قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الرابع و التسعون و مائتان في معرفة المنزل المحمدي المكي من الحض

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
حرم الله قلب كل نبيو كذا قيل قلب كل ولي‏
ورثوه و ورثوه بينهمفي علوم و في مقام علي‏
فإذا ما نسبت للشرع علمافاطلب العلم في حروف الروي‏
و بحار لها معارف نورفي شريف محقق و دني‏
و نبي مطهر و رسولو فقير ممردك و غني‏
و نعيم مرتب في علوو عذاب مقسم في ركي‏

اعلم أن هذا المنزل يتضمن علم مرتبة العالم عند الله بجملته و هل العدم له مرتبة عند الله يتعين تعظيمه من أجلها أم لا و هل من خلق من أهل الشقاء المغضوب عليه له مرتبة تعظيم عند الله أم لا و هل التعظيم الإلهي له أثر في المعظم بحيث أن يسعد به أم لا و ما سبب تعظيم الله العالم و هل لمن عظم العالم من الخلق صفة يعرف بها أم لا و ما الأسماء الإلهية التي تضاف إلى المخلوقين في مذهب من يقول ما أقسم الله قط إلا بنفسه لكن أضمره تارة و أظهره في موطن آخر ليعلم أنه مضمر فيما لم يذكر و جميع ما يتعلق بهذا الفن يتضمنه هذا المنزل إن ذكرناها على التفصيل طال الكلام‏ و مما يتضمن هذا المنزل علم خلق الإنسان من العالم و هل الحيوان مشارك له في هذا الخلق أم هو خصيص به و لم خص بهذا الضرب من الخلق و إن كان يشاركه الحيوان فيه فلم عين الإنسان بالذكر وحده و لما ذا ذكرت لفظة الإنسان في القرآن حيثما ذكرت و نيط بذكرها إما الذم و إما الضعف و النقص و إن ذكر بمدح أعقبه الذم منوطا به فالذم كقوله إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ و الضعف و النقص مثل قوله خَلَقْنَا الْإِنْسانَ من سُلالَةٍ من طِينٍ و قوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في كَبَدٍ و الذم العاقب للمدح كقوله لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ هذا مدح ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ هذا ذم و يتضمن علم مال أصحاب الدعاوي التي تعطيها رعونة الأنفس و يتضمن تقرير النعم الحسية و المعنوية و يتضمن التخلق بالأسماء و يتضمن علم القوة التي أعطيها الإنسان و أن لها أثرا و في ذلك رد على الأشاعرة و تقوية للمعتزلة في إضافة الأفعال إلى المكلفين و يتضمن علم ما يقع فيه التعاون و يتضمن علم مال عرف الدليل و تركه لهوى نفسه فهذا جميع رءوس ما يتضمنه هذا المنزل من المسائل و هي تتشعب إلى ما لا يحصى كثرة إلا عن مشقة كبيرة فأما مرتبة العالم عند الله بجملته‏ فاعلم إن الله تعالى ما خلق العالم لحاجة كانت له إليه و إنما خلقه دليلا على معرفته ليكمل بذلك ما نقص من مرتبة الوجود و مرتبة المعرفة فلم يرجع إليه سبحانه من خلقه وصف كمال لم يكن عليه بل له الكمال على الإطلاق و لا أيضا كان العالم في خلقه مطلوبا لنفسه لأنه ما طرأ عليه من خلقه صفة كمال بل له النقص الكامل على الإطلاق سواءخلق أو لم يخلق بل كان المقصود ما ذكرناه مرتبة الوجود و مرتبة المعرفة أن تكمل بوجود العالم و ما خلق الله فيه من العلم بالله لما أعطاه التقسيم العقلي فإن وصف العالم بالتعظيم فمن حيث نصب دليلا على معرفة الله و أن به كملت مرتبة الوجود و مرتبة المعرفة و الدليل يشرف بشرف مدلوله و لما كان العلم و الوجود أمرين يوصف بهما الحق تعالى كان لهما الشرف التام فشرف العالم لدلالته على ما هو شريف فإن قال القائل كان يقع هذا بجوهر فرد يخلقه في العالم إن كان المقصود الدلالة قلنا صدقت و ذلك أردنا إلا أن لله تعالى نسبا و وجوها و حقائق لا نهاية لها و إن رجعت إلى عين واحدة فإن النسب لا تتصف بالوجود فيدخلها التناهي فلو كان كما أشرت إليه لكان الكمال للوجود و المعرفة بما يدل عليه ذلك المخلوق الواحد فلا يعرف من الحق إلا ما تعطيه تلك النسبة الخاصة و قد قلنا إن النسب لا تتناهى فخلق الممكنات لا تتناهى فالخلق على الدوام دنيا و آخرة فالمعرفة تحدث على الدوام دنيا و آخرة و لذا أمر بطلب الزيادة من العلم أ تراه أمره بطلب الزيادة من العلم بالأكوان لا و الله ما أمر إلا بالزيادة من العلم بالله بالنظر فيما يحدثه من الكون فيعطيه ذلك الكون عن أية نسبة إلهية ظهر و لهذا نبه صلى الله عليه و سلم القلوب‏ بقوله في دعائه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك‏ و الأسماء نسب إلهية و الغيب لا نهاية له فلا بد من الخلق على الدوام و العالم من المخلوقين لا بد أن يكون علمه متناهيا في كل حال أو زمان و أن يكون قابلا في كل نفس لعلم ليس عنده محدث متعلق بالله أو بمخلوق يدل على الله ذلك العلم فافهم فإن قال القائل فالأجناس محصورة بما دل عليه العقل في تقسيمه و كل ما يخلق مما لا يتناهى داخل في هذا التقسيم العقلي إذ هو تقسيم دخل فيه وجود الحق قلنا التقسيم صحيح في العقل و ما تعطيه قوته كما أنه لو قسم البصر المبصرات لقسمها بما تعطيه قوته و كذلك السمع و جميع كل قوة تعطي بحسبها و لكن ما يدل ذلك على حصر المخلوقات فإنها قسمت على قدر ما تعطي قوتها و ما من قوة تعطي أمرا و تحصر القسمة فيه إلا و يخرج عن قسمتها ما لا تعطيه قوتها فقوة السمع تقسم المسموعات و متعلقها الكلام و الأصوات لا غير فقد خرج عنها المبصرات كلها و المطعومات و المشمومات و الملموسات و غيرها و كذلك أيضا العقل لما أعطى بقوته ما أعطى لم يدل ذلك على أنه ما ثم أمور إلهية لا تعطي العلم بتفاصيلها و حقائقها قوة العقل و إن دخلت في تقسيمه من وجه فقد خرجت عنه من وجوه و جائز أن يخلق الله في عبده قوة أخرى تعطي ما لا تعطيه قوة العقل فيرد المحال واجبا و الواجب محالا و الجائز كذلك فمن جهل ما تقتضيه الحضرة الإلهية من السعة بعدم التكرار في الخلق و التجليات لم يقل مثل هذا القول و لا اعترض بمثل هذا الاعتراض فإن قال لا بد أن يكون ما خلق تحت حكم العقل و داخلا في تقسيمه إما تحت قسمة النفي أو الإثبات قلنا صدقت ما تمنع أن يكون ما يعلم مما كان لا يعلم إما في قسم النفي أو الإثبات و لكن ما يدخل تحت ذلك النفي أو الإثبات هل يعطي ما يعطي النفي من العلم أو يعطي ما يعطي الإثبات من العلم أو يعطي أمرا آخر فإن النفي قد أعطى من العلم بالله ما أعطى من حيث ما هو نفي لا من حيث ما هو تحت دلالته من المنفيات التي لا نهاية لها و إن الإثبات قد أعطى من العلم بالله ما أعطى من حيث ما هو إثبات لا من حيث ما تحت دلالته من المثبتين فإذا الإيجاد مستمر و العلم فينا يحدث بحدوث الإيجاد و المعلوم الذي تعلق به العلم من ذلك الدليل الخاص ليس هو المعلوم الآخر فهو معلوم لله لا للعالم فكملت مرتبة ذلك العلم بوجوده في هذا العالم الكوني و كملت مرتبة الوجود الخاص بهذا الموجود بظهور عينه و الذي يعطيه كل موجود من العلم الذوقي لا يعطيه الآخر و لقد يجد الإنسان من نفسه تفرقة ذوقية في أكله تفاحة واحدة في كل عضة يعض منها إلى أن يفرغ من أكلها ذوقا لا يجده إلا في تلك العضة خاصة و التفاحة واحدة و يجد فرقانا حسيا في كل أكلة منها و إن لم يقدر يترجم عنها و من تحقق ما ذكرناه يعلم أن الأمر خارج عن طور كل قوة موجودة كانت تلك القوة عقلا أو غيره فسبحان من تعلق علمه بما لا يتناهى من المعلومات لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال تعالى وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ من عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ و قد بين لك في هذه الآية أن العقل و غيره ما أعطاه الله من العلم إلا ما شاء وَ لا يُحِيطُونَ به عِلْماً و لذا قال وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ عقيب قوله وَ لا يُحِيطُونَ به عِلْماً أي إذا عرفوا أنهم لا يحيطون به علما خضعوا و ذلوا و طلبوا الزيادة من العلم فيما لا علم لهم به منه و الوجوه هنا أعيان الذوات و حقائق الموجودات إذ وجه كل شي‏ء ذاته و كل‏ما خلق الله من العالم فإنما خلقه الله على كماله في نفسه فذلك الكمال وجهه قال تعالى أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ فقد أكمله ثُمَّ هَدى‏ فأعطى الهدى أيضا الذي هو البيان هنا خلقه فأبان الأمر بعبيده على أكمل وجوهه عقلا و شرعا ما أبهم و لا رمز و لا لغز إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ و لو لا البيان ما فصل بين المتشابه و المحكم ليعلم أن المتشابه لا يعلمه إلا الله و المحكم يتعلق به علمنا فلو لم ينزل المتشابه لنعلم أنه متشابه لكوننا نرى فيه وجها يشبه أن يكون وصفا للمخلوق و يشبه أن يكون وصفا للخالق فلا يعلم معنى ذلك المتشابه إلا الله فلو لم ينزل المتشابه لم يعلم أن ثم في علم الله ما يكون متشابها و هذا غاية البيان حيث أبان لنا أن ثم ما يعلم و ثم ما لا يعلمه إلا الله و قد يمكن أن يعلمه الله من يشاء من خلقه بأي وجه شاء أن يعلمه و مما يتضمن هذا المنزل العلم بالأقسام الإلهية التي وردت في الشرائع المتقدمة و المتأخرة لما أقسم و إذا أقسم بمن أقسم هل بنفسه أو بمخلوقاته أو بهذا وقتا و بهذا وقتا آخر مثل قوله تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا فأقسم بالله و كقوله فَوَ رَبِّكَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ و كقوله وَ الذَّارِياتِ وَ الْمُرْسَلاتِ وَ الصَّافَّاتِ وَ النَّجْمِ وَ الشَّمْسِ و غير ذلك من المخلوقين الذين أقامهم في الظاهر مقام أسمائه فإن كان أضمر فما أضمر من الأسماء و على كل حال فلها شرف عظيم بإضافتها إليه سواء أظهر الاسم أو لم يظهر و القسم العام فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَ ما لا تُبْصِرُونَ فدخل في هذا القسم من الموجودات جميع الأشياء و دخل فيه العدم و المعدومات و هو قوله وَ ما لا تُبْصِرُونَ و ما تبصرونه في الحال و المستقبل و المستقبل معدوم فللأشياء نسبة إلى الشرف و التعظيم و كذلك العدم فأما شرف العدم المطلق فإنه يدل على الوجود المطلق فعظم من حيث الدلالة و هو مما يجري على ألسنة الناس و قد نظم ذلك فقيل‏ و بضدها تتميز الأشياء فالعدم ميز الوجود و الوجود ميز العدم و أما شرف العدم المقيد فإنه على صفة تقبل الوجود و الوجود في نفسه شريف و لهذا هو من أوصاف الحق فقد شرف على العدم المطلق بوجه قبوله للوجود فله دلالتان على الحق دلالة في حال عدمه و دلالة في حال وجوده و شرف العدم المطلق على المقيد بوجه و هو أنه من تعظيمه لله و قوة دلالته إنه ما قبل الوجود و بقي على أصله في عينه غيرة على الجناب الإلهي أن يشركه في صفة الوجود فينطلق عليه من الاسم ما ينطلق على الله و لما كان نفس الأمر على هذا شرع الحق للموجودات التسبيح و هو التنزيه و هو أن يوصف بأنه لا يتعلق به صفات المحدثين و التنزيه وصف عدمي فشرف سبحانه لعدم المطلق بأن وصف به نفسه فقال سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ تشريفا للعدم لهذا القصد المحقق منه في تعظيم الله فإنه أعرف بما يستحقه الله من المعدوم المقيد فإنه له صفة الأزل في عدمه كما للحق صفة الأزل في وجوده و هو وصف الحق بنفي الأولية و هي وصف العدم بنفي الوجود عنه لذاته فلم يعرف الله مما سوى الله أعظم معرفة من العدم المطلق و لما كان للعدم هذا الشرف و كان الدعوى و المشاركة للموجودات لهذا قيل لنا وَ قَدْ خَلَقْتُكَ من قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً أي و لم تك موجودا فكن معي في حال وجودك من عدم الاعتراض في الحكم و التسليم لمجاري الأقدار كما كنت في حال عدمك فجعل شرف الإنسان رجوعه في وجوده إلى حال عدمه فلو لا شرف العدم بما ذكرناه ما نبه الحق الموجود المخلوق على الرجوع إلى تلك الحالة في الحكم لا في العين و لا يقدر على هذا الوصف من الرجوع إلى العدم بالحكم مع الوجود العيني إلا من عرف من أين جاء و ما يراد منه و ما خلق له فقد تبين لك من شرف العدم المطلق ما فيه كفاية و هذه مسألة أغفلها الناس و لم يعقلوها عن الله حين ذكرها و لما تبين أن الشرف للموجودات و المعدومات إنما كان من حيث الدلالة وجب تعظيمها فقال تعالى وَ من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ و الشعائر هي الإعلام فهي الدلالات فمن عظمها فهو تقي في جميع تقلباته فإن القلوب من التقليب و ما قال سبحانه إن ذلك‏ من تقوى النفوس و لا من تقوى الأرواح و لكن قال من تَقْوَى الْقُلُوبِ لأن الإنسان يتقلب في الحالات مع الأنفاس و هو إيجاد المعدومات مع الأنفاس وَ من يَتَّقِ الله في كل تقلب يتقلب فيه فهو غاية ما طلب الله من الإنسان و لا يناله إلا الأقوياء الكمل من الخلق لأن الشعور بهذا التقلب عزيز و لهذا قال شَعائِرَ الله أي هي تشعر بما تدل عليه و ما تكون شعائر إلا في حق من يشعر بها و من لا يشعر بها و هم أكثر الخلق فلا يعظمها فإذا لا يعظمها إلا من قصد الله في جميع توجهاته و تصرفاته كلها و لهذا ما ذكرها الله إلا في الحج الذي هو تكرار القصد و لما كان القصد لا يخلو عنه‏إنسان كان ذكر الشعائر في آية الحج و ذكر المناسك و هي متعددة أي في كل قصد فكان سبب القسم بالأشياء طلب التعظيم من الخلق للأشياء حتى لا يهملوا شيئا من الأشياء الدلالة على الله سواء كان ذلك الدليل سعيدا أو شقيا و عدما أو وجودا أي ذلك كان و إن كان القصد الإلهي بالقسم نفسه لا الأشياء بل المقصود الأمران معا و هو الصحيح فاعلم أنه ليس المراد بهذا القصد الآخر إلا التعظيم لنا و التعريف فذكر الأشياء و أضمر الأسماء الإلهية لتدل الأشياء على ما يريده من الأسماء الإلهية فما تخرج عن الدلالة و شرفها فقال وَ السَّماءِ وَ ما بَناها أي و باني السماء وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها أي و باسط الأرض وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ أي و مسقط النجم فاختلفت الأشياء فاختلفت النسب فاختلفت الأسماء و تعينت المختصة بهذا الكون المذكور فعلم من الله ما ينبغي أن يطلق عليه من الأسماء في المعنى فيما أضمر و في اللفظ فيما أطلق إذ لو أراد إطلاق ما أضمره عليه لأظهره كما أظهره في قوله فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ فجاء بالاسم الرب بالنسبة الخاصة المتعلقة بالسماء خاصة و اسم الأرض مضمر لأنه للرب نسبة خاصة في الأرض ليست في السماء و لذلك لم يتماثلا بل السماء مغايرة للأرض لاختلاف النسب فنسبة الرب لخلق السماء مغايرة للنسبة الربانية لخلق الأرض و لو لا وجود الواو في قوله و الأرض الذي يعطي التشريك لقلنا باختلاف الاسم الرب لاختلاف النسبة و لكن الواو منعت و القرآن نزل باللسان العربي و الواو في اللسان في هذا الباب إذا ذكر الأول و لم يذكر في المعطوف عليه حكم آخر دلت على التشريك فإذا قلت قام زيد و عمر و فلا يريد القائل إذا وقف على هذا من غير قاطع عرضي مثل انقطاع النفس بسعلة تطرأ عليه أو شغل يشغله عن تمام تلفظه في مراده فهو للتشريك و لا بد فيما ذكر فالقاطع منعه أن يقول و عمر و خارج أو يقول و عمر و أبوه قاعد فهذه الواو واو الابتداء و الحال لا واو العطف فإذا قال قام زيد و خرج عمرو فهذه واو العطف أعني عطف جملة على جملة لا واو التشريك فلهذا جعلنا الواو في قوله و الأرض للتشريك في الاسم الإلهي المذكور الذي هو المعطوف عليه و كان الإضمار في النسبة التي يقع فيها التغاير فافهم فإنه من دقيق المعرفة بالله‏ و اعلم أنه لما رأى بعض العارفين تعظيم هذه الأمور مشروعا ألحق كل ما سوى الله بالسعادة التي هي في حق أصحاب الأغراض من المخلوقين وصولهم إلى أغراضهم التي تخلق لهم في الحال فلم يبق صاحب هذا النظر أحدا في العذاب الذي هو الألم فإنه مكروه لذاته و إن عمروا النار فإن لهم فيها نعيما ذوقيا لا يعرفه غيرهم فإنه لكل واحدة من الدارين ملؤها فأخبر الله أنه يملؤها و يخلد فيها مؤبدا و لكن ما ثم نص بتسرمد العذاب الذي هو الألم لا الحركات السببية في وجود الألم في العادة بالمزاج الخاص المحس للألم فقد نرى الضرب و القطع و الحرق في الوجود ظاهرا و لكن لا يلزم عن تلك الأفعال ألم و لا بد و قد شاهدنا هذا من نفوسنا في هذا الطريق و هذا من شرف الطريق و فيه يقول أصحابنا ليس العجب من ورد في بستان فإنه المعتاد و إنما العجب من ورد في وسط النار لأنه غير معتاد يريد أنه ليس العجب ممن يجد اللذة في المعتاد و إنما العجب ممن يجد اللذة في غير السبب المعتاد و هو كان مطلوب أبي يزيد في قوله‏ سوى ملذوذ وجدي بالعذاب‏ و لهذا سمي عذابا لأنه يعذب في حال ما عند قوم ما لمزاج يطلبه و إذا كان الحق يأمر بتعظيم كل ما سواه مما هو مضاف إليه و ما ثم إلا ما هو مضاف إليه إما نصا أو عقلا فبعيد إن يتسرمد عليه العذاب الذي هو الألم و قد كان الله و لا شي‏ء معه و لم يرجع إليه وصف لم يكن عليه مما أوجده و خلقه فكذلك هو و يكون و إنما قلنا هذا من أجل من يقول بنفي اسم من الأسماء الإلهية لا أثر له قلنا و إن لم يكن له أثر فليس كماله بوجود الأثر عنه فإن العين واحدة فافهم ذلك و هذه مسألة من أشكل المسائل في هذا الطريق‏ و الله يقول إن رحمته سبقت غضبه يريد أن حكمه برحمة عباده سبق غضبه عليهم و لا يظهر السبق في نفس الشأو فإنه قد يكون الفرس واسع النفس بطي‏ء الحركة و الآخر ضيق النفس سريع الحركة و الشأو طويل فلا يزال الواسع النفس و إن أبطأ في الحضر يدخل على الضيق النفس حتى يزيد عليه و يتركه خلفه فلا يحكم بالسبق إلا في آخر الشأو فمن حاز قصب السبق فهو السابق و لهذا يطول في المسابقة بين الخيل في المسافة و هو مشروع في معرض التنبيه على هذا المقام و آخر المسافة هو الذي ينتهي إليه الحكم بالسبق و الرحمة سبقت غضب الله على خلقه فهي تحوز العالم في الدارين بكرم الله و ما ذلك على الله بعزيز و إن كانوا في النار فلهم فيها نعيم فإنهم‏ليسوا منها بمخرجين و يصدق‏ قوله تعالى سبقت رحمتي غضبي‏ و يصدق قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ من الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ و يصدق قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ و قد أظهرت أمرا في هذه المسألة لم يكن باختياري و لكن حق القول الإلهي بإظهاره فكنت فيه كالمجبور في اختياره و الله ينفع به من يشاء لا إله إلا هو و هذا القدر كاف من علم هذا المنزل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏