الخشوع مقام الذلة و الصغار و هو من صفات المخلوقين ليس له في الألوهية مدخل و هو نعت محمود في الدنيا على قوم محمودين و هو نعت محمود في الآخرة في قوم مذمومين شرعا بلسان حق و هو حال ينتقل من المؤمنين في الآخرة إلى أهل العزة المتكبرين الجبارين الذين يريدون علوا في الأرض من المفسدين في الأرض فالمؤمنون في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ و هم الخاشعون من الرجال و الخاشعات من النساء الذين أَعَدَّ الله لَهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً و نعت أصحابه في الآخرة فقال خاشِعِينَ من الذُّلِّ يَنْظُرُونَ من طَرْفٍ خَفِيٍّ و قال وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً تُسْقى من عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا من ضَرِيعٍ و لا يكون الخشوع حيث كان إلا عن تجل إلهي على القلوب في المؤمن عن تعظيم و إجلال و في الكافر عن قهر و خوف و بطش قال ع حين سئل عن كسوف الشمس إن الله إذا تجلى لشيء خشع له خرجه البزار و إذا وقع التجلي حصل الخشوع و أورث التجلي العلم و العلم يورث الخشية إِنَّما يَخْشَى الله من عِبادِهِ الْعُلَماءُ و الخشية تعطي الخشوع و الخشوع يعطي التصدع و هو انفعال الطبع للخشوع و التصدع تقصف و تكسر في الأعضاء و الغطيط الذي يسمع فيها كل ذلك من أثر الطبع القابل لأثر الوارد في التجلي الإلهي و هو الذيكنى عنه الشرع بالغت و الغط في نزول الوحي عليه كصلصلة الجرس و هو أشده عليه فإن نزوله شديد على هذا الهيكل البشري و لا سيما إن كان النزول بالقرآن كما قال وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ به الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ به الْأَرْضُ و قد يكون من الجبال القوة الماسكة الطبع الذي من شأنه الميل نظير الميد في الأرض و يكون من الأرض أرض الأجسام الطبيعية أَوْ كُلِّمَ به الْمَوْتى و من أصناف الموت الجهل يقول تعالى أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ لكان هذا القرآن يحيا بما فيه من العلم و يقطع به الأرض و تسير الجبال بما فيه من الزجر و الوعيد و قوله قُرْآناً بالتنكير دليل على أحد أمرين إما على آيات منه مخصوصة كما ضرط الجبار عند ما سمع صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ و إما أن يكون ثم أمر آخر ينطلق عليه اسم قرآن غير هذا لغة و لو حرف امتناع لامتناع فهل هو داخل تحت الإمكان فيوجد أو ما هو ثم إلا بحكم الفرض و التقدير فأما عندنا فكل كلام إلهي من كلمة مركبة من حرفين إلى ما فوق ذلك من تركيبات الحروف و الكلمات المنسوبة إلى الله بحكم الكلام فإنه قرآن لغة و له أثر في النزول في المحل المنزل عليه إذا كان في استعداده التأثر بنزوله فإن لم يكن فلا يشترط و الاستعداد من المحل أن يكون حاله العبودة و العبودية و أثره في حال العبودية أتم منه في حال العبودة فإن سمع المحل أو نزل عليه في حال كون الحق سمعه حصل له النزول و لم يظهر له أثر عليه لأنه حق في تلك الحالة فينتفي عنه الخشوع و هذا أصل يطرد في كل وصف لا يكون له في الألوهة مدخل كالذلة و الافتقار و الخشوع و الخوف و الخشية فإنه يتأثر صاحب هذا الحال و كل كون يكون حالة نعت إلهي كالكرم و الجود و الرحمة و الكبرياء فإنه لا يؤثر في صاحبه أصلا فإنه نعت حق فله العزة و المنع هذا مطرد و قد نزل علينا من القرآن ذوقا عرفنا من ذلك صورة نزوله على نبيه ص فوجدنا له ما لم نجد لحفظ حروفه و لا لتدبر معانيه و نزل علينا في الحالين فأثر في الحال الواحد الكوني و لم يؤثر في الحال الإلهي إلا لذة خاصة فإنه لا بد منها و أما خشوعا فلا و لهذا ينسب إلى الجناب الإلهي الأقدس ما ينسب من الفرح و هو التذاذ ثم إن الله جعل مثل هذا أمثالا مضروبة للناس يُضِلُّ به كَثِيراً وَ يَهْدِي به كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ به إِلَّا الْفاسِقِينَ الخارج عن الحالين و العاري عن التلبس بالحكمين و هي حالة الغافلين عما خلقوا له و عما فضلوا به لم يمت أبو يزيد حتى استظهر القرآن و هو تنزيله عليه ذوقا و من استظهر القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه كذا قال ص و هذا الفرق بين تنزله على النبي ص و بين تنزله علينا فإنه منزل في النبي ص على قلبه و في صدره فنبوته له مشهودة و ينزل علينا بين جنبينا من وراء حجابنا فهو لنا في الظهر لا في الظهور فنبوتنا مستورة عنا مع كوننا محلا لها فمن خشع تصدع و من علم يخشى
(الباب العاشر و مائة في مقام الخشوع)
لا يكون الخشوع إلا إذا ما يبصر القلب من تدلى إليه
و تجلى له بصورة مثل غير هذا فلا يكون لديه
فإن اعتز في مقام التجلي فله الحكم لا يكون عليه