اعلم وفقك الله أن الله تعالى يقول إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ فأخبر أنه يؤذي فتسمى سبحانه بالصبور على أذى خلقه و كما سأل عباده رفع الأذى مع استحقاقه اسم الصبور كذلك لا يرفع اسم الصبر عن العبد إذا حل به بلاء فسأل الله تعالى في رفع ذلك البلاء كما فعل أيوب ع فقال مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ و أثنى الله عليه فقال مع هذا السؤال إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً فليس الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى الله في رفع البلاء أو دفعه و إنما الصبر حبس النفس عن الشكوى إلى غير الله و الركون إلى ذلك الغير و قد أبنت لك أن الله طلب من عباده رفع الأذى الذي آذوه به مع قدرته على إن لا يخلق فيهم ما خلق من الأذى فتفطن لسر هذا الصبر فإنه من أحسن الأسرار و قد ورد أنه لا أحد أصبر على أذى من الله و هو من المقامات التي تنقطع و تزول إذا دخل أهل النار النار و أهل الجنة الجنة و تميز الفريقان تميز الانقطاع أن لا يلحق أحد بغير الدار التي هو فيها و الصبر الإلهي يزول حكمه بزوال الدنيا و هذه بشرى بإزالة اسم المنتقم و الشديد العقاب إذ قد رأينا إزالة الصبور و رحمته سبقت غضبه فحكمة زوال الدنيا رفع الأذى عن الله إذ لا يكون إلا فيها فأبشروا عباد الله بشمول الرحمة و اتساعها و انسحابها على كل مخلوق سوى الله و لو بعد حين فإنه بإزالة الدنيا زال الأذى عن كل من أوذى و بزوال الأذى زال الصبر و من أسباب العقاب الأذى و الأذى قد زال فلا بد من الرحمة و ارتفاع الغضب فلا بد من الرحمة أن تعم الجميع بفضل الله إن شاء الله هذا ظننا في الله فإن الله و هو الصادق يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا فأخبر و أمر و لم يقيد في حق الظان و لا في غيره و لهذاسمي عذابا ما يقع به الآلام بشرى من الله لعباده أن الذي تتألمون به لا بد إذا شملتكم الرحمة أن تستعذبوه و أنتم في النار كما يستعذب المقرور حرارة النار و المحرور برودة الزمهرير و لهذا جمعت جهنم النار و الزمهرير لاختلاف المزاج فما يقع به الألم لمزاج مخصوص يقع به النعيم في مزاج آخر يضاده فلا تتعطل الحكمة و يبقي الله على أهل جهنم الزمهرير على المحرورين و النار على المقرورين فينعمون في جهنم فهم على مزاج لو دخلوا به الجنة تعذبوا بها لاعتدالها ثم اعلم أن الصبر يتنوع بتنوع الأدوات فالصبر في الله إذا أوذى فيه و الصبر مع الله رؤية المعذب في العذاب و الصبر على الله حال فقده لربه بوجود نفسه غير مقترنة بوجود ربه و الصبر بالله أن يكون الحق عين صبره كما هو سمعه و بصره و الصبر من الله حال رفع الحول و القوة منك فلا تقول لا حول و لا قوة إلا بالله فيزول بالاستعانة و الصبر عن الله و هو أعظمها مقاما و هو الصبر الذي يزول بالموت و لا يوجد في الآخرة فإن صاحب هذا الصبر ينسب الصبر إليه نسبة الاسم الصبور إلى الله و لهذا يرتفع بزوال الدنيا و في العبد بزواله عن الدنيا و من زلت عنه فقد زال عنك فهؤلاء أخذوا الصبر عن الله كما تقول أخذت هذا العلم عن فلان فأنت فيه كهو كذلك قول سليمان ع أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي لأنه سماه خيرا و الخير منسوب إلى الله فقال عن ذكر ربي إياه بالخيرية أحببته فطفق يمسح بيده على أعرافها و سوقها فرحا و إعجابا بخير ربه فإنه أحب حب الخير و حب الخير إما أن يريد حب الله إياه أو حب الخير من حيث وصف الخير بالحب و الخير لا يحب إلا الأخيار فإنهم محل وجود عينه فكذلك سليمان ع قال أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ أي أنا في حبي كالخير في حبه و لهذا لما تَوارَتْ بِالْحِجابِ أعني الصافنات الجياد اشتاق إليها لأنه فقد المحل الذي أوجب له هذه الصفة الملذوذة فإنها كانت مجلى له فقال رُدُّوها عَلَيَ و أما المفسرون الذين جعلوا التواري للشمس فليس للشمس هنا ذكر و لا للصلاة التي يزعمون ثم إنهم يأخذون في ذلك حكايات اليهود في تفسير القرآن و قد أمرنا رسول الله ص أن لا نصدق أهل الكتاب و لا نكذبهم فمن فسر القرآن برواية اليهود فقد رد أمر رسول الله ص و من رد أمر رسول الله ص فقد رد أمر الله فإنه أمر أن نطيع الرسول و أن نأخذ ما أتانا به و أن ننتهي عما نهانا عنه إذ لا يوصلنا إلى أخبار هؤلاء الأنبياء الاسرائيليين إلا نبي فنصدقه أو أهل كتاب فنقف عند أخبارهم إذا لم يكن في كتابنا و لا قول رسولنا ص و لا في أدلة العقول ما يرده و لا يثبته و لا نقضي فيه بشيء و أما مساق الآية فلا يدل على ما قالوه بوجه ظاهر البتة و أما استرواحهم فيما فسروه بقوله وَ لَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ فليس تلك الفتنة و هو الاختبار إذا كان متعلقة الخيل و لا بد فيكون اختباره إذا رآها هل يحبها عن ذكري لها أو هل يحبها لعينها فأخبر ص أنه أحبها عن ذكر ربه إياها لا نفسها مع حسنها و جمالها و حاجته إليها و هي جزء من الملك الذي طلب أن لا ينبغي لأحد من بعده فأجابه الحق إلى ما سأل في المجموع و رفع الحرج عنه و قال له هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ وَ إِنَّ لَهُ عِنْدَنا يعني في الآخرة لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَآبٍ أي ما ينقصه هذا الملك من ملك الآخرة شيء كما يفعله مع غيره حيث أنقصه من نعيم الآخرة على قدر ما تنعم به في الدنيا قال الله تعالى في حق قوم أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ في حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها فالصبر عن الله بهذا التفسير أعظم أنواع الصبر و أما الصبر عن الله على ما يتخيله العامة من الصبر عن كذا لمفارقته إياه فليس ذلك من شأن أهل الله و الشبلي لما غشى عليه من قول الشاب إن الصبر عن الله أعظم الصبر غشى عليه لعظم المقام الذي لا يناله إلا الكمل من الرجال فلما لاح للشبلي من كلام الشاب كان وارده أقوى من محل الشبلي فلذلك أثر فيه الغشي و هكذا كل وارد يكون أقوى من قوة المحل فإنه يفعل فيه الغشي و الصعق و ليس لأهل الله قدم في الصبر عن الله على تفسير العامة و للصبر درجات عند العارفين من أهل الأنوار ثلاثمائة و ثلاث و عشرون درجة و عند أهل الأسرار منهم مائتان و ثلاث و تسعون درجة و عند الملامية من أهل الأنوار مائتان و اثنتان و تسعون و عند أهل الأسرار منهم مائتان و اثنتان و ستون درجة
(الباب الرابع و العشرون و مائة في معرفة مقام الصبر و تفاصيله و أسراره)
تنوع شرب الصبر في كل مشرب بعن و على أو في و بالباء و اللام
و ليس يكون الصبر إلا على أذى وجودا و تقديرا بأنواع آلام
و عين للحق الصبور أذى أتى بمحكم آيات الكتاب لإعلام
فلا صبر في النعماء إن كنت عالما بقول إمام صادق الحكم علام