قال الله تعالى وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى و جاء في الخبر أن المؤمن مرآة أخيه و المؤمن اسم من أسماء الله و قد خلق آدمعلى صورته و له التخلق بالمؤمن و آخى رسول الله ص بين أصحابه بدار الخيزران و أخذ بيد علي و قال هذا أخي و قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فجعل أباهم الايمان فهم إخوة لأب واحد و قال موسى لربه حين بعثه إلى فرعون رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً من لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً من أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ به أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ في أَمْرِي فأتاه الله سؤله فاعلم يا ولي أن المقام الجامع للأسماء الإلهية التي لها التأثير في الممكنات أخ صحيح الأخوة شقيق للمقام الجامع لاستعدادات القوابل الممكنات و هما إخوان لأب واحد يشد كل واحد منهما آزر صاحبه و لكن الأسماء هي الطالبة للاستعدادات أن يشد الله بها أزرها فافهم فإن هذا من علم الأسرار التي مقامها بين الستر و الكشف و هو من أصعب العلوم في التصور حيث لا يصح نفوذ الاقتدار إلا باتفاق في الأخوين لا بأحدهما و بهما ظهرت أعيان الممكنات و حصلت في الوجود معرفة الكائنات بالله و وصل بوجود هذه المعرفة المحدثة الحق سبحانه إلى عين مطلوبه فإنه ما أوجد العالم إلا ليعرفه العالم و العالم محدث و لا يقوم به إلا محدث فقامت به المعرفة بالله إما بتعريف الله و إما بالقوة التي خلق فيه التي بها يصل إلى معرفة الله من وجه خاص لا غير فمن نزهة بهذه القوة فقد عرفه و كفر من شبهه و من شبهه بهذه القوة فقد عرفه و جهل من نزهة بل كفره و من عرفه بالتعريف الإلهي جمع بين التنزيه و التشبيه فنزهه في موطن التنزيه و شبهه في موطن التشبيه و كل صنف من هذه الأصناف صاحب معرفة بالله فما جهله أحد من خلق الله لأنه ما خلقهم إلا ليعرفوه فإذا لم يتعرف إليهم بهذه القوة الموصلة التي هي الفكر أو بالتعريف الإنبائي لم يعرفوه فلم يقع منه في العالم ما خلق العالم له و لنا في هذا المقام الذي عم المعتقدات نظم و هو هذا
فالعارف الكامل يعرفه في كل صورة يتجلى بها و في كل صورة ينزل فيها و غير العارف لا يعرفه إلا في صورة معتقده و ينكره إذا تجلى له في غيرها كما لم يزل يربط نفسه على اعتقاده فيه و ينكر اعتقاد غيره و هذا من أشكل الأمور في العلم الإلهي اختلاف الصور لما ذا يرجع هل إليه في نفسه و هو الذي وقع به الإنباء الإلهي و أحاله الدليل العقلي الذي أعطته القوة المفكرة فإذا كان الأمر على ما أعطاه الإنباء الإلهي فما رأى أحد إلا الله فهو المرئي عينه في الصور المختلفة و هو عين كل صورة و إن رجع اختلاف الصور لاختلاف المعتقدات و كانت تلك الصور مثل المعتقدات لا عين المطلوب فما رأى أحد إلا اعتقاده سواء عرفه في كل صورة فإنه اعتقد فيه قبول التجلي و الظهور للمتجلي له في كل صورة أو عرفه في صورة مقيدة ليس غيرها فمثل هذا العلم لا يعلم إلا بأخبار إلهي و قرينة حال فأما الإخبار الإلهي فقول رسول الله ص إنه الذي يتحول في الصور في الحديث الصحيح و قرينة الحال كونه ما خلق الخلق إلا ليعرفوه فلا بد أن يعرفوه إما كشفا أو عقلا أو تقليدا لصاحب كشف أو عقل و الرؤية تابعة للمعرفة فكما تعلقت به المعرفة فكان معروفا تعلقت به الرؤية فكان مرئيا فإن قال منكر الأمرين الذي لا يقول بالوصول إلى معرفته و لا إلى رؤيته و إنما العلم به معرفة الناظر في ذلك بأنه يعجز عن معرفته فيعلم عند ذلك أن من هو بهذه المثابة هو الله فقد حصل العلم به إجمالا في عين الجهل به و العجز و هو قول بعضهم العجز عن درك الإدراك إدراك فهذا القدر هو المسمى معرفة بالله و صاحبهذا القول إن جوزي بقوله فإنه لا يرى الله أبدا كما لا يعلمه أبدا و إن لم يجازه الله بقوله و بدا له من الله ما لم يكن يحتسب و علم منه في ثاني حال خلاف ما كان يعلمه فإنه يراه و يعلم أنه هو و الصحيح أنه يعلم و يرى فإن الله تعالى خلق المعرفة المحدثة به لكمال مرتبة العرفان و مرتبة الوجود و لا يكمل ذلك إلا بتعلق العلم المحدث بالله على صورة ما تعلق به العلم القديم و ما تعلق القديم بالعجز عن العلم به كذلك العلم المحدث به ما تعلق إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه و الذي هو عليه في نفسه إنه عين كل صورة فهو كل صورة فما وقع العجز من هذا العبد إلا في كونه قصره على صورة واحدة و هي صورة معتقده و هو عين صورة معتقده فما عجز إلا عن الحكم عليه بما ينبغي له و لا يتصف بالعجز عن العلم به إلا من أخذ العلم من دليل عقله و أما من أخذ العلم به من الله لا من دليله و نظره فهذا لا يعجز عن حصول العلم بالله فإنه ما حاول أمرا يعجز عنه فيعترف بالعجز عنه و ليس هذا الذي يطلبه بنظره في دليل عقله و علمه من طريق التعريف و التجلي الذي هو علم موهوب من حكيم حميد فالقائل سبحان من لا يعرف إلا بالعجز عن المعرفة به صاحب علم نظر لا صاحب تعريف إلهي و أما العجز عن إحصاء الثناء عليه فهذا قول كامل محقق فإنه لا يكون العجز عن إحصاء الثناء عليه إلا بعد العلم بالمثنى عليه ما هو فيعلم أنه أعظم من أن يحيط به ثناء و يبلغ فيه وصف منتهاه كما قيل في بعض المخلوقات
إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت الذي نثني و فوق الذي نثني
هذا قول في مخلوق و هو قول محقق فكيف الثناء على الله سبحانه و إنما حققنا قول هذا الشاعر في هذا المخلوق مع ما يتخيل العقل بنظره إن الإحاطة بالثناء على المخلوق ممكنة و ليس الأمر في نفسه كذلك و إنما هذا الشاعر قال حقا إما مصادفة إما عن تحقق له و ذلك في قوله فأنت الذي نثني و هو ما هو عليه ذلك الممدوح في الوقت و فوق الذي نثني فإنه محل قابل لما يخلق الله فيه من النعوت التي يخلق فيه فيثني عليه بها و هذا النعوت فيه لا نهاية لها أي لما يكون عنها مما يوجب الثناء بها على الممدوح و إذا كان هذا الثناء على الحق تعالى فلها البقاء في الوجود لذاتها لا تقبل العدم و الثناء منا عليه دائم بتجدد لأنه في كل نفس فينا يتجدد علينا علم بالله فنثني عليه به أو علم بأمر ما لم يكن عندنا فنثني عليه به و نحن ما ننشد هذا البيت كما قاله صاحبه و إنما ننشده على ما قلناه و أعطانا ذلك العلم به فنقول
إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت الذي تثني و لسنا الذي نثني
و هذا فوق ما قاله الشاعر من وجه و مساو له من وجه سواء قال ذلك عن علم محقق أو مصادفة و هو لا يعلم فنطقه الله تعالى بالحق من حيث لا يشعر كما أنه يستدرج العبد من حيث لا يعلم و يمكر به من حيث لا يشعر و الحق معلوم معروف في نفسه و العالم به عاجز عن إحصاء الثناء عليه كما ينبغي له فإنه ليس في الوسع حصول ذلك و لا يعطيه استعداد ممكن أصلا فهذا ما أعطاه مؤاخاة الاستعدادات و الأسماء الإلهية و هذه أعلى أخوة يوصل إليها ثم ينزل إلى أخوة دونها و هي قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ و من أسمائه المؤمن و قد وقع النزاع بينهم بما أخبر به عن نفسه أنه كذا فنازعه المؤمن من المخلوقين الذي اجتمع معه في الايمان فكانت له إخوة معه بهذا الايمان بنظره في دليله العقلي أنه على خلاف ما أخبر به عن نفسه مع كونه مصدقا له لكنه تأول عليه فلما ظهرت هذه المنازعة بين المؤمن الحق و المؤمن الخلق قال الله لعلماء الكشف أصلحوا بين أخويكم فدخل المؤمنون العالمون المكاشفون بينهما بالصلح و ذلك أن يكون المؤمن الحق مع هذا المؤمن أخيه حتى يبلغه قوته لأنه مخلوق على كل حال و ما أعطيته الكشف الكامل و لا ظهرت إليه به فليكن معه بحيث يعطيه منزلته فيقول المؤمن الحق للمبلغ عنه قل لهذا المنازع إني أنا الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و إني منزه عن وصف الواصفين فجاء الرسول بالتوقيع الإلهي إلى هذا المؤمن المنازع بقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و بقوله سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و أشباه هذا النوع من التنزيه الذي يعطيه دليل العقل النظري فإذا سمع هذا منه طاب قلبه و جنح إليه و زال نزاعه و جاء العلماء إلى المؤمن الخلق في المصالحة من هذا الجانب و قالوا له أنت تعلم أن المؤمن الحق اعلم بنفسه منك به لا بل اعلم بك من علمك بنفسك و إنك إنما تحكم عليه بما هو خلق له مثلك و هو عقلك و فكرك و دليلك فلا فرق بينك و بين كل مخلوق في العجز عما لا يعجز عنه المؤمن الحق فقف معه في موضع التسليم فإنه و إن كان مؤمنا و أنت مؤمن فأنت على مرتبتك التي تليق بك و هو على مرتبته التي تليق به و أنت تعلم أنك لست مثله و إن جمعكما الايمان فليس نسبته إليه مثلنسبته إليك فإنك لست مثله فلا تغرنك هذه المماثلة و اعرف قدرك فإذا سمع مثل هذا طلب الصلح و الإقالة مما وقع منه من النزاع و امتن المؤمن الحق عليه بما وقع له في المنشور من التنزيه الذي وقع النزاع من أجله فأصلح المؤمنون العالمون بين المؤمن الحق و بين هذا المؤمن الخلق فهكذا فليكن الفهم عن الله فيما أوحى به إلى عباده على ألسنة رسله و أنزله في كتبه ثم في أخوة الايمان درجة أخرى من درجات الكشف و هي قوله بعد أن تسمى لنا بالمؤمن و إنما المؤمنون إخوة لأبوة الايمان قال المؤمن مرآة أخيه وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى هذا القائل فأثبت الأخوة بين المؤمنين و جعل كل واحد من المؤمنين مرآة لأخيه فيراه و يرى فيه نفسه من كونه على أي صورة كان كل مؤمن منهما بهذه المثابة فيكون المؤمن الحق مرآة للمؤمن الخلق فيراه و يعلم أنه يراه كما يعلم صاحب المرآة أن له مرآة ثم ينظر فيها فلا يرى إلا صورته و صورة ما أثرت المرآة فيه و لهذا جعل له عينين ليرى بالعين الواحدة صورته و بالعين الأخرى ما حكمت به المرآة في صورته إذ لم يكن في نفسه على ما حكمت به المرآة عليه في الصورة المحسوسة من الكبر و الصغر و الطول و العرض و الاستقامة و الانتكاس على حسب شكل المرآة و لا يرى هذا الأثر كله هذا الناظر إلا في صورته فيعلم إن له فيه حكما ذاتيا لا يمكن أن يرى نفسه في هذه المرآة إلا بحسب ذلك فإذا كان المؤمن الخلق هو عين المرآة للمؤمن الحق فيراه الحق و هو في نفسه على استعداد خاص فلا يبدو من الحق له إلا على قدر استعداده فلا يرى الحق من نفسه في هذه المرآة الخاصة إلا قدر ذلك فآثرت هذه المرآة في إدراك الرائي القصور على ما رأى بحكم الاستعداد فأشبهه من هذا الوجه فعبر عن هذا المقام بالإخوة إذ لو لا المناسبة بين الأمرين لم يكن كل واحد من الأمرين مرآة لأخيه و ما نصب الله هذا المثال و خلق لنا هذه المرائي إلا ليعطينا النظر فيها إصلاح ما وقع في صورتنا من خلل و ما يتعلق بها من أذى لتزيله على بصيرة فهي تجل لإزالة العيوب فيدلك هذا أن الرائي في المرآة يحصل له علم لم يكن يراه قبل ذلك ففي المؤمن المخلوق يقرب ذلك و يصح و في المؤمن الحق يعسر مثل هذا فهو قوله تعالى في المؤمن الحق وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ كذلك إذا رأى الحق نفسه في مرآة المؤمن المخلوق رأى أنه بحكم استعدادها لا يرى غير ذلك فيها فيزيل عنه هذا الحكم بنظره في مراء متعددة فيختلف الحكم في الصورة الواحدة باختلاف الاستعدادات و هو عينه لا غيره فيعلم عند ذلك أن حكم الاستعداد أعطى ما أعطى و أنه على ما هو عليه في نفسه فزال ما تعلق به من أذى التقيد كما أزال الابتلاء أذى التردد و طلب إقامة الحجة ليكون هو الغالب فقال حتى نعلم فجعل الابتلاء سبب حصول هذا العلم و ما هو سبب حصول العلم و إنما هو سبب إقامة الحجة حتى لا يكون للمحجوج حجة يدفع بها و أما مماثلة الصورة في الخلق فهي للنيابة و الخلافة ما هي للاخوة فإنه من حيث صورة العالم من العالم كما هو الروح من الجسد من صورة الإنسان و هو من حيث صورة الحق ما يظهر به في العالم من أحكام الأسماء الإلهية التي لها التعلق بالعالم فليست الصورة بإخوة كما يراه بعضهم و لهذا لم نذكر الأخوة إلا في أمر خاص و هو المؤمن إلا إن الصورة تشد آزر إخوة الايمان بالسببية فإن الأسباب لو لا ما لها أثر في المسبب ما أوجدها الله و لو لم يكن حكمها في المسببات ذاتيا لم تكن أسبابا و لم يصدق كونها أسبابا و يعلم ذلك فيمن لا يقبل الوجود إلا في محل و ما ثم محل و يريد الموجد إيجاده فلا بد أن يوجد المحل لوجود هذا المراد وجوده فيكون وجود المحل سببا في وجود هذا المراد الذي تعلقت الإرادة به و بإيجاده فعلمت إن للأسباب أحكاما في المسببات فهي كالآلة للصانع فتضاف الصنعة و المصنوع للصانع لا للآلة و سببه أنه لا علم للآلة بما في نفس الصانع أن يصنع بها على التعيين بل لها العلم بأنها آلة لا صنع الذي تعطيه حقيقتها و لا عمل للصانع إلا بها فصنع الآلة ذاتي و ما لجانب الصانع بها إرادي و هو قوله إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ و كن آلة للإيجاد فما أوجد إلا بها و كون تلك الكلمة ذاته أو أمرا زائدا علم آخر إنما المراد هو فهم هذا المعنى و إنه ما حصل الإيجاد بمجرد الإرادة دون القول و دون المريد و القائل فظهر حكم الأسباب في المسببات فلا يزيل حكمها إلا جاهل بوضعها و ما تعطيه أعيانها أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ و لهذا قال موسى وَ أَشْرِكْهُ في أَمْرِي و قال اشْدُدْ به أَزْرِي و هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فعلم ما قال و علمنا نحن من هذا القول ما أشار إليه به ليفهم عنه صاحب عين الفهم فهذا معنى التعاون و هو في قوله اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ و إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و الله في عون العبد ما دام العبد في عونأخيه فلو لا المشاركة في المطلوب بالوجود من المستعان به ما صدق المستعين في استعانته و المستعين قد يستعين شرفا للمستعان به مع غناه عنه على التعيين و إن كان لا بد من سبب أو يكون ممن يستقل به دون السبب فيقصد جعله سببا لشرفه بذلك على غيره ليعلم منزلته عنده فإن الله قد جعل المفاضلة في العالم و أما المؤاخاة بين الأسماء الإلهية فلا تكون إلا بين الأسماء التي لا منافرة بينها لذاتها فإن الله ما واخى إلا بين المؤمنين ما واخى بين المؤمن و الكافر بل لم يجعل لإخوة النسب حظا في الميراث مع فقد أخوة الايمان فليس المدعي إلا أخوة الايمان أ لا تراه إذا مات عن أخ له من النسب و هو على غير دينه لم يرثه أخو النسب و ورثه أخو دينه و الصورة بيننا و بين الحق نسب و دين فلهذا ما يرث الأرض عز و جل إلا بعد موت الإنسان الكامل حتى لا يقع الميراث إلا في مستحق له كما يرث السماء لما فيها من حكم أرواح الأنبياء ع لا من كونها محلا للملائكة فإذا صعقوا بالنفخة ورث الله السماء فأنزل الاسم الوارث الملائكة من السماء و بدل الأرض غير الأرض و السموات كما ذكرناه فيما قبل من هذا الكتاب فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فالمؤمن لا يبغض المؤمن و المؤمن لا يقتل المؤمن لإيمانه و المؤمن يقتل أخا النسب إذا كان غير مؤمن فهذا القدر كاف في هذا الباب فلنذكر ما يحوي عليه من العلوم فمن ذلك علم صورة نداء الحق عباده من أين يناديهم هل يناديهم من حكم مشيئته أو يناديهم من حيث ما هم عليه و من ينادي هل ينادي المعرض أو المقبل أو هما و فيه علم الآداب الإلهية و منازل المخلوقات و ما ينبغي أن يعامل به كل مخلوق بل كل موجود و علم مصالح الموجودات فلا يتصرف صاحب هذا العلم إلا فيما هو مصلحة لنفسه أو لغيره على حسب ما يصرفه المطلوب فهو خارج في تصرفاته عن هوى نفسه إنما هو مع المصالح فهو لكل شيء لا عليه و فيه علم الفهم بما يأتي به كل قائل فيعلم من أين تكلم فيقيم له عذرا فيما ينسب إليه عند من لا يعرف ذلك من الخطاء في قوله و هو علم عزيز يقل الإنصاف فيه من أهله فكيف ممن لا يعرفه و ما يؤثر تارك العمل بمثل هذا العلم في صاحبه من الحسرة و الندامة على عدم استعماله و فيه علم الحكمة في التغافل و التناسي و هو الحلم و الإمهال الإلهي أو من ذي القدرة ليرجع المغفول عنه عما هو عليه مما كان لا ينبغي أن يظهر به و لا عليه و فيه علم كون الأشياء بيد الله ليس بيد المخلوقين منها شيء و إن ظهرت الصور بأيديهم فهي بحكم الاستعارة لا بحكم الملك و فيه علم المنن الإلهية التي أسبغها على العباد في الظاهر و الباطن و تعيين ما يمكن أن يعين منها و علم برزخ المتشاجرين ليقف فيه من يريد رفع التشاجر بينهم و فيه علم الأسماء و شرفها و الفرق بينها و بين ما زاد على الإعلام منها مما وضع لمدح أو ذم و فيه علم العدول عن الطريق التي تحول بين العبد و بين حصول العلم فإنه أعلى ما يطلب و أفضل ما يكتسب و أعظم ما به يفتخر و أسد آلة تعد و تدخر و به مدح الله نفسه بأن له الحجة البالغة و ليس إلا العلم و فيه علم مراتب الخلق الإنساني في الخلق فإنهم على طبقات فيه و ما يسمى به الإنسان الذي خلقه الإنسان هل هو إنسان أو حيوان في صورة إنسان من حيث نشأة جسده و ما الأمر الذي عجز عنه في ظهور النفس الناطقة في هذا المخلوق هل لعدم الاستعداد فيقضي للمنشئ لهذه الصورة ما يقع به قبول نفس ناطقة من النفس الكل أو هل هو تعجيز إرادي إلهي لأنه أمر عظيم و قد ذكر أنه وقع مثل هذا و ذكر في الفلاحة النبطية أن بعض العلماء بعلم الطبيعة كون من المني الإنساني بتعفين خاص على وزن مخصوص من الزمان و المكان إنسانا بالصورة و أقام سنة يفتح عينيه و يغلقها و لا يتكلم و لا يزيد على ما يغذى به شيئا فعاش سنة و مات فما يدري أ كان إنسانا حكمه حكم الأخرس أو كان حيوانا في صورة إنسان و فيه علم الأنساب و الأحساب و فيه علم ما يعتبر الله من المكلف هل يعتبر ظاهره أو باطنه أو المجموع في قبول ما يكون منه بعد التكليف و أما قبله فلا يقيد بل يجري بطبعه من غير مؤاخذة أصلا و هو قوله تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و إذا كان هذا فمن أين وقع الألم للصغير حتى بكى مما يجده و فيه علم كيفية رد الجاهل إلى العلم و فيه علم صورة رد الأمور إلى الله سبحانه و تعالى في قدسه على أي طريق يكون هل بحكم أنه موجدها أو أنه غايتها أو ما هو ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ