قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و مائة في معرفة الفتنة و الشهوة و صحبة الأحداث و النسوان

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

الإرفاق)

لا تصحبن حدثا إن كنت ذا حدث و لا نساء و كن بالله مشتغلا
و احذر من الفتنة العمياء أن لها حكما قويا على القلب الذي غفلا
و شهوة النفس فاحذرها فكم فتكت بسيد قلبه عن ربه عفلا
و لا يرى أخذا رفقا من امرأة إلا الذي من رجال الله قد كملا

اعلم أيدك الله أن الفتنة الاختبار يقال فتنت الفضة بالنار إذا اختبرتها قال تعالى أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي اختبرناكم بهما هل تحجبكم عنا و عما حددنا لكم أن تقفوا عنده و قال موسى ع إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها من تَشاءُ أي تحير وَ تَهْدِي من تَشاءُ و من أعظم الفتن التي فتن الله بها الإنسان تعريفه إياه بأن خلقه على صورته ليرى هل يقف مع عبوديته و إمكانه أو يزهو من أجل مكانة صورته إذ ليس له من الصورة إلا حكم الأسماء فيتحكم في العالم تحكم المستخلف القائم بصورة الحق على الكمال و كذلك من تأييد هذه الفتنة قول النبي ص يحكيه عن ربه إن العبد إذا تقرب إلى الله بالنوافل أحبه فإذا أحبه كان سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و ذكر اليد و الرجل‏ الحديث و إذا علم العبد أنه بهذه المثابة يسمع بالحق و يبصر بالحق و يبطش بالحق و يسعى بالحق لا بنفسه و بقي مع هذا النعت الإلهي عبدا محضا فقيرا و يكون شهوده من الحق و هو بهذه المثابة كون الحق ينزل إلى عباده بالفرح بتوبتهم و التبشيش لمن يأتي إلى بيته و التعجب من الشاب الذي قمع هواه و اتصافه بالجوع نيابة عن جوع عبده و بالظمإ نيابة عن ظمأ عبده و بالمرض نيابة عن مرض عبده مع علمه بما تقتضيه عزة ربوبيته و كبريائه في ألوهيته فما أثر هذا النزول في جبروته الأعظم و لا في كبريائه الأنزه الأقدم كذلك العبد إذا أقامه الحق نائبا فيما ينبغي للرب تعالى يقول العبد و من كمال الصورة التي قال إنه خلقني عليها أن لا يغيب عني مقام إمكاني و منزلة عبوديتي و صفة فقري و حاجتي كما كان الحق في حال نزوله إلى صفتنا حاضرا في كبريائه و عظمته فيكون الحق مع العبد إذا وفى بهذه الصفة يثنى عليه بأنه نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ حيث لم تؤثر فيه هذه الولاية الإلهية و لا أخرجته عن فقره و اضطراره و من تجاوز حده في التقريب انعكس إلى الضد و هو البعد من الله و المقت فاحذر نفسك فإن الفتنة بالاتساع أعظم من الفتنة بالحرج و الضيق‏ و أما الشهوة فهي آلة للنفس تعلو بعلو المشتهي و تستفل باستفال المشتهي و الشهوة إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به و اللذة لذتان روحانية و طبيعية و النفس الجزئية متولدة من الطبيعة و هي أمها و الروح الإلهي أبوها فالشهوة الروحانية لا تخلص من الطبيعة أصلا و بقي من يلتذ به فلا يلتذ إلا بالمناسب و لا مناسبة بيننا و بين الحق إلا بالصورة و التذاذ الإنسان بكماله أشد الالتذاذ فالتذاذه بمن هو على صورته أشد التذاذ برهان ذلك أن الإنسان لا يسرى في كله الالتذاذ و لا يفنى في مشاهدة شي‏ء بكليته و لا تسري المحبة و العشق في طبيعة روحانيته إلا إذا عشق جارية أو غلاما و سبب ذلك أنه يقابله بكليته لأنه على صورته و كل شي‏ء في العالم جزء منه فلا يقابله إلا بذلك الجزء المناسب فلذلك لا يفنى في شي‏ء يعشقه إلا في مثله‏ فإذا وقع التجلي الإلهي في عين الصورة التي خلق آدم عليها طابق المعنى المعنى و وقع الالتذاذ بالكل و سرت الشهوة في جميع أجزاء الإنسان ظاهرا و باطنا فهي الشهوة التي هي مطلب العارفين الوارثين أ لا ترى إلى قيس المجنون في حب ليلى كيف أفناه عن نفسه لما ذكرناه و كذلك رأينا أصحاب الوله و المحبين أعظم لذة و أقوى محبة في جناب الله من حب الجنس فإن الصورة الإلهية أتم في العبد من مماثلة الجنس لأنه لا يتمكن للجنس أن يكون سمعك و بصرك بل يكون غايته إن يكون مسموعك و مدركك اسم مفعول و إذا كان العبد مدرك بحق هو أتم فلذته أعظم و شهوته‏هناك و المعرفة معدومة من هذا الصنف من الناس‏ و ما صبر تحت الاختبار الإلهي إلا الذهب الخالص المعدني الذي حاز رتبة الكمال و ما بقي فيه من تربة المعدن شي‏ء و كل تكليف فتنة و جميع المخلوقات فتنة و الاطلاع على نتائج الأعمال فتنة و هي حالة مقام يستصحب إلى الجنة و كان رسول الله ص و هو صاحب الكشف الأتم و العالم بما ثم يستعيذ من فتنة القبر و عذاب النار و فتنة المحيا و الممات‏ و أما الشهوة فهي إرادة الملذوذات فهي لذة و التذاذ بملذوذ عند المشتهي فإنه لا يلزم أن يكون ذلك ملذوذا عند غيره و لا أن يكون موافقا لمزاجه و لا ملاءمة طبعه و ذلك أن الشهوة شهوتان شهوة عرضية و هي التي يمنع من اتباعها فإنها كاذبة و إن نفعت يوما ما فلا ينبغي للعاقل أن يتبعها لئلا يرجع ذلك له عادة فتؤثر فيه العوارض و شهوة ذاتية فواجب عليه اتباعها فإن فيها صلاح مزاجه لملاءمتها طبعه و في صلاح مزاجه و في صلاح دينه سعادته و لكن يتبعها بالميزان الإلهي الموضوع من الشارع و هو حكم الشرع المقرر و فيها سواء كان من الرخص أو العزائم إذا كان متبعا للشرع لا يبالي فإنه طريق إلى الله مشروعة فإنه تعالى ما شرع إلا ما يوصل إليه بحكم السعادة و لا يلزم أيضا أن يكون ما يشتهيه في هذه الحال أن يشتهيه في كل حال و لا في كل وقت فينبغي له أن يعرف الحال الذي ولد تلك الشهوة عنده و الوقت الذي اقتضاها و قد تتعلق بأعمال الطاعات هذه الشهوات العرضية فتوجب بعدا كمن يرى موضعا يستحسنه طبعه فيشتهي إن يصلي فيه أو لفضيلة يعلمها في ذلك الزمان على غيره فإن ذلك يؤثر في حاله مع الله أثر سوء و ميزان ذلك الالتذاذ بعمل لا لشهود إلهي و هذا من المكر الخفي و لأبي يزيد في هذا قدم راسخة و قد نبه على ذلك لما سألته أمه في ليلة باردة أن يسقيها ماء و كان برا بها فثقل عليه القيام و قد كان ملتذا في جميع أحواله في خدمة أمه فاتهم نفسه في تلك اللذة إذ كان يتخيل أنه لا يلتذ بخدمة أمه إلا لإقامة حق الله و لا بعبادة إلا لإقامة حق الله فيها فرمى كل عبادة تقدمت له كان له التذاذ بها و تاب توبة جديدة فأغوار النفوس لا يدركها إلا فحول أهل الله فلا تفرح بالالتذاذ بالطاعات و رفع المشقة فيها عنك دون ميزان القوم في ذلك فإذا اقترنت هذه الشهوة بصحبة أهل البدع و هم الأحداث و بصحبة الصبيان الصباح الوجوه و النساء في الله تعالى فيما تخيل له أنه في الله تعالى ففي طي هذا التعلق مكر إلهي خفي و لو تعلق ذلك الالتذاذ منه بغير هؤلاء الأصناف فليس ذلك بميزان يعرف به مكر الله حتى يفرق بين الصحبة لله و الصحبة لشهوة الطبع إلا أن يصحب العلماء بالله أهل الورع أو شيخه إن كان من أهل الأذواق فذلك أمر آخر و الذي ينبغي له أن يزن به حاله في دعواه إنه ما صحب الأحداث و النساء إلا لله إذا وجد ألما و وحشة عند فقده إياهم و هيجانا إلى لقائهم و فرحا بهم عند إقبالهم فتعلم عند ذلك أن الصحبة لهذا الصنف معلومة ليست لله و إن وقعت المنفعة للمصحوب منه فيسعد المصحوب و يشقى هذا المحب شقاوتين الواحدة فقد المحبوب و الأخرى بالجهل و عدم العلم فيما كان يتخيل أنه علم و أنه صحب لله و في الله و أما إن كان ممن تتعلق تلك المحبة منه بجميع المخلوقات و من جملة المخلوقات أيضا هؤلاء الأصناف فقد يكون ذلك خديعة نفسية و ميزانه أن لا يستوحش عند مفارقة واحد واحد فإنه لا يخلو عن مشاهدة مخلوق فمحبوبه معه ما فارقه فإن العين واحدة لو غاب عضو من أعضاء محبوبك مع بقاء عينه معك ما وجدت ألما و الخلق كلهم أعضاء بعضهم لبعض و أيضا إن تعلق بجميع المخلوقات على علم من صاحبه بعموم التعلق ابتداء في غير هؤلاء الأصناف ثم تظهر هؤلاء الأصناف و لا يجد مزيدا في ميزانه فيدخلهم في عموم ذلك التعلق فذلك مبناه على أصل صحيح و إن انجر معه الطبع في هذا الصنف و وجد معه الألم عند فقده على الخصوص فذلك لا يؤثر في خلوص تعلقه الإلهي في دعوته و نصيحته لصحة الأصل فإن حدث عنده عموم التعلق في ثاني الحال من تعلقه بصحبة هذا الصنف فلا يعول عليه فذلك تلبيس من النفس فليحذر منه و ليترك صحبتهم جملة واحدة و كلامنا إنما هو مع أهل الطريق و لا بد من تمحيص هذا التعميم الذي وجده في ثاني حال من صحبتهم كما يمحص نفسه صاحب السماع المقيد بالنغمات إذا أرسله مطلقا بعد تحصيله ابتداء من المقيد بالنغمات فهو أصل معلول فلا يعتمد من هذه حالته على سماعه المطلق المكتسب في ثاني حال فإن ذلك تلبيس النفس حتى لا تترك السماع المقيد و الإنسان إذا أنصف لربه من نفسه و لنفسه من نفسه عرف حاله بل كان أعرف بحاله من غيره إلا من العارفين بالله فإنهم أعرف به من‏نفسه لأن العارفين لهم أعين في قلوبهم فتحتها لهم المعرفة يرون بها منك ما تجهله أنت من نفسك لأنه ليست لك تلك العين و لهذا قال الجنيد العارف من ينطق عن سرك و أنت ساكت و السكوت عدم الكلام فمعناه يعرف منك ما لا تعرفه أنت من نفسك كالخفي من سوء المزاج يعرفه الطبيب منك إذا نظر إليك و لا تعرفه أنت و هؤلاء أطباء النفوس‏ و اعلموا أن الشيوخ إنما حذروا من أخذ الإرفاق من النساء و من صحبة الأحداث لما ذكرناه من الميل الطبيعي فلا ينبغي للمريد أن يأخذ رفقا من النساء حتى يرجع هو في نفسه امرأة فإذا تأنث و التحق بالعالم الأسفل و رأى تعشق العالم الأعلى به و شهد نفسه في كل حال و وقت و وارد منكوحا دائما و لا يبصر لنفسه في كشفه الصوري و حاله ذكرا و لا أنه رجل أصلا بل أنوثة محضة و يحمل من ذلك النكاح و يلد و حينئذ يجوز له أخذ الرفق من النساء و لا يضره الميل إليهن و حبهن و أما أخذ العارفين فمطلق لأن مشهودهم اليد الإلهية المقدسة المطلقة في الأخذ و العطاء و كل شخص يعرف حاله و الطريق صدق كله وجد لا يقبل الهزل و لا الطفيلي عنده و إن سامح الحق‏