تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك و هو من الحضرة الموسوية»
اعلم أيدك الله أن الله تعالى خلق جميع من خلق في مقام الذلة و الافتقار و في مقامه المعين له فلم يكن لأحد من خلق الله من هؤلاء ترق عن مقامه الذي خلق فيه إلا الثقلين فإن الله خلقهم في مقام العزة و في غير مقامهم الذي ينتهون إليه عند انقطاع أنفاسهم التي لهم في الحياة الدنيا فلهم الترقي إلى مقاماتهم التي تورثهم الشهود و النزول إلى مقاماتهم التي تورثهم الوقوف خلف الحجاب فهم في برزخ النجدين إِمَّا شاكِراً فيعلو وَ إِمَّا كَفُوراً فيسفل قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما قال إلا في العبادة فلما جعل العبادة بأيديهم و جعلها المقصود منه بخلقهم فمنهم من قام بما قصد له فكان طائعا مطيعا لأمر الله الوارد عليه بالأعمال و العبادة فإنه قال لهم اعبدون كما أخبر إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي هذا أمر بعبادة وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي هذا أمر بعمل و العمل ما هو عبادة فالعمل صورة و العبادة روحها فالعبادة مقبولة عند الله على كل حال اقترنت بعمل أو لم تقترن و العمل لغير عبادة لا يقبل على كل حال من حيث القاصد لوقوعه الذي هو النفس المكلفة لكن من حيث إن العمل صدر من الجوارح أو من جارحة مخصوصة فإنها تجزى به تلك الجارحة فيقبل العمل لمن ظهر منه و لا يعود منه على النفس الآمرة به للجوارح شيء إذا كان العمل خيرا بالصورة كصلاة المرائي و المنافق و جميع ما يظهر على جوارحه من أفعال الخير الذي لم تقصد به النفس عبادة و أما أعمال الشر المنهي عنها فإن النفس تجزى بها للقصد و الجوارح لا تجزى بها لأنه ليس في قوتها الامتناع عما تريد النفوس بها من الحركات فإنها مجبورة على السمع و الطاعة لها فإن جارت النفوس فعليها و للجوارح رفع الحرج بل لهم الخير الأتم و إن عدلت النفوس فلها و للجوارح فإن النفوس ولاة الحق على هذه الجوارح و الجوارح مأمورة مجبورة غير مختارة فيما تصرف فيه فهي مطيعة بكل وجه و النفوس ليست كذلك و من النفوس من لم يقم بما قصد له فكان عاصيا مخالفا أمر الله حين أمره بالأعمال و العبادة فالطائع يقع منه العبادة في حالة الاضطرار و الاختيار و إن لم يكن مطيعا من حيث الأمر بالعمل فإن كان مطيعا طائعا فقد فاز بوقوع ما قصد له في الخلق و الأمر فإن لله الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ و أما العاصي فلا تقع منه العبادة إلا في حال الاضطرار لا في حال الاختيار و يقع منه صورة العمل لا العمل المشروع له فهو مخالفلأمر الله فلم يقم بما قصد له من الخلق و الأمر و لما خلق الله الثقلين في هذا المقام الذي قصده بخلقهم و هو أجلية الحق فرغهم لذلك حتى لا يقوم لهم حجة بالاشتغال بما به قوامهم فخلق الأشياء التي بها قوامهم خاصة من أجلهم ليتفرغوا لما قصد بهم فقامت عليهم حجة الله إذا لم يقوموا بما خلقوا له ثم إنه علم من بعضهم أنه يقوم له شبهة في السعي فيما خلق من أجله في حق الغير لما بلغه إن الله يقول جعت فلم تطعمني و قال لما قال له العبد يا رب و كيف تطعم و أنت رب العالمين فقال الله له أ لم تعلم أنه استطعمك فلان فلم تطعمه أ ما أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي فأنزل الحق نفسه منزلة ذلك الجائع فلما لاحت له هذه الشبهة قال نسعى في حق الغير و ننتفع بما نسعى به بحكم التبع فقال الله له ما فهمت عني ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ لا أنتم فما بقيت لهم حجة بتمام الآية و أما اعتمادهم على ذلك الخبر فلا يقوم لهم به حجة عند الله فإنه لما خلق الأشياء من أجلك التي بها قوامك أعطاك إياها و أوصلها إليك ليكون بها قوامك ثم أفضل لبعضهم من ذلك ما يزيد على قوامهم ليوصله إلى غيره ليكون به قوام ذلك الغير و يحصل لهذا أجر أداء الأمانة التي أمنه الله عليها فذلك هو الذي عتبة الحق حيث استطعمه فلان و كان عنده ما يفضل عن قوامه فلم يعطه إياه فلم يلزم من هذا الخبر أن يسعى في حق الغير و هو المراد في تمام الآية في قوله ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ و لما خلق الله الإنسان و أعطاه الجدل قال بعضهم لما استطعمني فلان و عندي ما يفضل عن قوامي فلو كان لهذا المستطعم أمانة عندي ما استطعت إمساكها فلذلك لم نطعمه فقيل له ما قيل لإبليس متى علمت أنه ليس له أبعد ما منعته أو قبل ذلك أعطاك الله علم الكشف أنه ليس لهذا أو عين لك صاحبه أو ما علمت أنه ليس له إلا بعد حصول المنع منك و انصرافه عنك فلا بد أن يقول بعد المنع علمت ذلك فيقال له بذلك أخذت فإن إبليس قال للحق أمرتني بما لم ترد أن يقع مني فلو أردت مني السجود لآدم لسجدت فقال الله له متى علمت أني لم أرد منك السجود بعد وقوع الإباية منك و ذهاب زمان الأمر أو قبل ذلك فقال له بعد ما وقعت الإباية علمت أنك لو أردت السجود مني لسجدت فقال الله له بذلك أخذتك و لم يؤاخذ أحد إلا بالجهل فإن أهل العلم الذين طالعهم الله بما يحدثه من الكوائن في خلقه قبل وقوعها لا يؤاخذون على ما لم يقع منهم مما أمروا به بالواسطة أن يقع منهم فإنهم في عين القربة بالاطلاع و ليس المراد بامتثال الأمر إلا القربة و محل القربة ليس بمحل تكليف فإذا وقع من المقربين أعمال الطاعات فبشهود فإنهم على بينة من ربهم فهم عاملون من حيث شهودهم الأمر الإلهي من غير الواسطة التي جاءت به فهم بالصورة في الظاهر اتباع الأمر بالواسطة و في الباطن أصحاب عين لا أتباع فالحاصل من هذا أنه من لم يغب عن عبوديته لله في كل حال فقد أدى ما خلق له و كان طائعا و سواء كان مطيعا أو مخالفا فإن العبد الآبق لا يخرجه إباقه عن الرق و إنما يخرجه عن لوازم العبودية من الوقوف بين يدي سيده لامتثال أوامره و مراسمه أ لا ترى اسم العبودية ينسحب عليه سواء كان مطيعا أو مخالفا كما يبقى اسم البنوة على الابن سواء كان بارا أو عاقا فالعبد الذي وفى ما خلق له لا يخلو أمره في نفسه من حالتين إما أن يكون مشهوده قيمته فهو يقوم في مقام قيمته فيصحبه الانكسار و التسليم و الخضوع و إما أن يقام في حال الاعتزاز بسيده فيظهر عليه العجب بذلك و النخوة كعتبة الغلام لما زهى فقيل له في ذلك فقال و كيف لا أزهو و قد أصبح لي مولى و أصبحت له عبدا كما هو الأمر في نفسه و لكن الفضل في أن يكون ذلك الأمر مشهودا له فهاتان حالتان محمودتان تشهد كل واحدة منهما للعبد بأنه وفى بما خلق له و بقي أي الجالتين أولى بالعبد هل شهود القيمة أو الاعتزاز بالسيد فمن قائل بهذا و من قائل بهذا و الصحيح عندي عدم الترجيح في ذلك لما نذكره و ذلك أن المقامات و المواطن تختلف فالموطن الذي يطلب ظهور الاعتزاز بالله لا ينبغي أن يظهر فيه العبد إلا بالاعتزاز بالله و الموطن الذي يقتضي و يطلب بذاته شهود العبد قيمته لا ينبغي أن يظهر فيه هذا العبد إلا بشهود قيمته و قد احتج بعضهم في الاعتزاز بقوله تعالى فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ و بأمره تعالى فَفِرُّوا إِلَى الله و هذه حجة للفريقين فإنه قد يفر إلى الله لطلب الاعتزاز بالله و قد يفر إلى الله لتكون ذلته إلى الله و حاجته لا إلى غيره إذ هو مفطور على الحاجة و الافتقار و لهذا قال بعد الأمر بالفرار إلى الله تعالى وَ لا تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ تفتقرون إليه بل فرواإلى الله في طلب حوائجكم منه التي فطرتم عليها و أما فرار موسى ع الذي علله بالخوف من فرعون و قومه فما كان خوفه إلا من الله أن يسلطهم عليه إذ له ذلك و لا يدري ما في علم الله فكان فراره إلى ربه ليعتز به فوهبه ربه حكما و علما و جعله من المرسلين إلى من خاف منهم بالاعتزاز بالله و أيده بالآيات البينات ليشد منه ما ضعف مما يطلبه حكم الطبيعة في هذه النشأة فإن لها خورا عظيما لكونها ليس بينها و بين الأرواح التي لها القوة و السلطان عليها واسطة و لا حجاب فلازمها الخوف ملازمة الظل للشخص فلا يتقوى صاحب الطبيعة إلا إذا كان مؤيدا بالروح فلا يؤثر فيه خور الطبيعة فإن الأكثر فيه إجراء الطبيعة و روحانيته التي هي نفسه المدبرة له موجودة أيضا عن الطبيعة فهي أمها و إن كان أبوها روحا فللأم أثر في الابن فإنه في رحمها تكون و بما عندها تغذى فلا تتقوى النفس بأبيها إلا إذا أيدها الله بروح قدسي ينظر إليها فحينئذ تقوى على حكم الطبيعة فلا تؤثر فيها التأثير الكلي و إن بقي فيه أثر فإنه لا يمكن زواله بالكلية و اعلم أن الطبيعة ولود لا عقم فيها ودود متحببة لزوجها طلبا للولادة فإنها تحب الأبناء و لها الحنو العظيم على أولادها و بذلك الحنو تستجلبهم إليها فإن لها التربية فيهم فلا يعرفون سواها و لهذا لا نرى أكثر الأبناء إلا عبيدا للطبيعة لا يبرحون من المحسوسات و الملذوذات الطبيعية إلا القليل فإنهم ناظرون إلى أبيهم و هم المترحنون و ليس علامتهم و عدم التنوع في الصور فإن التنوع في الصور كما هو لهم هو للطبيعية أيضا و إنما علامة المتروحنين على أنهم أبناء أبيهم تنزههم عن الشهوات الطبيعية و أخذهم منها ما يقيمون به نشأتهم كما قال ص حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فهمتهم اللحوق بأبيهم الذي هو الروح الإلهي اليائي لا الامري و إنما قلنا اليائي لقوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي بياء الإضافة إليه لأنه فرق بين روح الأمر و بين روح ياء الإضافة فجعل روح الأمر لما يكون به التأييد و جعل روح الياء لوجود عين الروح الذي هو كلمة الحق المنفوخ في الطبيعة فحن حنين الولد إلى أبيه ليتأيد به على ما يطلبه من شهود الحق الخارج عن الروح و الطبيعة من حيث ما هو غني عنهما لا من حيث ما هو متجل للأبناء منهما أو بهما أو فيهما كل ذلك له و هذا مطلب عزيز فإذا ناله و تقوى به أتى الشهوات بحكم الامتنان عليها نزولا منه إليها فهو يحكم بها على المشتهيات ما تحكم عليه شهوة في المشتهيات فهو مشتهي الشهوة و غيره تحت حكم الشهوة فصاحب هذا المقام يحدث عين الشهوة في نفسه قضاء و إجابة لسؤالات من يشتهي من عالمه الخاص به فينالون بتلك الشهوة ما يشتهون فيتنعم الروح الحيواني و هي ناظرة إلى ربها غير محجوبة قد تجلى لها في اسمه الخلاق و خلع عليها هذا الاسم ليتكون عنها ما تريد لا ما تشتهي فهذه هي النفوس الفاضلة الشريفة المتشبهة بمن هي له فتنظر إلى الطبيعة نظر الولد البار لأمه مع استغنائه عنها وفاء لحقها و إن الناس انقسموا في هذا الحكم أقساما فمنهم من عبد الله وفاء لحق العبودية فأقام نشأتها على الكمال فأعطاها خلقها و منهم من عبد الله وفاء لحق الربوبية الذي تستحقه على هذا العبد فأقام نشأة سيادة خالقه عليه فأعطاها خلقها من غير نظر إلى نفسه كما كان الأول من غير نظر إلى سيادة سيده بما هو ظاهر كل نشأة لا بما هي في نفس الأمر لأن العبد لا تعمل له فيما تقتضيه الأمور لأنفسها و منهم من عبده لإقامة النشأتين فأعطاهما خلقهما فأقام نشأة عبوديته و نشأة سيادة سيده و ذلك في وجوده و عينه إذ هو محل لظهور هذه النشأة و منهم من عبد الله لكونه مأمورا بالعبادة و ما عنده خبر بإقامة هذه النشآت فعبده بلازم العبودية فعبادته عن أمر إلهي ما هي ذاتية و منهم من أقامه الله في العبادة الذاتية فلم يحضر أمره إلا في العمل لا في العبادة و منهم في عبده بهذه الوجوه كلها و هو أقوى القوم في العبادة و النشأة القائمة من مثل هذا العبد أتم النشآت خلقا فإن إقامة النشأة لا بد منها فإن كانت مقصودة للعبد أضيفت إليه و حمد عليها و إن لم تكن مقصودة للعبد العابد أقامها الحق تعالى و أضيفت إلى الله و حمد عليها مع ظهورها من العابد و القصد إلى إيجادها أولى من الغفلة عنها أو الجهل بها فمن الناس من يشهد ما ينشئ و من الناس من لا يشهد ما ينشئ لأنه لا يعلم أنه ينشئ فيتولى الله إنشاءه على غير علم منه حتى تقوم صورة النشأة فيشهدها العابد حينئذ صادرة عنه فيحمد الله حيث ظهر منه مثل هذا فهم على طبقات في هذا الباب أعني باب العبادة و هكذا الحكم فيما ينشئ عنهم من صور الأعمال الظاهرة و الباطنة هم فيها على طبقات مختلفة فمنهم الجامع للكل و منهم النازل عن درجة الجمع «فصل» ثم اعلم أن الأحد لا يكون عنه شيء البتة و إن أول الأعداد إنما هو الاثنان و لا يكون عن الاثنين شيء أصلا ما لم يكن ثالث يزوجهما و يربط بعضهما ببعض و يكون هو الجامع لهما فحينئذ يتكون عنهما ما يتكون بحسب ما يكون هذان الاثنان عليه إما أن يكونا من الأسماء الإلهية و إما من الأكوان المعنوية أو المحسوسة أي شيء كان فلا بد أن يكون الأمر على ما ذكرناه و هذا هو حكم الاسم الفرد فالثلاثة أول الأفراد و عن هذا الاسم ظهر ما ظهر من أعيان الممكنات فما وجد ممكن من واحد و إنما وجد من جمع و أقل الجمع ثلاثة و هو الفرد فافتقر كل ممكن إلى الاسم الفرد ثم إنه لما كان الاسم الفرد مثلث الحكم أعطى في الممكن الذي يوجده ثلاثة أمور لا بد أن يعتبرها و حينئذ يوجده و لما كان الغاية في المجموع الثلاثة التي هي أول الأفراد و هو أقل الجمع و حصل بها المقصود و الغني عن إضافة رابع إليها كان غاية قوة المشرك الثلاثة فقال إن الله ثالث ثلاثة و لم يزد على ذلك و ما حكى عن مشرك بالله أنه قال فيه غير ثالث ثلاثة ما جاء رابع أربعة و لا ثامن ثمانية و هكذا ظهرت في البسملة ثلاثة أسماء لما كان من أعطى التكوين يقول بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و التكوين الإلهي عن قول كُنْ و هو ثلاثة أحرف كاف و واو و نون الواو بين الكاف و النون لا ظهور لها لأمر عارض أعطاه سكون النون و سكون الواو إلا أنه للنون سكون أمر فانظر سريان الفردية الأولية كيف ظهر في بروز الأعيان و اعتبر فيما يتكون عنه ثلاثة أمورا جعلها حقوقا فمن أحضر من العابدين المنشئين صور أعمالهم و عباداتهم هذه الحقوق عند إرادتهم إنشاءها و أعطى كل ذي حق حقه في هذه النشآت كان أتم و أعلى درجة عند الله ممن لم يقصد ما قصده و الصورة المنشأة فيها ثلاثة حقوق يقصدها الموجد الفرد الحق الواحد لله و هو ما يستحقه منها من التنزيه أو التسبيح بحمده و حق النفس الصورة من الاسم الفرد و هو إيجادها بعد أن لم تكن لتتميز في حضرة الوجود و تنصبغ به و تلحق بما هو صفة لخالقها و موجدها و هو الله و هذه الدرجة الأولى من درجات التشبه به للظهور في الوجود و الانصباغ به و الحق الثالث ما للغير في وجودها من المصلحة فتعطيه تلك النشأة حق ذلك الغير منها و هو مقصود لموجدها و ذلك الغير صنفان الصنف الواحد الأسماء الإلهية فتظهر آثارها المتوقف ظهور تلك الآثار على وجود هذه العين و الصنف الآخر ما فيها من حقوق الممكنات التي لا تكون لها إلا بوجود هذه الصورة المنشأة فيقصد المنشئ لها في حين الإنشاء هذه الأمور كلها فيكون الثناء الإلهي على هذا العابد بحسب ما أحضر من ذلك و ما قصد فمنهم من يجمع هذا كله في صورة عبادته و صورة عمله فيسري التثليث في جميع الأمور لوجوده في الأصل و لهذا قال فيمن قال بالتثليث إنه كافر فقال لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ و ما سماه مشركا فإنه ستر ما كان ينبغي له إذ قال به أن يبين صورته و لو أبان صورته لقال هذا الذي قلناه و تبين للسامع الحق في ذلك فلما ستر هذا البيان سماه كافرا لأنه ما من إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ و إن كانت له أحكام مختلفة و لا بد منها فلو لم يستر هذا الكافر و أبان لقال ما هو الأمر عليه و أما من يدعي أن الآلهة ثلاثة فذلك مشرك جاهل و نعوذ بالله أن يكون عاقل من المشركين فالعدد أحكام الواحد و قد جاء العدد في الأسماء الحسنى و جاء قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا من حيث دلالته على عين المسمى فَلَهُ أي لذلك المسمى الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي الله و الرحمن منها من حيث ما هي أسماء لكن الأفهام قاصرة عن إدراك ما يريده الله في خطابه بأي لسان كان فهذا بعض ما في هذا المنزل قد ذكرناه فلنذكر ما يحوي عليه من العلوم النافعة على طريق الذكرى فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فنقول وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ و يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فمن ذلك علم أسماء التكوين و علم حروف التكوين و علم الأرواح المفرقة لا الجامعة و علم الأمور الحاملة للأشياء ما يقصد بحملها و لمن تنتهي بالحمل إليه و علم السعايات ما نهايتها و ما المقصود بها من السعاة هل لنيل ما ليس عندهم أو لإيصال ما عندهم لمن يطلبه إما بذاته الذي هو الطلب الذاتي و إما بسؤال منه في ذلك فيعطيه هذا الساعي بتيسير و بريحة من سعيه إليه و كده و مشقته و علم تفاصيل الأمور و لما ذا ترجع تفاصيلها و تقسيمها هل إلى الأصل و هو الأسماء الإلهية أو للقوابل و هي أعيان الممكنات أو للمجموع أي أمر كان من الأمور التي يطلبها التفصيل و التقسيم و علم الجزاء و صدق الوعد دون الوعيد و علم مدارج الملائكة و الأرواح المفارقة المحمولة في الصور الجسدية و علم الخلاف من علم الاتفاق و فيما ذا ينبغي الاتفاق و فيما ذا ينبغي الاختلاف و هل للاختلاف وجه إلى الموافقة أم لا و علم السبب الذي منه تنبأ من ليس بنبي و هو المتنبئ و علم سبب السهو في العالم و علم الفتن و الملاحم و علم صورة الأخذ من الله كيف يكون على الكشف و ما أنتجه في الآخذين من أعمالهم في زمان التكليف و علم المسامرة بعد إعطاء الحقوق و علم الستر و التجلي في بعض المواطن و علم أداء الحقوق و من يؤدي بعد طلب صاحب الحق حقه و من يبادر به و علم علامات اليقين و علم أينيات الأشياء و يتميز كل أين بتميز الشيئية التي تطلبه و علم التشبيه بين الأشياء للروابط التي تجمعها و الوجوه و إن فرقتها أمور أخر فحكم الجامع لا يزول كما إن حكم الفارق لا يزول فإنه الحكم المقوم لذات الشيء و علم حقوق الزائرين و علم سبب تقديم السلام على تقديم الطعام للضيف النازل و تقديم الطعام قبل الكلام و علم ما يتعين على الضيف أن يقوله و يعرف به صاحب المنزل و ما لا يتعين عليه و علم الرسالة و ظهور الملك في صورة البشر عند أداء الرسالة ما سببه في بعض الأحوال دون بعض و علم الرسالة البشرية و علم الأخذات الإلهية و علم تأثير القوة هل يؤثر في قوى أو ضعيف مطلق أو ضعيف إضافي و علم التمهيد و السياسات و النواميس و الشرائع و علم النتاج و الإنتاج بين الزوجين و علم ما طلب الحق من عباده على الإطلاق و العموم و على التقييد