و هو من الحضرة المحمدية»
هذا المنزل يعصم الدخول فيه من الموت ما دمت فيه و هو منزل عجيب
من هذا المنزل تكون الوقائع للفقراء و هي المبشرات و الرؤيا الصادقة ما هي بأضغاث أحلام و هي جزء من أجزاء النبوة و من هذا المنزل يحصل للمكاشف كشف الميزان الذي بيد الحق الذي يخفض به و يرفع اعلم أن التحليل إذا ورد على المركبات أذهب عين الصورة و لم يذهب عين الجوهر و جعله الله مثالا للعارفين بالله فيما يظهر من تركيب أعيان الممكنات بعين الحق فيظهر في عين الحق ما يظهر من الصور فإذا رفعت التناسب بين الحق و الخلق ذهبت أعيان تلك الصور و بقيت أعيان الممكنات و عين الحق من حيث ما هو موصوف بالغنى عن العالمين فلم تذهب الأعيان لذهاب الصور الظاهرة للحس و اعلم أن الصور الظاهرة من الحق على ثلاث مراتب فإن للحق في العالم ثلاثة أوجه إذ وصف نفسه بأن له يدين قبض بهما على العالم و أظهر النبي ص ذلك في الكتابين اللذين خرج بهما على أصحابه في الواحد أسماء أهل الجنة و أسماء آبائهم و قبائلهم و عشائرهم و في الآخر أسماء أهل النار و أسماء آبائهم و قبائلهم و عشائرهم و لم يخرج لأهل الله و خاصته كتابا ثالثا فإن كتابهم القرآن قال رسول الله ص أهل القرآن هم أهل الله و خاصته و منزله ما بين اليدين فلهم القلب و الصدر الذي هو محله و حضرته و ذلك هو مقام أهل القربة الذين هم خصوص فيالسعداء أورثهم ذلك المسابقة إلى الخيرات على طريق الاقتصاد من إعطاء كل ذي حق حقه فانقسم العالم لانقسام الوجوه على ثلاثة أقسام لكل يد قسم صنف خاص و لما بينهما صنف خاص و لأصناف الأيدي مرتبة العظمة و الهيبة فأما اليد الواحدة فالصنف المنسوب إليها عظيم الشأن في نفسه عظمة ذاتية له و الصنف الآخر عظيم المرتبة ليست عظمته ذاتية فيعظم لرتبته لا لنفسه كأصحاب المناصب في الدنيا إذ لم يكونوا أهل فضل في نفوسهم فيعظمون لمنصبهم فإذا عزلوا زال عنهم ذلك التعظيم الذي كان في قلوب الناس لهم فهذا الفرق بين الطائفتين فصنف من أهل الله يظهرون في العالم بالله و صنف آخر يظهرون في العالم لله و الصنف الذي بين اليدين يظهر بالمجموع و زيادة فأما الزيادة فظهورهم بالذات التي جمعت اليدين و هم أصحاب الهرولة الإلهية في أحوالهم التي سارعوا بها في موطن التكليف و أصحاب اليدين أصحاب الذراع و الباع الإلهي لما ظهروا في موطن التكليف عند تعين الخطاب بالشبر و الذراع فوقعت المفاضلة ليقع التمييز في المرتبة فيقول صنف ما بين اليدين أنا من أهوى و من أهوى أنا في مشاهدة دائمة لا تنقطع مراتبها و إن اختلفت أذواقها فإن الله له عرش لا يتجلى في هذه الصورة الدائمة إلا لأصحاب هذا العرش و هم أهل العرش و هم أهل الوجه ينظر بعضهم إلى بعض في هذا التجلي فيكسو بعضهم بعضا من الأنوار التي هم عليها مع كونهم في حال التجلي و النظر و ما ثم موطن يجمع بين تجلى الحق و رؤية الخلق في غير حضرة الخيال و المثال إلا موطن أصحاب الوجه أعطاهم ذلك قوة المحل الذي أحلهم فيه الحق و هو محل المقامة و هو الذي ظهر لرسول الله ص في بعض إسراءاته فعبر عنه في حال تدليه إليه برفرف الدر و الياقوت فانتقل في إسرائه من براق إلى رفرف فمن حصل في هذا المقام دامت مشاهدته و لم تغيبه عن نفسه و لا عن ملكه و يرى الكثرة في الواحد و التفرقة في الجمع و تقوم لهذا الصنف من الوجه صور حاملة لعلوم محمولة مما بينهم و بينها علاقة و مناسبة عملية و مما لا علاقة بينهم و بينها بل هي زيادة من فضل الله لهم يرزقونها من عين المنة لا ينالون هذه العلوم إلا من تلك الصور المنبعثة من الوجه فلا يحجبهم الوجه عن رؤية الصور و ما تحمله و لا تحجبهم الصور و ما تحمله و لأذوق تلك العلوم عن الوجه و هذه الرتبة أعلى رتبة للسعداء ثم يفيضون على أصحاب الأيدي مما حصل لهم من تلك العلوم التي نالوها من تلك الصور فلا يأخذوها أصحاب الأيدي إلا بوساطة أصحاب الوجه كما إن أصحاب الوجه ما نالوها إلا من تلك الصور لم ينالوها من الوجه و سبب ذلك أن تلك العلوم مختلفة الأذواق و الوجه ما فيه اختلاف فلا بد أن يظهر تميز تلك المراتب بوجود هذه الصور ليعلم تنوع المشارب فما كان عن علاقة التنوع فلتنوع أحوالهم بالشبر و الذراع و السعي فتنوع المشروب بالذراع بالباع و الهرولة و ما تنوع من المشارب مما لا علاقة بينها و بينهم فليعلم إن ذلك من الاستعدادات التي هي عليها نشأتهم الذي هو غير الاستعداد العملي الذي كني عنه بالمقدار من شبر و ذراع فالهبات الإلهية إنما اختلفت لهذا و لا يذهب شيء من هذا كله بعقولهم و لا ينقصهم من مراتب حظوظ حقائقهم شيئا فينعمون بكل جارحة و كل حقيقة هم عليها في زمان واحد لا يحجبهم نعيم شيء عن نعيمهم بشيء آخر و من علم هذا علم صورة النشأة الآخرة و أنها على غير مثال كما كانت نشأة الدنيا على غير مثال و ليس في هذا المقام لهذا الصنف أعجب من كونه إذا تجلت لهم صور الوجه يفنون العلوم في المشروبات و هم على حقائق يطلب كل شيء جاءوا به أن يختاروا به منها مع كونها لهم و لا بد لهم من نيلها و أعرفك بسبب ذلك أنهم لا يقع لهم الاختيار إلا في العلوم التي بينهم و بينها علاقة من تلك المشارب لا في علوم الوهب و ذلك لأنهم في حال سلوكهم و إنشائهم للأعمال اختاروا بعض الأعمال على بعض فقدموها لما اقتضاه الزمان أو المكان أو الحال فإذا ظهر في هذا التجلي نتائج تلك الأعمال وقع الاختيار منهم في تقدم بعضها على بعض للتناول على صورة ما جرى في حال أعمالهم أ لا ترى حكمة قوله في الآخرة إن لأهل السعادة ما تشتهي نفوسهم و لم يقل ما تريد نفوسهم و الشهوة إرادة لكن لما لم يكن كل مراد يشتهي لم يكن كل إرادة شهوة فإن الإرادة تتعلق بما يلتذ به و بما لا يلتذ به و لا تتعلق الشهوة إلا بالملذوذ خاصة فأخذوا الأعمال بالإرادة و القصد و أخذوا النتائج بالشهوة فمن رزق الشهوة في حال العمل فالتذ بالعمل التذاذه بنتيجته فقد عجل له نعيمه و من رزق الإرادة في حال العمل من غير شهوة فهو صاحب مجاهدة نال النتيجة بشهوة و هي مرتبة دون الأولى ثم إن لهذا الصنف من الحق في هذه الحال صورة القهر و الظفربما من شأنه أن يمتنع فلا يمتنع لما يعلمه مما هو عليه من صفة الاقتدار على إنزاله أنتج له ذلك الأخذ بالشدائد و ترك الرخص فهذا بعض أحوال أهل الوجه و أما الصنفان الآخران فللواحد منهم التكوين و للآخر التسليم فأما أهل التكوين من هذين الصنفين فتميزهم في أحوالهم و مكانهم من العالم العلوي إذا فارقوا هياكلهم بالموت و فتحت لهم أبواب السماء و عرج بأرواحهم إلى حيث أسكنوا عند السدرة المنتهى لا يبرحون بها إلى يوم النشور لأنهم في حال أعمالهم بلغوا المنتهى في بذل وسعهم فيما كلفوا من الأعمال و ماتوا نوابل بذلوا المجهود الذي لم يبق لهم مساغا كل على قدر طاقته فلا فرق بين من يتصدق بمائة ألف دينار إذا لم يكن له غيرها و بين من يتصدق بفلس إذا لم يكن له غيره فاجتمع الاثنان في بذل الوسع و من هناك جوزوا و جمعهم مكان واحد و هو سدرة المنتهى التي غشاها من نور الله ما غشى فلا يستطيع أحد أن ينعتها و قد تبين مثل هذا في قول الشارع سبق درهم ألفا لأن صاحب الدرهم لم يكن له سواه فبذله لله و رجع إلى الله لأنه لم يكن له مستند يرجع إليه سواه و صاحب الألف أعطى بعض ما عنده و ترك ما يرجع إليه فلم يرجع إلى الله فسبقه صاحب الدرهم إلى الله و هذا معقول فلو بذل صاحب الألف جميع ما عنده مثل صاحب الدرهم لساواه في المقام فما اعتبر الشارع قدر العطاء و إنما اعتبر ما يرجع إليه المعطي بعد العطاء فهو لما رجع إليه فالراجعون إلى الله هم المفلسون من كل ما سوى الله و إن كان صاحب الجدة ممن يرى الحق في كل صورة فما يدرك رتبة من يراه في لا شيء فإنه يراه في ارتفاع النسب و الإطلاق و عدم التقييد و لا شك أن الحق إذا تقيد للمتجلي له في صورة فإن الصورة تقيد الرائي و هو تعالى عند كل راء في صورة لا يدركها الآخر فلا يدرك مطلق الوجود إلا المفلس الذي ذهبت الصور عن شهوده كما قال في الظمآن حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فنفى شيئية المقصود و وجد الله عنده يعني عند لا شيء فإنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و هو غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فلا يدركه إلا من أفلسه الله من العالمين و المفلس من العالمين في غاية الغني عن العالمين لما تقطعت به الأسباب رده الحق إليه فعلم لمن رجع و بما ذا رجع فرجع بالإفلاس لمن له الغني عنه فعرف الحق حقا فاتبعه فحق عينه عدم و شهود و حق ربه وجود و شهود قال ص صاحب الكشف الأتم إن أصحاب الجد محبوسون و المحبوس مقيد و المفلس ما له جد يقيده و لا يحبسه فهو مطلق عن هذا التقييد الذي لأصحاب الجد فهو أقرب إلى الصورة بالإطلاق من أصحاب الجد لتقيدهم فأصحاب الجد في رتبة من يرى الحق في الأشياء فيقيده بها ضرورة لأن المقام يحكم عليه و المفلس محمدي لا مقام له فإنه قيل له ليس لك من الأمر شيء فأفلسه و ليس الجد إلا لمن له الأمر فكل من له الأمر فهو صاحب جد لأن الأمر للتكوين فما أراده كان فليس بمفلس و من خرج عن حقيقته فقد زل عن طريقه فما للخلق و للتكوين إن قال أو أمر بحق فالتكوين للحق لا له كما قال فيمن له التكوين فيكون طائرا بإذني و في آية أخرى فيكون طائرا بإذن الله فأعطاه و جرده فالبقاء على الأصل أولى و هو قوله لأكرم الناس عليه و أتمهم في الشهود و أعلاهم في الوجود ليس لك من الأمر شيء فأفلسه يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا فإن الله ينشئكم في ما لا تَعْلَمُونَ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى إنها كانت فيما لا يعلم فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ فأهل الله لا يبرحون في موطن الإفلاس فهم في كل نفس على بينة لا على لبس من علم جديد لم يكن عنده فإنه ينشئه دائما فيما لا يعلم فليس بصاحب نظر و تدبير و لا روية إذ لا يكون النظر إلا في مواد وجودية و هي الحدود التي حبستهم عن العلم بالله فهم في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ و هم فيه وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فإذا دخلوا الجنة يوم القيامة فلا ينزلون منها إلا فيما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و إذا لم يخطر على القلب و له مقام التقليب في الوجوه فما ظنك بالعقل الذي لا تقليب عنده جعلنا الله من هؤلاء المفلسين و حال بيننا و بين مقام أهل الجد المحبوسين ثم إن أصحاب التكوين الذين لهم القوة الإلهية في إيجاد الأعيان إذا شاهدوا نضد العالم و ترتيبه و إنه ما بقي فيه خلاء يعمره تكوينهم علموا عند ذلك أن الله قد حال بينهم و بين إيجاد المعدوم و ليس التكوين الحقيقي إلا ذلك فما حصل بأيديهم من التكوين إلا تغير الأحوال و هو الموجود في العامة فيكون قائما فيقعد أو قاعدا فيقوم أو ساكنا فيتحرك أو متحركا فيسكن ليس في قدرته غير ذلك فإن التكوين الذي هو إيجاد المعدوم ما بقي له مكان في العالم يظهر فيه فزالت الأمكنة بما عمرته من صور العالم و أعيانه من حيث جوهره و ما زالتالمركبات و فيه علم ما يبدو للمكاشف إذا شاهد الهباء الذي تسميه الحكماء الهيولى من صور العالم قبل ظهور أعيانها في الجسم الكل و فيه علم الفردية الأولى التي وقع فيها الإنتاج و التناسل الإلهي و الروحاني و الطبيعي و العنصري و هو علم عزيز و فيه علم الاقتدار الإلهي و فيمن ينفذ و فيمن لا ينفذ و لما ذا لا ينفذ في بعض الممكنات و ما المانع لذلك هل أحاله الجمع بين الضدين و الأصل جامع بين الضدين بل هو عين الضدين و فيه علم التحسين و التقبيح و فيه علم النشأتين و فيه علم الحياة السارية في جميع الموجودات حتى نطقت مسبحة لله بحمده و فيه علم المواد الطبيعية و المواد العنصرية و فيه علم المبدأ و المعاد و فيه علم الأصل الذي ترجع إليه هذه المواد و فيه علم الأسطقسات و فيه علم مراتب العلوم و فيه علم الكلمات الإلهية من حيث ما هي مؤلفة و فيه علم الكتاب المسطور في الرق المنشور و فيه علم تنزيه الصحف و منزلتها من الكتب و ما السفرة التي تحمله و فيه علم الفروق بالحدود في أي الأعيان يظهر و ما في الوجود إلا واحد فبما ذا يتميز و عن أي شيء يتميز و ما هو ثم و فيه علم التغذي بالعدم و فيه علم الفرق بين نسبة الحق في القرب في الأحياء و بين نسبة قربه في الأموات و فيه علم الرجعة و فيه علم الثواب في كل صنف صنف أعني في تعيين ثوابهم و الفرق بين أصحاب النور و أصحاب الأجور و كيف يكون العبد أجيرا لمن هو عبد له من غير أن يكون مكاتبا و لا مدبرا و فيه علم تنزيه العظمة الإلهية أن تقوم بالأكوان و فيه علم السبب الذي لو علمه من علمه لم يمت ما دام ذلك العلم مشهودا له فهذه أمهات العلوم التي يحوي عليها هذا المنزل و فيها تفاصيل لا تتناهى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ