قال الله تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فما من صورة في العالم و ما في العالم إلا صور إلا و هي مسبحة خالقها بحمد مخصوص ألهمها إياه و ما من صورة في العالم تفسد إلا و عين فسادها ظهور صورة أخرى في تلك الجواهر عينها مسبحة لله تعالى حتى لا يخلو الكون كله عن تسبيح خالقه فتسبحه أعيان أجزاء تلك الصورة بما يليق بتلك الصورة و الصور التي في العالم كلها نسب و أحوال لا موجودة و لا معدومة و إن كانت مشهودة من وجه ما فليست بمشهودة من وجه آخر و عين زمان فناء تلك الصور عين زمان وجود تلك الصور أي عين فسادها هو عين الأخرى لا أنه بعد الفساد تحدث الأخرى و اعلم إذا علمت هذا أن العالم كله ما عدا الإنس و الجان مستوفى الكشف لما غاب عن الإحساس البشري فلا يشاهد أحد من الجن و الإنس ذلك الغيب إلا في وقت خرق العوائد لكرامة يكرمه الله بها أو خاصية أمر ما من الأمور التي تعطي كشف الغيوب كما إن كل جماد و نبات و حيوان في العالم كله و في عالم الإنسان و الجن و أجسام الملائكة و الأفلاك و كل صورة يدبرها روح محسوسا كان ذلك التدبير فيمن ظهرت حياته أو غير محسوس فيمن بطنت حياته كأعضاء الإنسان و جلوده و ما أشبه ذلك كل هؤلاء في محل كشف الغيوب الإلهية المستورة عن الأرواح المدبرة لهذه الأجسام من ملك و إنس و جن لا غير فإنها محجوبة عن إدراك هذا الغيب الإلهي إلا بخرق عادة في بعضهم أو في كلهم و قد عرفت أن الحجر و الحيوان و النبات عرف من هذا الباب نبوة محمد صلى الله عليه و سلم و هو من الغيوب الإلهية فيجهل كل روح مثل هذا إلا أن يعرفه الله به إلا من ذكرناهم فإنهم يعرفونه بالفطرة التي فطرهم الله عليها إذا ظهر ناداهم الحق به في ذواتهم باسمه و إذا حضر بعينه أخبرني يوسف ابن يخلف الكومي من أكبر من لقيناه في هذا الطريق سنة ست و ثمانين و خمسمائة رحمه الله قال أخبرني موسى السرداني و كان من الأبدال المحمولين قال لما مشيت أنا و رفيقي إلى الجبل المسمى قاف و هو جبل محيط بالبحرالمحيط بالأرض و قد خلق الله حية على شاطئ ذلك البحر بين البحر و الجبل دارت بجسمها بالبحر المحيط إلى أن اجتمع رأسها بذنبها فوقفنا عندها فقال لي صاحبي سلم عليها فإنها ترد عليك قال موسى فسلمت عليها فقالت و عليك السلام و رحمة الله و بركاته ثم قالت لي كيف حال الشيخ أبي مدين و كان أبو مدين ببجاية في ذلك الوقت فقلت لها تركته في عافية و ما علمك به فتعجبت و قالت و هل على وجه الأرض أحد لا يحبه وجهها إنه و الله مذ اتخذه الله وليا نادى به في ذواتنا و أنزل محبته إلى الأرض في قلوبنا فما من حجر و لا مدر و لا شجر و لا حيوان إلا و هو يعرفه و يحبه فقلت لها و الله لقد ثم أناس يريدون قتله لجهلهم به و بغضهم فيه فقالت ما علمت إن أحدا يكون على هذه الحال فيمن أحبه الله فهذا من ذلك الباب و منه شهادة الأيدي و الأرجل و الجلود و الأفواه و الألسنة التي هي في نظرنا خرس هي ناطقة في نفس الأمر فكل مخلوق ما عدا بنى آدم في مقام الخشوع و التواضع إلا الإنسان فإنه يدعي الكبرياء و العزة و الجبروت على الله تبارك و تعالى و أما الجن فتدعى ذلك على من دونها في زعمها من المخلوقين كاستكبار إبليس من حيث نشأته على آدم عليه السلام و لذا قال أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً لأنه رأى عنصر النار أشرف من عنصر التراب و قال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي من نارٍ وَ خَلَقْتَهُ من طِينٍ فلم يتكبر على الله عز و جل فاختص الإنسان وحده من سائر المخلوقات بهذه الصفة فلما حصلت مثل هذه الدعوى في الوجود و تحققت من المدعي في نفسه و فيمن اعتقد ذلك فيه مثل فرعون و من استخف من قومه جعل الله في الوجود أفعل من كذا بمعنى المفاضلة كالمقرر لتلك الدعوى و المثبت لها فقال الله أكبر فأتى بلفظة افعل و قال صلى الله عليه و سلم الله أعلى و أجل فأتى بأفعل فكل افعل من كذا المنعوت به جلال الله فسببه مشاركة الدعوى في تلك الصفة لكن منها محمود و مذموم فالمذموم ما ادعاه فرعون و المحمود مثل قوله تعالى عن نفسه إنه أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ و أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فأتى بأفعل و أثنى على الرحماء من عباده بأن جعل نفسه أرحم منهم بخلقه و أما تقريره العام فإن الرحمة منهم حقيقة أوجدها فيهم فتراحموا بها و أوجد الكبرياء في الإنسان بالصورة فتكبر به فإن قلت إذا ورد أفعل فليس هو المقصود به أفعل من قلنا فالله يقول أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و هو هنا افعل من بلا شك و كذلك في حق الإنسان لما قال تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فكل موجود فهو على التقويم الذي يعطيه خلقه و قال في الإنسان إنه خلقه في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أي التقويم الذي خلقه عليه أفضل من كل تقويم و ما صحت له هذه الصفة التي فضل بها على غيره إلا بكونه خلقه الله على صورته فإن قلت فهذا التغيير الذي يطرأ على الإنسان في نفسه و صورة الحق لا تقبل التغيير قلنا الله يقول في هذا المقام سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و قال صلى الله عليه و سلم فرغ ربك و قال يتجلى في أدنى صورة ثم يتحول عند إنكارهم إلى الصورة التي عرفوه فيها بالعلامة التي يعرفونها فقد أضاف إلى نفسه هذا المقام و هو العلي عن مقام التغيير بذاته و التبديل و لكن التجليات في المظاهر الإلهية على قدر العقائد التي تحدث للمخلوقين مع الآنات تسمى بهذا المقام و إذا كان الأمر على ما ذكرناه و كذلك هو فيصح ما ذكرناه و يرتفع الاعتراض الوهمي تعالى الله علوا كبيرا و مما يتضمن هذا المنزل من العلوم علم أسماء الأسماء و أن لها من الحرمة ما للمسمى بأسمائها فالحروف المرقومة في الصحف أعيان كلام يفهم منها كلام الله الذي هو موصوف به و لما ذا يرجع ذلك الوصف علم آخر اختلف الناس فيه و لا حاجة لنا في الخوض في ذلك فالحق سبحانه من كونه متكلما يذكر نفسه بأسمائه بحسب ما ينسب إليه الكلام الذي لا تكليف نسبته و لتلك الأسماء أسماء عندنا في لغة كل متكلم فيسمى بلغة العرب الاسم الذي سمي به نفسه من كونه متكلما الله و بالفارسية خداي و بالحبشية واق و بلسان الفرنج كربطور و هكذا بكل لسان فهذه أسماء تلك الأسماء و تعددت لتعدد النسب فهي معظمة في كل طائفة من حيث ما تدل عليه و لهذا نهينا عن السفر بالمصحف إلى أرض العدو و هو خط أيدينا أوراق مرقومة بأيدي المحدثات بمداد مركب من عفص و زاج فلو لا هذه الدلالة لما وقع التعظيم لها و لا الحقارة و لهذا يقال كلام قبيح و كلام حسن في عرف العادة و في عرف الشرع و أمثال ذلك و سببه مدلول هذه الألفاظ في الاصطلاح و الوضع و هذا علم شريف لا يدركه سوى أهل الكشف على ما هوالأمر عليه فليس بأيدينا سوى أسماء الأسماء فإذا وقع التنزيه لأسماء الأسماء فتنزيه العبد الكامل أولى بالحرمة لأجل الصورة و لا سيما الوجه إذ كان الوجه أشرف ما في ظاهر الإنسان لكونه حضرة جميع القوي الباطنة و الظاهرة و وجه كل شيء ذاته مر رسول الله صلى الله عليه و سلم على رجل و هو يضرب وجه غلام له فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم اتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته و هو محل الإقبال على الله دون غيره من الجهات فهي الجهة العظمى و من علوم هذا المنزل العلم بالفرق بين الخلق و التقدير فالتقدير متعلق الاسم المدبر و المفصل لا غيرهما من الأسماء و قد قال يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ و كلا الاسمين تحت حيطة الاسم العالم و لا دخول للاسم القادر في هذه الحضرة فإن هذه الأسماء الثلاثة راجعة إلى ذات الحق و لا يكون الحق مقدورا لنفسه فلا حكم للاسم القادر هنا فالاسم المقدر هو المعتبر في هذه المرتبة و الخلق يطلب الاسم القادر عقلا و يطلب الاسم القائل كشفا و شرعا و إنما قلنا كشفا ليفرق في ذلك بين الولي و النبي لأن كل واحد من هذين الرجلين يقول بهذا بخلاف ما يعطيه النظر الفكري للعقل بدليله فكما تميز الاسم القادر من المقدر لفظا و معنى كذلك تميز الخلق من التقدير لفظا و معنى فبالتقدير يقع البيان في صور الموجودات على اختلاف ذواتها حسية كانت أو معنوية من عالم الحروف الرقمية أو اللفظية أو الفكرية و من عالم الأعيان القائمة بأنفسها و من عالم الأعيان التي لا تقوم بأنفسها و يدخل في ذلك عالم النسب فبما في هذه الأعيان من التسوية لذوات أشخاصها في عالم الغيب و الشهادة يكون خلقا و لا يدخل في هذا عالم النسب لأنها ليست أعيانا وجودية و لا تتصف بالعدم المطلق لكونها معقولة و بما فيها كلها من التمييز الذي يتضمنه أعيانها عقلا كان أو حسا يكون للتقدير لا للخلق فإذا ظهر عين ما ذكرناه من كل عالم للحس أو للعقل عن الاسم الخالق أو المدبر المفصل و المقدر علق نفع بعضه ببعض فنفعت الأعيان بعضها بعضا و دعاهم الحق إليه من خلف ستر هذه الأعيان عند توجه بعضها لبعض بالمنافع فيدعو كل صورة من كل صورة إليه فمنا من يشعر فيعرف من دعاه و منا من يلتبس عليه ذلك و لا يعرف كيف الأمر و يجد في نفسه قوة الفرقان و لا يبدو له وجه الفرقان و منا من لا يلتبس عليه ذلك و يكون أعمى مكفوف البصر أكمه فيقول ما ثم إلا ما نشاهد و هي أعيان هذه الصور فنحن ثلاثة أصناف صنف سليم النظر حديد الطرف و صنف قام به غشاء في عينيه فلا يتحقق الصور مع معرفته أن ثم أمر أما و لكن لا يحقق صورته و منا من هو أكمه ما أبصر شيئا قط فهو مستريح الخاطر و ما ثم صنف رابع و تختلف منافع هذه الصور باختلاف القوابل و السائلين و كل سائل يسأل بحسب حاجته و عرضه و قد يكون ضروريا و قد لا يكون و على الحقيقة ما ثم إلا ضروري و لهذا يتعين العطاء فإن السائل ما يسأل إلا لغرض أحوجه ذلك الغرض إلى السؤال فالغرض هو السائل و اللسان بالحال أو بالمقال هو المترجم عن ذلك الغرض و ليس لذلك الغرض حياة إلا بتحصيل ما سأل فيه فإن لم ينله هلك فكان المانع له مما سأل فيه كان سبب زوال صورته من العالم فنقص بمنعه صورة من العالم كانت مسبحة لله تعالى و المحقق يريد أنه لو زاد و لا ينقص و الأغراض قد تكون مذمومة و إذا مكنت مما تطلبه وقع الإنسان في محظور أشد من قتل هذا الغرض بما منع من سؤاله و كيف التخلص في هذه المسألة فاعلم أنه لا يخاطب بقضاء الأغراض على الإطلاق من هو مقيد معقول في قبضة عقل التكليف و إنما هذا المقام لأصحاب الأحوال المغلوب على عقولهم فإن قلت فالحفظ أحسن كما قال الإمام في وله الشبلي حين قيل له إنه يرد في أوقات الصلوات فإذا فرغ حكم عليه حال الوله و حال بينه و بين عقله الذي يعطيه الصحو فقال الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد سيد هذه الطائفة الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب و لم يضف إليه الذنب و لكن يتعلق به لسان الذنب من حيث الصورة عند من لا يعرفه و هو في نفس الأمر غير مذنب قال بعض أصحابنا فلو لا إن التنزه عن جريان لسان الذنب أولى و أعظم لما حمد الله على ذلك هذا الإمام قلنا ليس الأمر كما زعمت و أن هذا الإمام خاف على من لم يبلغ هذه الرتبة أن يظهر بها و هو غير محقق بها فيخطئ فيقع في الذنب و لهم الشفقة على العالم و أما أن يكون من طريق الأفضلية و كيف يكون ذلك و قد أطلق سبحانه ألسنة عباده عليه و على رسله بالذم و السب فلصاحب هذا الوله فيمن ذكرنا أسوة و عز فليس في ذلك فضل عندناو مما يتضمن هذا المنزل علم الرحمة التي أبطنها الله في النسيان الموجود في العالم و إنه لو لم يكنلعظم الأمر و شق و فيما يقع فيه التذكر كفاية و أصل هذا وضع الحجاب بين العالم و بين الله في موطن التكليف إذ كانت المعاصي و المخالفات مقدرة في علم الله فلا بد من وقوعها من العبد ضرورة فلو وقعت مع التجلي و الكشف لكان مبالغة في قلة الحياء من الله حيث يشهده و يراه و القدر حاكم بالوقوع فاحتجب رحمة بالخلق لعظيم المصاب أ لا تراهم في الأمور المدبرة بالعقل الجارية على السداد العقلي إذا أراد الله إمضاء قضائه و قدره في أمر ما أخفى في ذلك الأمر حكمته و علمه الذي أجراه له مما لا يقتضيه نظر العقل فإذا أمضاه رد عليهم عقولهم ليعلموا أن الله قد رحمهم بزوال العقل في ذلك الحين لرفع المطالبة قال صلى الله عليه و سلم إن الله إذا أراد نفاذ قضائه و قدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى إذا أمضى فيهم قضاءه و قدره ردها عليهم ليعتبروا وقال صلى الله عليه و سلم رفع عن أمتي الخطاء و النسيان فلا يؤاخذهم الله به في الدنيا و لا في الآخرة فأما في الآخرة فمجمع عليه من الكل و أما في الدنيا فأجمعوا على رفع الذنب و اختلفوا في الحكم و كذلك في الخطاء على قدر ما شرع الشارع في أشخاص المسائل فمن أفطر ناسيا في رمضان فطائفة أوجبت القضاء عليه مع رفع الإثم و قوم لم يوجبوا القضاء عليه مع ارتفاع الإثم أيضا فإن الله أطعمه و سقاه هذا قول الشارع فيه فهذا من الرحمة المبطونة فيه أعني في النسيان و كذلك ما نسي من القرآن و لم يتذكر فينقل إلينا فيكون زيادة علينا في التكليف فرحم عباده بذلك و قد كان صلى الله عليه و سلم يقول اتركوني ما تركتكم و قال لو قلت نعم للسائل عن الحج في كل عام لوجبتو كانت الأحكام تحدث بحدوث السؤال عن النوازل فكان غرض النبي صلى الله عليه و سلم حين علم ذلك أن يمتنع الناس عن السؤال و يجرون مع طبعهم حتى يكون الحق هو الذي يتولى من تنزيل الأحكام ما شاء فكانت الواجبات و المحظورات تقل و تبقي الكثرة في قبيل المباحات التي لا يتعلق بها أجر و لا وزر فأبت النفوس قبول ذلك و أن تقف عند الأحكام المنصوص عليها فأثبتت لها عللا و جعلتها مقصودة للشارع و طردتها و ألحقت المسكوت عنه في الحكم بالمنطوق به بعلة جامعة بينهما اقتضاها نظر الجاعل المجتهد و لو لم يفعل لبقي المسكوت عنه على أصله من الإباحة و العافية فكثرت الأحكام بالتعليل و طرد العلة و القياس و الرأي و الاستحسان وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا و لكن بحمد الله جعل الله في ذلك رحمة أخرى لنا لو لا إن الفقهاء حجرت هذه الرحمة على العامة بإلزامهم إياها مذهب شخص معين لم يعينه الله و لا رسوله و لا دل عليه ظاهر كتاب و لا سنة صحيحة و لا ضعيفة و منعوه أن يطلب رخصة في نازلته في مذهب عالم آخر اقتضاه اجتهاده و شددوا في ذلك و قالوا هذا يفضي إلى التلاعب بالدين و تخيلوا أن ذلك دين و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم إن الله تصدق عليكم فأقبلوا صدقته فالرخص مما تصدق الله بها على عباده و قد أجمعنا على تقرير حكم المجتهد و على تقليد العامي له في ذلك الحكم لأنه عنده عن دليل شرعي سواء كان صاحب قياس أو غير قائل به فتلك الرخصة التي رآها الشافعي في مذهبه على ما اقتضاه دليله قد قررها الشرع فيمنع المفتي من المالكية المالكي المذهب أن يأخذ برخصة الشافعي التي تعبده بها الشارع و إنما أضفناها إلى الشارع لأن الشرع قررها بمنعه مما يقتضيه الدليل في الأخذ به بأمر لا يقتضيه الدليل الذي لا أصل له و هو ربط الرجل نفسه بمذهب خاص لا يعدل عنه إلى غيره و يحجر عليه ما لم يحجر الشرع عليه و هذا من أعظم الطوام و أشق المكلف على عباد الله فالذي وسع الشرع بتقرير حكم المجتهدين من هذه الأمة ضيقه عوام الفقهاء و أما الأئمة مثل أبي حنيفة و مالك و أحمد بن حنبل و الشافعي فحاشاهم من هذا ما فعله واحد منهم قط و لا نقل عنهم إنهم قالوا لأحد اقتصر علينا و لا قلدني فيما أفتيتك به بل المنقول عنهم خلاف هذا رضي الله عنهم و مما يتضمنه هذا المنزل الفرق بين تعلق علمه سبحانه بما يسره العبد في نفسه و بين ما يبديه و يظهره و هل يرجع ذلك إلى نسبة واحدة أو نسبتين و يتعلق بهذا الباب ما يريده الحق بقوله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم فهاتان حالتان في الذكر و العلم فاعلم إن للحق سبحانه غيبا و مظهرا فبما هو غيب له الاسم الباطن و هو ذكره عبده في نفسه و علمه بما يسره و مع ذلك الاسم يكون سر العبد الذي يعلمه الحق و ذكر النفس الذي يذكر العبد به ربه و بما له المظهر من الاسم الظاهر و هو ذكره تعالى عبده في ملأ من ملائكته أو ملأ الأسماء الإلهية و علمه بما يبديه العبد في عالم الشهادة و مع ذلك الاسم يكون علانيةالعبد التي يعلمها الحق و ذكر العلانية التي يذكر العبد به ربه و أما العلم بما هو أخفى من السر فهو ما لا يعلمه إلا الله وحده لا علم لهذا العبد به و لا يمكن أن يعلمه إلا الله و هو علمه بنفسه و ما عدا هذا العلم فهو إما علم سره أو علم علانية فمتعلق العلم ثلاثة أشياء الجهر و السر و ما هو أخفى من السر و متعلق الذكر أمران ذكر الملإ و هو نوعان ملأ الأسماء و ملأ الملائكة و الأمر الآخر ذكر النفس فتساوي الذكر مع العلم في التقسيم و مما يتضمن هذا المنزل كون الإنسان قد أودع الله فيه علم كل شيء ثم حال بينه و بين أن يدرك ما عنده مما أودع الله فيه و ما هو الإنسان مخصوص بهذا وحده بل العالم كله على هذا و هو من الأسرار الإلهية التي ينكرها العقل و يحيلها جملة واحدة و قربها من الذوات الجاهلة في حال علمها قرب الحق من عبده و هو قوله تعالى وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ و قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و مع هذا القرب لا يدرك و لا يعرف إلا تقليدا و لو لا إخباره ما دل عليه عقل و هكذا جميع ما لا يتناهى من المعلومات التي بعلمها هي كلها في الإنسان و في العالم بهذه المثابة من القرب و هو لا يعلم ما فيه حتى يكشف له عنه مع الآنات و لا يصح فيه الكشف دفعة واحدة لأنه يقتضي الحصر و قد قلنا إنه لا يتناهى فليس يعلم الأشياء بعد شيء إلى ما لا يتناهى و هذا من أعجب الأسرار الإلهية أن يدخل في وجود العبد ما لا يتناهى كما دخل في علم الحق ما لا يتناهى من المعلومات و علمه عين ذاته و الفرق بين تعلق علم الحق بما لا يتناهى و بين أن يودع الحق في قلب العبد ما لا يتناهى إن الحق يعلم ما في نفسه و ما في نفس عبده تعيينا و تفصيلا و العبد لا يعلم ذلك إلا مجملا و ليس في علم الحق بالأشياء إجمال مع علمه بالإجمال من حيث إن الإجمال معلوم للعبد من نفسه و من غيره فكل ما يعلمه الإنسان دائما و كل موجود فإنما هو تذكر على الحقيقة و تجديد ما نسيه و يحكم هذا المنزل على إن العبد أقامه الحق في وقت ما في مقام تعلق علمه بما لا يتناهى و ليس بمحال عندنا و إنما المحال دخول ما لا يتناهى في الوجود لا تعلق العلم به ثم إن الخلق أنساهم الله ذلك كما أنساهم شهادتهم بالربوبية في أخذ الميثاق مع كونه قد وقع و عرفنا ذلك بالأخبار الإلهي فعلم الإنسان دائما إنما هو تذكر فمنا من إذا ذكر تذكر أنه قد كان علم ذلك المعلوم و نسيه كذي النون المصري و منا من لا يتذكر ذلك مع إيمانه به أنه قد كان يشهد بذلك و يكون في حقه ابتداء علم و لو لا أنه عنده ما قبله من الذي أعلمه و لكن لا شعور له بذلك و لا يعلمه إلا من نور الله بصيرته و هو مخصوص بمن حاله الخشية مع الأنفاس و هو مقام عزيز لأنه لا يكون إلا لمن يستصحبه التجلي دائما و يتضمن هذا المنزل مسائل ذي النون المشهورة و هي إيجاد المحال العقلي بالنسب الإلهية و يتضمن علم المفاضلة بين المتنافرين من جميع الوجوه و يتضمن أن كل جوهر في العالم يجمع كل حقيقة في العالم كما إن كل اسم إلهي مسمى بجميع الأسماء الإلهية و ذلك قوله تعالى قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى و هذا العلم خاصة انفردت به دون الجماعة في علمي فلا أدري هل عثر عليه غيري و كوشف به أم لا من جنس المؤمنين أهل الولاية لا جنس الأنبياء و أما في الأسماء الإلهية فقد قال به أبو القسم بن قسي في خلع النعلين له فرحم الله عبدا بلغه إن أحدا قال بهذه المسألة عن نفسه كما فعلت أنا أو عن غيره فيلحقها بكتابي هذا في هذا الموضع استشهاد إلي فيما ادعيته فإني أحب الموافقة و أن لا أنفرد بشيء دون أصحابي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السابع و التسعون و مائتان في معرفة منزل ثناء تسوية الطينة الإنس
تنزه أيها الخلق المسويعلى صفة المسوي بالسواء
و لا تنظر إلى ما حال منهو جاء به الرسول من السماء
فإن خفت الرجاء أيدت فيهبما تعطيه مأمنة الرجاء
سليمانية وقفت أماميأقيم بها رخاء من رخاء
وقفت على الصفا أعنو لسرإلهي بمنزلة الصفاء
و عانقت الغزالة في سناهالا علو فوق منزلة السهاء
و جاوزت العقول بغير حدو خضت حيا النفوس على حياء