكون عليه من الأجسام على التدريج شيئا بعد شي‏ء ما هي مثل المرآة تقبل الصورة بسرعة و لا هي جسم صقيل و إدراك تقلبها في الألوان محسوس مع علمك بأن تلك الألوان لا وجود لها في ذلك الجسم الذي أنت ناظر إليه و لا في أعيانها في علمك كذلك العالم مدرك لله في حال عدمه فهو معدوم العين مدرك لله يراه فيوجده لنفوذ الاقتدار الإلهي فيه ففيض الوجود العيني إنما وقع على تلك المرئيات لله في حال عدمها فمن نظر إلى وجود تعلق رؤية العالم في‏حال عدمه و إنها رؤية حقيقية لا شك فيها و هو المسمى بالعالم و لا يتصف الحق بأنه لم يكن يراه ثم رآه بل لم يزل يراه فمن قال بالقدم فمن هنا قال و من نظر إلى وجود العالم في عينه لنفسه و لم يكن له هذه الحالة في حال رؤية الحق إياه قال بحدوثه و من هنا تعلم أن علة رؤية الرائي الأشياء ليس هو لكونها موجودة كما ذهب إليه من ذهب من الأشاعرة و إنما وجه الحق في ذلك إنما هو استعداد المرئي لأن يرى سواء كان موجودا أو معدوما فإن الرؤية تتعلق به و أما غير الأشاعرة من المعتزلة فإنها اشترطت في الرؤية البصرية أمورا زائدة على هذا تابعة للوجود و لهذا صرفت الرؤية إلى العلم خاصة فأما تجلى الذات بين تجليين حجابيين فلا بد أن يظهر في ذلك التجلي الذاتي من صور الحجابين أمر للرائي فيكون ذلك التجلي له كالمرآة يقابل بها صورتين فيرى الحجابين بنور ذلك التجلي الذاتي في مرآة الذات كما تشهد الفقر في حال تنزيهك الحق عنه سبحانه الغني الحميد و إن لم يكن الأمر كذلك فكيف تنزهه عما ليس بمشهود لك عقلا فهكذا صورة الحجاب في الذات عند التجلي و أوضح من هذا فلا يمكن فإذا أدرك العارف صورة هذين الحجابين أو صورة الحجاب و التجلي الذاتي الذي هذا التجلي الذاتي الآخر بينهما أو أدرك التجليين الذاتيين في مجلى الحجاب الواقع بينهما فليكن ذكره و عمله بحسب ما تعطيه تلك الصورتان في ذلك المجلى و العلة في أنه لا يدرك أبدا في التجلي أي تجل كان إلا صورتين لا بد منهما لكون الواحد يستحيل أن يشهد في أحديته و لما كان الإنسان لا تصح له الأحدية و هو في الرتبة الثانية من الوجود فله الشفعية لهذا لا يشاهد في التجلي إلا الصورتين الذي هو المجلى بينهما فلا يرى الرائي من الحق أبدا حيث رآه إلا نفسه فهذا التجلي يعرفك بنفسك و بنفسه فإن كان التجلي بين حجابين كانت الصورتان عملا إن كان في الدنيا فيكون عمل تكليف مشروع و إن كان في الآخرة فيكون عمل نعيم في منكوح أو ملبوس أو مأكول أو مشروب أو تفرج بحديث أو كل ذلك أو ما أشبه ذلك بحسب الحجاب و لهذا إذا رجع الناس من التجلي في الدار الآخرة يرجعون بتلك الصورة و يرون ملكهم بتلك الصورة و بها يقع النعيم و يظهر أن النعيم متعلقة الأشياء و ليس كذلك و إنما متعلق النعيم وجود الأشياء أو إدراكها على تلك الصور الحجابية التي أدركها في المجلى الذاتي و إن كان التجلي تجليا حجابيا بين تجليين ذاتيين كتجلي القمر بين الضحى و الظهيرة و تجلى الليل بين نهارين كانت الصورتان في ذلك المجلى الحجابي علما لا عملا و لكن من علوم التنزيه فتتحلى به النفس و تنعم به النعيم المعنوي و تلك جنتها المناسبة لها فافهم و إن كان التجلي الذاتي بين تجل حجابي و ذاتي كانت الصورتان صورة علم لا صورة عمل فالتجلي الذاتي في الذاتي صورة علم تنزيه لا غير و صورة التجلي الحجابي فيه صورة علم تشبيه و هو تخلق العبد بالأسماء الإلهية و ظهوره في ملكه بالصفات الربانية و في هذا المقام يكون المخلوق خالقا و يظهر بأحكام جميع الأسماء الإلهية و هذه مرتبة الخلافة و النيابة عن الحق في الملك و به يكون التحكم له في الموجودات بالفعل بالهمة و المباشرة و القول فأما الهمة فإنه يريد الشي‏ء فيتمثل المراد بين يديه على ما أراده من غير زيادة و لا نقصان و أما القول فإنه يقول لما أراده كُنْ فَيَكُونُ ذلك المراد أو يباشره بنفسه إن كان عملا كمباشرة عيسى الطين في خلق الطائر و تصويره طائرا و هو قوله لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فللإنسان في كل حضرة إلهية نصيب لمن عقل و عرف و إن كان التجلي الحجابي بين تجل حجابي و ذاتي فالتجلي الحجابي في الحجابي علم ارتباطه بالحق من حيث ما هو دليل عليه و كونه سببا عنه و أنه على صورته و نسبة الشبه به و أما صورة التجلي الذاتي في الحجابي فهو علم تجلى الحق في صفات المخلوق من الفرح و التعجب و التبشبش و اليد و القدم و العين و الناجذ و اليدين و القبضة و اليمين و القسم للمخلوق بالمخلوقين و بنفسه و اتصافه بحجب النور و الظلم و بحصر سبحانه المحرقة خلف تلك الحجب النورية و الظلمية و قد حصرت لك مقام التجليات في أربع و ليس ثم غيرها أصلا و لما أعطت الحقيقة في التجليات الإلهية إنها لا تكون إلا في هذه الأربع‏ في العالم كانت الموجودات كلها على التربيع في أصلها الذي ترجع إليه فكل موجود لا بد أن يكون في علمه علم تنزيه أو علم تشبيه و في عمله إما في عمل صناعي أو عمل فكري روحاني و لا تخلو من هذه الأربعة الأقسام و كذا الطبيعة أعطت بذاتها لحكم هذه التجليات فإن الموجودات إنما خرجت على صورة هذه التجليات فكانت الحرارة و البرودة و اليبوسة و الرطوبة و هي في كل جسم بكمالها غير أنه‏قد تكون في الجسم على التساوي في القوة و هو سبب بقاء ذلك الجسم و قد لا تكون في الجسم على السواء في القوة فتكون العلل لذلك الجسم مستصحبة و حالات الأمراض تنقلب عليه بحسب غلبة بعضها على بعض فإن أفرطت كان الموت و إفراطها منها فإن السبب الموجب لإفراطها إنما وقع منها بمأكول يأكله الإنسان أو الحيوان فما يكون الغالب في ذلك المأكول أو المباشر يزيد في كمية ما يناسبه من الجسم إن كان حارا قوي الحرارة و إن كان باردا قوي البرودة و كذلك ما بقي ثم إنه لما ألف بين هذه الأربعة لم يظهر إلا أربعا و لا قبلت إلا أربعة وجوه فإن حقائق تلك التجليات الأربعة أعطت أن لا تأتلف من هذه الأربع إلا وزنها في العدد و لهذا كانت منها المنافرة من جميع الوجوه و المناسبة كما ذكرناه في الإلهيات في أول هذا الباب و تلك الحقيقة الإلهية حكمت على العالم أن يكون بتلك المثابة إذ كان المعلوم على صورة العلم و علمه ذاته فافهم فالمنافرة كالحرارة و البرودة و كذلك الرطوبة و اليبوسة فلذلك لا تجتمع الحرارة و البرودة و لا الرطوبة و اليبوسة في حكم أبدا و أوجد الله العناصر أربعة عن تأليف هذه الطبائع فكان النار عن الحرارة و اليبوسة ثم لم يجعل ما يليه ما ينافره من جميع الوجوه بل جعل إليه ما يناسبه من وجه و إن فارقه من وجه فكان الهواء له جارا بما يناسبه من الحرارة و إن نافره بالرطوبة فإن للوساطة أثرا و حكما لجمعها بين الطرفين فقويت على المنافرة لهما فالهواء حار رطب فبما هو حار يستحيل إلى النار بالمناسب و غلب الوساطة و بما هو رطب يستحيل إلى الماء بالمناسب ثم جاور الهواء من الطرف الأسفل الماء فقبل الهواء جوار النار للحرارة و قبل جوار الماء للرطوبة و إن نافره بالبرودة كما نافره الهواء بالحرارة و كذلك جاور بين التراب و بين الماء للبرودة الجامعة لمجاورتهما فما ظهر عنها إلا أربعة لذلك الأصل و كذلك الجسم الحيواني المولد جعل أثر النار فيه الصفراء و أثر الهواء الدم و أثر الماء البلغم و أثر التراب السوداء فركب الجسم على أربع طبائع و كذلك القوي الأربعة الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة و كذلك قرن السعادة و الشقاء بالأربعة باليمين و الشمال و الخلف و الأمام لأن الفوقية لا يمشي الجسم فيها بطبعه و التحتية لا يمشي فيها الروح بطبعه و الإنسان و الحيوان مركب منهما فما جعلت سعادته و شقاوته إلا فيما يقبله طبعه في روحه و جسمه و هي الجهات الأربع و بها خوطب و منها دخل عليه إبليس فقال ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ من بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ من خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ و لم يقل من فوقهم و لا من تحتهم لما ذكرناه فإبليس ما جاءه إلا من الجهات التي تؤثر في سعادته إن سمع منه و قبل ما يدعوه إليه و في شقاوته إن لم يسمع منه و لم يقبل ما دعاه إليه فسبحان العليم الحكيم مرتب الأشياء مراتبها و هكذا فعل العالم الجسماني العلوي فجعل البروج التي جعل الأحكام عنها في العالم على أربع نارية و ترابية و هوائية و مائية و كذلك جعل أمهات المطالب أربعة هل و ما و لم و كيف و كذلك أمهات الأسماء المؤثرة في العالم و هو العالم و المريد و القادر و القائل فعلمه بكونه يكون في وقت كذا على حالة كذا دون ذلك لا يمكن فهذا العلم علق الإرادة بتعين ذلك الحال فالقائل علق القدرة بإيجاد تلك العين فعلم فأراد و قال فقدر فظهرت الأعيان عن هذه الأربعة فالحرارة للعلم و اليبوسة للإرادة و البرودة للقول و الرطوبة للقدرة فللحرارة التسخين و لليبوسة التجفيف و للرطوبة التليين و للبرودة التبريد قال تعالى و لا رطب و لا يابس فذكر المنفعلين دون الفاعلين لدلالتهما على من كانا منفعلين عنهما و هما الحرارة انفعل عنها اليبوسة و كذلك البرودة انفعل عنها الرطوبة فانظر ما أعطته هذه التجليات بحصرها فيما ذكرناه و كذلك العالم سعيد مطلق و شقي مطلق و شقي ينتقل إلى سعادة و سعيد ينتقل إلى شقاوة فانحصرت الحالات في أربع و منه الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ و ما ثم خامس و هذه نعوت نسبته مع العالم و مراتب العدد أربعة لا خامس لها و هي الآحاد و العشرات و المئات و الآلاف ثم يقع التركيب و تركيبها كتركيب الطبائع لوجود الأركان سواء و اعلم يا أخي أنه ليلة تقييدي لبقية هذا المنزل من بركاته رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد استلقى على ظهره و هو يقول ينبغي للعبد أن يرى عظمة الله في كل شي‏ء حتى في المسح على الخفين و لباس القفازين و كنت أرى في رجليه صلى الله عليه و سلم نعلين أسودين جديدين و في يديه قفازين و كأنه يشير إلي مسرورا بما وضعته في هذا المنزل من العلم بما يستحقه جلال الله ثم يقول ما دام البدر طالعا فالنفوس في البساتين نائمة و في جواسقها آمنة فإذا كان الظلام و لم يطلع‏البدر خيف من اللصوص فينبغي إن يدخل الإنسان المدينة حذرا من اللصوص فكنت أفهم عنه من هذا الكلام أنه يريد أن النفوس إذا كان شهود الحق غالبا عليها محققة به و فيه عند من يدخل بساتين معرفة الله و الكلام في جلاله على ضروبه و كثرة فنونه فشبه الحق بالبدر و شبه ما تحويه البساتين من ضروب الفواكه بما تحوي عليه الحضرة الإلهية من معارف الأسماء الإلهية و صفات الجلال و التعظيم و فهمت منه في المنام من قوله إذا غاب البدر و ذلك شهود الحق في الأشياء و الحضور معه و النية الخالصة فيه كان ظلام الجهل و الغفلة عن الله و الخطاء و خيف من اللصوص يريد الشبه المضلة الطارئة لأصحاب النظر الفكري و أصحاب الكشف الصوري فذكر ذلك خوفا على النفوس إذا اشتدت في الكلام على ما يستحقه جناب الحق فليدخل المدينة يريد فليتحصن من ذلك بالشرع الظاهر و ليلزم الجماعة و هم أهل البلد فإن يد الله مع الجماعة ثم رأيته صلى الله عليه و سلم يتقلق قلقا عظيما بجميع أعضائه لعظيم ما هو فيه من السرور بما يتضمنه هذا المنزل من المعرفة و كانتا في الليل و البدر طالع حتى كان منه في النهار أرى البدر يضي‏ء في كبد السماء و قائل يقول لم ير رسول الله صلى الله عليه و سلم في قلق عظيم لما يرد عليه من الله و يشهده و استيقظت فقيدت الرؤيا في هذا المنزل و استبشرت بما رأيته لله الحمد على ذلك و يتضمن هذا المنزل علوما جمة و ما من منزل إلا و يحتمل ما يحوي عليه من المعارف مجلدات كثيرة فقلت لأصحابى في هذه الليلة إنما أجعل من المنزل بعض ما يحوي عليه من المعارف مسألة من مسائله فسألني بعض أصحابي قال إذا كان الأمر على هذا فنبهنا على عدد ما يحويه من المسائل بذكر رءوس أصولها خاصة لنعرفها من غير تفصيل مخافة التطويل فقلت إن شاء الله ربما أفعل ذلك فبما بقي علينا من هذه المنازل في هذا الكتاب فكانت على هذه الليلة ليلة مباركة فاعلم إن هذا المنزل يتضمن علم التجلي في النجوم على كثرتها في كل نجم منها في آن واحد برؤية واحدة و علم تداخل التجليات و علم تجلى التابع و المتبوع و هل يحصل للتابع ذوق من تجلى المتبوع أم لا فإن المتبوع إنما جاء يدعو إلى الله ما جاء يدعو إلى نفسه فقال تَعالَوْا إِلى‏ كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَ لا نُشْرِكَ به شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً من دُونِ الله و قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي فجعل للتابع نصيبا في الدعاء إلى الله فكل علم يستقل به الإنسان من كونه عاقلا لا يحتاج فيه إلى غيره من رسول و لا دل عليه كالعلم بتوحيد الله و ما يجب له و كذلك ما يحصل له من الفيض الإلهي في الكشف في خلواته و طهارة نفسه بمكارم الأخلاق فمثل هذا يكون له من التجلي مثل ما للمتبوع لأنه ليس بتابع إنما هو ذو بصيرة إما لدليل عقل سار أو لكشف محقق هو فيه مثل المتبوع و كل إنسان ما له هذا المقام و كان الذي عنده من العلم بالله أخذه إيمانا من المتبوع و مشى عليه و يكون ذلك العلم مما لا يمكن أن يحصل إلا على طريقة الرسول صلى الله عليه و سلم و هو علم التقرب إلى الله من كونه قربة لا من كونه علما و كذلك الأعمال البدنية و القلبية على طريق القربة لا تعلم إلا من المتبوع فإذا كان التجلي في هذا المقام لصاحب هذا العلم فلا يلحق فيه التابع المتبوع أبدا فهو للمتبوع تجل شمسي و هو للتابع تجل قمري و نجومي فاعلم ذلك‏ و مما يتضمنه هذا المنزل تجلى الحق لأهل الشقاء في غير الاسم الرب مع أن الله ما جعل الحجاب إلا في يومئذ مخصوصا و في اسم الرب المضاف إليهم لا في إطلاق الاسم فهم في الحجاب في زمان مختص من اسم مضاف خاص بهم فلا يمنع تجليه في هذا الاسم الخاص لهم في غير ذلك الزمان و في اسم الرب المطلق و في غيره من الأسماء قال تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ فأضافه إليهم يومئذ لَمَحْجُوبُونَ فجعله زمانا معينا فافهم‏ و يتضمن هذا المنزل أنه ليس كل تجل يقع به النعيم و أن النعيم بالتجلي إنما يقع للمحبين المشتاقين الذين وفوا بشروط المحبة و يتضمن هذا المنزل بطون عالم الشهادة في الغيب فيرجع ما كان شهادة غيبا و ما كان غيبا شهادة و هكذا ذهب إليه بعض العارفين في نشأة الآخرة إن الأجسام تكون مبطونة في الأرواح و أن الأرواح تكون لها ظروفا ظاهرة بعكس ما هي في الدنيا فيكون الظاهر في الدار الآخرة و الحكم للروح لا للجسم و لهذا يتحولون في أية صورة شاءوا لغلبة الروحية عليهم و غيبية الجسم فيها كما هم اليوم عندنا الملائكة و عالم الأرواح يظهرون في أية صورة شاءوا و من منازل أصحاب الكشف الذين أنكروا حشر الأجسام فإنهم أبصروا في كشفهم الأمر الواقع في الدار الآخرة و رأوا أرواحا تتحول في الصور كما يريدون و غيب عنهم ما تحوي عليه تلك الأرواح‏من الجسمية كما غاب عنهم في هذه الدار في البشر الروحانية المبطونة في الأجسام فكانت الأجسام قبورا لها و في الآخرة بالعكس الأرواح قبور الأجسام فلهذا أنكروا ذلك و الكشف التام الذي فزنا به و أصحابنا هنا و في الآخرة إنا كشفنا الأرواح هنا و غلب الأجسام الطبيعية عليها في الصورة الظاهرة فلا يرى من الأرواح في ظاهر الأجسام إلا آثارها و لو لا الموت و النوم ما عرف غير المكاشف إن ثم أمرا زائدا على ما يشاهده في الظاهر و مع وجود الموت و السكون و ظهور الجسم عريا عما كان له من الآثار ذهبت طائفة إلى هذا المذهب و هم الحشيشية فما رأت أن ثم خلف هذه الصورة الظاهرة شيئا أصلا فكيف بهؤلاء لو لم يكن موت في العالم و يتضمن هذا المنزل معرفة العالم العلوي و ترتيب صورته في تركيبه و إنه على خلاف ما يذكره أصحاب علم الهيئة و إن كان ما قالوه يعطيه الدليل و يجوز أن يكون الله يرتبه على ذلك و لكن ما فعل مع أنه يعطي هذا الترتيب ما يعطيه ما ذهب إليه أصحاب علم الهيئة و يتضمن علم ما أودع الله في العالم السفلي في ترتيبه من الأمور و يتضمن معرفة المكلفين و من أين كلفت و ما يحركهم و يتضمن علم القربات و يتضمن علم سبب قصم الجبابرة المتكبرين على الله و يتضمن إلحاق الحيوان بالإنسان في العلم بالله و يتضمن علم العواقب و ما آل كل عالم فقد ذكرت رءوس و مسائله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏