و التلقي و التدلي و هو من الحضرة المحمدية و الآدمية»
اعلم أيدك الله أن هذا المنزل بينه و بين المنزل الذي قبله تخالج لكون النبي ص شبه رؤيتنا الله برؤيتنا القمر ليلة إبداره و الشمس ليس دونها سحاب و إنه لا يدركنا في رؤيته ضيم و لا انضمام و لا ضرر يقوم بنا و لا مضاررة لغيرنا و قد أبان ص لأمته عن صورة تجلى الحق لعباده بقول ما قاله نبي لأمته قبله و بهذا أثنى الله عليه فقال بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و أرسله رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و لم يخص مؤمنا من كافر فقال ص لما حذر من الدجال في دعواه الألوهية فقال أقول لكم فيه قولا ما قاله نبي لأمته و ما من نبي إلا قد حذر أمته الدجال ألا إن الدجال أعور العين اليمنى كان عينه عنبة طافية و إن ربكم ليس بأعور فعرفنا بأي صورة نرى ربنا و لا يقال إنه أراد صورة لا تقبل العور فكانت فائدة الأخبار ترتفع فإن تلك الصورة كانت تعطي بذاتها نفي العور عنها و إنما لما كانت الصورة ممن يقبل ذلك بين لنا أنه ليس كذلك لما علم من وقوع الشبه فيما وقعت فيه السلامة من العيب و إنما كان الدجال أعور لأنه على نصف الصورة إذ لم يحز رتبة الكمال كما حازها أكثر الرجال ثم نرجع و نقول إن موسى لما كلمه ربه أدركه الطمع فقال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ فسأل ما يجوز له السؤال فيه إذ كانت الرسل أعلم الناس بالله و أنه ذو إدراك يدركه به و أنه المدرك بالإدراك لا الإدراك فإنه عالم بأن الأبصار لا تدركه و إنما هي آلة يدرك بها و إنما منع موسى من الرؤية لكونه سألها عن غير أمر إلهي أوحي به إليه فإنهم أدباء لا يتبعون إلا ما يوحى به إليهم و لا سيما في الجناب الإلهي فلهذا قيل له لَنْ تَرانِي ثم استدرك استدراك لطيف بعبده لما انتهى فيه حد عقوبة فوت الأدب بالسؤال ابتداء الذي حمله عليه شوقه فكان مثل السكران فلما علم إن الياس قد قام به فيما طلبه استدرك بالإحالة على الجبل في استقراره عند التجلي و الجبل من الممكنات فتجلى له ربه فاندك عند ذلك التجلي لكون روحه ما أوجده الله لحفظ الصورة على الجبل مثل الأرواح المدبرة و إنما أوجده ليكون مسبحا له فلذلك لم تحفظ عليه صورة الجبلية و أثر فيه التجلي و حفظ روح موسى ع على موسى في صعقه عند رؤية ما رآه الجبل الذي كان حجابا عليه صورة نشأته فَلَمَّا أَفاقَ رجع موسى موسى و ما رجع الجبل جبلا علم موسى أنه قد وقع منه ما كان ينبغي له أن لا يقع إلا بأمر إلهي فقال تُبْتُ إِلَيْكَ لما علم إِنَّ الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بوقوع هذا الجائز إذ ما تقدم لأحد من هذا النوع الإنساني إنه سأل ربه رؤيته و لا أنه رآه فلذلك ادعى موسى أنه أول المؤمنين ثم أعلمنا ص إنه ما منا أحد إلا سيرى ربه و يكلمه كفاحا و هذا كله إعلام بالصورة التي يتجلى لنا فيها و هي الصورة التي خلقنا عليها و نحن نعلم قطعا إن ذوق الرسل فوق ذوق الأتباع بما لا يتقارب فلا تظن إن سؤال موسى رؤية ربه أنه فاقد للرؤية التي كانت حالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في قوله ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله هذه الرؤية ما هي الرؤية التي طلبها موسى من ربه فإنها رؤية حاصلة له لعلو مرتبته فإن ذوق الصادق ما هو ذوق الصديق فالرؤية ثابتة بلا شك ذوقا و نقلا لا عقلا فإن رؤية الله تعالى من محارات العقول و مما يوقف عندها و لا يقطع عليها بحكم من أحكامها الثلاثة إذ ليس للأنبياء و لا للأولياء من أهل الله علم بالله يكون عن فكر قد طهرهم الله عن ذلك بل لهم فتوح المكاشفة بالحق فمن الرائين من يراه و لا يقيد و منهم من يراه به و منهم من يراه بنفسه و منهم من لا يراه عنده و هو قد رآه و لا يعلم أنه رآه لأن هذا الصنف ليس بصاحب علامة في الحق و لا يعرف صورة ظهوره في الوجود و منهم من لا يراه لعلمه بأن عينه لا تظهر هنا للعالم إلا بصور أحكام أعيان العالم و هو مجلاها فلا يقع الإدراك من الرائي إلا على صورة الحكم لا على العين فيعلم أنه ما رآه وَ لِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى و هو العزيز الذي لا يرى من حيث هويته الحكيم في تجليه حتى يقال إنه رأى انظر إلى الصورة الظاهرة للعين في الجسم الصقيل و حقق رؤيتك فتجد تلك الصورة قد حالت بينك و بين إدراكك عين الجسم الصقيل الذي هو مجلاها فلا تراه أبدا و الحق مجلى صور الممكنات فلم ير العالم إلا العالم في الحق لا بالحق و بالحق ثم لتعلم إن المرئي الذي هو الحق نور و أن الذي يدركه به الرائي إنما هو نور فنور اندرج في نور فكأنه عاد إلى أصله الذي ظهر منه فما رآه سواه و أنت من حيث عينك عين الظل لا عين النور بل النور ما تدرك به كل شيء و النور من الأشياء فلا تدركه إلا من كونك حاملا للنور في عين ظلك و الظل راحة و الظلمة حجاب فإذا طلع كوكب الحق و وقع في قلب العبد استنار به القلب و أضاء فأزال عن صاحبه الحيرة و الخوف فأخبر عن ربه بالصريح و الإيماء و أنواع الإخبارات و اعلم أن الأنبياء ما اختارت النوم على ظهورها إلا لعلمها أنه كل ما قابل الوجه فهو أفق له إذ كان لا يقابل الوجه إلا الأفق و ثم أفق أدنى أي أقرب إلى الأرض و ثم أفق أعلى و هو ما تقابله بوجهك عند استلقائك على ظهرك و إذا كان التجلي في الصور دخله الحد و المقدار و أقرب القرب في ذلك أن يكون عين الخط الذي به تقسم الدائرة نصفين لظهور القوسين اللذين قرب بعضهما من بعض هو القرب الأول و القرب الثاني القرب الخطي الذي هو أقرب من حبل الوريد و لا تكون رؤية الحق أبدا حيث كانت إلا في منازلة بين عروج و نزول فالعروج منا و النزول منه فلنا التداني و له التدلي إذ لا يكون التدلي إلا من أعلى و لنا الترقي و له تلقي الوافدين عليه و ذلك كله إعلام بالصورة التي يتجلى فيها لعباده و إنها ذات حد و مقدار ليدخل مع عباده تحت قوله في حكمه وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ أي جعلناه بِقَدَرٍ و الرؤية مخلوقة فهي بقدر و التنوع في التجلي ظهور محدث عند المتجلي له فهو بقدر أ لا ترى تجليه بالحكم في الأعيان المتخذة آلهة للغيرة الإلهية حيث حكم و قضى أنه لا يعبد إلا إياه و كذا أخبر فقال وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فعلماء الرسوم يحملون لفظ قضى على الأمر و نحن نحملها على الحكم كشفا و هو الصحيح فإنهم اعترفوا أنهم ما يعبدون هذه الأشياء إلا لتقربهم إلى الله زلفى فأنزلوهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من استنابهم و ما ثم صورة إلا الألوهية فنسبوها إليهم و لهذا يقضي الحق حوائجهم إذا توسلوا بها إليه غيرة منه على المقام أن يهتضم و إن أخطئوا في النسبة فما أخطئوا في المقام و لهذا قال إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أي أنتم قلتم عنها إنها آلهة و إلا فسموهم فلو سموهم لقالوا هذا حجر أو شجر أو ما كان فتتميز عندهم بالاسمية إذ ما كل حجر عبد و لا اتخذ إلها و لا كل شجر و لا كل جسم منير و لا كل حيوان فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ عليهم بقوله قُلْ سَمُّوهُمْ و اعلم أنه لو لا الهوى ما عبد الله في غيره و إن الهوى أعظم إله متخذ عبد فإنه لنفسه حكم و هو الواضع كل ما عبد و فيه قلت
و حق الهوى إن الهوى سبب الهوى و لو لا الهوى في القلب ما عبد الهوى
قال تعالى أَ فَرَأَيْتَ من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَ أَضَلَّهُ الله عَلى عِلْمٍ فلو لا قوة سلطانه في الإنسان ما أثر مثل هذا الأثر فيمن هو على علم بأنه ليس بإله فإذا كان يوم القيامة جسد الله الهوى كما يجسد الموت لقبول الذبح فإذا جسده قرره على ما حكم به فيمن قام به فحار و جاء بإله عليه فعذب في صورته و أفرد المحل عنه فحصل في النعيم و تجسد المعاني لا تنكر عندنا و لا عند علماء الرسوم فحكمه في هذا مثل الحكم الذي في قوله لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر فكان شيخنا أبو مدين رضي الله عنه يقول صدق يزال فيدخل صاحبه الجنة دونه و يبقى هو في النار صورة مجسدة أو يعود الكبر إلى من هو له فيأخذ كل ذي حق حقه و اعلم أن الآلهة المتخذة من دون الله آلهة طائفتان منها من ادعت ما ادعى فيها مع علمهم في أنفسهم أنهم ليسوا كما ادعوا و إنما أحبوا الرئاسة و قصدوا إضلال العباد كفرعون و أمثاله و هم في الشقاء إلا أن تابوا و هم ممن تشهد عليهم ألسنتهم بما نطقت به من هذه الدعوى فما دونها مما يجب عنه السؤال فتنكر و منها من ادعت ذلك على بصيرة و صحو و تحقق معرفة في مجلس لقرينة حال اقتضاها المجلس لما رأوا أن الحق عين قواهم و ما هم هم إلا بقواهم و بقواهم يقولون ما يقولون فقواهم القائلة لا هم و هي عين الحق كما أخبر الحق و كما أعطاه الشهود بانخراق العادة في قولهم عندهم فقالوا أنا الله و إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدون كأبي يزيد ممن نقل عنه مثل هذا مع صحوه و ثبوته و علمه بأن الحق هو الظاهر بأفعاله في أعيان الممكنات و إنه في بعض الأعيان قد نص أنه هو و في بعض الأعيان لم يذكر أنه هو و لذلك قال بعض العارفين في حق التلميذ الذي استغنى بالله على زعمه عن رؤية أبي يزيد لأن يرى أبا يزيد مرة خير له من أن يرى الله ألف مرة فعبر أبو يزيد فقيل له هذا أبو يزيد فعند ما وقع بصره عليه مات التلميذ فقيل لأبي يزيد في موته فقال رأى ما لا يطيق لأنه تجلى له من حيث أنا فلم يطقه كما صعق موسى لأن الله من حيث أنا مجلاه أعظم من حيث المجلى الذي كان يشهده فيه ذلك المريد و منها من ادعت ذلك في حال سكر كالحلاج فقال قول سكران فحبط و خلط لحكم السكر عليه و ما أخلص
فهذا سعد و إن شقي به آخرون فلا جناح عليه و لا حرج لأنه سكران و هم المسئولون و مثل هذا أيضا يلحق بأهل السعادة و إن ضل به عالم فما إضلالهم بمقصود له فهؤلاء أصناف ثلاثة ادعوا الألوهة لأنفسهم فشقي بها واحد من الثلاثة و سعد اثنان و أما الطائفة الأخرى فادعيت فيها الألوهة و لم تدعها لنفسها كالأحجار و النبات و الحيوان و بعض الأناسي و الأملاك و الكواكب و الأنوار و الجن و جميع من عبد و اتخذ إلها من غير دعوى منه فهؤلاء كلهم سعداء و الذين اتخذوهم إذا ماتوا على ذلك أشقياء و من هؤلاء تقع البراءة يوم القيامة من الذين اتخذوهم آلهة من دون الله ما لم يتوبوا قبل الموت ممن يقبل صفة التوبة و ليس إلا الجن و هذا النوع الإنساني و مهما علم بذلك المتخذ و لم ينصح و لا وقعت منه البراءة هنا مع كونه لم يدع ذلك و لكنه سكت فإذا عذب الله غدا المشركين الذين ذكرهم الله أنه لا يغفر لهم فإنما يعذبهم من حيث إنهم ظلموا أنفسهم و وقعوا في خلق بكلام و دعوى ساءتهم و توجهت منهم عليهم حقوق في أغراضهم يطلبونهم بها فمؤاخذة المشركين لحق الغير لا من جهة نفسه تعالى و ظلم أنفسهم أعظم من ظلم الغير عند الله بدليل ما جاء في الذي يقتل نفسه من تحريم الجنة عليه فعظم الوعيد في حقه فإذا كان يوم القيامة و أدخل المشركون دار الشقاء و هي جهنم أدخل معهم جميع من عبدوه إلا من هو من أهل الجنة و عمارها فإنهم لا يدخلون معهم لكن تدخل معهم المثل التي كانوا يصورونها في الدنيا فيعبدونها لكونها على صورة من اعتقدوا فيه أنه إله فهم يدخلون النار للعقاب و الانتقام و المعبودون يدخلونها لا للانتقام فإنهم ما ادعوا ذلك و لا المثل و إنما أدخلوها نكاية في حق العابدين لها فيعذبهم الله بشهودهم إياهم حتى يعلموا أنهم لا يغنون عنهم من الله شيئا لكونهم ليسوا بآلهة كما ادعوه فيهم قال تعالى إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ من دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ و قد قرئ حطب جهنم و قال وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ و قال لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها و قال فيمن عبد من أهل السعادة كمحمد و عيسى ع و الخلفاء من بعده و من ذكرناه من مدع عن صحو و عن سكران الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ في ما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ فمن كان مشتهاه ربه فهذه صفته و إنما قال لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ في ما اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ لما يؤثر ذلك السماع في صاحبه من الخوف لأنه ليس هو في تلك الحال بصاحب غضب فيلتذ بالانتقام فإن الغضب لله إنما يقع في دار التكليف و هنالك لا نصيب للغضب في السعداء فإنه موطن شفاعة و شفقة و رحمة من السعداء فلا يغضب في ذلك الموطن إلا الله و السعداء مشغولون بالله في تسكين ذلك الغضب الإلهي بما تعطيه أنواع التسكين كما يقول محمد ص في بعض المواطن سحقا سحقا طلبا للتسكين و الموافقة ثم بعد ذلك يشفع في تلك الطائفة عينها لتنوع ما يظهر الحق به في ذلك الموطن فمن سمع حسيسها من السعداء الأكابر أثر ذلك السماع فيهم خوفا على أممهم لا على نفوسهم فإذا بلغت بهم العقوبة حدها و انقضت فيهم بالعدل مدتها جسدت أهواؤهم التي بها عبدوا غير الله على صور ما اعتقدوه إلها حين عبدوه و على صور بواطنهم فوقع العذاب بصور مجسدة ليبقى حكم الأسماء دائما و يبقى سكان الدار من الناس حيث هم أهلها في نعيم بها ينظرون إلى صور أهوائهم معذبة فينعمون بها فإنها دار تتجسد فيها المعاني صورا قائمة يشهدها البصر كالموت في صورة كبش أملح فيذبحه يحيى ع بين الجنة و النار لأن الحياة ضد الموت فلا يزول الموت إلا بوجود الحياة و بهذه الصور المخلوقة يكون ملء النار و الجنة فإنه أخبر الجنة و النار أنه سبحانه يملأ كل واحدة فقال لهما إن لكل واحدة منكما ملأها فإذا نزلوا فيها و بقي منها أماكن لم يبلغها عمارة أهلها أنشأ إرادات أهل الدارين صورا قائمة ملأهما بها و هذه الصور من الفرقتين المعبر عنهما بالقدمين ففي أهل السعادة أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي سابق عناية بأن يخلق إرادتهم طاعة الله و عبادته صورا متجسدة و أعمالهم و قد ورد أن أعمال العباد ترد عليهم في قبورهم في صور حسنة تؤنسهم و في صور قبيحة توحشهم فتلك الصور تدخل معهم في دار السعادة و الشقاء و بها يكون ملؤهما و أما دار الشقاء إذا طلبت ملأها من الله وضع فيها الجبار قدمه فلهم قدم أيضا كما كان لأهل السعادة أي سابق عناية يظهر العذاب في ذلك القدم و هو أهواؤهم فدار السعداء التي هي الجنة نعيم كلها ليس فيها شيء يغاير النعيم و دار الأشقياء ممتزجة بين منعم و معذب فإن فيها ملائكة العذاب لهم نعيم في تعذيب من سلطهم الله عليه فلا نعيم لهم إلا بالانتقام لله و هم أصحاب تكليف بأمر لا بنهي فهم يسارعون إلى امتثال أوامر الله لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فلا يبقى عذاب في النار بعد انقضاء مدته إلا العذاب الممثل المتخيل في حضرة الخيال لبقاء أحكام الأسماء فإنه ليس للاسم إلا ما تطلبه حقيقته من ظهور حكمه و ليس له تعيين حضرة و لا شخص و إنما ذلك من حكم الاسم العالم و المريد فحيث ظهر حكم المنتقم من جسد أو جسم أو ما كان فقد استوفى حقه بظهور حكمه و تأثيره فلا تزال الأسماء الإلهية مؤثرة حاكمة أبد الآبدين في الدارين و ما أهلهما منهما بمخرجين و لما كانت الرؤية لأهل الجنان جعل الحجاب في مقابلته لأهل النار و حجابهم مدة عذابهم حتى لا تزيدهم الرؤية عذابا كما زادتهم السورة القرآنية هنا رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ و مرضا إلى مرضهم فإذا انقضت المدة بقي الحجاب دونهم مسدلا لينعموا فإنه لو تجلى لهم هنالك مع ما تقدم لهم من الإساءة و استحقاق العقوبة أورثهم ذلك التجلي الإحساني حياء من الله مما جرى منهم و الحياء عذاب و قد انقضت مدته و هم لا يعلمون لذة الشهود و الرؤية فلهم نعيم بالحجاب و الغرض النعيم و قد حصل و لكن بمن فأين النعيم برؤية الله من النعيم بالحجاب فهم عن ربهم يومئذ محجوبون وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ