قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الثامن و الثلاثون و مائة في معرفة مقام الحياء و أسراره)

الفتوحات المكية — المجلد الثاني — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن الحياء من الايمان جاء به لفظ النبي و خير كله فبه‏
فليتصف كل من يرعى مشاهده و ليس يعرف هذا غير منتبه‏
مستيقظ غير نوام و لا كسلمراقب قلبه لدى تقلبه‏
إن الحي من أسماء الإله و قد جاء التخلق بالأسماء فأحظ به‏

ورد في الخبر أن الحي اسم من أسماء الله تعالى‏ و قال تعالى إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها يعني في الصغر و هو من صفات الايمان و من صفات المؤمن و من أسمائه تعالى المؤمن فالحيي نعت للمؤمن‏ فإن الحياء من الايمان و الحياء خير كله و الحياء لا يأتي إلا بخير و هذه كلها أخبار صحيحة و حقيقتها أعني هذه الصفة الترك لأن الترك من كل موجود بقاء على الأصل و العمل فرع وجودي زائد على الأصل فلهذا قيل فيه خير كله فالحياء نعت سلبي فالعبد إذا ترك‏ما لله لله و ما يقول الكون إنه للعبد من الأمور الوجودية يتركه أيضا لله على حقيقة ما يترك ما هو لله بالإجماع من كل نفس لله فقد استحيا من الله حق الحياء و من ترك ما لله لله خاصة فقد استحيا من الله و لكن لا حق الحياء و ذلك أن النعوت التي نعت الحق بها نفسه من المسمى إخبار التشبيه و آيات التشبيه على ما يزعم علماء الرسوم و أنه تنزل إلهي رحمة بالعباد و لطفا إلهيا و هو عندنا نعت حقيقي لا ينبغي إلا له تعالى و أنه في العبد مستعار كسائر ما يتخلق به من أسمائه فإنه خَيْرُ الْماكِرِينَ و الله يستهزئ بالمستهزئين من عباده باستهزاء و مكر هو له من حيث لا يشعرون و هو لا يصف نفسه بالحوادث فدل إن هذه النعوت بحكم الأصالة لله و ما ظهرت في العبد الإلهي إلا لكونه خلق على الصورة من جميع الوجوه و لما عرف العارفون هذا و رأوا قوله تعالى وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و هذه النعوت الظاهرة في الأكوان التي يعتقد فيها علماء الرسوم أنها حق للعبد من جملة الأمور التي ترجع إلى الله تركوها لله لاستحيائهم من الله حق الحياء و هو من نعوت الاسم المؤمن و المؤمن المصدق بأن هذه النعوت له أزلا و إن لم يظهر حكمها إلا في المحدثات فالحياء يدخل في الصدق و لهذا قال الحياء من الايمان‏ و أما قوله ص في الحياء إنه لا يأتي إلا بخير فهي كلمة صحيحة صادقة فإن البقاء على الأصل لا يأتي إلا بخير فإنها لا تصحبها دعوى فهو قابل لكل نعت إلهي يريد الحق أن ينعته به و ما في المحل ضد يرده و لا مقابل يصده فيبقى الحق يفعل ما يريد بغير معارض و لا منازع و أما نعت الحق به فهو تركه العبد يتصف بنعوت الحق و يسلمها له و لا يخجله فيها بل يصدقه و يعلى بها رتبته و لا يكذبه في دعواه فإنه مجلاه فهذا من كون الحق حيا ورد في الخبر أن شيخا يوم القيامة يقول الله له يا عبدي عملت كذا و كذا لأمور لم يكن ينبغي له أن يعملها فيقول يا رب ما فعلت و هو قد فعل فيقول الحق سيروا به إلى الجنة فتقول الملائكة التي أحصت عليه عمله يا ربنا أ لست تعلم أنه فعل كذا و كذا فيقول بلى و لكنه لما أنكر استحييت منه أن أكذب شيبته‏ فإذا كان الحق يستحي من العبد أن يكذب شيبته و يوقره فالعبد بهذه الصفة أولى‏ و للحياء درجات عند العارفين و عند الملاميين فدرجاته في العارفين إحدى و خمسون درجة و في الملاميين عشرون درجة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى الجزء الواحد و مائة

( (بسم الله الرحمن الرحيم))

(فصل) لما كان الحياء صفة تنسب إلى الايمان فهو من ذات الايمان كان أثره من ظاهر صورة الإنسان في الوجه إذ الوجه ذات الشي‏ء و عينه و حقيقته‏ فالحياء ينقسم كما ينقسم الايمان إلى بضع و سبعين شعبة أرفعها لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريق‏ و المناسبة بين العالي و الدون أن الشرك أذى في طريق التوحيد إماطته الأدلة العقلية و الإنباءات الشرعية لما جعلته في طريق التوحيد الشبه المضلة و الأهواء الشيطانية و صورة الحياء الذي يدرك الموحد في توحيده و يزيل الأذى من طريق الخلق تلفظه بنفي الإله قبل وصوله إلى إيجابه إلى من يستحقه و هو قوله لا إله و النفي عدم فوقع الحياء من العبد المؤمن حيث بدأ بالعدم و هو عينه لأن المحدث نعته تقدم حال العدم عليه ثم استفاد الوجود الذي هو بمنزلة الإيجاب لما وقع عليه النفي و لم يتمكن للمحدث أن يقول إلا هذا لأنه لا يصح العدم بعد الوجود و لا النفي بعد الإثبات فإنه لو تجلى له الحق ابتداء لم ينفه في الشريك لأنه كان يراه عينه لو كان له وجود و إن لم يكن له وجود فيكون نظر الموحد عند وقوعه على وجود الحق لا يتمكن أن يرى مع هذا الوجود عدما فكان لا يتلفظ بكلمة التوحيد أبدا و لا يرى نفسه أبدا فمن رحمة الله تعالى بالإنسان أنه أشهده أولا نفسه فرأى في نفسه قوى ينبغي أن لا تكون إلا لمن هو إله فلما حقق النظر بعقله و نظر إلى العوارض الطارئة عليه بغير إرادته و مخالفة أغراضه و وجد الافتقار في نفسه علم قطعا إن عين وجوده شبهة و أن هذه الصفات لا ينبغي أن تكون لمن هو إله فنفى تلك الألوهة التي قامت له من نفسه فقال لا إله ثم إنه لما أمعن النظر وجد نفسه قائما بغيره غير مستقل في وجوده فأوجب فقال عند ذلك إلا الله فلما أثبت نظر إلى هذا الذي أثبته فرآه عين صورة ما نفاه مرتبطا به ارتباط الظل بالشخص بنور العلم الذي فتح عينه إلى هذا الإدراك و قد كان نفاه بقوله لا إله فاستحى كيف أطلق لا إله و لهذا جعلته طائفة من أذكار العموم و كان بعض شيوخنا لا يقول في ذكره‏ سوى لفظة الله الله كان لا يقول لا إله إلا الله فسألته عن ذلك فقال إن روحي بيد الله ما هي في حكمي و في كل نفس أنتظر الموت و اللقاء و كل حرف من حروف الكلام نفس فيمكن إذا انصرف أن تكون المفارقة في انصرافه و لا يأتي من الله بعده نفس آخر فإذا قلت لا أو عشت حتى أقول لا إله ثم أفارق قبل الوصول إلى الإيجاب فأقبض في وحشة النفي لا في أنس الإيجاب فلهذا عدلت إلى ذكر الجلالة إذ ليس لي مشهود سواه فمن كان هذا حاله فلا بد أن يستحيي في قوله لا إله إلا الله و هو أشد الحياء فكانت أرفع شعب الايمان فكانت أرفع شعب الحياء من الله حيث نظر إلى نفسه قبل نظره إلى خالقه و هو قوله ص من عرف نفسه عرف ربه‏ و قوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ إذ كان عين ما نفى عين ما أثبت فإنه ما نفى إلا الإله و لا أثبت إلا الإله‏ و أما حياؤه في إماطته الأذى عن طريق الخلق فإنه مأمور بإماطته ثم إنه يرى وجه الحق فيه بالضرورة لأنه أدنى المراتب فهو بمنزلة الآخر من الأسماء الإلهية و إليه ينظر كما كان لا إله إلا الله الاسم الأول و جاءت الهوية فأخذت الاسمين لها فقالت هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ فبقي مترددا بين حق ما يستحقه الاسم الآخر الظاهر في كون هذا أذى في طريق الخلق و يرى أن الخلق متصرفون بأسماء إلهية بين هذين الاسمين فلا تقع عين هذا المؤمن إلا على الله أولا و آخرا و ما بينهما و الأمر متوجه عليه بالإماطة فيستحيي من الأمر أن لا يبادر لما أمره به من الإماطة و يستحيي من الاسم الآخر الذي يراه في عين الأذى فإذا أدركه هذا الحياء ناداه الاسم من الأذى يا فلان بي تميط هذا الأذى عن طريق الخلق فإنا في الأذى كما أنا في الإماطة ما أزلته بغيري فلا تستحي انظر في‏ قوله أدناها إماطة الأذى‏ فعلق الأذى بالإماطة و هو آخر درجات الايمان فنحن في عين الإماطة ما نحن غيرها فيتجبر عند ذلك صاحب هذه الحال فيميطه به كما نفى الإله بالإله‏ و إذا كان حال العبد في حيائه من الله في الأول و الآخر و الأعلى و الأدون انحصرت المتوسطات بين هذين الطرفين فكان معصوم الحال محفوظ المقام كالصلاة تحريمها التكبير و تحليلها التسليم فظهرت المنة في الطرفين ليسلم الوسط بينهما و سبب ذلك الحصر فتبين لك بعد ما أوقفتك عليه من الحقائق أن الحياء من الله أن يراك حيث نهاك و لا يفقدك حيث أمرك فعم بهذا جميع شعب الايمان و هو مقام يصحبه الأمر و النهي و التكليف فإذا انقضى زمان التكليف كان ينبغي له أن يزول و ليس الأمر كذلك فاعلم أنه من حقيقة وجود الحياء وجود العلم بما يجب لله تعالى و أنت القائم به و المطلوب عقلا و شرعا و محال أن يقدر مخلوق على الوفاء بما يجب لله تعالى عليه من تعظيمه عقلا و شرعا و لا بد له من لقاء ربه و شهوده و مقامه هذا فالحياء يصحبه في الدنيا و الآخرة لأنه لا يزال ذاكرا لما يجب عليه و ذاكر العدم قيامه في حق الله بما يجب له و قد ورد في الخبر ما يؤيد هذا أن الحق إذا تجلى لعباده يوم الزور الأعظم و يرفع الحجب عن عباده فإذا نظروا إليه جل جلاله قالوا سبحانك ما عبدناك حق عبادتك‏ فهذا الاعتراف أوجبه الحياء من الله عز و جل فالحياء أنطقهم بذلك‏