قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و العشرون و مائة في معرفة مقام الرضى و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
سألت ربي عصمة من كل سوء و أذى‏
و إن أرى من أجله كروحه منتبذا
مختطفا عن نفسه مستهلكا متخذا
حتى أقول صادقا من حالنا يا حبذا
رضيت منه بكذا رضيت عنه لكذا
و هكذا نسبه إليه حكما هكذا
و هو دليل قاطع على يسير فإذا
أفردته عن من و عن وصفته بذا و ذا
و كنت ذا معرفة بحقه و جهبذا

اعلم وفقك الله أن قولي دليل قاطع على يسير أعني الرضي يدل على يسير من كثير فيرضى به أدبا مع الله لأنه وكله‏ و الرضي أمر مختلف فيه عند أهل الله هل هو مقام أو حال فمن رآه حالا ألحقه بالمواهب و من رآه مقاما ألحقه بالمكاسب و هو نعت إلهي و كل نعت إلهي إذا أضيف إلى الله فليس يقبل الوهب و لا الكسب فهو على غير المعنى الذي إذا نسبناه للخلق لم يبق له تلك الصفة فحصل له بنسبته للخلق إن ثبت كان مقاما و إن زال كان حالا و هو على الحقيقة يقبل الوصفين و هو الصحيح فهو في حق بعض الناس حال و في حق بعض الناس مقام و كل نعت إلهي بهذه المثابة فتجرى النعوت الإلهية إذا نسبت إلى الخلق مجرى الاعتقادات فكما أنه يقبل كل اعتقاد و يصدق فيه كل معتقد كذلك النعوت الإلهية إذا نسبت للخلق تقبل صفات المقامات و صفات الأحوال هذا هو تحرير هذه الصفة و أمثالها و هو الذي عليه الأمر و قد وصف الله نفسه و هو ما أعطاه العبد من نفسه رضي الله به و رضي عنه فيه و إن لم يبذل استطاعته فإنه لو بذل استطاعته التي إذا بذلها وقع في الحرج كان قد بذلها على جهد و مشقة و قد رفع الله الحرج عن عباده في دينه فعلمنا أن المراد بالاستطاعة في مثل قوله فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ و لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و ما آتاها إن حدها أول درجات الحرج فإذا أحس به أو استشرف عليه قبل الإحساس به فذلك حد الاستطاعة المأمور بها شرعا ليجمع بين قوله تعالى فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ و بين قوله ما (جَعَلَ) عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و دين الله يسر و يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ في قوله ما اسْتَطَعْتُمْ و لما فهمت الصحابة من الاستطاعة ما ذكرناه لذلك كانت رخصة لعزمة قوله حَقَّ تُقاتِهِ فرضي الله منك إذا أعطيته مما كلفك حد الاستطاعة التي لا حرج عليك فيها و رضيت منه أنت بالذي أعطاك من حال الدنيا و رضيت عنه في ذلك و قد عرفت أحوال الدنيا أنها الطاعة خاصة كما بيناها في باب المراقبة و كلما أعطاك الحق في الدنيا و الآخرة من الخير و النعم فهو قليل بالنسبة إلى ما عنده فإن الذي عنده لا نهاية له و كل ما حصل لك من ذلك فهو متناه بحصوله في الوجود و نسبة ما يتناهى إلى ما لا يتناهى أقل القليل كما قال الخضر لموسى لما نقر الطائر بمنقره في البحر ليشرب من مائه فشبهه بما هم عليه من العلم و بعلم الله‏ فلذلك قال رضي الله عنهم في يسير العمل و رضوا عنه‏في يسير الثواب لأنه لا يتمكن تحصيل ما لا يتناهى في الوجود لأنه لا يتناهى فلذلك قلنا متعلق الرضي اليسير و هو الرضي بالموجود فرضي به من الله و عن الله فيه و ما قدم الله رضاه عن عبيد بما قبله من اليسير من أعمالهم التي كلفهم إلا ليرضوا عنه في يسير الثواب لما علموا إن عنده ما هو أكثر من الذي وصل إليهم فهو يصل إليهم مع الآنات حالا بعد حال أبد الآباد من غير انقطاع مع انقطاع أعمالهم التي كانت عن تكليف مشروع فانقطعت الأعمال منهم و لم تتقطع العبادة فإذا تناهي حد العمل الحسن و القبيح في أهل الجنة و أهل النار بقي جزاؤهم جزاء العبادة في السعداء و جزاء العبودية في أهل النار و هو جزاء لا ينقطع أبدا فهذا أعطاهم اتساع الرحمة و شمولها فإن المجرمين لم يزل عنهم شهود عبوديتهم و إن ادعوا ربانية فيعلمون من نفوسهم أنهم كاذبون بما يجدونه فتزول الدعوى بزوال أوانها و تبقي عليهم نسبة العبودية التي كانوا عليها في حال الدعوى و قبل الدعوى و يجنون ثمرة قولهم بَلى‏ فكانوا بمنزلة من أسلم بعد ارتداده فحكم على الكل سلطان بلي فأعقبهم سعادة بعد ما مسهم من الشقاء بقدر ما كانوا عليه من زمان الدعوى فما زال حكم بلي يصحبهم من وقته إلى ما لا يتناهى دنيا و برزخا و آخرة و عرضت عوارض لبعض الناس أخرجتهم في الظاهر عن حكم توحيدهم بما ادعوه من الألوهة في الشركاء فأثبتوه و زادوا فقام لهم الشركاء مقام الأسباب للمؤمنين‏ و كل عارض زائل و حكمه يزول بزواله و يرجع الحكم إلى الأصل و الأصل يقتضي السعادة فمال الكل إن شاء الله إليها مع عمارة الدارين و لكل واحدة ملؤها و الرحمة تصحبها كما صحبت هنا العبودية لكل أحد ممن بقي عليها أو ادعى الربوبية فإنه ادعى أمرا يعلم من نفسه خلافه فمقام الرضي ما ثنته لك فقل فيه بعد هذا ما شئت حال أو مقام أو لا حال و لا مقام و اعلم الفرق فيه بين النسبتين نسبته لله و نسبته للخلق وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ‏