قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الرابع و الثلاثون و ثلاثمائة في معرفة منزل تجديد المعدوم و هو م

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
هوى النور فارتدت عقول كثيرةعن الحق لما أن تحققت الهوى
و جاء بحب لا يشوب صفاءهمن الرنق ما يعميه في موقف السوي
و أثبته النعت الودود بذاتهفقام خطيبا بين مروة و الصفا
و قال أنا العشق الذي سجدت لهجباه لعشاق و أوجهها العلا

اعلم أيدك الله أن تجديد المعدوم لا يكون إلا في المعدوم الإضافي كعدم زيد الذي كان في الدار فعاد إلى الدار بعد ما كان معدوما عنها بوجوده في السوق قال تعالى في هذا المقام ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فكان محدثا عندهم لا في عينه و أما في الأعراض فهل ترد بأعيانها بعد عدمها أو هي أمثالها لا أعيانها ففي إمكان النظر العقلي أنه لا يحيل رجوعها في أعيانها بعد عدمها فيكون عين الحركة من المتحرك إذا التحقت بالعدم ثم أعقبها السكون ثم تحرك ذلك الساكن في زمان آخر يمكن أن يكون تحريكه عين حكم تلك الحركة أوجدها الحق بعد عدمها أو زمان عدمها بكونه خلقها في متحرك آخر غير ذلك المحل فيكون ذلك تجديد الوجود عليها فتنصف بالوجود مرتين أو مرارا و هذا في الكشف لا يكون للاتساع الإلهي فلا يتكرر شيء أصلا فهو في خلق جديد لا في تجديد فإذا أطلق على الجديد اسم التجديد فلما يعطيه الشبه القوي الذي يعسر ميزه و فصله عن مثله فيتخيل لوجود الإمكان في النظر العقلي أنه عين ما انعدم جدد الحق عليه الوجود و يقال في الليل و النهار الجديدان لا المتجددان فما هو يوم السبت يوم الأحد و لا هو يوم السبت من الجمعة الأخرى و لا هو من الشهر و لا من السنة الأخرى و لا واحد الأحد عشر المركب من العشرة و الواحد الذي كان واحدا في أول العدد و العشرة التي انتهى إليها العدد و حينئذ ظهر التركيب بل هذا واحد مثله و عشرة مثلها و لهما حقيقة واحدة هي أحدية الأحد عشر و الواحد و العشرين و الواحد و الثلاثين و كل ما ظهر من واحد مركب ما هو عين الواحد الآخر المركب و لا هو عين الواحد البسيط تركب بل هو أحد عشر لنفسه حقيقة واحدة و كذلك واحد و عشرون و واحد و مائة و واحد و ألف كل واحد مع ما أضيف إليه عين واحدة ما هو مركب من أمرين فاعلم ذلك فإنه علم نافع في الإلهيات لما فيها من الأسماء و الصفات المقولة على الذات المعقول منها كونها كذا ما هو عين كونها كذا فتعرف من هذا من تجلى لك في كل تجل و لهذا قالت الطائفة من أهل الأذواق إن الله ما تجلى في صورة واحدة مرتين و لا في صورة واحدة لشخصين فهو في كل يوم من أيام الأنفاس التي هي أصغر الأيام في شأن بل في شئون فمن علم سعة الله علم سعة رحمته فلم يدخلها تحت الحجر و لا قصرها على موجود دون موجود و اعلم أيدنا الله و إياك أن القرآن مجدد الإنزال على قلوب التالين له دائما أبدا لا يتلوه من يتلوه إلا عن تجديد تنزل من الله الحكيم الحميد و قلوب التالين لنزوله عرش يستويعليها في نزوله إذ أنزل و بحسب ما يكون عليه القلب المتخذ عرشا لاستواء القرآن عليه من الصفة يظهر القرآن بتلك الصفة في نزوله و ذلك في حق بعض التالين و في حق بعضهم تكون الصفة للقرآن فيظهر عرش القلب بها عند نزوله عليه سئل الجنيد رضي الله عنه عن المعرفة و العارف فقال لون الماء لون إنائه و لو سئل عارف عن القرآن و القلب المنزل عليه لأجاب بمثل هذا الجواب و اعلم أن الله نعت العرش بما نعت به القرآن فجاء القرآن مطلقا من غير تقييد و جاء ذكر العرش مطلقا من غير تقييد فالقرآن المطلق للعرش المطلق أو العرش المطلق للقرآن المطلق بحسب ما يقع به الشهود من المؤثر و المؤثر فيه و العرش المقيد بما قيد به القرآن فقرآن عظيم لعرش عظيم و قرآن كريم لعرش كريم و قرآن مجيد لعرش مجيد فكل قرآن مستو على عرشه بالصفة الجامعة بينهما فلكل قلب قرآن من حيث صفته مجدد الإنزال لا مجدد العين و الدرجات الرفيعة لذي العرش كالآيات و السور للقرآن فأما القرآن المطلق فمثل قوله شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ و العرش المطلق في قوله رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ فالقلب ترتفع درجاته بارتفاع درج آيات القرآن و لهذا يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ و ارق كما كنت تقرأ و ينتهي بالرقي إلى آخر آية ينتهي إليها بالقراءة و الدرجات عين المنازل فإذا نزل القرآن على قلب عبد و ظهر فيه حكمه و استوى عليه بجميع ما هو عليه مطلقا و كان خلقا لهذا القلب كان ذلك القلب عرشا له سألت عائشة عن خلق رسول الله ص فقالت كان خلقه القرآن فما من آية في القرآن إلا و لها حكم في قلب هذا العبد لأن القرآن لهذا نزل ليحكم لا ليحكم عليه فكان عرشا له مطلقا كان رسول الله ص في تلاوته القرآن إذا مر بآية نعيم حكمت عليه بأن يسأل الله من فضله فكان يسأل الله من فضله و إذا مر بآية عذاب و وعيد حكمت عليه بالاستعاذة فكان يستعيذ و إذا مر بآية تعظيم لله حكمت عليه بأن يعظم الله و يسبحه بالنوع الذي أعطته تلك الآية من الثناء على الله و إذا مر بآية قصص و ما مضى من الحكم الإلهي في القرون قبله حكمت عليه بالاعتبار فكان يعتبر و إذا مر بآية حكم حكمت عليه إن يقيم في نفسه من يوجه عليه ذلك الحكم فيحكم عليه بهفكان يفعل ذلك و هذا هو عين التدبر لآيات القرآن و الفهم فيه و متى لم يكن التالي حاله في تلاوته كما ذكرنا فما نزل على قلبه القرآن و لا كان عرشا لاستوائه لأنه ما استوى عليه بهذه الأحكام و كان نزول هذا القرآن أحرفا ممثلة في خياله كانت حصلت له من ألفاظ معلمه إن كان أخذه عن تلقين أو من حروف كتابته إن كان أخذه عن كتابة فإذا أحضر تلك الحروف في خياله و نظر إليها بعين خياله ترجم اللسان عنها فتلاها من غير تدبر و لا استبصار بل لبقاء تلك الحروف في حضرة خياله و له أجر الترجمة لا أجر القرآن و لم ينزل على قلبه منه شيء كما قال رسول الله ص في حق قوم من حفاظ حروف القرآن يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم أي ينزل من الخيال الذي في مقدم الدماغ إلى اللسان فيترجم به و لا يجاوز حنجرته إلى القلب الذي في صدره فلم يصل إلى قلبه منه شيء وقال فيهم إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا ترى فيه أثرا من دم الرمية و كلامنا ليس هو مع من هذه صفته من التالين و ليس التالي إلا من تلاه عن قلبه و القرآن صفة ربه و صفة ذاته و القلب المؤمن به التقى الورع قد وسعه فهذا هو العرش الذي وسع استواء الحق الذي هو رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ و ما أحسن ما نبه الله على صاحب هذا المقام الذي كان قلبه عرشا للقرآن ذوقا و تجليا فيعلم لذوقه و خبرته اتصاف الرحمن بالاستواء على العرش ما معناه و أمر من ليس يعلم ذلك أن يسأل من يعلمه علم خبرة من نفسه لا علم تقليد فقال تعالى ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا أي فالمسئول الذي هو بهذه الصفة من الخبرة يعلم الاستواء كما يعلمه العرش الذي استوى عليه الرحمن لأن قلبه كان عرشا لاستواء القرآن كما قررناه فانظر ما أعجب تعليم الله عباده المتقين الذي قال فيهم إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و اتَّقُوا الله وَ يُعَلِّمُكُمُ و معناه أن يفهمكم الله معاني القرآن فتعلموا مقاصد المتكلم به لأن فهم كلام المتكلم ما هو بأن يعلم وجوه ما تتضمنه تلك الكلمة بطريق الحصر مما تحوي عليه مما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان و إنما الفهم أن يفهم ما قصده المتكلم بذلك الكلام هل قصد جميع الوجوه التي يتضمنها ذلك الكلام أو بعضها فينبغي لك أن تفرق بين الفهم للكلام أو الفهم عن المتكلم و هو المطلوب فالفهم عن المتكلم ما يعلمه لا من نزل القرآن على قلبه و فهم الكلام للعامة فكل من فهم من العارفين عن المتكلم فقد فهم الكلامو ما كل من فهم الكلام فهم عن المتكلم ما أراد به على التعيين إما كل الوجوه أو بعضها فقد نبهتك على أمر إذا تعملت في تحصيله من الله حصلت على الخير الكثير و أوتيت الحكمة جعلنا الله ممن رزق الفهم عن الله فنزول القرآن على القلب بهذا الفهم الخاص هي تلاوة الحق على العبد و الفهم عنه فيه تلاوة العبد على الحق و تلاوة العبد على الحق عرض الفهم عنه ليعلم أنه على بصيرة في ذلك بتقرير الحق إياه عليه ثم يتلوه باللسان على غيره بطريق التعليم أو يذكره لنفسه لاكتساب الأجر و تجديد خلق فهم آخر لأن العبد المنور البصيرة الذي هو عَلى نُورٍ من رَبِّهِ له في كل تلاوة فهم في تلك الآية لم يكن له ذلك الفهم في التلاوة التي قبلها و لا يكون في التلاوة التي بعدها و هو الذي أجاب الله دعاءه في قوله رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فمن استوى فهمه في التلاوتين فهو مغبون و من كان له في كل تلاوة فهم فهو رابح مرحوم و من تلا من غير فهم فهو محروم فالآية عنده ثابتة محفوظة و الذي يتجدد له الفهم فيها عن الله في كل تلاوة و لا يكون ذلك إلا بإنزال فتارة يحدث إنزاله من الرب الذي ينظر إلى التالي خاصة لا من حضرة مطلق الربوبية و تارة يحدث إنزاله من الرحمن مطلقا لكون الرحمن له الاستواء على العرش المحيط مطلقا و له الرحمة التي وسعت كل شيء فلم يتقيد و الرب ليس كذلك فإنه ما ورد الرب في القرآن إلا مضافا إلى غائب أو مخاطب أو إلى جهة معينة أو إلى عين مخصوصة بالذكر أو معين بدعاء خاص لم يرد قط مطلقا مثل الرحمن و الاسم الله له حكم الرحمن و حكم الرب فورد مضافا و مطلقا مثل قوله قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ فورد مطلقا و مثل قوله وَ إِلهُكُمْ فورد مقيدا و لكن بلفظة إله لا بلفظ الله فمن راعى قصد التعريف لم يفرق بين الله و الإله و من راعى حفظ الاسم و حرمته حيث لم يتسم به أحد و تسمى بإله فرق بين اللفظتين و إذا فرق فيكون حكم لفظ الله لا يتقيد فإذا كان حدوثه في الإنزال على القلب من الرب ينزل مقيد أو لا بد فيكون عند ذلك قرآنا كريما أو قرآنا مجيدا أو قرآنا عظيما و يكون القلب النازل عليه بمثل ما نزل عليه من الصفة عرشا عظيما أو عرشا كريما أو عرشا مجيدا و إذا حدث نزوله من الرحمن على القلب لم يتقيد بإضافة أمر خاص فكان القلب له عرشا غير مقيد بصفة خاصة بل له مجموع الصفات و الأسماء كما إن الرحمن له الأسماء الحسنى كذلك لهذا العرش النعوت العلى بمجموعها و إنما قلنا ذلك لأنه نزل علينا في الفهم عن الله في القرآن إطلاق القرآن في موضع و تقييده بالعظمة في موضع في قوله وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً من الْمَثانِي وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ و قيده في موضع آخر بالمجد فقال بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ و ق وَ الْقُرْآنِ الْمَجِيدِ و قيده في موضع آخر بصفة الكرم فقال تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فلما أطلقه و قيده بهذه الصفات المعينة و جعل القلب مستواه خلع عليه نعوت القرآن من إطلاق و تقييد فوصف عرش القلب بالإطلاق في قوله ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ و لم يقيد العرش بشيء من الصفات كما لم يصف الرحمن و لما قيد العرش قيده بما قيد به القرآن من الصفات فقال في العظمة رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فأخذه من القرآن العظيم و قال في الكرم رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ فاستوى عليه القرآن الكريم و قال ذو العرش المجيد في قراءة من خفض و جعله نعتا للعرش فاستوى عليه القرآن المجيد فعظم العرش القلبي و مجد و كرم لعظم القرآن و كرمه و مجده فجاء بثلاثة نعوت للقرآن لما هو عليه الأمر في نفسه من التثليث و قد تقدم الكلام قبل هذا في غير هذا الباب في الاسم الفرد و أن له في المرتبة الأولى التي يظهر فيها وجود عينه مرتبة الثلاثة فهي أول الأفراد فلتنظر هناك رتبة التثليث في العالم و قد تقدم لنا شعر في التثليث في بعض منظومنا نشير به إلى هذا المعنى و هو في ديوان ترجمان الأشواق لنا و أول المقطوعة

بذي سلم و الدير من حاضري الحمىظباء تريك الشمس في صور الدمي
فارقب أفلاكا و أخدم بيعةو أحرس روضا بالربيع منمنما
فوقتا اسمي راعي الظبي بالفلاو وقتا اسمي راهبا و منجما

إلى آخر القصيدة و شرحناها عند شرحنا لديوان ترجمان الأشواق و قد علمت يا ولي حدوث نزول القرآن المطلق على القلب من غير تقييد و إنه الذكر الذي آتاه من الرحمن و لكن ما أعرض عنه كما أعرض من تولى عن ذكره تعالى بل تلقاه بالقبول و الترحيب فقال له أهلا و سهلا و مرحبا فرد بتأهيل و سهل و مرحب و جعل قلبه عرشا له فاستوىعليه بحكمه و أما إذا أتاه القرآن من ربه فإنه القرآن المقيد بالصفات التي ذكرناها فيتلقاه أيضا هذا العبد كما تلقاه من الرحمن بأهل و سهل و مرحب و يجعل قلبه عرشا له من حيث تلك الصفة المعينة فيكسوه القرآن صفة ما جاء به من عظمة أو مجد أو كرم فظهرت صورة القرآن في مرآة هذا القلب فوصف القلب بما وصف به القرآن فإن كان نزوله بصفة العظمة أثر في القلب هيبة و جلالا و حياء و مراقبة و حضورا و إخباتا و انكسارا و ذلة و افتقارا و انقباضا و حفظا و مراعاة و تعظيما لشعائر الله و انصبغ القرآن كله عنده بهذه الصفة فأورثه ذلك عظمة عند الله و عند أهل الله و لم يجهل أحد من المخلوقات عظمة هذا الشخص إلا بعض الثقلين لأنهم ما سمعوا نداء الحق عليه بالتعريف و قد ورد عن رسول الله ص أنه قال إذا أحب الله عبدا قال لجبريل إني أحب فلانا فيحبه جبريل ثم يأمره أن يعلم بذلك أهل السماء فيقول ألا إن الله تعالى قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء كلهم ثم يوضع له القبول في الأرض و لكن عند من و أين كان قتلة الأنبياء من هذا القبول أخبرنا صاحبنا موسى السدراني و كان صاحب خطوة محمولا قال لما وصلت إلى جبل قاف و هو جبل عظيم طوق الله به الأرض و طوق هذا الجبل بحية عظيمة قد جمع الله رأسها إلى ذنبها بعد استدارتها بهذا الجبل قال موسى فاستعظمت خلقها قال فقال لي صاحبي الذي كان يحملني سلم عليها فإنها ترد عليك قال ففعلت فردت السلام و قالت كيف حال الشيخ أبي مدين فقلت لها و أنى لك بالعلم بهذا الشيخ فقالت و هل على وجه الأرض أحد يجهل الشيخ أبا مدين فقلت لها كثير يستخفونه و يجهلونه و يكفرونه فقالت عجبا لبني آدم إن الله مذ أنزل محبته إلى من في الأرض و إلى الأرض عرفته جميع البقاع و الحيوانات و عرفته أنا في جملة من عرفه فما تخيلت أن أحدا من أهل الأرض يبغضه و لا يجهل قدره كما هم أهل السماء في حق من أحبه الله فلما سمعت منه هذه الحكاية قلت أين هذا الأمر من كتاب الله قال لا أدري قلت له لما خلق الله آدم الإنسان الكامل على الصورة أعطاه حكمها في العالم حتى تصح النسبة و النسب فقال تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ فأطلق وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ فعم الأمهات و المولدات و ما ترك شيئا من أصناف المخلوقات فلما وصل بالتفصيل إلى ذكر الناس قال وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ و لم يقل كلهم فجعل عبده الصالح المحبوب في الحكم على صورته فأحبه بحب الله جميع من في السموات و من في الأرض على هذا التفصيل و كثير من الناس لا كلهم فكفروه كما كفروا بالله و شتموه كما شتموا الله تعالى و كذبوه كما كذبوا الله و قد ورد في الحديث الصحيح الإلهي أن الله يقول كذبني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك و شتمني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك الحديث فإذا وجد الإنسان من نفسه هذه الصفة التي ذكرناها عند التلاوة أو استحضار القرآن علم إن القرآن العظيم أتاه من ربه في ذلك الوقت و إذا جلى الله له سبحانه و كشف له عن شرف نفسه بخلقه على صورة ربه و ما أعطاه الله من ظهوره بالأسماء الإلهية و ما فضله الله به من حيث إنه جعله العين المقصودة و وسع قلبه حتى وسع علما بما تجلى له و كشف له عن منزلته عنده و قبوله لزيادة العلم به دائما و تأهله للترقي في ذلك إلى غير نهاية دنيا و آخرة و ما سخر في حقه مما في السموات و ما في الأرض جميعا و نظر إلى نظر كل جزء من العالم إليه بعين التعظيم و الشغوف عليه و رأى كل العالم في خدمته كما هو في تسبيح ربه لظهوره عندهم في صورة ربه و يظهر هذا كله لهذا الشخص عند التلاوة للقرآن لا غير علم عند ذلك أنه يتلو القرآن المجيد و أنه الذي نزل عليه و أتاه من ربه و لهذا كشف له منزولة شرفه و مجده فاستوى مجيد على مجيد و إذا جلى الله له سبحانه و كشف له عن كرم نفسه بما يؤثر به على نفسه مع وجود الحاجة لما آثر به و سعى في قضاء حوائج الناس من مؤمن و غير مؤمن و نظر جميع العالم بعين الرحمة فرحمه و لم يخص بذلك شخصا من شخص و لا عالما من عالم بل بذل الوسع في إيصال الرحمة إليهم و قبل أعذارهم و تحمل أعباءهم و جهلهم و إذا هم و جازاهم بالإساءة إحسانا و بالذنب عفوا و عن الإساءة تجاوزا و سعى في كل ما فيه راحة لمن سعى له و ذلك كله في حال تلاوته علم قطعا أنه يتلو القرآن الكريم فإن هذه صفته و أنه القرآن الذي أتاه من ربه و أن الله يعامله بمثل ما عامل به و أعظم ما يتكرم به العبد ما يتكرم به على الحق بطاعته و امتثال أمره فإن الله يفرح بتوبة عبده فإذا تكرم على الله بمثل هذا فقد أغاظ عدو الله و هذا أعظم الكرم فإن الأخلاق المحمودة لا تحصل للعبد إلا بهذا الطريق الذيقررناه فمن أخذ الأخلاق كما تقرر أخذها فهو المتمم لمكارم الأخلاق و المنعوت بها و ذلك لا يكون إلا بالتكرم على الله فإنا قد علمنا أنه من المحال أن يعم الإنسان بخلقه و يبلغ به رضي جميع العالم لما هو العالم عليه في نفسه من المخالفة و المعاداة فإذا أرضى زيدا أسخط عدوه عمرا فلم يعم بخلقه جميع العالم فلما رأى استحالة ذلك التعميم عدل إلى تصريف خلقه مع الله فنظر إلى كل ما يرضى الله فقام فيه و إلى كل ما يسخطه فاجتنبه و لم يبال ما وافق ذلك من العالم مما يخالفه فإذا أقيم في هذا النظر في حال التلاوة علم إن القرآن الكريم نزل عليه فأعطاه صورته و صفته فإن الله ما نظر من هذا العلم إلا للإنسان لا إلى الحيوان الذي هو في صورة الإنسان فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فإذا تصرف هذا التالي في العالم تصرف الحق من رحمته و بسط رزقه و كنفه على العدو و الولي و البغيض و الحبيب بما يعم مما لا يقدح و يخص جناب الحق بطاعته و إن أسخط العدو كما خص الحق بتوفيقه بعض عباده و لم يعم كما عم في الرزق فمن هذه صفته في حال تلاوته فإنه يتلو القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون و هو قلب هذا التالي تَنْزِيلٌ من رَبِّ الْعالَمِينَ و ما قال رب المؤمنين لعموم الكرم في الرزق و الحياة الدنيا فاعلم يا ولي ما تتلو و بمن تتلو و من يسمعك إذا تلوت و بمن تسمع إذا كان الحق يتلو عليك و هذا القدر كاف في التنبيه على شرف هذا المنزل فلنذكر ما يحوي عليه من العلوم فمن ذلك علم منازل القرآن و علم الأوتاد الأربعة الذين قيل إن الشافعي واحد منهم و علم تعجب الحق و كل ما يتعجب منه فهو خلقه و علم ما يؤخذ منك و ما يبقى عليك و من يأخذه منك و هل يأخذه عن عطاء منك أو يأخذه الآخذ جبرا و علم بعض مراتب الكتب الإلهية التي عنده و لم تنزل إلينا و علم السبب الذي حال بيننا و بين أن يكون لنا من الله ما كان للرسل منه و هو قوله ع في الحديث الصحيح في الكشف فقال ص لو لا تزييد في حديثكم و تمريج في قلوبكم لرأيتم ما أرى و لسمعتم ما أسمع فهذا قد أبان عن الطريق الموصلة إلى المقام الذي منه رأى ما رأى و سمع ما سمع فهل يوجد من يزول عنه هذا المانع فيصل إلى هذا المقام أم لا فنحن نقول بأنه يزول فإن الله قد أمر أن يبين للناس ما نزل إليهم و ما أبان عن مانع عن رقى إلى مرتبة عليا إلا ليزال و لا ذكر منزلة زلفى إلا لتنال فمن جد وجد و من قصر فلا يلومن إلا نفسه و علم الاعتبار و علم مقام الصلاح الذي يطلبه الأنبياء ع أن يكون لهم و علم ما تنتجه الأعمال البدنية من المعارف الإلهية من طريق الكشف و علم نزول العلم و حكمه في قلوب العلماء و ما فيه من زيادة الفضل على من ليس له هذا المقام و علم تجديد المعدوم و علم إحصاء الأنفاس بالتمحيص لهذا الإنسان دون غيره و علم تقاسيم السكر في المشروب و علم ما هو الصور الذي ينفخ فيه فيكون عن النفخ ما يكون من صعق و بعث بسرعة و علم التوكيل الإلهي على العبيد إلى أن يبلغ مداه و يزول و علم العلم الذي ينزل منزلة العين في الطمأنينة الذي قال فيه علي رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا و علم التمييز بين الفرق و علم محل الخصام من الدار الأخرى و علم السوابق و حكمها و علم النقص في العالم أنه من كمال العالم و علم مال السعداء و طبقاتهم في السعادة و علم استخراج الكنوز و علم أحكام أصناف الموصوفين بالوجود و علم الذكر المؤقت و غير المؤقت و ما فائدة التوقيت في ذلك و علم ما يهون وروده على من ورد عليه مما لا يهون و علم مراتب العالم فانظر يا ولي أي علم تريده فتعمل في تحصيله من الطريق التي توصلك إليه أو التحلي بالصفة التي تنزله عليك فإنك بين أعمال بدنية و هي محجة السلوك بالأعمال و بين أخلاق روحانية و صفات معنوية إذا كنت عليها نزلت إليك المراتب و تجلت لك من ذاتها و طلبتك لنفسها و إذا كنت صاحب محجة وصلت إلى غايتها بالطلب و فرقان بين الطالب و المطلوب و المراد و المريد وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ