قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثاني و الثلاثون و ثلاثمائة في معرفة منزل الحراسة الإلهية لأهل

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
كل من مال لاستدارة كونفهو طور و جمعه أطوار
و هو عطف الإله ليس سواهفهو سر في كوننا مستعار
بدء أعياننا به لوجوبيحكم العقل فيه و الاضطرار
لو تناهي الوجود ما كان كورافلهذا عقل اللبيب يحار

اعلم أيدك الله أن الله تعالى يقول في حق موسى ع معرفا إيانا وَ نادَيْناهُ من جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ فجعل النداء من الطور لانحنائه لأنه خرج في طلب النار لأهله لما كان فيه من الحنو عليهم الذي أورثه الانحناء على من خلق من الانحناء و هي أهله لأنها خلقت بالأصالة من الضلع و الضلع له الانحناء و كان الانحناء في الأضلاع لاستقامة النشأة و حفظ ما انحنت عليه من الأحشاء لتعم بانحنائها جميع ما تحتوي عليه فتتساوى أجزاؤها في الحفظ لها بخلاف ما لو كانت على غير استدارة لكانت فيها زوايا فارغة بعيدة من الحفظ الذي خلقت له و وقع التجلي لموسى في عين صورة حاجته فرأى نارا لأنها مطلوبة فقصدها فناداه ربه منها و هو لا علم له بذلك لاستفراغه فيما خرج له و هو قولنا في قصيدة لنا في جزء الزينبيات

كنار موسى يراها عين حاجته و هو الإله و لكن ليس يدريه

و اعلم أن الله ما خلق الذي خلق من الموجودات خلقا خطيا من غير أن يكون فيه ميل إلى الاستدارة أو مستديرا في عالم الأجسام و المعاني و قال تعالى في السموات و هو ما علا و في الأرض و هو ما سفل إذ لا أسفل منها إنه لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما فوصف نفسه بأنه لكل شيء حفيظ و الحفظ حنو من الحافظ على المحفوظ فيكون في شكل كل صورة الأجسام انحناء و في المعاني و الأرواح حنو فلنذكر سبب ميل الأجسام إلى الاستدارة و ذلك إن أول شكل قبله الجسم الاستدارة و هو المسمى فلكا أي مستديرا و عن حركة ذلك الفلك ظهر عالم الأجسام علوا و سفلا فمنه ما ظهر بصورة ذات الأصل و هو كل من كملت فيه الاستدارة و التقى طرفا الدائرة و من نقص عن هذه الصورة لا بد أن يوجد فيه ميل إلى الاستدارة يظهر ذلك حسا في الأجسام حتى في أوراق الأشجار و الأحجار و الجبال و الأغصان فما في عالم الأجسام خط غير مائل إلا بالفرض و التوهم لا بالوقوع و إنما ظهر الجسم بصورة الاستدارة أعني الجسم الكل الظاهر بالشكل لأن الله أراد أن يملأ به الخلأ فلو لم يكن مستدير الشكل لبقي في الخلأ ما ليس فيه ملأ و الخلأ استدارة متوهمة لا في جسم و إنما وقع الأمر هكذا الصدور الأشياء عن الله و رجوعها فمنه بدأ و إليه يعود فلا بد أن يكون هذا الأمر في عالم الشكل صورة دائرة لأنه لا يعود إليه على الطريق الذي خرج عليه و إنما امتداده ينتهي إلى مبدئه و لا يكون ذلك في الشكل الخطي لأنه لو كان لم يعد إليه أبدا و هو عائد إليه فلا بد من الاستدارة فيه معنى و حسا و من خلقه العالم على الصورة إن خلقه مستدير الشكل فانظر في حكمة الله و لما كان المرجع إليه ليظهر الحنو الذي صورته انحناء لذلك عمت رحمته جميع الموجودات و وسعت كل شيء كماوسع هو كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً و لم يجر للغضب ذكر في هذه السعة الإلهية و الرحمانية فلا بد من مال العالم إلى الرحمة لأنه لا بد للعالم من الرجوع إلى الله فإنه القائل وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فإذا انتهت رجعته إليه عاد الأمر إلى البدء و المبدأ و المبدئ و المبدأ رحمة وسعت كل شيء و المبدئ وسع كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فعرف الأمر في عوده في الرحمة فيأمن من تسرمد العذاب على خلق الله أين أنت من هذا الشهود لو لا سبق الرحمة الشاملة العامة الامتنانية لتسرمد العذاب على من ينفي رحمة الله من هذه السعة التي ذكر الله فيها و لكن سبق الرحمة جعله أن يبدو له من الله من الرحمة به مع هذا الاعتقاد ما لم يكن يحتسبه فما آخذه الله بجهله لأنه صاحب شبهة في فهمه فعين بصيرته مطموس و عقله في قيد الجهالة محبوس و ما في الحيوان من جرى في مسكنه و عمارة بيته و إقامة صورته على شكل العالم مثل النحل فسدست صور بيوتها حتى لا يبقى خلاء كما سد الشكل الكري الخلأ فلم يبق خلاء و عمرت بيتها بالعسل الذي هو ملذوذ نظير الرحمة الإلهية التي عمت الوجود و غمرته و ما عمرته بذلك في حق غيرها و إنما عمرته في حق نفسها و كذا صدر العالم على هذه الصورة فما من شيء من العالم إلا و هو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فلنفسه أوجده لأنه ما شغله إلا به و قال فيمن جعل فيه استعدادا يمكن أن يسعى به لنفسه و لغير الله فنبه أنه ما خلقهم إلا لعبادته فقال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فكونهم ما فعل بعضهم ما خلق له لا يلزم منه بالقصد المذكور أنه خلق لما تصرف فيه و لذلك يسأل و يحاسب كما وقع فيما اختزنته النحلة لنفسها و أظهرته منها لقوام ذاتها فأخذه من أخذه و تحكم فيه في غير ما أوجدته له و لما كان الأمر كما ذكرناه في النحل دون غيره لذلك أخبرنا الله عنها أنه أوحى إليها دون غيرها من الحيوان و قال فيما يَخْرُجُ من بُطُونِها إنه شِفاءٌ لِلنَّاسِ فأنزله منزلة الرحمة التي وسعت كل شيء و ما ذكر له مضرة و إن كان بعض الأمزجة يضره استعماله و لكن ما تعرض لذلك أي أن المقصود منه الشفاء بالوجود كما المقصود بالغيث إيجاد الرزق الذي يكون عن نزوله بالقصد و إن هدم الغيث بيت الشيخ الفقير الضعيف فما كان رحمة في حقه من هذه الجهة الخاصة و لكن ما هي بالقصد العام الذي له نزل المطر و إنما كان ما كان من استعداد القابل للتهدم لضعف البنيان كما كان الضرر الواقع لآكل العسل من استعداد مزاجه لم يكن بالقصد العام و اعلم أن حفظ الله للعالم إنما هو لإبقاء الثناء عليه بلسان المحدثات بالتنزيه عما هي عليه من الافتقار فلم يكن الحفظ للاهتمام به و لا للعناية بل ليكون مجلاه و ليظهر أحكام أسمائه و كذا خلق الإنسان على صورته فقال وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى فجعله لا يسعى إلا لنفسه و لهذا قرن بسعيه الأجر حتى يسعى لنفسه بخلاف من لا أجر له من العالم الأعلى و الأسفل و ليس بعد الرسل و مرتبتهم في العلم بالله مرتبة فهم المطرقون و المنبهون و مع هذا فما منهم من رسول إلا قيل له قل لأمتك ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أي على ما بلغتكم من أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله فإنه الذي استخدمه و أرسله فالأجر عليه فما سعوا و لا بلغوا إلا في حظوظ نفوسهم لكن الفرق بين العماء من أهل الله و بين العامة إنهم علموا ما الأجر و من صاحبه و من يطلبه منهم ممن لا يطلبه و لمن يرجع ذلك الحكم فكل ساع في أمر فإنما يسعى لنفسه كان ذلك الساعي من كان لا يستثني ساع من ساع بل الأمر كله لله و تختلف الأجور باختلاف المقاصد فأعلاها حب المدح و الثناء فإنها صفة إلهية و لأجلها أوجد الله العالم ناطقا بتسبيحه بحمده و دون ذلك من الأجور طلب الزيادة من العلم بالكوائن و دون ذلك من الأجور ما تطلبه الطبيعة من القوي الروحانية لوجود الانفعال كثيرا عنها و دون ذلك ما تطلبه الطبيعة من القوي الحسية لمجرد الالتذاذ الذي للروح الحيواني به و ليس وراء ذلك أجر يطلب فما ذكرنا سعيا إلا و هو حظ للنفس الساعية فإذا علمت حفظ الله العالم علمت قوله تعالى تَجْرِي بِأَعْيُنِنا فكثر فقال فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا فكثر فكل حافظ في العالم أمرا ما فهو عين الحق إذ الحفظ لا يكون إلا ممن لا يغالب على محفوظه و لا يقاوي على حفظه فكن حافظا لما أنت به تكن عين الحق في وجوده فحفاظ العالم لهم هذه المنزلة و هم لا يعلمون أنهم أعين الحق و ذلك ليعلم فضل أهل الشهود و الوجود على غيرهم و إن وقع الاشتراك في الصفة و لكن ليس من علم منزلته من حضرة الحق مثل من لم يعلم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ فهذا إعلام بأنهم علموا ثم طرأ النسيان على بعضهم فمنهم من استمر عليه حكم النسيان ف نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ و منهم من ذكر فتذكر و هم أولو الألباب و لب العقل هو الذي يقع به الغذاء للعقلاء فهم أهل الاستعمال لما ينبغي أن يستعمل بخلاف أهل العقول فإنهم أهل قشر زال عنه لبه فأخذه أولو الألباب فعقلوا و ما استعملوا ما ينبغي أن يستعملوه لأن العقل لا يستعمل إلا إذا كان قشرا على لب فاستعمال العقل بما فيه من صفة القبول لما يرد من الله مما لا يقبله العقل الذي لا لب له من حيث فكره فلهذا أهل الله هم أهل الألباب لأن اللب غذاء لهم فاستعملوا ما به قوامهم و أهل العقل هم الذين يعقلون الأمر على ما هو عليه إن اتفق و كان نظرهم في دليل فإذا عقلوا ذلك كانوا أصحاب عقل فإن استعملوه بحسب ما يقتضي استعمال ذلك المعقول فهم أصحاب لب

و في اللب لب الدهن إن كنت تعلم و في الدهن أمداد لمن كان يفهم

فمن رزق الفهم من المحدثات فقد رزق العلم و ما كل من رزق علما كان صاحب فهم فالفهم درجة عليا في المحدثات و به ينفصل علم الحق من علم الخلق فإن الله له العلم و لا يتصف بالفهم و المحدث يتصف بالفهم و بالعلم و في الفهم عن الله يقع التفاضل بين العلماء بالله و الفهم متعلقة الإمداد الإلهي الصوري خاصة فإن كان الإمداد في غير صورة كان علما و لم يكن هناك حكم للفهم لأنه لا متعلق له إلا في هذه الحضرة فلهذا يسمى مستفيدا لما استفاده من فهمه إذ لا يصح لمستفيد استفادة من غير حالة الانتقال من محل العالم المعلم إلى محل المتعلم فما استفاد إلا من فهمه فللمعلم إنشاء صور ما يريد تعليمها للطالب المتعلم و للمستفيد الفهم عنه فلو لا قوة الفهم ما استفاد فكما لا تستوي الظُّلُماتُ وَ لا النُّورُ وَ لا الظِّلُّ وَ لا الْحَرُورُ و لا الْأَحْياءُ وَ لا الْأَمْواتُ كذلك لا يستوي الأعمى و هو الذي لا يفهم فيعلم و لا البصير الذي يفهم فيعلم كما لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لا السَّيِّئَةُ فلا يستوي الحق و الخلق فإنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فاعلم وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فأبهم فحير العقول و الفهوم بين الإعلام و الإبهام غير إن الرحمة لما عمت عاملهم الحق بما أداهم إليه اجتهادهم أصابوا في ذلك أم أخطئوا طريق القصد بالوضع إذ لا خطأ من هذا الوجه في العالم الأعلى ما ذكرناه من إضافة شيء إلى غير ما أضيف إليه في نفس الأمر كمن يطلب الشيء من غير سببه الذي وضع له فله أجر الطلب لا أجر الحصول لأنه لم يحصل فهو طالب في الماء جذوة نار فكان في الإبهام عين المكر الإلهي فالعالم يلحق الفروع بأصولها على بصيرة و كشف و المبهم عليه يلحق الفروع بالأصول فإن وافقت أصولها فبحكم المصادفة و هو يتخيل أنها أصل لذلك الفرع فإذا صادف سمي خيالا صحيحا و إن لم يصادف سمي خيالا فاسدا فلو لا الإبهام ما احتيج إلى الفهم فهي قوة لا تتصرف إلا في المبهمات الممكنات و غوامض الأمور و يحتاج صاحب الفهم إلى معرفة المواطن فإذا كان الميزان بيده الموضوع الإلهي عرف مكر الله و ميزه و مع هذا فلا يأمنه في المستقبل لأنه من أهل النشأة التي تقبل الغفلات و النسيان و عدم استحضار العلم بالشيء في كل وقت و لا فائدة في إلحاق الفروع بأصولها إلا أن يكون للفروع حكم الأصول و أصل وجود العالم وجود الحق فللعالم حكم وجود الحق و هو الوجوب من حيث ما هو وجوب ثم كون الوجوب ينقسم إلى وجوب بالذات و إلى وجوب بالغير هذا أمر آخر و كذلك أصل وجود العلم بالله العلم بالنفس فللعلم بالله حكم العلم بالنفس الذي هو أصله و العلم بالنفس بحر لا ساحل له عند العلماء بالنفس فلا يتناهى العلم بها هذا حكم علم النفس فالعلم بالله الذي هو فرع هذا الأصل يلحق به في الحكم فلا يتناهى العلم بالله ففي كل حال يقول رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فيزيده الله علما بنفسه ليزيد علما بربه هذا يعطيه الكشف الإلهي و ذهب بعض أصحاب الأفكار إلى أن العلم بالله أصل في العلم بالنفس و لا يصح ذلك أبدا في علم الخلق بالله و إنما ذلك في علم الحق خاصة و هو تقدم و أصل بالمرتبة لا بالوجود فإنه بالوجود عين علمه بنفسه عين علمه بالعالم و إن كان بالرتبة أصلا فما هو بالوجود كما تقول بالنظر العقلي في العلة و المعلول و إن تساوقا في الوجود و لا يكون إلا كذلك فمعلوم إن رتبة العلة تتقدم على رتبة المعلول لها عقلا لا وجودا و كذلك المتضايفان من حيث ما هما متضايفان و هو أتم فيما نريد فإن كل واحد من المتضايفين علة و معلول لمن قامت به الإضافة فكل واحد علة لمن هو له معلول و معلول لمن هو له علة فعلة البنوة أوجبت للأبوة أن تكون معلولة لها و علة الأبوة أوجبت للبنوة أن تكون معلولة لها و من حيث أعيانهما لا علة و لا معلول و اعلم أنه مما يتعلق بهذا الباب كون العالم عيالا لله تعالى و بعضه اتخذه أهلا فقال ع في الخبر الوارد عنه إن الخلق عيال الله و أخبر في خبر آخر أن أهل القرآن هم أهل الله و خاصته و الأهلية منزلة خصوص و اختصاص منالعموم و جعل الرحم التي منها ظهر أولو الأرحام فينا شجنة من الرحمن كما أن الولد شجنة من أبويه و جعل له سبحانه نسبا بينه و بين عباده و هو التقوى فيضع أنساب العالم يوم القيامة و يرفع نسبه فيعم لأنه ما ثم إلا من يتقيه و من اجترأ عليه فمن كونه أجرأه عليه بما ذكر من حكم نعته بالعفو و التجاوز و الصفح و المغفرة و عموم الرحمة فأشهدهم هذه النعوت و ليس لها أثر يظهر حكمه عموما لكل ناظر إلا في العصاة و لا سيما العفو فكل عاص ما اجترأ على الله إلا به و هو من حيث نفسه متق لله فإن النسب ما للأحوال فيه أثر إذا هو صح و ما اعتبر الله إلا النسب الديني و به يقع التوارث بين الناس فإذا اجتمع في الشخص النسب الديني و الطيني حينئذ له أن يحجب ما يحجبه من النسب الديني و الطيني فإذا لم يكن له نسب طيني و له نسب ديني رجع على دينه لم يحجبوا بالنسب الطيني وراثته عن النسب الديني فورثه المسلمون أو يكون كافرا فيرثه الكفار و إن كان ذو نسب طيني و ليس له نسب ديني فيرثه المسلمون فما إلا خرج عن دينه تعالى فإن نسب التقوى يعم كل نحلة و ملة إن عقلت فمن حيث إن العالم عيال الله رزقهم و من حيث إن فيهم من هو أهل له اعتنى بهم فأشفق عليهم و من حيث إنهم مخلوقون على الصورة على وجه الكمال استنابهم و من حيث إن بعضهم على بعض الصورة رفق بهم و من حيث النسب المذكور نظر إليهم الاسم الرحمن بالوصل و انتظام الشمل فمن كل وجه له نظر إليهم بالإحسان و لهذا تسمى بالبر الرحيم و البر معناه المحسان و هذا القدر كاف في الكلام في هذا المنزل فلنذكر ما يتضمن من العلوم فمنها علم أفضل الأشكال و منها علم الكتب و مراتبها و معرفة المبين منها من المنير من الحكيم من الكريم من المحصي من المسطور من المرقوم من المعنوي من الحسي من الأم من الإمام إلى غير ذلك من أصناف الكتب و الكتاب فإن الله كتب التوراة بيده و كتب القلم بنفسه عن أمر ربه في اللوح المحفوظ و مرتبة كل كاتب و ما كتب من الكتابة في الأرحام و هم كتاب الخلق و الرزق و الأجل و الشقاء و السعادة و الكرام الكاتبون و الفرق بين المكتوب فيه من لوح محفوظ و ألواح غير محفوظة ورق و غير ذلك و صور الكتابة الإلهية من غيرها هذا كله يعلم من هذا المنزل و يشهده من دخله و علم المعمور من العالم من غير المعمور و غير المعمور هل معمور بما لا تدركه أبصارنا أو ليس بمعمور في نفس الأمر و عمارة الأمكنة بما يتكون فيها من نبات أو حيوان أو معدن أو ما ينزل فيه من حق و ملك و جان و الفرق بين الاسم الإلهي العلي و الرفيع و لما ذا جاء الاسم الرفيع مقيدا بالإضافة و العلي مطلقا من غير تقييد و علم كيفية انقلاب الضد إلى ضده إذا جاوز حده هل ذلك من حيث جوهره أو جوهر صورته و علم الإيلاء الإلهي بنفسه و بالموجودات و المعدومات و علم المقسم عليه في تقييده بالماضي و هو الواقع أو بالمستقبل الذي لا بد من وقوعه حكما أو وجوده عينا و لما ذا اختص المقسوم عليه بالقسم دون غيره و هو من حيث هو عالم واحد و علم القضاء هل له راد أم لا و ذلك الراد هل هو منه أوامر آخر اقتضاه شرط بالرفع أو بالثبوت و علم تغير النعوت على المنعوت بها هل كل متغير قام التغير بذاته أو كان التغير في حكمه لا في عينه و لا في صفته إن كان ذا صفة و علم السبب المؤدي إلى الجحد مع العلم و إنه لا ينزل منزلة الجاهل في الحكم و هل الجاهل معذور أم لا و علم العلم المحمود من العلم المذموم و هل الذم له عرضي عرض له من المعلوم أم لا أثر له فيه لا بالحكم العرضي و لا الذاتي و هل للعلم أثر محسوس في النفس و الحس أم لا أثر له إلا في النفس كمن يعلم أنه تقع به مصيبة و لا بد فيتغير لذلك مزاجه و لونه و حركته و يتبلبل لسانه و يقول و لا يدري ما يقول فإن العلم أثر في النفس خوفا و هذه الآثار آثار وجود الخوف عنده ما هي آثار العلم لأن العلم قد يقع في نفس القوي الذي يحكم على نفسه فلا يؤثر فيها خوفا فلا يتغير مع وجود العلم و علم الأمر الذي يعذب به الكاذب و هل يعذب بأمر عدمي لمناسبة الكذب أو يعذب بأمر وجودي لكون الكذب له مرتبة وجود في الوجود الذهني و حينئذ يعبر عنه الكاذب فهل عقوبته مثل نسبته إلى الحس فيكون بأمر عدمي أو بمثل نسبته إلى الخيال فيكون بأمر وجودي متخيل و هي علوم عجيبة في المشاهدات لا علم لعلماء الرسوم و النظار بهذه الموازنات لجهلهم بالميزان الموضوع الذي وضعه الله عند رفع السماء و بسط الأرض بين السماء و الأرض و أنه مع كونه موضوعا هو بيد الحق المسمى بالدهر يخفض و يرفع و علم السحر لما ذا يرجع و هل فيه محمود و ما فعله و علم السواء في قوله تعالى سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ و قوله سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ... إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ و قولهفَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ و موطن الدنيا الذي وقع فيه الاستغفار يقتضي أن يقبل بخلاف موطن الآخرة فكما أنه استوى عندهم الإنذار و عدم الإنذار فلم يؤمنوا كذلك استوى في حقهم في الآخرة وجود الصبر و عدمه فلم يؤثر في نفوذ الجزاء الوفاق و علم الاعتماد على غير الله مما يحمد الله أن يعتمد عليه ما أثره في الدار الآخرة في الجزاء الوفاق و علم سبب النكاح الذي لا يكون عنه التناسل لإبقاء ذلك النوع و علم سبب المعاطاة من غير حاجة إذ المعاطاة لا تكون إلا في ذي حاجة و علم وجود الامتنان مع المعاوضة في البيوع لا في الهبات لأن الامتنان في الهبات معقول و لهذا شرعت المكافاة عليه ليضعف سلطان الامتنان و السبب الذي يرفع الامتنان من العالم و لمن ينبغي الامتنان مع المعاوضة و علم الفرق بين الكهانة و الوحي و علم ما هو الهوى و العقل الذي يقابله و علم من أين خلق العالم هل من شيء أو من لا شيء و علم هل تتفاضل الأرواح في القوة فيؤثر بعضها في بعض كالقوى الجسمانية أم لا و علم الخزائن الإلهية و ما اختزن فيها و أين مكانها و علم عندية الحق هل هي نسبة أو ظرف وجودي و علم ترقي العالم الطبيعي على أي معراج يكون هل على طبيعي فيفتقر أيضا إلى معراج أو على غير طبيعي و علم صورة تأثير المعاني اللطيفة في الأجرام الكثيفة و علم تأثير القصد في الأفعال و علم ما ينبغي أن يكون عليه الإله من الصفات و علم سبب خيبة الظنون في وقت دون وقت و علم أحوال التنزيه فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم قد ذكرناه لتتوفر همة الطالب على طلبها من الله أو من العالم بها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ