قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الخامس و العشرون و مائة في معرفة مقام ترك الصبر و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
و في الصبر من سوء الصنيعة أنه يقاوم قهر الحق في كل إقدام‏
فلا صبر عند العارفين فإنهم من الضعف في بحر على سيفه طام‏

اعلم علمك الله أن في الصبر المعروف عند العامة مقاومة القهر الإلهي و سوء أدب مع الله و ما ابتلى الله عباده إلا ليتضرعوا إليه و يسألوه في رفع ما ابتلاهم به من البلاء عنهم لأنه دواء لما تعطيهم في نفوسهم من المرض الصورة التي خلقوا عليها فيدعيها من لم تكمل فيه الصورة فإنه من كمالها الخلافة و هم المكملون من الرجال و من لم تحصل له درجة الخلافة فما هو على الصورة فإنه بالمجموع يكون بالصورة قال بعضهم و قد بكى حين أخذه الجوع إنما جوعني لأبكي فهو يبكي له و عليه فإن أكابر الرجال لا يحبسون نفوسهم عن الشكوى إلى الله فإذا مدح الله الصابرين فهم الذين حبسوا نفوسهم عن الشكوى لغير الله و هذا مذهب الأكابر أ لا ترى سمنون لما أساء الأدب مع الله و أراد أن يقاوم القدرة الإلهية لما وجد في نفسه من حكم الرضي و الصبر قال‏

و ليس لي في سواك حظ فكيف ما شئت فاختبرني‏

فابتلاه الله بعسر البول و النفس مجبولة على طلب حظها من العافية و لما سأل هذا كان في حكم حال العافية فلما سلبها بهذا البلاء طلبتها النفس بما جبلت عليه‏ و قد ذكرنا ذلك في صفات النفس و أن الله عين لها مصارف لما علمه من أنها لا تنعدم إذ لو انعدمت لانعدمت النفس فهو وصف ذاتي لها أ لا ترى إلى عالم العلماء و حاكم الحكماء كيف كان سؤاله العافية و أمر بها فقال إذا سألتم الله فاسألوه العافية فإن كنتم أهل بلاء فقد سألتم العافية و إن كنتم أهل عافية فقد سألتم دوامها و هي مشتقة من عفي الأثر إذا ذهب فالعافية ذهاب أثر البلاء ممن قام به‏ فمن الأدب مع الله وقوف العبد مع عجزه و فقره و فاقته فإن الغناء بالله لا يصح عن الله و لا عن المخلوقين من حيث العموم لكنه يصح من حيث تعيين مخلوق ما يمكن أن يستغني عنه بغيره فإن الله ما وضع الأسباب سدى فمنها أسباب ذاتية لا يمكن رفعها هنا و منها أسباب عرضية يمكن رفعها فمن المحال رفع التأليف و التركيب عن الجسم مع بقاء حكم الجسمية فيه فهذا سبب لا يمكن زواله إلا بعدم عين الجسم من الوجود و إذا كانت الأسباب الأصلية لا ترتفع فلنقر الأسباب العرضية أدبا مع الله و لا نركن إليها و نبقي الخاطر معلقا بالله و لا يصح أن يتعلق بالله لله فإنه محال و إنما يتعلق بالله للأسباب فهذا حد المعرفة بها فقد بان لك معنى ترك الصبر