قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و التسعون و مائتان في معرفة منزل الذكر من العالم العلوي

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
زهر المعارف من زهر الرياضاتو زهر روضك من زهر السموات‏
فللجسوم علوم ليس يشبههاعلم النفوس لأسباب و آفات‏
حقائق الحق لا تخفى مداركهالأن إدراكها للذات بالذات‏
و ما سواها فإدراك بواسطةبما يراه من أعلام و آيات‏
هزل الأكابر جد عن مشاهدةفي طيه عندهم مكر الكرامات‏
إمهالهم ليس إهمالا لعلمهمبأن ذلك مربوط بأوقات‏
إن الرجال و إن حققت نسبتهمإلى أب واحد أولاد علات‏
إن قلت هم فهم أو قلت لا فهملكونهم بين آلام و لذات‏
لأنه ليس تفنيهم مظاهرهو هي المعبر عنها بالستارات‏

اعلم وفقك الله أن شيخنا أبا العباس العريبي كان ممن تحقق بهذا المنزل و فاوضناه فيه مرارا فكانت قدمه فيه راسخة رحمه الله و اعلم أن هذا المنزل قد جمع بين المشقة الشديدة و الأمور التي لا تنال إلا بالقهر الشديد و الآفات المانعة عن إدراك المطلوب و بين الرفق و ارتفاع الآفات و الوصول إلى المطلوب بالراحة المستلذة المعشوقة للنفوس و ما بين هاتين الصفتين شدائد عظام فأول علم يتضمن هذا المنزل علم الخروج عن الطبع فاعلم إن الحركات منها طبيعية و منها قسرية فلا تتخيل أن الحركة الطبيعية تعطي لذة و الحركة القسرية تعطي ألما لخروجك عن الطبع قد يكون الأمر كذلك و قد يكون على النقيض فلو وقع الإنسان من علو عظيم لكان نزوله إلى الأرض عن حركة طبيعية و لكن إذا وصل إلى الأرض ربما تكسرت أعضاؤه و تضاعفت آلامه و سببه الاضطراب الذاتي و عدم موافقة الاختيار الذي تطلبه ربانيته المودعة فيه التي قيل له اخرج عنها فما فعل و الحركة القسرية هي أن يعرج به فيرى من الآيات و الفرح و الانفساحات و التنزه على قدر ما علت به تلك الحركة القسرية التي أخرجته عن طبعه و اضطراره و وافقته في اختياره فلا تفرح بكل ما يقتضيه الطبع فإنه أيضا ما قبل الحركة القسرية إلا بطبعه فالطبع لا يفارقه حكمه في الحركتين‏ و اعلم أن الصفات التي جبل عليها الإنسان لا تتبدل فإنها ذاتية له في هذه النشأة الدنيا و المزاج الخاص من الجبن و الشح و الحسد و الحرص و النميمة و التكبر و الغلظة و طلب القهر و أمثال هذا و لما لم يتجه تبدلها بين الله لها مصارف صرفها إليها حكما مشروعا فإن صرفت إليها أحكام هذه الصفات سعدت و نالت الدرجات فجبنت عن إتيان المحارم لما تتوقعه من المضرة و شحت بدينها و حسدت منفق المال و طالب العلم و حرصت على الخير وسعت بين الناس بإيصال الخير فنمت به كما تنم الروضة بما فيها من الأزهار الطيبة الريح و تكبرت بالله على من تكبر على أمر الله و أغلظت القول و الفعل في المواطن التي تعلم أن ذلك في مرضاة الله و طلبت القهر على من ناوى الحق و قاواه فلم تزل هذه النفس عن صفاتها و صرفتها في المصارف التي يحمدها عليها ربها و ملائكته و رسله فالشرع ما جاء إلا بما يساعده الطبع فلا أدري من أين ينال الإنسان المشقة و ما حجر عليه ما يقتضيه طبعه من هذه الصفات بتبيين المصارف فما هلك الناس إلا بسلطان الأغراض فإنه الذي أدخل الألم عليهم و المكروه فلو أن الإنسان يصرف غرضه إلى ما أراده له خالقه لاستراح قيل لأبي يزيد ما تريد قال أريد أن لا أريد أي اجعلني مريد الكل ما تريد حتى لا يكون إلا ما يريد الحق سبحانه فما يريد بعباده إلا اليسر و لا يريد بهم العسر و يريد لهم الخير و ليس إليه الشر كما ورد في الخبر الصحيح و الخير كله في يديك و الشر ليس إليك‏ و إن كان الكل من عند الله بحكم الأصل و لما كان خروج الإنسان عن إن يكون مريدا محالا و إنه أول ما كان يقدح ذلك في الطاعات فيفعلها من غير نية مشروعة فلا تكون طاعة و إنما طلب أبو يزيد الخروج عن الأغراض النفسية التي لا توافق مرضاة الحق عز و جل‏ و اعلم أن المشي في الظلمة بغير سراج و ضوء في طريق كثيرة المهالك و الحفر و الأوحال و المهاوي و الحشرات المؤذية التي لا يتقى شي‏ء من هذا كله إلا أن يكون الماشي فيها بضوء يرى به حيث يجعل قدمه و يجتنب به ما ينبغي أن يجتنب مما يضره من مهواة يهوى فيها أو مهلك يحصل فيه أو حية تلدغه و ليس له ضوء سوى نور الشرع الذي قال فيه تعالى نُوراً نَهْدِي به من نَشاءُ من عِبادِنا و قال وَ من لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ و قال نُورٌ عَلى‏ نُورٍ فإذا اجتمع نور الشرع مع نور بصر التوفيق و الهداية بان الطريق بالنورين فلو كان نور واحد لما ظهر له ضوء و لا شك أن نور الشرع قد ظهر كظهور نور الشمس و لكن الأعمى لا يبصره كذلك من أعمى الله بصيرته لم يدركه فلم يؤمن به و لو كان نور عين البصيرة موجودا و لم يظهر للشرع نور بحيث أن يجتمع النوران فيحدث الضوء في الطريق لما رأى صاحب نور البصيرة كيف يسلك لأنه في طريق مجهولة لا يعرف ما فيها و لا أين تنتهي به من غير دليل و موقف فهذا الشخص الماشي في هذه الطريق إن لم يحفظ سراجه من الأهواء إن تطفئه بهبوبها و إلا هبت عليه رياح زعازع فأطفأت سراجه و ذهب نوره و هو كل ريح يؤثر في نور توحيده و إيمانه فإن هبت ريح لينة تميل لسان سراجه و تحيره حتى‏ يتحير عليه الضوء في مشاهدة للطريق فتلك الريح كمتابعة الهوى في فروع الشريعة و هي المعاصي التي لا يكفر بها الإنسان و لا تقدح في توحيده و إيمانه فلقد خلقنا لأمر عظيم و لكن إذا اقتحمنا هذه الشدائد و قاسينا هذه المكاره حصلنا على أمر عظيم و هو سعادة الأبد التي لا شقاء فيها و مما يتضمن هذا المنزل علم الوقت الذي يصحبه فيه القرينان من الملك و الشيطان فاعلم إن الإنسان إذا خلقه الله في أمة لم يبعث فيها رسول لم يقترن به ملك و لا شيطان و يبقى يتصرف بحكم طبعه ناصيته بيد ربه خاصة فكل ما يمشي فيه في ذلك الوقت فهو على صراط مستقيم فإن ربه على صراط مستقيم قال تعالى ما من دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فإذا بعث فيهم رسول أو خلق في أمة فيهم رسول لزمه من حين ولادته قرينان ملك و شيطان من حين يولد لأجل وجود الشرع و أعطى كل واحد من القرينين لمة يهمزه و يقبضه بها و لا تقل إن المولود غير مكلف فلما ذا يقرن به هذان القرينان‏ فاعلم إن الله ما جعل له هذين القرينين في حق المولود و إنما ذلك من أجل مرتبة والديه أو من كان فيهمزه القرين الشيطاني فيبكي أو يلعب بيده فيفسد شيئا مما يكره فساده أبوه أو غيره فتكون تلك الحركة من المولود الغير مكلف سببا مثيرا في الغير ضجرا و تسخطا كراهة لفعل الله فيتعلق به الإثم فلهذا يقرن به الشيطان لا لنفسه و كذلك الملك و هو كل حركة تطرأ من المولود مما تثير في نفس الغير أمرا موجبا للشر أو للخير فإن كان شرا فمن الشيطان و إن كان خيرا فمن الملك و ليس للصبي الصغير قط حركة نفسية و لا ربانية حتى يدرك و إن لم يكن في أمه لها شرع فحركته كلها نفسية من حال ولادته إلى أن يموت ما لم يرسل إليه رسول أو يدخل هو في دين إلهي يتقيد به أي دين كان مشروعا من الله أو غير مشروع حينئذ يوكل به القرينان إذ لم يكن للعقل أن يشرع القربات و إن كان على مكارم الأخلاق المعتادة في العرف المحبوبة بالطبع التي يدركها العقل و لكن لا يحكم عليها بحكم أصلا يقطع به على الله و ليس له حكم في إثبات الآخرة و لا نفيها لكن هو متمكن بعقله من النظر في إثبات موجدة و لمن يستند في وجوده و ما ينبغي أن يكون عليه موجدة من الصفات و ما ينبغي أن يعظه به من نعوت الجلال لكن لا على جهة المنزلة الأخراوية عنده و لا يعرف بعقله ما يصير إليه بعد الموت و لا يدري هذا المدبر لبدنه ما هو و لا أين يذهب من الميت إذا مات و لو لا إن الأمر من آدم كان ابتداؤه بالنبوة فأخبر بما هنالك ففطنت العقول حيث أعلمت مال هذه النفوس فذلك الذي حرضها على البحث و النظر في ذلك و حشر النفوس بعد الموت إلى أين يكون و كيف يجمع و صورة ما ينتقل به و إليه و هل تنتقل مدبرة لمواد أخر أو تتجرد عن المادة و هل كان لها وجود قبل تسوية البدن في التكوين أم حدثت بحدوث البدن و وقفوا على حكم تأثيرات في العالم فراقبوا الأفلاك و حركات الكواكب و رأوا حدوث الآثار عند تلك الحركات عن تكرار فعلموا إن ثم نسبة بين هذا الأثر و تلك الحركات و أما ما لم تدرك الأعمار تكراره فذلك بإعلام النبي عليه السلام الذي كان في زمانهم أتاهم بما أعلمه الله و أطلعه على ما اختزنه في تلك الحركات العلوية من الآثار العنصرية و أعلمهم حكمها في الدنيا و الآخرة و ليس مثل هذا كله من مدركات العقول من غير موقف فلو لا التعريف الإلهي في هذه الدار و الدار الآخرة ما عرف أحد شيئا مما هنالك‏ و اعلم أن كل مخلوق ما سوى الإنس و الجان مفطورون على تعظيم الحق و التسبيح بحمده و كذلك أعضاء جسد الإنس و الجان كلها و لكن لا على جهة التقريب و ابتغاء المنزلة العظمى بل التسبيح لهم كالأنفاس في المتنفسين لما تستحقه الذات و هكذا يكون تسبيح الإنس و الجان في الجنة و النار لا على طريق القربة و لا ينتج لهم قربة بل كل واحد منهم على مقام معلوم فتصير العبادة طبيعية تقتضيها حقائقهم و يرتفع التكليف و لا يتصور منهم مخالفة لأمر الله إذا ورد عليهم و لا يبقى هنالك نهي أصلا بعد قوله لأهل النار اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ و كلامنا إذا نزل الناس منازلهم في كل دار و غلقت الأبواب و استقرت الداران بأهلها الذين هم أهلها و ارتفع شأن أرض الحشر و عادت كلها نارا و صار كل ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى منتهى أسفل سافلين دارا واحدة تسمى جهنم تحوي على حرور و زمهرير و بينهما برازخ يكون فيها التكوينات في الجلود التي يقع فيها التبديل عند الإنضاج خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ يريد المدة التي كانت الأرض عليها من يوم خلقها الله إلى يوم التبديل و كانت العرب التي نزل القرآن بلسانها تطلق هذه‏اللفظة و نريد بها التأييد و هي منقطعة بالخبر الإلهي و تعريف النبي صلى الله عليه و سلم إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ بما يرزقون في النار من اللذة و النعيم بها إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و في الجنة خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ من حيث جوهرهما لا من حيث صورتهما و لهذا قال عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ أي غير مقطوع و يقع الاستثناء في قوله إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من زوال صورتهما إذ كانت السماء سماء و الأرض أرضا فإنا نعلم أن جوهر السماء هو جوهر الدخان و تبدلت عليه الصور فالجوهر الذي قبل صورة الدخان هو الذي قبل صورة السماء كما قبل جوهر الطين و الحجر صورة البيت فإذا تهدم البيت و يبس الطين ذهبت صورة البيت و الطين و بقي عين الجوهر و كذلك العالم كله بالجوهر واحد و بالصور يختلف فاعلم ذلك فيكون الاستثناء في حق أهل النار لمدة عذابهم و يكون الاستثناء في حق أهل الجنة على معنى إلا أن يشاء ربك و قد شاء أن لا يخرجهم فهم لا يخرجون فإن الله ما شاء ذلك بقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ و لم يقل في أهل النار عذابا غير مجذوذ فافهم فإن الخبر الصحيح المتواتر قد ورد فقال تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ و وصف السماء بأنها تصير كالدهان و وصفها بالانشقاق و إنها تمور و قال تعالى فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ أي مثل الدهن الأحمر في اللون و السيلان فهذا كله إخبار عن ذهاب الصورة لا ذهاب الجوهر و مما يتضمن هذا المنزل علم ما أراد الله من الإنسان أن يشتغل به في حال اعتباره و تفكره لما يؤديه ذلك النظر إليه من المعرفة بخالقه لا بربه فإنه لكل اسم من أسماء الله في العالم دليل خاص لا يدل على غيره من حيث هو دليل عليه و من هنا تعلم أن الأرض خلقت من تموج الماء حتى أزبد فكان ذلك الزبد عين الأرض لأنه انتقل من المائية إلى الزبدية و في الزبد يكون الأرض و هذا هو السبب في اختراق الصالحين لها و جلوس الميت في قبره مع ردم الأرض عليه و حكم كل ما خلق منها حكمها و حكمها حكم الزبد و حكم الزبد حكم الماء و الماء يقبل الخرق و تحرك الأشياء فيه فيجري حكم هذا الأصل في جميع ما وجد عنه سواء كثف كالأرض أو سخف كالهواء و النار لكن النار للماء بمنزلة ولد الولد و الأرض للماء بمنزلة الولد و الهواء و الزبد للماء بمنزلة أولاد الصلب فالماء لهما أب و هو للنار جد من جهة الهواء و للأرض جد من جهة الزبد فبين خلق آدم و الماء وجود التراب الزبد فهو ولد ولد الولد من حيث كثافته و كذلك بما فيه من النار و بما فيه من الهواء هو ولد الولد و أما خلق حواء فبينها و بين الأصل ثلاثة آدم و التراب و الزبد فهي أبعد من الأصل و أما خلق بنى آدم فهم أقرب إلى الأصل من آدم فإنهم مخلوقون من الماء فهم من الماء مثل الزبد فهم أولاد الماء لصلبه و الزبد أخ لبني آدم و هو جد لآدم و أب للأرض فبنو آدم أعمام للأرض فتكون منزلة آدم من بنيه منزلة ابن الأخ من عم أبيه و يكون بنو آدم من آدم بمنزلة عم أبيه فهم أولاده و هو ولد ابن أخيهم فهم في الإسناد من هذا الوجه أقرب إلى السبب الأول و هو الجد الأعلى إلا بما في آدم من الماء الذي صار به التراب طينا ففيه إلحاق بولد الصلب بمنزلة من نكح امرأة و هي حامل من غيره فسقى زرع غيره فله فيه بما حصل له من ذلك السقي نصيب و أما خلق عيسى عليه السلام فبينه و بين الماء أمه و حواء و آدم و الأرض و الزبد إلا من وجه آخر فهو يشبهنا و قليل من يعثر عليه و قد نبه الله على ما أومأنا إليه بقوله فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا لما أراد الله فسرت اللذة بالنظر إليه بعد ما استعاذت منه و عرفها أنه رسول الحق ليهب لها غلاما زكيا فتأهبت لقبول الولد فسرت فيها لذة النكاح بمجرد النظر فنزل الماء منها إلى الرحم فتكون جسم عيسى من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة فيها فهو من ماء أمه و ينكر ذلك الطبيعيون و يقولون إنه لا يتكون من ماء المرأة شي‏ء و ذلك ليس بصحيح و هو عندنا إن الإنسان يتكون من ماء الرجل و من ماء المرأة و قد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم الذي لا ينطق عن الهوى أنه قال إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرا و إذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثا و في رواية سبق بدل علا فقد جاء بالضمير المثنى في أذكرا و أنثا و قد قلنا في كتاب النكاح لنا في هذا الفصل إن المرأة و الرجل إذا لم يسبق أحدهما صاحبه في إنزال الماء و أنزلا معا بحيث أن يختلطا و لا يعلو أحد الماءين على الآخر فإنه من أجل تلك الحالة إذا وقعت على تلك الصورة يخلق الله الخنثى فيجمع بين الذكورة و الأنوثة فإن كانا على السواء من جميع الجهات و الاعتدال من غير انحراف ماء من أحدهما كان الخنثى يحيض من فرجه و يمني من ذكره فيعطي الولد و يقبل الولد ممن ينكحه و قد روى أنه رؤي رجل و معه ولدان أحدهما من صلبه و الآخر من بطنه و إن انحرف الماء عن الاعتدال‏و لم يبلغ مبلغ العلو على الآخر كان الحكم للمنحرف إلى العلو فإن كان ماء المرأة حاض الخنثى و لم يمن و إن كان ماء الرجل أمنى و لم يحض فسبحان القدير الخلاق العليم و هذا من أعجب البرازخ في الحيوان ذلك لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ الله قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً و يكفي علم هذا القدر من هذا المنزل فإنه يتضمن مسائل كثيرة أكثرها في تولد العالم الطبيعي بين حركات الأفلاك و توجهاتها و توجهات كواكبها بأشعة النور و بين قبول العناصر و المولدات لآثار تلك الأنوار فيظهر من تلك الأحكام إيجاد الأعيان و المراتب و الأحوال و هذا علم كبير طويل و يتعلق بهذا المنزل علم الابتلاء في غير موطن التكليف و يتضمن علم الديوان الإلهي و يتضمن علم وجوب الكلمة الإلهية التي لا تتبدل و يتضمن علم أنه ما في العالم باطل و لا عبث و إنه حق كله بما فيه من الحق و الباطل و يتضمن لما ذا أخر الله غالبا العقوبات إلى الدار الآخرة في حق الأكثرين و عجلها في حق آخرين و هو المعبر عنه بإنفاذ الوعيد و هو خبر و الخبر الذي لا يتضمن حكما لا يدخله النسخ فقد ينفذ ما أوعد به لمن خالفه لأنه لم يخص بإنفاذه دارا من دار بل قال في الدنيا لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا و هو من جملة إنفاذ الوعيد فالذاهبون إلى القول بإنفاذ الوعيد مصيبون و لكن إنفاذه حيث يعينه الحق تعالى فإذا أنفذه في الدنيا بمرض و ألم نفسي أو حسي يدخله على هذا المستحق بالوعيد كان ذلك سترا له عن عقوبة الآخرة فهو المعبر عن ذلك هنا بالمغفرة أي لا يؤاخذ بها في الآخرة و هذه أحوال أكثر السعداء و السعداء الذين لا تهمهم النار و لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ الذين فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و لهذا عظم ابتلاء النفوس و البلاء المحسوس في الأمثال من الناس كالأنبياء و الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ من النَّاسِ من رد الحق في وجوههم و ما يسمعون من الكفرة مما يتأذون به في نفوسهم و قد أخبر الله بذلك و كذلك ما سلط عليهم من القتل و الضرب كل ذلك من إنفاذ الوعيد لخطرات و حركات تقتضيها البشرية و الطبع مما لا يليق بالمنصب الذي هم فيه لكن هو لائق بالبشر و من هنا يعرف قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه و سلم لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فقد قرر الذنب و أوقع المغفرة و أفهم من ذلك عباده أنه لا يعاقبهم في الآخرة و ما علق المغفرة بالدنيا لما فيها من الآلام و الأمراض النفسية و الحسية و هو عين إنفاذ الوعيد في حقهم و يصح قول المعتزلي في هذه المسألة مسألة إيلام البري‏ء فإن الأشعري يجوز ذلك على الله و لكن ما كل جائز واقع و كل ما يحتجون به على المعتزلة فليس هو بذلك الطائل و الانفصال عنه سهل و ليس هذا الكتاب موضع إيراد هذا العلم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏