قال النبي ص إن الله خلق آدم على صورته و العالم مخلوق بالإنسان على صورته فلو فقد منه الإنسان ما كان العالم على الصورة و لو فقد العالم و بقي الإنسان كان على الصورة و قال تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ و هو عزلها عن تدبير هذا الهيكل الطبيعي الذي كانت تدبره في الدنيا في حال إقامتها فيها و أما قوله تعالى كُلُّ من عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فلم يقل كل من فيها فان لأنه إذا كان فيها انحفظ بها و إذا كان عليها تجرد عنها فهذا يدلك على إن التجلي الإلهي يعم جميع من عليها لأن الفناء لا يكون إلا عن تجل إلهي في غير صورة كونية لأن التجلي في صور المثل إذا عرف أنه عين الصورة اتصف المتجلي له بالخشوع لا بالفناء سئل رسول الله ص عن الكسوف فقال ص ما تجلى الله لشيء إلا خشع له فلهذا قلنا بالخشوع لا بالفناء للمناسبة التي بين الحس و الخيال و لهذا يسمى الخيال بالحس المشترك و إذا لم يعرف لم يورث خشوعا يعرف به أنه هو و لكن لا بد أن يورث خشوعا في المتجلي له و لكن لا يعرف المتجلي له أنه هو و لا سيما أهل الأفكار و هذا من علم الظهور و الخفاء فظهر بلا شك أنه هو و خفي بالتقييد في ظهوره فلم يعلم أنه هو فإذا كان العارف الكامل المعرفة بالله في هذا النوع الإنساني يعلم أن عين الحق هو المنعوت بالوجود و أن أحكام أعيان العالم هي الظاهرة في هذا العين أو هو الظاهر بها عرف ما رأى فإن اقتضى الموطن الإقرار أقر به عند ما يدعي أنه هو و إن اقتضى الموطن الإنكار سكت العارف فلم ينطق بإنكار و لا إقرار لعلمه بما أراده الحق في ذلك الموطن و لما كان التجلي الإلهي يغني من هو على الصورة عرفنا إن العين لا تذهب بل هو تجريد و خلع لا عزل عن تدبير ملك إلا إذا كان الضمير في عليها يعود على الأرض فهو عزل عن تدبير إلهيا كل التي جعل الله إليها تدبيرها و هذا الظهور و الخفاء للاسم الرب لا لغيره و إليه يرجع حكمه و هو ينقسم إلى ثلاثة أقسام فيظهر في هذا الحكم أعني الظهور و الخفاء في موطنين ليتخذه صاحب الملك وكيلا فيما هو له مالك فيكون له التصريف فيه و العبد مستريح في جميع أحواله من يقظة و نوم و القسم الآخر من هذا الحكم أن يكون له في أربعة مواطن في طول العالم و عرضه لوجود الإنعام عليه كما قال وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً فله هذان الحكمانفي طول العالم و مثله في عرضه و طول العالم عالم الأرواح و عرضه عالم صور الأجسام و إنما قلنا صور الأجسام و لم نقل الأجسام بسبب الأجسام المتخيلة و إن كانت أجساما حقيقية في حضرتها فليست أجساما عند كل أحد لما يسرع إليها من التغيير و لأنها راجعة إلى عين الناظر لا إليها و الأجسام الحقيقة هي أجسام لا نفسها لا لعين الناظر فسواء كان الناظر موجودا أو غير موجود هي أجسام في نفسها و الأخر أجسام لا في أنفسها كما قال يُخَيَّلُ إِلَيْهِ من سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى و هي أجسام في عينها لا حكم لها في السعي فظهرت في عين موسى بصورة الجسم الذي له سعى و الأمر في نفسه ليس كذلك و القسم الثالث من هذا الحكم من الظهور و الخفاء يظهر في سبعمائة موطن و عشرين موطنا و هو منتهى ما يقبل عالم الدنيا من الاقتدار الإلهي لا إن الاقتدار يقصر أو يعجز فهذا حكم القابل و كذا وقع الوجود و يجوز في النظر الفكري خلافه معرى عن علمه بما سبق في علم الله فما ثم إمكان إلا بالنظر المجرد إلى الأكوان معراة عن علم الله فيها فلا تعرف إلا بالوقوع فانحصرت مواطن الظهور و الخفاء بين تجل إلهي و استتار في سبعمائة موطن و ستة و عشرين موطنا بأحكام مختلفة و بين كل موطنين من ظهور و خفاء يقع تجل برزخي في قوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ليحفظ هذا البرزخ وجود الطرفين فلا يرى كل طرف منها حكم الطرف الآخر و البرزخ له الحكم في الطرفين فيسخف الكثيف و يكثف السخيف و له في كل موطن حكم لا يظهر به في الموطن الآخر و هو ما يجري عليه أحكام عالم هذه الدار إلى أن يرث الله الوارث الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها و من حقيقة هذه المواطن ظهر العالم في الدنيا بصورة الظهور و هو ما أدركه الحس و بصورة الاستتار و هو ما لا يدركه الحس من المعاني و ما استتر عن الأبصار من الملائكة و الجن قال تعالى فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ و هو ما ظهر لنا وَ ما لا تُبْصِرُونَ و هو ما خفي عنا فالعالم بين الأبد و الأزل برزخ به انفصل الأبد من الأزل لولاه ما ظهر لهما حكم و لكان الأمر واحد إلا يتميز كالحال بين الماضي و المستقبل لو لا الحال ما تميز العدم الماضي عن العدم المستقبل و هذا حكم البرزخ لا يبرح دائما في العالم و هو الرابط بين المقدمتين لولاه ما ظهر علم صحيح ثم إن الله سبحانه ولي الاسم الرحمن المملكة كلها و جعل الاسم الرب السادن الأول العام و أعطاه إقليد التكوين و التصريف و النزول و المعراج فهو يتلقى الركبان و ينزل بهم على الرحمن و الرحمن على عرشه الأبهى يعلم مجموع كلمه في أي عين يظهر من العالم و هو الذي أشرنا إليه بقولنا
فقوله الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ نصب القرآن ثم قال خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فينزل عليه القرآن ليترجم منه بما علمه الحق من البيان الذي لم يقبله إلا هذا الإنسان فكان للقرآن علم التمييز فعلم أين محله الذي ينزل عليه من العالم فنزل على قلب محمد ص نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ ثم لا يزال ينزل على قلوب أمته إلى يوم القيامة فنزوله في القلوب جديد لا يبلى فهو الوحي الدائم فللرسول صلوات الله عليه و سلامه الأولية في ذلك و التبليغ إلى الأسماع من البشر و الابتداء من البشر فصار القرآن برزخا بين الحق و الإنسان و ظهر في قلبه على صورة لم يظهر بها في لسانه فإن الله جعل لكل موطن حكما لا يكون لغيره و ظهر في القلب أحدي العين فجسده الخيال و قسمه فأخذه اللسان فصيره ذا حرف و صوت و قيد به سمع الآذان و أبان إنه مترجم عن الله لا عن الرحمن لما فيه من الرحمة و القهر و السلطان فقال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فتلاه رسول الله ص بلسانه أصواتا و حروفا سمعها الأعرابي بسمع أذنه في حال ترجمته فالكلام لله بلا شك و الترجمة للمتكلم به كان من كان فلا يزال كلام الله من حين نزوله يتلى حروفا و أصواتا إلى أن يرفع من الصدور و يمحي من المصاحف فلا يبقى مترجم يقبل نزول القرآن عليه فلا يبقى الإنسان المخلوق على الصورة فإذا بقيت صورة جسم الإنسان مثل أجسام لحيوان و زالت الصورة الإلهية بالتجريد نُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِإلى يوم النشور و هو الظهور الذي لا ضد له فيقابله الخفاء فمن معافى و مبتلى بحسب ما يحكم فيه من الأسماء إلى الأجل المسمى فتعم الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ من الرحمن الذي اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فتعم النعم العالم و تظهر أحكام الأسماء بالإضافات و المناسبات لا بالتقابل فيكون الأمر مثل قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين و نعيم الأدنى لو أعطى الأعلى بعد ذوقه النعيم الأعلى لتعذب بفقده لا بوجود النعيم الأدنى لعدم الرضاء به فهو عذاب مناسبة و إضافة لبقاء حكم الأسماء الإلهية دائما أ رأيت صاحب منزلة عليا كسلطان أخرجه سلطان آخر من ملكه و ولاة ملكا دون ملكه يأمر فيه و ينهى و لكن إذا أضفته إلى ما كان فيه أولا وجدته ذا بلاء مع وجود المكانة من حيث ما هي ولاية و تحكم بأمر و نهي و لكن يعلم أن هذه المنزلة بالنظر إلى الأولى عذاب في حق من يحضر الأولى في خاطره فهذا القدر يبقى في الآخرة من حكم الأسماء إذ يستحيل رفعها من الوجود إذ كان لها البقاء الإلهي ببقاء المسمى ثم اعلم أن الظهور الذي نحن بصدده ينقسم الظاهر فيه إلى قسمين قسم له ظهوره خاصة و ليس له أمر يعتمد عليه ظهوره من جانب الحق و قسم آخر يكون له من جانب الحق أمر يعتمد عليه و ليس ذلك إلا للإنسان الكامل خاصة فإن له الظهور و الاعتماد لكون الصورة الإلهية تحفظه حيث كان و غير الإنسان الكامل له الظهور من إنسان و حيوان و نبات و أفلاك و أملاك و غير ذلك فهذا كله نعم أظهرها الحق لينعم بها الإنسان الكامل فلها الظهور و ما لها الاعتماد لأنها مقصودة لغير أعيانها و الإنسان الكامل مقصود لعينه لأنه ظاهر الصورة الإلهية و هو الظاهر و الباطن فليس عين ما ظهر بغير لعين ما بطن فافهم فهو الباقي ببقاء الله و ما عداه فهو الباقي بإبقاء الله و حكم ما هو بالإبقاء يخالف حكم ما هو بالبقاء فما هو بالبقاء فله دوام العين و ما هو بالإبقاء فله دوام الأمثال لا دوام العين حتى لا يزال المتنعم متنعما و النعم تتوالى عليه دائمة مستمرة و ما أنشأ الله من كل شيء زوجين إلا ليعرف الله العالم بفضل نشأة الإنسان الكامل ليعلم أن فضله ليس بالجعل فإن الذي هو الإنسان الكامل ظهر به ازدواج من لا يقبل لذاته الازدواج و ما هو بالجعل فضمن الوجود الإنسان الكامل الظاهر بصورة الحق فصار للصورة بالصورة زوجين فخلق آدم على صورته فظهر في الوجود صورتان متماثلتان كصورة الناظر في المرآة ما هي عينه و لا هي غيره لكن حقيقة الجسم الصقيل مع النظر من الناظر أعطى ما ظهر من الصورة و لهذا تختلف باختلاف المرآة لا بالناظر فالحكم في الصورة الأكبر لحضرة المجلى لا للمتجلي كذلك الصورة الإنسانية في حضرة الإمكان لما قبلت الصورة الإلهية لم تظهر على حكم المتجلي من جميع الوجوه فحكم عليها حضرة المجلى و هي الإمكان بخلاف حكم حضرة الواجب الوجود لنفسه فظهر المقدار و الشكل الذي لا يقبله الواجب و هو الناظر في هذه المرآة فهو من حيث حقائقه كلها هو هو و من حيث مقداره و شكله ما هو هو و إنما هو من أثر حضرة الإمكان فيه الذي هو في المرآة تنوع شكلها في نفسها و مقدارها في الكبر و الصغر و لما كان الظاهر بالصورة لا يكون إلا في حال نظر الناظر الذي هو المتجلي لذلك نسب الصورة إلى محل الظهور و إلى النظر فكانت الصورة الظاهرة برزخية بين المحل و الناظر و لكل واحد منهما أثر فيها يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ و هو ما كبر من الجوهر وَ الْمَرْجانُ و هو ما صغر منه و هو أثر الحضرة لا أثر الناظر فقال في زوجية ظهور الإنسان الكامل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أي ليس مثل مثله شيء أي من هو مثل له بوجوده على صورته لا يقبل المثل أو لا يقبل الموجود على الصورة الإلهية المثال فعلى الأول نفي المثلية عن الحق من جميع الوجوه لما أثر المحل المتجلي فيه في الصورة الكائنة من الشكل و المقدار الذي لا يقبله المتجلي من حيث ما هو عليه في ذاته و إن ظهر به فذلك حكم عين الممكن في وجوده و على الآخر نفي المثلية عن الصورة التي ظهرت فلم يماثلها شيء من العالم من جميع وجوه المماثلة فلما كان من الصورة زوجان كان بالجعل من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لأن الأصل قبل الزوجية فظهر حكمها في الفرع و لكن حكمها في الأصل يخالف حكمها في الفرع و هذه مسألة واحدة من مسائل هذا المنزل فلنذكر ما يتضمن من العلوم كما ذكرنا لسائر منازل هذا الكتاب فمن ذلك علم مراتب الأسماء و علم الفهم في القرآن و علم نطق كل شيء و مراتبه في البيان عن نفسه و علم العدد و علم اشتراك العالم فيما يشترك فيه من الصفات و المراتب و علم الفرق بين العوالم و اختلاف أحكام العدل لاختلاف المواطن و الأعصار فما هو حق في شرع عاد باطلا فيشرع آخر بالنسخ الطارئ و الايمان بحقيقته واجب و بنسخه واجب و علم العدول عن الحق و إلى الحق و ما يتعلق بذلك من الذم و الحمد و علم المولدات التي هي الأمهات لما ذا وضعت في العالم و لم تظهر أعيان الأشياء من غير إن يكون أبناء لأمهات و آباء و ما تحمله الأمهات مما فيه صلاح الأبناء و علم تقرير النعم الظاهرة و الباطنة و لم تذهب بالكفر و تزيد بالشكر و علم نشأة الجن و الإنس دون غيرهما من الحيوان و علم الستر و التجلي الذي لأجله لم يكن في الإمكان أبدع من هذا العالم لعمومه جميع المراتب فلم يبق في الإمكان إلا أمثاله لا أزيد منه في الكمال الوجودي الحافظ للأصول و علم الفواصل بين الأشياء و بين كل اثنين في المعقول و المحسوس كالخط الفاصل بين الظل و الشمس لما ذا ترجع هذه الفواصل هل لأمر زائد على أعيان المفصولين أم لا و علم ما تحوي عليه حروف الوجود من المعاني و علم الأعلام على ما هي أعلام و علم الفناء و البقاء و علم ما يفعله الحق مما يظهر في الحال لا غير و علم إضافة ما ينزه العقل إضافته عن الحق إلى الحق و علم السرادق الإلهي و ما فيه من الأبواب و ما يفتح تلك الأبواب للذين يريدون الخروج منها و لما ذا يخرجون و ما يشهدون إذا خرجوا و ما يخرجهم و علم العقاب و العذاب و لما ذا سمي عقابا و عذابا و علم ما يؤول إليه محل الملإ الأعلى لا بل الملإ الأوسط و علم الخرس و السكوت عن العالم و ما سببه و علم العلامات هل تقوم مقام الكلام و العبارة من المتكلم أم لا كالمعجزات و النطق المعلوم من قرائن الأحوال و إن لم يكن هناك عبارة بنظم حروف و إظهار كلمات و علم ما تعطيه العلامات في الأشياء من الأحكام و علم تردد الأشياء بين الأشياء و علم نتائج المقامات و الأحوال و علم حكم الشفعية في العالم الأخراوي و علم الأسباب الموصلة إلى الحكم من السبب إلى المسبب و علم الأذواق و الأفكار و علم الالتذاذ بما يرد من الحق على الإنسان من طريق شفعيته أي من حيث شفع الصورة الإلهية لا من حيث ما شابه العالم و علم من يمنع بتجليه النظر إلى غيره مع القدرة عليه فلا يكون في حال فناء و علم مقام الأسرار من خلف حجاب الغيرة و الصون الإلهي و علم التشبيه و التمثيل و علم المجازاة بالأمثال كالذهب بالذهب مفاضلة و هو في حكم الدنيا ربا و علم المفاضلة و علم بما ذا تقع المفاضلة بين الأمثال و علم الفرق بين البراقات و الرفارف و الأوكار في الأشجار و في الإسراءات و علم مباسطة الحق في قبضه و قبضه في مباسطته و ما يحدث من الزيادة عند صاحب هذه الأحوال فهذا بعض ما يحتوي عليه هذا المنزل من أمهات العلوم التي يتفرع أبناؤها بالتناسل إلى ما يتناهى مع الآنات وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ