قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السادس و التسعون و مائتان في معرفة منزل انتقال صفات أهل السعادة

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

إلى أهل الشقاء في الدار الآخرة من الحضرة الموسوية»

غشيت منازلا لمقام صدقلها في قلب نازلها خشوع‏
و نار الاصطلام لها وقودإذا ما ابتز خلعتها الضجيع‏
و أغذية العلوم تزيد حرصاو لا يذهب لها عطش و جوع‏
و لو طعم الوجود لمات جوعاو يحييه الخريف أو الربيع‏
بخلق ثم صلب في سطوحيجليها لرفعتها الرفيع‏
فعلم من تشاء بغير قهرعسى وقتا يكون له رجوع‏

يريد في البيت الخامس قوله تعالى أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ يريد الاعتبار في ذلك‏ اعلم وفقنا الله و إياك أن درجات الجنة على عدد دركات النار فما من درج إلا و يقابله درك من النار و ذلك أن الأمر و النهي لا يخلو الإنسان إما أن يعمل بالأمر أو لا يعمل فإن همل به كانت له درجة في الجنة معينة لذلك العمل خاصة و في موازنة هذه الدرجة المخصوصة لهذا العمل الخاص إذا تركه الإنسان درك في النار لو سقطت حصاة من تلك الدرجة في الجنة لوقعت على خط استواء في ذلك الدرك من النار فإذا سقط الإنسان من العمل بما أمر فلم يعمل كان ذلك الترك لذلك العمل عين سقوطه إلى ذلك الدرك قال تعالى فَاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الْجَحِيمِ فالاطلاع على الشي‏ء من أعلى إلى أسفل و السواء حد الموازنة على الاعتدال فما رآه إلا في ذلك الدرك الذي في موازنة درجته فإن العمل الذي نال به هذا الشخص تلك الدرجة تركه هذا الشخص الآخر الذي كان قرينه في الدنيا بعينه فانظر إلى هذا العدل الإلهي ما أحسنه و هما الرجلان اللذان ذكرهما الله في سورة الكهف المضروب بهما المثل و هو قوله تعالى وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ إلى آخر الآيات في قصتهما في الدنيا و ذكر في الصافات حديثهما في الآخرة في قوله تعالى قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ و فيها ذكر المعاتبة و في قوله تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ لما اطلع عليه فَرَآهُ في سَواءِ الْجَحِيمِ و هو قوله ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً و ورد في الأخبار الإلهية الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ربه عز و جل فيما يقوله لعبده يوم القيامة أ فظننت إنك ملاقي‏ فلنمثل لك منها الأمهات التي بنى الإسلام عليها و هي خمسة لا إله إلا الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و صيام رمضان و حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فمن الناس من آمن بها كلها فسعد و منهم من كفر بها كلها فشقي و منهم من آمن ببعضها و كفر ببعضها فهو ملحق بالكافر إلحاق حق و هكذا جميع الأوامر و النواهي التي تقتضيها فروع الشريعة في جميع حركات الإنسان و سكونه في الايمان بالحكم المشروع فيها و الكفر و العمل المشروع فيها بظاهر الإنسان المكلف و باطنه و ترك العمل و يحصر ذلك عقد و قول و عمل و في مقابلته حل و صمت و ترك عمل هذه مقابلة من وجه في حق قوم و مقابلة أخرى في حق قوم أو هذا الشخص بعينه و هو عقد مخالف لعقد و قول يخالف قولا و عمل مخالف لعمل إذ كان لا يلزم من صاحب الحل أن يكون قد عقد أمرا آخر فإن الحل إنما متعلقة ذلك العقد الإيماني بذلك المعقود عليه فأسقطه المعطل فلم يرتبط بعقد آخر و شخص آخر عقد على وجود الشريك لله فحل من عنقه عقد حبل التوحيد و عقد حبل التشريك فلهذا فصلنا الأمر على ما يكون عليه في الدار الآخرة موازنا لحالة الدنيا و هذا صورة الشكل في الأمهات و عليها نأخذ جميع المأمور بها و المنهي عنها من العمل بالمأمور و القول به و الايمان به و ترك ذلك حلا و عقدافي الكل أو في البعض و كذلك المنهي عنها من العمل به و القول به و العقد عليه و ترك ذلك حلا و عقدا للكل و البعض صورة درج الجنة و درك النار و الأعراف و هو السور الذي باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذابُ و الرقائق النازلة و الصاعدة وضعناها لك لتتصورها في ذهنك إن كنت بعيد الفهم و الله المعين لا رب غيره

و هكذا درج العمل بالأمر و النهي و درك ترك العمل بهما و درج القول بالأمر و النهي و درك تركهما عقدا و حلاكلا و بعضا و هكذا مناسبات الجزاء كلها لا تختل قال الله عز و جل وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ الله و قال قالُوا (إِنَّا مَعَكُمْ) إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و قال إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا من الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ و قال في الجزاء فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا من الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ثم بين فقال هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ فعم بالألف و اللام و رد الفعل عليهم و قال تعالى نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ و لهذا سمي جَزاءً وِفاقاً و لو لم يكن الأمر كذلك لما كان جزاء و قد ورد في المتكبرين أنهم يحشرون كأمثال الذر يطئوهم الناس بأقدامهم‏ صغارا لهم و ذلة و لتكبرهم على أوامر الله فالجنة خير لا شر فيها و النار شر لا خير فيها فجميع علم المشرك و عمله و قوله الذي لو كان موحدا جوزي عليه في الجنة بحسبه يعطي ذلك الجزاء للموحد الجاهل بذلك الأمر و العلم المفرط في ذلك العمل التارك لذلك القول و الجزاء عليه الذي لو كان مشركا لحصل له في النار يعطي لذلك المشرك الذي لا حظ له في الجنة فإذا رأى المشرك ما كان يستحقه لو كان سعيدا يقول يا رب هذا لي فأين جزاء عملي الذي هذا جزاؤه فإن الأعمال بمكارم الأخلاق و التحريض عليها الذي هو القول يقتضي جزاء حسنا وقع ممن وقع فيقول الله له لما عملت كذا و يذكر له ما عمل من مكارم الأخلاق و القول بها و العمل بمواقعها قد جازيتك على ذلك بما أنعمت به عليك من كذا و كذا فيقرر عليه جميع ما أنعمه عليه جزاء لا نعمة في خلقه المبتدأة التي ليست بجزاء فيزنها المشرك هنالك بما قد كشف الله من علم الموازنة فيقول صدقت فيقول الله له فما نقصتك من جزائك شيئا و الشرك قطع بك عن دخول دار الكرامة فتنزل فيها على موازنة هذه الأعمال و لكن أنزل على درجات تلك الأعمال فإن صاحبها منعه التوحيد أن يكون من أهل هذه الدار فهذا هو من الميراث الذي بين أهل الجنة و أهل النار و نذكر الكلام في هذا الفصل في باب الجنة و النار من هذا الكتاب فهذا هو الانتقال الذي بين أهل السعادة و أهل الشقاء فإن المؤمن هنا في عبادة و العبادة تعطيه الخشوع و الذلة و الكافر في عزة و فرحة فإذا كان في هذا اليوم يخلع عز الكافر و سروره و فرحه على المؤمن و يخلع ذل المؤمن و خشوعه الذي كان لباسه في عبادته في الدنيا على الكافر يوم القيامة قال تعالى خاشِعِينَ من الذُّلِّ يَنْظُرُونَ من طَرْفٍ خَفِيٍّ فإن هذا النظر هو حال الذليل لا يقدر يرفع رأسه من القهر و ذلك الخشوع من الكافر يوم القيامة و الذلة و النظر المنكسر الذي لا يرفع بسببه رأسه إنما هو لله تعالى خوفا منه و هذا كان حال المؤمن في الدنيا لخوفه من الله ف ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ حيث يرى الإنسان صفة عزه و سروره و فرحه على غيره و يرى ذل غيره و غمه و حزنه على نفسه فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ و يتضمن هذا المنزل من العلوم علم سؤال الحق عباده السعداء عن مراتب الأشقياء بأي اسم يسأل و علم المناسبات و علم ما تعطيه الأفكار و علم الكيفيات و هو على ضربين ضرب منه لا يعرف إلا بالذوق و ضرب منه يدرك بالفكر و هو من باب التوسع في الخطاب لا من باب التحقق فإن التحقق بعلم الكيفيات إنما هو ذوق و لقد نبهني الولد العزيز العارف شمس الدين إسماعيل بن سودكين التوري على أمر كان عندي محققا من غير الوجه الذي نبهنا عليه هذا الولد ذكرناه في باب الحروف من هذا الكتاب و هو التجلي في الفعل هل يصح أو لا يصح فوقتا كنت أنفيه بوجه و وقتا كنت أثبته بوجه يقتضيه و يطلبه التكليف إذ كان التكليف بالعمل لا يمكن أن يكون من حكيم عليم يقول اعمل و افعل لمن يعلم أنه لا يعمل و لا يفعل إذ لا قدرة له عليه و قد ثبت الأمر الإلهي بالعمل للعبد مثل أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ و اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا و جاهِدُوا فلا بد أن يكون له في المنفعل عنه تعلق من حيث الفعل فيه يسمى به فاعلا و عاملا و إذا كان هذا فبهذا القدر من النسبة يقع التجلي فيه فبهذا الطريق كنت أثبته و هو طريق مرضي في غاية الوضوح يدل أن القدرة الحادثة لها نسبة تعلق بما كلفت عمله لا بد من ذلك و رأيت حجة المخالف واهية في غاية من الضعف و الاختلال فلما كان يوما فاوضني في هذه المسألة هذا الولد إسماعيل أبو سودكين المذكور فقال لي و أي دليل أقوى على نسبة الفعل إلى العبد و إضافته إليه و التجلي فيه إذ كان من صفته من كون الحق خلق الإنسان على صورته فلو جرد عنه الفعل لما صح أن يكون على صورته و لما قبل التخلق بالأسماء و قد صح عندكم و عند أهل الطريق بلا خلاف إن الإنسان مخلوق على السورة و قد صح التخلق بالأسماء فلم يقدر أحد أن يعرف ما دخل علي من السرور بهذا التنبيه فقديستفيد الأستاذ من التلميذ أشياء من مواهب الحق تعالى لم يقض الله للاستاذ أن ينالها إلا من هذا التلميذ كما نعلم قطعا أنه قد يفتح للإنسان الكبير في أمر يسأله عنه بعض العامة مما لا قدر له في العلم و لا قدم و يكون صادق التوجه في هذا العلم المسئول عنه فيرزق العالم في ذلك الوقت لصدق السائل علم تلك المسألة و لم تكن عنده قبل ذلك عناية من الله بالسائل و تضمنت عناية الله بالسائل إن حصل للمسئول علما لم يكن عنده و من راقب قلبه يجد ما ذكرناه فالحمد لله الذي استفدنا من أولادنا مثل ما استفاده شيوخنا منا أمورا كانت أشكلت عليهم و يتضمن هذا المنزل علم التبليغ عن الله إلى خلقه من رسول و نبي و وارث و يتضمن علم السياسة في التعليم بباب اللطف من حيث لا يشعر المطلوب بذلك و يتضمن علم الجزاء المطلق و المقيد فالمطلق مجازاة العبد ربه مثل الشكر على المنعم و مجازاة الله العبد مثل المزيد فيما وقع عليه الشكر من العبد و المجازاة المقيدة هي جزاء الله العبد في الدار الآخرة فإنها ليست بدار تكليف قال تعالى وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي في موطن التكليف و هو الدنيا أُوفِ بِعَهْدِكُمْ في الدارين معا دنيا و آخرة و هذا القدر كاف في هذا الباب إن شاء الله تعالى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏