قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخامس و التسعون و مائتان في معرفة منزل الأعداد المشرفة من الحض

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
تفجرت الأنهار من ذات أحجارو غاصت بأرضي في خزائن أسراري‏
فعشر من العلم اللدني ظاهرو ما كتمت منه فتسعة أعشار
تطالبني نفسي بمثنى وجودهاو يطلبني و ترى المصاب بأوتار
فحصنت نفسي في مدينة سيدبناها من الماء المركب و النار
فلم ير حصن مثله في ارتفاعهتحصنت فيه خلف سبعة أسوار
مكانتها ما بين ذل و عزةيعاملني فيها على حد مقداري‏
إلى أن يكون النفخ في صور حسهإلى صور تخييل ببرزخ أغياري‏
و يبقى دوام الأمر فيه مخلداإلى أن يكون البعث من قبر أفكاري‏
فأشهده علما و عينا و حالةبمشهد أنوار و مشهد أسراري‏
منوعة تلك المظاهر عندنابرؤية أفكار و رؤية أبصار

فهرست ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم و ذلك علم اللوائح و هي مقدمات الذوق و هي منزلة عجيبة لا تقبل الغفلة و النسيان و فيه علم دخول التأنيث في العدد و هو مذكر و فيه علم المانية من أين ضلت و ما وجه الحق الذي عندها حتى قادها إلى هذا الاعتقاد و هل لها عذر مقبول في ذلك يوم القيامة أم لا و فيه علم الدخول و هو طلب الأوتار و لما ذا تطلب و لمن يرجع فضلها و هل المغصوب على نفسه بالقتل هل يرضى بذلك أم لا ولاية حكمة جعل ذلك للولي و هل إذا عفا الولي عن الدم هل يسقط حق المقتول يوم القيامة أم مثل الحوالة في الدين إذا قبلها صاحب الحق لم يبق له رجوع على الأول إن أعسر المرجوع إليه عنه بعد رضاء صاحب الدين بالحوالة و فيه علم قرار الغيب حتى لا يشهد و لما ذا يقر و فيه علم الغيب الذي يجب أن يشهد و طلبه لذلك من الله و فيه علم العقل و مرتبة صاحبه و فيه علم الاعتبار و فيه علم الانتقال في الأحوال و المقامات و فيه علم الكيفيات و الكميات و فيه علم التعالي و لما ذا يؤدي و إنه مخصوص بأهل البلادة دون الأذكياء و فيه علم الصلاح و الفساد و فيه علم ما يترتب على الأعمال سواء وقع التكليف أو لم يقع و فيه من أين أخذ علم أهل النجوم الحاكمون بها الواقفون على ما أودع الله فيها من الأحكام من العلوم الإلهية و شرفه على سائر العلوم و ذكر الحيوان الذي إذا أكل أعلاه أعطى بالخاصية لمن أكله علم النجوم و إذا أكل وسطه أعطى علم النبات و إذا أكل عجزه و هو ما يلي ذنبه أعطى علم المياه المغيبة في الأرض فيعرف إذا أتى أرضا لا ماء فيها على كم ذراع يكون الماء فيها و هذا الحيوان حية ليست بالكبيرة و لا بالصغيرة لا يوجد إلا بأحواز شلب من غرب الأندلس و كان قد وقع بها عندنا عبد الله بن عبدون كاتب أمير المسلمين فقطع رأسها و ذنبها بسكين ذي شعبتين في ضربة واحدة و قسمها ثلاث قطع و كانوا ثلاثة إخوة فأكل عبد الله أعلاها فكان في علم القضاء بالنجوم آية من غير مطالعة كتاب أو توقيف إمام و أكل أخوه عبد المجيد الوسط منها فكان آية في علم النبات و خواصه و تركيباته من غير مطالعة كتاب و لا توقيف أخبرني ولده المنجنيقي بذلك بقونية و أكل الأخ الثالث القطعة الاخيرة التي تلي الذنب منها فكان آية في استخراج المياه من جوف الأرض فسبحان من أودع أسراره في خلقه و فيه علم الفرق في خرق العوائد بين الكرامة و الاستدراج و فيه علم السبب الذي أوجب أن يحب العالم الحيواني الإنساني غير الله و سبب الحب أمران النسبة و الإحسان و النسبة إلى الله أقرب فإنه مخلوق على الصورة و الإحسان من الله فهو المنعم عليه بإيجاد عينه ثم لكل ما هو فيه فكيف يحب غيره و يفنى فيه و فيه‏علم الآخرة و ما يتعلق بها من حين وقوف الناس على الجسر دون الظلمة إلى أن يدخلوا منازلهم من الشقاء و السعادة فهذا جميع ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم قد نبهتك عليها لترتفع الهمة إلى طلبها فلنذكر منها مسألة أو أكثر على قدر ما يتسع الكلام مع الاختصار دون الإطالة و الإكثار فأقول وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏ اعلم أن الله لما خلق الأرواح الملكية المهيمة و هم الذين لا علم لهم بغير الله لا يعلمون أن الله خلق شيئا سواهم و هم الكروبيون المقربون المعتكفون المفردون المأخوذون عن أنفسهم بما أشهدهم الحق من جلاله اختص منهم المسمى بالعقل الأول و الأفراد منا على مقامهم فجلال الله في قلوب الأفراد على مثل ذلك فلا يشهدون سوى الحق و هم خارجون عن حكم القطب الذي هو الإمام و هو واحد منهم و لكنه يكون مادته من العقل الأول الذي هو أول موجود من عالم التدوين و التسطير و هو الموجود الإبداعي ثم بعد ذلك من غير بعدية زمان انبعث عن هذا العقل موجود انبعاثي و هو النفس و هو اللوح المحفوظ المكتوب فيه كل كائن في هذه الدار إلى يوم القيامة و ذلك علم الله في خلقه و هو دون القلم الذي هو العقل في النورية و المرتبة الضيائية فهو كالزمردة الخضراء لانبعاث الجوهر الهبائي الذي في قوة هذه النفس فانبعث عن النفس الجوهر الهبائي و هو جوهر مظلم لا نور فيه و جعل الله مرتبة الطبيعة بين النفس و الهباء مرتبة معقولة لا موجودة ثم بما أعطى الله من وضع الأسباب و الحكم و رتب في العالم من وجود الأنوار و الظلم لما يقتضيه الظاهر و الباطن كما جعل الابتداء في الأشياء و الانتهاء في مقاديرها بأجل معلوم و ذلك إلى غير نهاية فما ثم إلا ابتداءات و انتهاءات دائمة من اسميه الأول و الآخر فعن تينك الحقيقتين كان الابتداء و الانتهاء دائما فالكون جديد دائما فالبقاء السرمدي في التكوين فأعطى لهذه النفس لما ذكرناه قوة عملية عن تلك القوة أوجد الله سبحانه بضرب من التجلي الجسم الكل صورة في الجوهر الهبائي و ما من موجود خلقه الله عند سبب إلا بتجل إلهي خاص لذلك الموجود لا يعرفه السبب فيتكون هذا الموجود عن ذلك التجلي الإلهي و التوجه الرباني عند توجه السبب لا عن السبب و لو لا ذلك لم يكن ذلك الموجود و هو قوله سبحانه و تعالى فينفخ فيه فلم يكن للسبب غير النفخ فيكون طائرا بإذن الله فالطائر إنما كان لتوجه أمر الله عليه بالكون و هو قوله تعالى كُنْ بالأمر الذي يليق بجلاله فلما أوجد هذا الجسم الأول لزمه الشكل إذ كانت الأشكال من لوازم الأجسام فأول شكل ظهر في الجسم الشكل المستدير و هو أفضل الأشكال و هو للاشكال بمنزلة الألف للحروف يعم جميع الأشكال كما إن حرف الألف يعم جميع الحروف بمروره هواء من الصدر على مخارجه إلى أن يجوز الشفتين فهو يظهر ذوات الحروف في المخارج فإذا وقف في الصدر ظهر حرف الهاء و الهمزة في أعيانهما عن حرف الألف فإذا انتقل من الصدر إلى الحلق و وقف في مراتب معينة في الحلق أظهر في ذلك الوقوف وجود الحاء المهملة ثم العين المهملة ثم الخاء المعجمة ثم الغين المعجمة ثم القاف المعقودة ثم الكاف و أما القاف التي هي غير معقودة فهي حرف بين حرفين بين الكاف و القاف المعقودة ما هي كاف خالصة و لا قاف خالصة و لهذا ينكرها أهل اللسان فأما شيوخنا في القراءة فإنهم لا يعقدون القاف و يزعمون أنهم هكذا أخذوها عن شيوخهم و شيوخهم عن شيوخهم في الأداء إلى أن وصلوا إلى العرب أهل ذلك اللسان و هم الصحابة إلى النبي صلى الله عليه و سلم كل ذلك أداء و أما العرب الذين لقيناهم ممن بقي على لسانه ما تغير كبني فهم فإني رأيتهم يعقدون القاف و هكذا جميع العرب فما أدري من أين دخل على أصحابنا ببلاد المغرب ترك عقدها في القرآن و هكذا حديث سائر الحروف إلى آخرها و هو الواو و ليس وراء الواو مرتبة لحرف أصلا و ليس للاشكال في الأجسام حد ينتهي إليه يوقف عنده لأنه تابع للعدد و العدد في نفسه غير متناه فكذلك الأشكال فأول شكل ظهر بعد الاستدارة المثلث و من المثلث المتساوي الأضلاع و الزوايا تمشي الأشكال في المجسمات إلى غير نهاية و أفضل الأشكال و أحكمها المسدس و كلما اتسع الجسم و عظم قبل الكثير من الأشكال ثم أمسك الله الصورة الجسمية في الهباء بما أعطته الطبيعة من مرتبتها التي جعلناها بين النفس و الهباء و لو لم يكن هنالك مرتبتها لما ظهر الجسم في هذا الجوهر و لا كان له فيه ثبوت فكانت الطبيعة للنفس كالآلة للصانع التي يفتح بها الصور الصناعية في المواد فظهر الجسم الكل في هذا الجوهر عن النفس بآلة الحرارة و ظهرت الحياة فيه بمصاحبةالحرارة الرطوبة و ثبتت صورته في الهباء بالبرودة و اليبوسة و جعله أعني هذا الجسم الكري على هيأة السرير و خلق له حملة أربعة بالفعل ما دامت الدنيا و أربعة أخر بالقوة يجمع بين هؤلاء الأربعة و الأربعة الآخر يوم القيامة فيكون المجموع ثمانية و سماه العرش و جعله معدن الرحمة فاستوى عليه باسمه الرحمن و جعله محيطا بجميع ما يحوي عليه من الملك متحيزا يقبل الاتصال و الانفصال و عمر الأينية الظرفية المكانية و كان مرتبة ما فوقه بينه و بين العماء الذي ما فوقه هواء و ما تحته هواء و هو للاسم الرب و الله هو الاسم الجامع المهيمن على جميع الأسماء الإلهية فصفته المهيمنية و توحدت الكلمة في العرش فهي أول الموجودات التي قبلها عالم الأجسام ثم أوجد جسما آخر في جوهر هذا الهباء فإن جوهر هذا الهباء هو الذي عمر الخلأ فكل ما ظهر من الصور المتحيزة الجسمية و الجسمانية فهذا الجوهر هو القابل لها و إنما قلنا هذا لئلا يتخيل أن الكرسي صورة في العرش و ليس كذلك و إنما هو صورة أخرى في الهباء قبلها كما قبل صورة العرش على حد واحد و لكن بنسب مختلفة فسمى هذا الموجود الآخر كرسيا و دلى إليه القدمين من العرش فانفلقت الرحمة انفلاق الحب فتنوعت الرحمة في الصفة إلى إطلاق و تقييد فظهرت الرحمة المقيدة و هي القدم الواحدة و تيمزت الرحمة المطلقة بظهور هذه القدم الأخرى فظهر في هذه القدم انقسام الكلمة الواحدة العرشية التي لم يظهر لها انقسام في العرش إلى خبر و حكم و انقسم الحكم إلى أمر و نهي و انقسم الأمر إلى وجوب و ندب و إباحة و انقسم النهي إلى حظر و كراهة و انقسم الخبر إلى هذه الأقسام و زيادة من استفهام و تقرير و دعاء و إنكار و قصص و تعليم فتنوعت الألسن و ظهرت الملاحن في الكرسي فظهر تفصيل النغمات التي كانت مجملة في العرش فهو أول طرب ظهر في عالم الأجسام من السماع و من هنالك سرى في عالم الأفلاك و السموات و الأركان و المولدات ثم أوجد الحق أيضا جسما آخر مستديرا دون الكرسي في الرتبة و جعله مستديرا فلكيا غير مكوكب قدر فيه سبحانه أثنى عشر تقديرا مقادير معينة سمي كل مقدار منها باسم لم يسم به الآخر و هي المعروفة بالبروج و أظهر منها سلطان الطبيعة فجعل منها ثلاثة من اجتماع الحرارة و اليبوسة و جعل أحكامها مختلفة و إن كانت على طبيعة واحدة و لكن المكان المعين من هذا الفلك لما اختلف اختلفت أحكامها من ذلك الوجه و بما هي على طبيعة واحدة من الحر و اليبس اتفقت أحكامها فتعمل بالاتفاق من وجه و بالاختلاف من وجه و لهذا ظهر عنها الكون و الفساد و التغيير و الاستحالات و لست أعني بالفساد الشرور المعتادة عندنا هنا و إنما أعني بالفساد زوال نظم مخصوص يقال فيه فسد ذلك النظام أي زال كما تأكل التفاحة أو تشقها بالسكين إلى أقسام فقد فسد نظامها فذهبت تلك الصورة بظهور صورة أخرى فيها و عن هذا الفلك يتكون جميع ما في الجنة و عنه يكون الشهوة لأهلها و هو عرش التكوين ثم إن الله تعالى أوجد في جوف هذا الفلك الأطلس الذي هو محل لهذه الطبائع التي هي آلة النفس العملية فلكا آخر في جوهر الهباء كما ذكرنا و بالتجلي الإلهي كما ذكرنا إذ لا يكون التكوين الإله سبحانه و هذا الفلك هو فلك الكواكب الثابتة و المنازل التي يقدر بها تقسيم البروج المقدرة في الأطلس إذ كان الأطلس متشابه الأجزاء و هي ثمانية و عشرون منزلة و هي النطح و البطين و الثريا و الدبران و الهنعة و الهقعة و الذراع و النثرة و الطرف و الجبهة و الزبرة و الصرفة و العوا و السماك و الغفر و الزبايا و الإكليل و القلب و الشولة و النعائم و البلدة و سعد الذابح و سعد بلع و سعد السعود و سعد الأخبية و الفرع المقدم و الفرع المؤخر و الرساء فهذه ثمان و عشرون منزلة معروفة مسماة يحكم لها بطبائع البروج و هي الحمل و الثور و الجوزاء و السرطان و الأسد و السنبلة و الميزان و العقرب و القوس و الجدي و الدلو و الحوت و لهذا الفلك المكوكب أعني فلك المنازل قطع في الفلك الأطلس فلك البروج و جعل لكل تقدير في فلك البروج منزلتين و ثلث من المنازل المذكورة و لمنازله و جميع كواكبه سباحة في أفلاك لها بطيئة لا يحس بها البصر إلا بعد آلاف من السنين كما ذكر عن أهرام مصر أنها بنيت‏ و النسر في الأسد و هو اليوم في الجدي و نحن في سنة أربع و ثلاثين و ستمائة ثم أوجد على سطح هذا الفلك المكوكب الجنة بما فيها بطالع الأسد و هو برج ثابت فلهذا كان لها الدوام فإن أصحاب هذا الفن قد سموا هذه البروج بالأسماء التي ذكرناها و نعتوها بأمور على حسب ما أطلعهم الله عليه‏من آثارها العجيبة في حركاتها فعرفوا منها الثابت و المنقلب و ذا الجسدين و غير ذلك و إلى الفلك الأطلس ينتهي علم أهل الإرصاد و على الحقيقة إنما ينتهي إلى الكوكب فإن حركات الكواكب و الكواكب تعين أفلاكها و لو لا ذلك ما عرف عددها و أما الفلك الأطلس فما استدلوا عليه من حيث أدركوه حسا كما أدركوا أفلاك لكواكب و إنما علموا إن هذه الأفلاك لا تقطع إلا في أمر وجودي فلكي مثلها فأثبتوه عقلا لا حسا و سموه أطلس لكونه لا كوكب فيه يعينه للحس و يبطل عليهم هذا الدليل بحركة أقصى الأفلاك فإن حركتها موجودة و لا تقطع في شي‏ء عندهم أصلا فما يدريك يا صاحب الرصد لعل هذا الفلك المكوكب يقطع في لا شي‏ء و الحكماء لم يمنعوا أن يكون فوق الفلك الأطلس أفلاك أخر إلا أن الراصد لم يبلغ إليها لأنه ما ثم ما يدل عليها بل هي في حكم الجواز عندهم لكن قالوا إن كان هنالك فلك فلا بد أن يكون له نفس و عقل و مع ذلك لا بد من الانتهاء و من هذا الفلك وقع الخلاف بيننا و بين الحكماء من الفلاسفة في ترتيب التكوين و ما نازعونا فيما فوق الأطلس الذي هو الكرسي و العرش و قالوا بالجواز فيه فترتيب الأمر عندنا بعد الفلك المكوكب و لم يكن مكوكبا عند خلقه و إنما ظهرت الكواكب بعد هذا فيه و في غيره من السموات فيها كانت حركة ما ذكرناه من هذه الأفلاك الموجودة الأربعة التي كملت فيها الطبيعة و ظهر سلطانها حسا بعد ما كان معقولا فإن المعاني هي أصل الأشياء فهي في أنفسها معان معقولة غيبية ثم تظهر في حضرة الحس محسوسة و في حضرة الخيال متخيلة و هي هي إلا أنها تنقلب في كل حضرة بحسبها كالحرباء تقبل الألوان التي تكون عليها فأول ما أوجد الأرض و هي نهاية الخلأ و هو أقصى الكثائف و الظلم و هو نازل إلى الآن دائما و الخلأ لا نهاية له فإنه امتداد متوهم لا في جسم فالعالم كله بأسره نازل أبدا في طلب المركز و هذا الطلب طلب معرفة و مركزه هو الذي يستقر عليه أمره فلا يكون له بعد ذلك طلب و هذا غير كائن فنزوله للطلب دائم مستمر و هو المعبر عنه بطلب الحق فالحق هو مطلوبه و أثر فيه هذا الطلب التجلي الذي حصل له تعشق به فهو يطلبه بحركة عشقية و هكذا سائر المتحركات إنما حركتها المحبة و العشق لا يصح إلا هذا و من لا يعشق ذلك التجلي و هو المنعوت بالجمال و الجمال معشوق لذاته و لو لا ما تجلى سبحانه في صورة الجمال لما ظهر العالم فكان خروج العالم إلى الوجود بذلك العشق صل حركته عشقية و استمر الحال فحركة العالم دائمة لا نهاية لها و لو كان ثم أمر ينتهي إليه يسمى المركز يكون إليه النهاية لسكن العالم بعضه على بعض بالضرورة و بطلت الحركة فبطل الإمداد فادى ذلك إلى فناء العالم و ذهاب عينه و الأمر على خلاف هذا و إنما الناس و أكثر الخلق لا يشعرون بحركة العالم و لأنه بكله متحرك فيبقى الترتيب المشهود من البعد و القرب على حاله فلهذا الشهود يتخيلون سكون الأرض حول المركز ثم أوجد ركن الماء و هو كان الموجود الأول من الأركان و إنما ذكرنا الأرض مقدمة من أجل السفل و الماء كان أول العناصر فما كثف منه كان أرضا و ما سخف منه كان هواء ثم ما سخف منه كان نارا و هو كرة الأثير فأصل العناصر عندنا الماء و وافقنا على ذلك بعض الناس من النظار في هذا الفن لكن مستندنا الكشف فيما ندعيه من هذا و غيره من العلوم و قد تكون تلك العلوم مما تدرك بالنظر الفكري فمن أصاب في نظره وافق أهل الكشف و من أخطأ في نظره خالف أهل الكشف و الحكماء في هذه المسألة على ستة مذاهب خمسة منها خطأ و الواحد منها صواب و هو الذي وافق الكشف و التعريف الإلهي لأهل خطابه من ملك و نبي و ولي و كان وجود هذه العناصر ببرج السرطان و ما من برج إلا و قد جعل له الله مدة في الولاية معلومة مع المشاركة لغيره في مدته فلجميعها مدة معلومة عندنا نسميها أعني الجملة عمر العالم فإذا انتهت المدد عاد الأمر ابتداء على حاله من الدوام فلا عدم يلحقه أبدا من حيث جوهره و لا يبقى صورة أبدا زمانين فالخلق لا يزال و الأعيان قابلة للخلع عنها و عليها فالعالم في كل نفس من حيث الصورة في خلق جديد لا تكرار فيه فلو شاهدته لرأيت أمرا عظيما يهولك منظره و يورثك خوفا على جوهر ذاتك و لو لا ما يؤيد الله أهل الكشف بالعلم لتاهوا خوفا فلما حصلت العناصر و هي الأركان الأربعة محلا مهيئا أنوثيا لقبول التناسل و الولادة و ظهرت الاحتراقات من عنصر النار في رطوبات الهواء و الماء صعد منها دخان يطلب الأعظم الذي هو الفلك الأعلى الأقصى فوجد فلك الكواكب يمنعه من الرقي إلى الفلك الأعلى فعاد ذلك الدخان يتموج بعضه في بعض متراكم فريق‏ففتق الله رتقه بسبع سماوات ثم إنه تتطايرت الشرر من كرة الأثير في ذلك الدخان فقبلت من السموات و من الفلك المكوكب أماكن فيها رطوبات طبيعية فتعلقت بها تلك الشرر فانقدت تلك الأماكن لما فيها من الرطوبات فحدثت الكواكب فأضاء الجو كما يضي‏ء البيت بالسراج أ لا ترى القادح للزناد يعلق الشرر الحراق بما فيه من الرطوبة فيتقد فيكون منه المصباح و لهذا قال تعالى و جعلنا الشمس سراجا يضي‏ء به العالم و تبصر به الأشياء التي كان يسترها الظلام فحدث الليل و النهار بحدوث كوكب الشمس و الأرض فالليل ظلمة الأرض الحجابية عن انبساط نور الشمس و الكواكب عندنا كلها مستنيرة لا تستمد من الشمس كما يراه بعضهم و القمر على أصله لا نور له البتة قد محا الله نوره و ذلك النور الذي ينسب إليه هو ما يتعلق به البصر من الشمس في مرآة القمر على حسب مواجهة الأبصار منه فالقمر مجلى الشمس و ليس فيه من نور الشمس لا قليل و لا كثير ثم إن الله رتب في كل فلك و سماء عالما من جنس طبيعة ذلك الفلك سماهم ملائكة على مقامات فطرهم الله عليها من التسبيح و التهليل و كل ثناء على الله تعالى و جعل منهم ملائكة مسخرين لمصالح ما يخلقه في عالم العناصر من المولدات و هي ثلاثة عوالم طبيعية و يسرى في كل عالم مولد من هذه الثلاثة من النفس الكلية صاحبة الآلات أرواح هي نفوس هذه المولدات بها تعلم خالقها و منشئها و بها سرت الحياة فيها كلها و بها خاطبها الحق و كلفها و هو رسول الحق إليها وداع كل شخص منه إلى ربه فما بطنت حياته سمي جمادا و نباتا و انفصل هذان المولدان و تميزا بالنمو و الغذاء فقيل في النامي منه نبات و في غير النامي جماد و ما ظهرت حياته و حسه سمي حيوانا و الكل قد عمته الحياة فنطق بالثناء على خالقه من حيث لا نسمع و علمهم الله الأمور بالفطرة من حيث لا نعلم فلم يبق رطب و لا يابس و لا حار و لا بارد و لا جماد و لا نبات و لا حيوان إلا و هو مسبح لله تعالى بلسان خاص بذلك الجنس و خلق الجان من لهب النار و الإنسان مما قيل لنا و نفخ الأرواح في الكل و قدر الأقوات التي هي الأغذية لهذه المولدات من الإنس و الجن و الحيوان البحري و البري و الهوائي وَ أَوْحى‏ في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها بما أودع الله في حركات هذه الكواكب و اقتراناتها و هبوطها و صعودها في بيوت نحوسها و سعودها و عن حركاتها و حركات ما فوقها من الأفلاك حدثت المولدات و عن حركات الأفلاك الأربعة حدثت الأركان و هذا خلاف ما ذهب إليه غير أهل الكشف من المتكلمين في هذا الشأن فأودع الله في خزائن هذه الكواكب التي في الأفلاك علوم ما يكون من الآثار في العالم العنصري من التقليب و التغيير فهي أسرار إلهية قد جعل الله لها أهلا يعرفون ذلك و لكن لا على العلم بل على التقريب و الأمر في نفسه صحيح غير إن الناظر من أهل هذا الشأن قد لا يستوفي النظر حقه لأمر فإنه من غفلة أو غلط في عدد و مقدار لم يشعر بذلك فيحكم فيخطئ فوقع الخطاء من نظره لا من نفس الأمر و قد يوافق النظر العلم فيقع ما يقوله و لكن ما هو على بصيرة فيه من حيث تعيين مسألة بعينها و هذا العلم لا تفي الأعمار بإدراكه فيعلم أصله من النبوات فكان أول من شرع في تعليم الناس هذا العلم إدريس عليه السلام عن الله فأعلمه ما أوحى في كل سماء و ما جعل في حركة كل كوكب و بين له اقترانات الكواكب و مقادير الاقترانات و ما يحدث عنها من الأمور المختلفة بحسب الأقاليم و أمزجة القوابل و مساقط نطفه في أشخاص الحيوان فيكون القرآن واحدا و يكون أثره في العالم العنصري مختلفا بحسب الإقليم و ما يعطيه طبيعته فشروطه كثيرة يعلمها أهل ذلك الشأن فلما أعطتهم الأنبياء الموازين و علمتهم المقادير علموا ما يحدث الله من الأمور و الشئون في الزمان البعيد و عن الزمان البعيد الذي لو وكلهم الله فيه إلى نفوسهم بالحكم المعتاد حتى يتكرر ذلك عليهم تكرار يوجب القطع عادة و رب أمر لا يظهر تكراره الذي يوجب القطع الظني به إلا بعد آلاف من السنين فهذا كان سبب التعريف الإلهي على السنة الأنبياء عليهم السلام فأعلمت الناس بما أوحى الله إليها ما أمن الله عليها هذه الكواكب المسخرة من الحوادث و لو عرف الجهال‏ المنكرون هذا العلم قوله تعالى وَ النُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ لما قالوا شيئا مما قالوه فما علموا تسخيرها و إنها كما قال تعالى وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا كما سخر الرياح و البحار و الفلك هكذا سخر الكواكب و هل في هذه المسخرات من الكواكب و الأفلاك و الرياح و البحار و الدواب و كل مسخر عالم بما هو له مسخر أم لا هذا لا يعرفه‏ إلا أهل طريقنا خاصة حكى القشيري أن رجلا رأى شخصا راكبا على حمار و هو يضرب رأس الحمار فنهاه عن ذلك فقال له الحمار دعه فإنه على رأسه يضرب فمن عرف الجزاء كيف لا يعرف ما سخر له و قد رأينا من مثل هذا كثيرا من الجمادات و الحيوانات و قد طال الكلام و هذا القدر كاف في معرفة ترتيب العالم الذي هو أحد أقسام ما يحتوي عليه هذا المنزل من العلوم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏