قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السادس و الثلاثون و ثلاثمائة في معرفة منزل مبايعة النبات القطب

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

و هو من الحضرة المحمدية»

أقسمت بالله الذي أقسمابنفسه و إي و ربي و ما
بأنه وتر بلا موترفي أرضه و خلقه أينما
و إنه ينزل من عرشهنزوله لعرشه من عما
من غير تكييف و لا فرقةفإنه منزه عنهما

اعلم أيدك الله أن المبايعة العامة لا تكون إلا لواحد الزمان خاصة و إن واحد الزمان هو الذي يظهر بالصورة الإلهية في الأكوان هذا علامته في نفسه ليعلم أنه هو ثم له الخيار في إمضاء ذلك الحكم أو عدم إمضائه و الظهور به عند الغير فذلك له فمنهم الظاهر و منهم من لا يظهر و يبقي عبدا إلا إن أمره الحق بالظهور فيظهر على قدر ما وقع به الأمر الإلهي لا يزيد على ذلك شيئا هذا هو المقام العالي الذي يعتمد عليه في هذا الطريق لأن العبد ما خلق بالأصالة إلا ليكون لله فيكون عبدا دائما ما خلق أن يكون ربا فإذا خلع الله عليه خلعة السيادة و أمره بالبروز فيها برز عبدا في نفسه سيدا عند الناظر إليه فتلك زينة ربه و خلعته عليه قيل لأبي يزيد البسطامي رحمه الله في تمسح الناس به و تبركهم فقال رضي الله عنه ليس بي يتمسحون و إنما يتمسحون بحلية حلانيها ربي أ فامنعهم ذلك و ذلك لغيري و قيل لأبي مدين في تمسح الناس به بنية البركة و تركهم يفعلون ذلك أما تجد في نفسك من ذلك أثرا فقال هل يجد الحجر الأسود في نفسه أثرا يخرجه عن حجريته إذا قبلته الرسل و الأنبياء و الأولياء و كونه يمين الله قيل لا قال أنا ذلك الحجر قال تعالى في هذا المقام إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله فنفاه بعد ما أثبته صورة كما فعل به في الرمي سواء أثبته و نفاه وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى ثم جعل الله يده في المبايعة فوق أيدي المبايعين فمن أدب المبايعة إذا أخذ المبايعون يد المبايع للبيعة ليقبلوها جعلوا أيديهم تحتها و جعلوها فوق أيديهم كما يأخذ الرحمن الصدقة بيمينه من يد المتصدق فمن الأدب من المتصدق أن يضع الصدقة في كف نفسه و ينزل بها حتى تعلو يد السائل إذا أخذها على يد المعطي حتى تكون هي اليد العليا و هي خير من اليد السفلي و اليد العليا هي المنفقة فيأخذها الرحمن لينفقها له تجارة حتى تعظم فيجدها يوم القيامة قد نمت و زادت هذا مذهب الجماعة و أما مذهبنا الذي أعطاه الكشف إيانا فليس كذلك إنما السائل إذا بسط يده لقبول الصدقة من المتصدق جعل الحق يده على يد السائل فإذا أعطى المتصدق الصدقة وقعت بيد الرحمن قبل إن تقع بيد السائل كرامة بالمتصدق و يخلق مثلها في يد السائل لينتفع بها السائل و يأخذ الحق عين تلك الصدقة فيربيها فتربو حتى تصير مثل جبل أحد في العظم و هذا من باب الغيرة الإلهية حيث كان العطاء من أجله لما يرى أن الإنسان يعطي من أجل هواه ما يعظم شأنه من الهبات و يعطي من أجل الله أحقر ما عنده هذا هو الغالب في الناس فيغار الله لجنابه إن لا يرى في مقام الاستهضام فيربي تلك الصدقة حتى تعظم فإذا جلاها في صورة تلك العظمة حصل المقصود فيد المعطي تعلو على يد الآخذ و لهذا قال تقع و الوقوع لا يكون إلا من أعلى و قد قال ص لو دليتم بحبل لهبط على الله أي كما ينسب إلى العلو في الاستواء على العرش هو في التحت أيضا كما هو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ للحفظ كما يحفظ محيط الدائرة الوجود أو نسبة الوجود على النقطة التي ظهرت عنها نسبة الإحاطة لوجود الدائرة المحيطة فله الفوق كما له التحت و له الظاهر كما له الباطن فهو المبايع و المبايع فإنه لا يبايع إلا بالسمع و الطاعة و السمع لا يكون إلا هو و العمل بالطاعة لا يكون إلا له فهو السميع العامل لما أمر بعمله فلنذكر صورة البيعة و لنا فيها كتاب مستقل سميناه مبايعة القطب يتضمن علما كبيرا ما علمنا أنا سبقنا إليه و إن كان العارفون من أهل الله شاهدوه و علموه و لكن شغلهم عن تبيينه للناس ما كان المهم عندهم كما كان إظهاره للناس من المهم عندنا إذ هذه الطائفة لا شغل لها إلا بالأهم هذا إذا لم يظهر بحكم القوة الإلهية فإذا ظهر بها لم يشغله شيء عن شيء إذ هو حق كله فاعلم ذلك إيضاح و بيان لمنصب البيعة و صورتها فاعلم إن الله سبحانه إذا ولي من ولاة النظر في العالم المعبر عنه بالقطب و واحد الزمان و الغوث و الخليفة نصب له في حضرة المثال سريرا أقعده عليه ينبئ صورة ذلك المكان عن صورة المكانة كما أنبأ صورة الاستواء على العرش عن صورة إحاطته علما بكل شيء فإذا نصب له ذلك السرير خلع عليه جميع الأسماء التي يطلبها العالم و تطلبه فيظهر بها حللا و زينة متوجا مسورا مدملجالتعمه الزينة علو أو سفلا و وسطا و ظاهرا و باطنا فإذا قعد عليه بالصورة الإلهية و أمر الله العالم ببيعته على السمع و الطاعة في المنشط و المكره فيدخل في بيعته كل مأمور أعلى و أدنى إلا العالين و هم المهيمون العابدون بالذات لا بالأمر فيدخل في أول من يدخل عليه في ذلك المجلس الملأ الأعلى على مراتبهم الأول فالأول فيأخذون بيده على السمع و الطاعة و لا يتقيدون بمنشط و لا مكره لأنهم لا يعرفون هاتين الصفتين فيهم إذ لا يعرف شيء منهما إلا بذوق ضده فهم في منشط لا يعرفون له طعما لأنهم لم يذوقوا المكره و ما منهم روح يدخل عليه للمبايعة إلا و يسأله في مسألة من العلم الإلهي فيقول له يا هذا أنت القائل كذا فيقول له نعم فيقول له في المسألة وجها يتعلق بالعلم بالله يكون أعلى من الذي كان عند ذلك الشخص فيستفيد منه كل من بايعه و حينئذ يخرج عنه هذا شأن هذا للقطب و الكتاب الذي صنفته فيه ذكرت فيه سؤالاته للمبايعين له التي وقعت في زماننا لقطب وقتنا فإنها ما هي مسائل معينة تتكرر من كل قطب و إنما يسأل كل قطب فيما يخطر الله في ذلك الحين مما جرى لهذا الذي بايعه من الأرواح فيه كلام فأول مبايع له العقل الأول ثم النفس ثم المقدمون من عمال السموات و الأرض من الملائكة المسخرة ثم الأرواح المدبرة للهياكل التي فارقت أجسامها بالموت ثم الجن ثم المولدات و ذلك أنه كل ما سبح الله من مكان و متمكن و محل و حال فيه يبايعه إلا العالين من الملائكة و هم المهيمون و الأفراد من البشر الذين لا يدخلون تحت دائرة القطب و ما له فيهم تصرف و هم كمل مثله مؤهلون لما ناله هذا الشخص من القطبية لكن لما كان الأمر لا يقتضي أن يكون في الزمان إلا واحد يقوم بهذا الأمر تعين ذلك الواحد لا بالأولوية و لكن بسبق العلم فيه بأن يكون الوالي و في الأفراد من يكون أكبر منه في العلم بالله و هذا المنزل يتضمن مبايعة النبات من المولدات و يدخل فيه قوله في الأجسام الإنسانية وَ الله أَنْبَتَكُمْ من الْأَرْضِ فنبتم نَباتاً فجاء في ذكرهم بالإنبات أنه أنبتهم و لم يؤكده بالمصدر و جاء بمصدر آخر ليعرف بأنهم نبتوا حين أنبتهم فأوقع الاشتراك بينه و بينهم في الخلق ينبه أنه لو لا استعدادهم للانبات ما أثرت فيهم الأسماء فكان خروجهم من الأسماء و الاستعداد فللأسماء قوله أَنْبَتَكُمْ من الْأَرْضِ و للاستعداد قوله نَباتاً لأن نباتا مصدر نبت لا مصدر أنبت فإن مصدر أنبت إنما هو إنبات فانظروا ما أعجب مساق القرآن و إبراز الحقائق فيه كيف يعلمنا الله في إخباراته ما هي الأمور عليه فيعطي كل ذي حق حقه إذ لا ينفذ الاقتدار الإلهي إلا فيمن هو على استعداد النفوذ فيه و لا يكون ذلك إلا في الممكنات إذ لا نفوذ له في الواجب الوجود لنفسه و لا في المحال الوجود فسبحان العليم الحكيم و اعلم أن الإنسان شجرة من الشجرات أنبتها الله شجرة لا نجما لأنه قائم على ساق و جعله شجرة من التشاجر الذي فيه لكونه مخلوقا من الأضداد و الأضداد تطلب الخصام و التشاجر و المنازعة و لهذا يختصم الملأ الأعلى و أصل وجوده في العالم حكم الأسماء الإلهية المتقابلة في الحكم لا غير هذا مستندها الإلهي قال تعالى في حق محمد ص إنه قال ما كانَ لِي من عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ حتى أعلمه الله تعالى فعلم إن للطبيعة فيهم أثرا كما إن للأركان في أجسام المولدات أثرا فلما كان الناس شجرات جعل فيهم ولاة يرجعون إليهم إذا اختصموا ليحكموا بينهم ليزول حكم التشاجر و جعل لهم إماما في الظاهر واحدا يرجع إليه أمر الجميع لإقامة الدين و أمر عباده أن لا ينازعوه و من ظهر عليه و نازعه أمرنا الله بقتاله لما علم إن منازعته تؤدي إلى فساد في الدين الذي أمرنا الله بإقامته و أصله قوله تعالى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا فمن هناك ظهر اتخاذ الإمام و أن يكون واحدا في الزمان ظاهرا بالسيف فقد يكون قطب الوقت هو الإمام نفسه كأبي بكر و غيره في وقته و قد لا يكون قطب الوقت فتكون الخلافة لقطب الوقت الذي لا يظهر إلا بصفة العدل و يكون هذا الخليفة الظاهر من جملة نواب القطب في الباطن من حيث لا يشعر فالجور و العدل يقع في أئمة الظاهر و لا يكون القطب إلا عدلا و أما سبب ظهوره في وقت و خفاء بعضهم في وقت فهو إن الله ما جبر أحدا على كينونته في مقام الخلافة و إنما الله أعطاه الأهلية لذلك المقام و عرض عليه الظهور فيه بالسيف حسبما ما أمره فمن قبله ظهر بالسيف فكان خليفة ظاهرا و باطنا ما ثم غيره و إن اختار عدم الظهور لمصلحة رآها أخفاه الله و أقام عنه نائبا في العالم يسمى خليفة يجور و يعدل و قد يكون عادلا على قدر ما يوفقه الله سبحانه و يكون حكمه و إن كان جائرا حكم الإمام العادل من نازعه قتل و لا يقتل إلا الآخر فإنه المنازع و أمرنا الله أن لا نخرج يدا منطاعته و أخبرنا أنه من عدل منهم فلهم و أن من جار منهم فعليهم و لنا و لما كان الإنسان شجرة كما ذكرناه نهى الله أول إنسان عن قرب شجرة عينها له دون سائر الشجرات كما هو الإنسان شجرة معينة بالخلافة دون سائر الشجرات فنبهه أن لا يقرب هذه الشجرة المعينة على نفسه و ظهر ذلك في وصيته لداود وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى يعني هوى نفسه فهو الشجرة التي نهى آدم أن يقربها أي لا تقارب موضع النزاع و الخلاف فيؤثر فيك نشأة جسدك الطبيعي العنصري يقول ذلك لنفسه الناطقة المدبرة فإن بها يخالف أمر الله فيما أمره به أو نهاه عنه فقوله هذه الشجرة بحرف الإشارة تعيين لشجرة معينة و لما كانت الإمامة عرضا كما كانت الأمانة عرضا و الإمامة أمانة لذلك ظهر بها بعض الأقطاب و لم يظهر بها بعضهم فنظر الحق لهذا القطب بالأهلية و لو نظر الله للإمام الظاهر بهذه العين ما جار إمام قط كما تراه الإمامية في الإمام المعصوم فإنه من شرط الإمام الباطن أن يكون معصوما و ليس الظاهر إن كان غيره يكون له مقام العصمة و من هنا غلطت الإمامية فلو كانت الإمامة غير مطلوبة له و أمره الله أن يقوم فيها عصمه الله بلا شك عندنا و قد نبه رسول الله ص على ما قررناه كله فنبه على العرض بفعله حيث لم يجبر أحدا على ولاية بل ذكر أنه من تركها كان خيرا له و إنها يوم القيامة حسرة و ندامة إلا لمن قام فيها بصورة العدل و نبه على عصمة من أمر بها بقوله فمن أعطيها عن مسألة و كل إليها و من جاءته عن غير مسألة وكل الله به ملكا يسدده و هذا معنى العصمة و السؤال هنا إشارة إلى الرضاء بها و المحبة لهذا المنصب فهو سائل بباطنه و غيره ممن يكره ذلك يجبره أهل الحل و العقد عليها و يرى أنه قد تعين عليه الدخول فيها و التلبس بها لما يرى أن تخلف عنها من ظهور الفساد فيقوم له ذلك في الظاهر مقام الجبر الإلهي بالأمر على التلبس بها فيعصم فيكون عادلا إذ الملك الذي يسدده لا يأمره إلا بخير حتى القرنين كما قال ص إنه أعانه الله عليه فأسلم برفع الميم و نصبها و قال فلا يأمرني إلا بخير فمبايعة النبات هذا القطب هو أن تبايعه نفسه أن لا تخالفه في منشط و لا مكره مما يأمرها به من طاعة الله في أحكامه فإن الله قد جعل زمام كل نفس بيد صاحبها و أمرها إليه فقال وَ أَمَّا من خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى يعني نفسه و كذلك في داود وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى يعني نفسه فإنه لو كان هوى غيره نهى أن يتبعه فاتبعه فما يتبعه إلا بهوى نفسه فطاوع نفسه في ذلك فلذلك تعين أنه أراد بالهوى نفسه لا غيره و هو أن يأمره بمخالفة ما أمره الله به أن يفعله أو ينهاه عنه فإذا بايعته نفسه انصرف حكم شجريتها إلى منازعة من ينازع أمر الله فبقي حكم حقيقتها في المخالفين أمر الله إذ علم الله أن حقيقة الخلاف لا تزول فإنها شجرة لعينها فلو زال لزال عينها فلهذا عين الله لها مصرفا خاصا يكون فيه سعادتها و كل من عرف القطب من الناس لزمته مبايعته و إذا بايعه لزمته بيعته و هي من مبايعة النبات فإنها بيعة ظاهرة لهذا القطب التحكم في ظاهره بما شاء و على الآخر التزام طاعته و قد ظهر مثل هذا في الشرع الظاهر أن المتنازعين لو اتفقا على حكم بينهما فيما تنازعا فيه فحكم بينهما بحكم لزمهما الوقوف عند ذلك الحكم و أن لا يخالفا ما حكم به فالقطب المنصوب من جهة الحق أولى بالحكم فيمن عرف إمامته في الباطن من الناس و لهذا التحكم الذي قلناه منه في ظاهر من بايعه ألحقنا هذه المبايعة ببيعة النبات بل إن حققت الأمر و اتبعت فيه الأصل وجدت النباتية في النفس الجزئية الناطقة لأنها ما ظهرت إلا من هذا الجسم المسوي المعدل و على صورة مزاجه فهي أرضه التي نبتت منه حين أنبتها الله بالنفخ في هذا الجسم من روحه و هكذا كل روح مدبر لجسم عنصري فالسعيد من عرف إمام وقته فبايعه و حكمه في نفسه و أهله و ماله كما قال ص في حق نفسه لا يكمل لعبد الايمان حتى أكون أحب إليه من أهله و ماله و الناس أجمعين و لهذا يشترط في البيعة المنشط و المكره لأن الإنسان ما ينشط إلا إذا وافق الله هوى نفسه و المكره إذا خالف أمر الله هوى نفسه فيقوم به على كره لإنصافه و وفائه بحكم البيعة فإنه ما بايع إلا الله إذ كانت يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ و ما شاهدوا بالأبصار إلا يد هذا الشخص الذي بايعوه و النفس أبدا في الغالب تحت حكم مزاجها و القليل من الناس من يحكم نفسه على طبيعته و مزاجه فإن الأمومة للجسم المسوي و النبوة للنفس و قد أمر الإنسان بالإحسان لأبويه و البر بهما و امتثال أوامرهما ما لم يأمره أحد الأبوين بمخالفة أمر الحق فلا يطعه كما قال تعالى وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ به عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ من أَنابَ إِلَيَفأمر باتباع المنيبين إلى الله و مخالفة نفوسهم إن أبت ذلك فحق الإمام أحق بالاتباع قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و هم الأقطاب و الخلفاء و الولاة و ما بقي لهم حكم إلا في صنف ما أبيح لك التصرف فيه فإن الواجب و المحظور من طاعة الله و طاعة رسوله فما بقي للائمة إلا المباح و لا أجر فيه و لا وزر فإذا أمرك الإمام المقدم عليك الذي بايعته على السمع و الطاعة بأمر من المباحات وجبت عليك طاعته في ذلك و حرمت مخالفته و صار حكم ذلك الذي كان مباحا واجبا فيحصل للإنسان إذا عمل بأمره أجر الواجب و ارتفع حكم الإباحة منه بأمر هذا الذي بايعه فتدبر ما ذكرناه و ما نبهنا عليه من أمر الإمام بالمباح و اعرف منزلة البيعة و ما أثمرت و ما أثرت و كيف نسخت حكم الإباحة بالوجوب عن أمر الحق بذلك فنزل الإمام منزلة الشارع بأمر الشارع فتغير الحكم في المحكوم عليه عما كان عليه في الشرع قبل أمر هذا الإمام فمن أنزله الحق منزلته في الحكم تعين اتباعه و اعلم أن النبات عالم وسط بين المعدن و الحيوان فله حكم البرازخ فله وجهان فيعطي من العلم بذاته لمن كوشف بحقيقة ما فيه من الوجوه فإن الكمال في البرازخ أظهر منه في غير البرازخ لأنه يعطيك العلم بذاته و بغيره و غير البرزخ يعطيك العلم بذاته لا غير لأن البرزخ مرآة للطرفين فمن أبصره أبصر فيه الطرفين لا بد من ذلك و في النبات سر برزخي لا يكون في غيره فإنه برزخ بينه من قوله نَباتاً و بين ربه من قوله أَنْبَتَكُمْ و المنصف العادل من حكم بين نفسه و ربه و لا يكون حكما حتى تكون نفسه تنازع ربها فيحكم له عليها لعلمه أن الحق بيد الله بكل وجه و على كل حال و سبب نزاعها كونها على الصورة ففيها مضادة الأمثال لا مضادة الأضداد فيدخل الإنسان حكما بين ربه و بين نفسه أ لا تراه مأمورا بأن ينهاها عن هواها فأنزلها منزلة الأجنبي و ليس إلا عينها و هي التي ادعت فهي الحكم و الخصم و لو اقتصر الأمر دونها على الجسم النامي منه و غير النامي لم تكن منازعة فإنه مفطور على التسبيح لله بحمده فالجسم الإنساني كالنجم من النبات لا يقول على ساق فلا يرجع شجرة إلا بوجود الروح المنفوخ فيه فحينئذ يقوم على ساق بخلاف الأشجار كلها فإنها تقوم على ساق من غير نفخ الروح الحيواني فيها فهو نجم بالأصالة و شجرة بالنفخ فسجوده لله سجود الظلال و سجود الشجر لله سجود الأشخاص القائمين على ساق و لما كان النبات برزخيا كان مرآة قابلا لصور ما هو لها برزخ و هما الحيوان و المعدن إذا بايع بايع لبيعته ما ظهر فيه من صور ما هو برزخ لهما تابعا له فتضمنت بيعة النبات بيعة الحيوان و المعادن لأن هذا الإمام يشاهد الصور الظاهرة في مرآة البرازخ و هو علم عجيب كما يرى الناظر في المرآة في الحس غير صورته مما تقبله المرآة من صور غير الناظر من الأشخاص فيدرك فيها ما هي تلك الأشخاص عليه في أنفسها مع كونها في أعيانها غيبا عنه و ما رأى لها صورة إلا في هذا الجسم الصقيل فإن أعطته تلك الصورة علما غير النظر إليها كان ذلك العطاء بمنزلة ما يعطي المبايع في البيعة من السمع و الطاعة لمن بايعه و إن لم تعط علما لم يرجع ذلك إليها و إنما هو رجع إلى الناظر و إنه ليس بإمام و لا خليفة و لا له بيعة أصلا و بهذا يتميز الإمام في نفسه عن غيره و يعلم أنه إمام فإن أخذ العلم هذا الناظر من تلك الصورة بحكم التفكر و الاعتبار فيخيل أنه إمام وقته فليس كذلك إلا أن تعطيه الصور العلم من ذاتها كشفا من غير فكر و لا اعتبار و إن اتفق أن يساويه صاحب الفكر في ذلك العلم الكشفي فليس بإمام لاختلاف الطريق فإن الإمام لا يقتني العلوم من فكره بل لو رجع إلى نظره لأخطأ فإن نفسه ما اعتادت إلا الأخذ عن الله و ما أراد الله لعنايته بهذا العبد أن يرزقه الأخذ من طريق فكره فيحجبه ذلك عن ربه فإنه في كل حال يريد الحق أن يأخذ عنه ما هو فيه من الشئون في كل نفس فلا فراغ له و لا نظر لغيره و للعاقل إذا استبصر دليل قد وقع يدل على صحة ما ذكرناه نهى النبي ص عن إبار النخل ففسد لأنه لم يكن عن وحي إلهي و نزوله يوم بدر على غير ماء فرجع إلى كلام أصحابه فإنه ص ما تعود أن يأخذ العلوم إلا من الله لا نظر له إلى نفسه في ذلك و هو الشخص الأكمل الذي لا أكمل منه فما ظنك بمن هو دونه و ما بقي للعارفين بالله علاقة بين الفكر و بينهم بطريق الاستفادة و لا يسمى الشخص إلهيا إلا أن لا يكون أخذه العلوم إلا عن الله من فتوح المكاشفة بالحق يقول أبو يزيد البسطامي أخذتمعلمكم ميتا عن ميت حدثنا فلان و أين هو قال مات عن فلان و أين هو قال مات فقال أبو يزيد و أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت فلا حجاب بين الله و بين عبده أعظم من نظره إلى نفسه و أخذه العلم عن فكره و نظره و إن وافق العلم فالأخذ عن الله أشرف و علم ضرورات العقول من الله لأنها حاصلة لا عن فكر و استدلال و لهذا لا تقبل الضروريات الشبه أصلا و لا الشكوك إذا كان الإنسان عاقلا فإن حيل بينه و بين عقله فما هو الذي قصدنا البيان عنه و بعد أن أعلمناك ببيعة النبات و مرتبته و أنك نبات و أمثالك فلنذكر ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم لترتفع الهمة إلى الوقوف عليها و التحلي بها فمن ذلك علم الرحموت و علم فتوح المكاشفة بالحق و علم فتوح الحلاوة في الباطن و علم فتوح العبارات في الترجمة عن الله و علم نسخ الأحكام بعد النبي ص عن أمر النبي ص فإنه المقرر حكم المجتهد لتعارض الأدلة فله الاختيار فيها و علم العناية الإلهية ببعض العبيد و علم الإشارات و علم التمام و الكمال و أن التمام للنشأة و الكمال بالمرتبة و علم البيان و التبيين و علم الاستقامة و ما شيب النبي ص من سورة هود و علم الكشف على مقامات النص الإلهي هل يؤثر فيه حكم الأكوان أم لا و علم الطمأنينة و الفرق بينها و بين اليقين و العلم و علم نسبة العالم ملكا لله و علم من نازعه فيه بما ذا نازعه حتى ذكر الله أن له جنودا من كونه ملكا و ما هم أولئك الأجناد و هل تعلم بطريق الإحصاء أو لا تعلم إلا بطريق الإجمال من غير تفصيل و هل وقع لأحد العلم بها على التفصيل أم لا و علم العلل الإلهية في الكون و علم الرجوع الإلهي على العباد بم يرجع إليه و لما ذا يرجع و هو القائل وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فهل هو عين ذلك الأمر الراجع أم لا و هو علم شريف و علم منزلة من يستحق التعظيم الإلهي ممن لا يستحقه و علم الوفاء بالعقد مع الله فيما يعقده معه مما له الخيار في حله و مذهبنا الوفاء به و لا بد إلا أن يقترن به أمر من شيخ معتبر لتلميذ أو لأحد ممن له فيه اعتقاد التقدم فإن له أن يحل ذلك العقد مع الله المخير فيه و لا بد و إن لم يفعل قوبل فإن لم يقترن به مثل هذا فالوفاء به مذهبنا و مذهب أهل الخصوص و علم السواء بين النشأتين فلا يظهر الظاهر إلا بصورة الباطن و هو المعبر عنه بالصدق و علم من طلب الستر عند تجلى الحقيقة حذرا أن تذهب عينه و علم التبديل و ما حضرته و ما يقبل التبديل و ما لا يقبله مما هو ممكن أن يقبله و علم الإقبال و التولي هل الإقبال تول أو هو إقبال بلا تول و علم رفع الحرج من العالم مع وجوده بما ذا يرتفع عند من يرتفع في حقه و علم الرضاء و محله و ما ثوابه عند الله و علم ما ينتج التعجيل بالخير و علم الاقتدار الكوني من الاقتدار الإلهي و علم تأثير العالم بعضه في بعض هل هو تأثير علة أم لا و علم التعصب في العالم في أي صنف يظهر و هل يتصف به الملأ الأعلى أم لا و هل له مستند في الأسماء الإلهية المؤثرة في الأعيان للأحوال التي يقام فيها أعيان المكلفين كالعاصي إذا توجه عليه الاسم المنتقم و توجه عليه الاسم العفو فيتعصب له الاسم التواب و الرحيم و الغفور و الحليم هذا أعني بالمستند الإلهي و علم ما يظهر على أعيان الممكنات المكلفين هل يظهر بحكم الاستحقاق أو بحكم المشيئة و علم ما تجتمع فيه الرسل و ما تفترق فيه و علم منازل القرون الثلاثة الآتية على نسق و القرن الرابع و ما لها في الزمان من الشهور الأربعة الحرم التي هي ثلاثة سرد و واحد فرد و علم ما يطلب بالسجود من الله و مراتب السجود و السجود الذي يقبل الرفع منه الساجد من السجود الذي إذا وقع لم يرفع منه و هل خلق العالم ساجدا أو خلق قائما ثم دعي إلى السجود أو خلق بعضه قائما و بعضه ساجدا و تعيين من خلق ساجدا ممن خلق قائما ثم سجدا و لم يسجد و علم العلامات الإلهية في الأشياء و ما يدل منها على سعادة العبد و على شقاوته و علم تفاصيل الوعد الإلهي و لما ذا نفذ بكل وجه و لم ينفذ الوعيد في كل من توعد و كلاهما خبر إلهي فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم و تركنا منها علوما لم نذكرها طلبا للاختصار وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و من هذا المنزل علمنا حين وقفنا عليه سنة إحدى و تسعين و خمسمائة نصر المؤمنين على الكفار قبل وقوعه بمدينة فاس من بلاد المغرب