قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع و الثلاثون و ثلاثمائة في معرفة منزل محمد ص مع بعض العالم

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
ألا لله ما الأكوان فيهمن أحكام التناقض في الوجود
فمنهم طائع عاص عليمجهول بالنزول و بالصعود
و منهم من تحقق في غيوبو منهم من تحقق في الشهود
فتظهر كثرة و العين منهاوحيد بالدلائل و العقود
فسبحان المراد بكل نعتمن أوصاف الألوهة و العبيد
و سبحان المحيط بكل شيء و يوصف في المعارف بالمزيد

قال رسول الله ص أنا سيد الناس يوم القيامة و علل ذلك بكماله و قال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني لعموم رسالته و شمول شريعته فخص ص بأشياء لم تعط لنبي قبله و ما خص نبي بشيء إلا و كان لمحمد ص فإنه أوتي جوامع الكلم و قال كنت نبيا و آدم بين الطين و الماء و غيره من الأنبياء لم يكن نبيا إلا في حال نبوته و زمان رسالته فلنذكر في هذا الباب منزله و منزلته فالمنزل يظهر في بساط الحق و مقعد الصدق عند التجلي و الرؤية يوم الزور العام الأعظم فيعلم منزله بالبصر و الشهود و أما منزلته فهي منزلة في نفس الحق و مرتبة منه و لا يعلم ذلك إلا بإعلام الله و له المقام المحمود و هو فتح باب الشفاعة للملائكة فمن دونهم و له الأولية في الشفاعة و له الوسيلة و ليس في المنازل أعلى منها ينالها محمد ص بسؤال أمته جزاء لما نالوه من السعادة به حيث أبان لهم طريقها فاتبعوه و اعلم أن هذا المنزل من يدخله يرى فيه عجائب لا يراها في غيره فمن ذلك أنه يرى أعمال الأشقياء مجسدة و أعمال السعداء كذلك مجسدة صورا قائمة تعقل وجود خالقها و قد جعل الله في نفوس هذه الصور طلبا على الأسباب التي وجدت عنها و هم العاملون و يجدون في طلبهم فأما أعمال السعداء فيرون على أيمانهم طريقا يسلكونها فتأخذ بهم تلك الطريق إلى مشاهدة أصحابهم و هم السعداء فيميز بعضهم بعضا و يتساءلون و يتخذونهم العاملون مراكب فوز و نجاة تحملهم إلى مستقر الرحمة و أما أعمال الأشقياء فتقوم لهم طرق متعددة متشعبة متداخلة بعضها في بعض لا يعرفون أي طريق تمشي بهم إلى أصحابهم فيحارون و لا يهتدون و هذا من رحمة الله بالأشقياء فإذا حارت أعمالهم رجعت إلى الله بالعبادة و الذكر و يتفرقون في تلك الطرق فمنهم من لا يهتدي إلى صاحبه أبد الآبدين و منهم من يصل إلى صاحبه فيشاهده و يتعرف إليه فيعرفه و يكون وجوده إياه مصادفة فيتعلق به و يقول له احملني فقد أتعبتنى في طلبك فيجبر العامل على حمله إلى أن تناله الرحمة رحمة الله و إلى جانب موقف هذه الصور طريقان واضحان طريق يكون غايته الحق الوجود و طريق لا غاية له فإنه يخرج السالك إلى العدم فلا يقف عند غايته فيه إذ العدم لا ينضبط بحد فيتقيد به بخلاف الحق الوجود فإنه يتقيد و إن كان مطلقا فإطلاقه تقييد في نفس الأمر فإنه متميز بإطلاقه عن الوجود المقيد فهو مقيد في عين إطلاقه و طريق ثالث بين هذين الطريقين برزخي لا تتصف غايته بالوجود و لا بالعدم مثل الأحوال في علم المتكلمين فأما الطريق التي يكون غايتها الوجود الحق فيسلك عليها الموحدون و المؤمنون و المشركون و الكافرون و جميع أصحاب العقائد الوجودية و أما الطريق الأخرى فلا يسلك عليها إلا المعطلة فلا ينتهي بهم إلى غاية و أما الطريق البرزخى فلا يسلك فيه إلا العلماء بالله خاصة الذين أثبتهم الحق و محاهم في عين إثباتهم و أبقاهم في حال فنائهم فهم الذين لا يموتون و لا يحيون إلى أن يقضي الله بين العباد فيأخذون ذات اليمين إلى طريق الوجود الحق و قد اكتسبوا من حقيقة تلك الطريق صفة و اكتسبوا منها هيأة تظهر عليهم في منزل الوجود الحق يعرفون بها بعضهم بعضا و لا يعرفهم بها أحد من أهل الطريقين و هذا ضرب مثل ضربه الله لأهل الله ليقفوا منه على مراتب الهدى و الحيرة و المهتدين و الضالين و جعل الله لهم نورا بل أنوارا يهتدون بها في ظلمات بر طبيعتهم و في ظلمات بحر أفكارهم و في ظلمات نفوسهم الناطقة برها و بحرها بما هي عليه في نشأتها إذ كانت متولدة بين النور الخالص و الطبيعة المحضة العنصرية الصرفية و تلك الأنوار المجعولة فيهم من الأسماء الإلهية فمن كان عارفا بها و ناظرا بها من حيث ما وجدت له وصل بها إلى العلم بالأمور و الكشف و من أخذها أنوارا لا يعلم أنها بالوضع للاهتداء و جعلها زينة كما تراها العامة فيكواكب السماء زينة خاصة لم يحصل له منها غير ما رأى و يراها العلماء بمنازلها و سيرها و سياحتها في أفلاكها موضوعة للاهتداء بها فاتخذوها علامات على ما يبتغونه في سيرهم على الطرق الموصلة إلى ما دعاهم الحق إليه من العلم به أو إلى السعادة التي هي الفوز خاصة و اعلم أن الله لما جعل منزل محمد ص السيادة فكان سيدا و من سواه سوقة علمنا أنه لا يقاوم فإن السوقة لا تقاوم ملوكها فله منزل خاص و للسوقة منزل و لما أعطى هذه المنزلة و آدم بين الماء و الطين علمنا أنه الممد لكل إنسان كامل منعوت بناموس إلهي أو حكمي و أول ما ظهر من ذلك في آدم حيث جعله الله خليفة عن محمد ص فأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد ص فظهر بعلم الأسماء كلها على من اعترض على الله في وجوده و رجح نفسه عليه ثم توالت الخلائف في الأرض إلى أن وصل زمان وجود صورة جسمه لإظهار حكم منزلته باجتماع نشأتيه فلما برز كان كالشمس اندرج في نوره كل نور فاقرة من شرائعه التي وجه بها نوابه ما أقر و نسخ منها ما نسخ و طهرت عنايته بأمته لحضوره و ظهوره فيها و إن كان العالم الإنساني و الناري كله أمته و لكن لهؤلاء خصوص وصف فجعلهم خير أمة أخرجت للناس هذا الفضل أعطاه ظهوره بنشأتيه فكان من فضل هذه الأمة على الأمم إن أنزلها منزلة خلفائه في العالم قبل ظهوره إذ كان أعطاهم التشريع فأعطى هذه الأمة الاجتهاد في نصب الأحكام و أمرهم أن يحكموا بما أداهم إليه اجتهادهم فأعطاهم التشريع فلحقوا بمقامات الأنبياء ع في ذلك و جعلهم ورثة لهم لتقدمهم عليهم فإن المتأخر يرث المتقدم بالضرورة فيدعون إلى الله على بصيرة كما دعا الرسل محمد ص فأخبر بعصمتهم فيما يدعون إليه فمنهم المخطئ حكم غيره من المجتهدين ما هو مخطئ عن الحق فإن الذي جاء به حق فإن أخطأ حكما قد تقدم الحكم به لمحمد ص و ما وصل إليه فذلك الذي جعل له أجرا واحدا و هو أجر الاجتهاد و إن أصاب الحكم المتقدم باجتهاده فله أجران أجر الاجتهاد و أجر الإصابة و إن كان المصيب مجهول العين في المجتهدين عند نفسه و عند غيره فليس بمجهول عند الله و كل من دخل في زمان هذه الأمة بعد ظهور محمد ص من الأنبياء و الخلفاء الأول فإنهم لا يحكمون في العالم إلا بما شرع محمد ص في هذه الأمة و تميز في المجتهدين و صار في حزبهم مع إبقاء منزلة الخلافة الأولى عليه فله حكمان يظهر بذلك في القيامة ما له ظهور بذلك هنا و منزل محمد ص يوم الزور الأعظم على يمين الرحمن من حيث الصورة التي يتجلى فيها على عرشه و منزله يوم القيامة ليس على يمين الرحمن لكن بين يدي الحكم العدل لتنفيذ الأوامر الإلهية و الأحكام في العالم فالكل عنه يأخذ في ذلك الموطن و هو وجه كله يرى من جميع جهاته و له من كل جانب إعلام عن الله تعالى يفهم عنه يرونه لسانا و يسمعونه صوتا و حرفا و منزلته في الجنان الوسيلة التي تتفرع جميع الجنات منها و هي في جنة عدن دار المقامة و لها شعبة في كل جنة من تلك الجنات من تلك الشعبة يظهر ص لأهل تلك الجنة و هي في كل جنة أعظم منزلة فيها و هذه منازل كلها حسية لا معنوية و ليست المعنوية إلا منزلته في نفس موجدة و هو الله تعالى و ما هذا خاص به بل كل منزلة لا تكون إلا في نفس الله الذي هو الرحمن و المنازل محسوسة محصورة التي هي جمع منزل لا جمع منزلة فاعلم ذلك فإنه من لباب المعرفة بالله تعالى و تقدس في ذاته و أما منزلته في العلوم فالإحاطة بعلم كل عالم بالله من العلماء به تعالى متقدميهم و متأخريهم و كل منزل له و لأتباعه مطيب بالطيب الإلهي الذي لم يدخل فيه و لا استعملت أيدي الأكوان فيه و اعلم أنه من كماله ص أنه خص بستة لم تكن لنبي قبله و الستة أكمل الأعداد و ليس في الأشكال شكل فيه زوايا إذا انضمت إليها الأمثال لم يكن بينها خلو إلا الستة و بها أوحى الله إلى النحل في قوله أَنِ اتَّخِذِي من الْجِبالِ بُيُوتاً وَ من الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ و أوحى إليها صفة عملها فعملتها مسدسة فأخبر أنه أعطى مفاتيح الخزائن و هي خزائن أجناس العالم ليخرج إليهم بقدر ما يطلبونه بذواتهم إذا علمنا أنه السيد و من اعتبر تعيين الخزائن بالأرض فليس في الأرض إلا خزائن المعادن و النبات لا غير فإن الحيوان من حيث نموه نبات قال تعالى وَ الله أَنْبَتَكُمْ من الْأَرْضِ نَباتاً فأخبرنا إنا من جملة نبات الأرض و ما أعطيها ص حتى كان فيه الوصف الذي يستحقها به و لهذا طلبها يوسف ع من الملك صاحب مصر أن يجعله على خزائن الأرض لأنه حفيظ عليم ليفتقر الكل إليه فتصح سيادته عليهم و لهذا أخبر بالصفة التي يستحق منقامت به هذا المقام فقال إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ حفيظ عليها فلا نخرج منها إلا بقدر معلوم كما إن الله سبحانه يقول وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ فإذا كانت هذه الصفة فيمن كانت ملك مقاليدها ثم قال بعد قوله حَفِيظٌ عَلِيمٌ أخبر أنه عالم بحاجة المحتاجين لما في هذه الخزائن التي خزن فيها ما به قوامهم عليم بقدر الحاجة فلما أعطى ص مفاتيح خزائن الأرض علمنا أنه حفيظ عليم فكل ما ظهر من رزق في العالم فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلا عن أمر محمد ص الذي بيده المفاتيح كما اختص الحق تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو و أعطى هذا السيد منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن و الخصلة الثانية أوتي جوامع الكلم و الكلم جمع كلمة و كلمات الله لا تنفد فأعطى علم ما لا يتناهى فعلم ما يتناهى بما حصره الوجود و علم ما لم يدخل في الوجود و هو غير متناه فأحاط علما بحقائق المعلومات و هي صفة إلهية لم تكن لغيره فالكلمة منه كلمات كالأمر الإلهي الذي هو كلمة واحدة كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ و ليس في التشبيه الحسي أعظم و لا أحق تشبيها به من اللمح بالبصر و لما علم بجوامع الكلم أعطى الإعجاز بالقرآن الذي هو كلمة الله و هو المترجم به عن الله فوقع الإعجاز في الترجمة التي هي له فإن المعاني المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها و إنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف فهو لسان الحق و سمعه و بصره و هو أعلى المراتب الإلهية و ينزل عنها من كان الحق سمعه و بصره و لسانه فيكون مترجما عن عبده كما ترجم تعالى لنا في القرآن أحوال من قبلنا و ما قالوه فما فيه ذلك الشرف فإنه يترجم عن أهله و المقربين لديه كالملائكة فيما قالوه و يترجم عن إبليس مع إبلاسه و شيطنته و بعده بما قاله و لا يترجم عن الله إلا من له الاختصاص الذي لا اختصاص فوقه و الخصلة الثالثة بعثته إلى الناس كافة من الكفت و هو الضم أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أي تضم الأحياء على ظهرها و الأموات في بطنها كذلك ضمت شريعته جميع الناس فلا يسمع به أحد إلا لزمه الايمان به و لما سمع الجن القرآن يتلى قالوا لقومهم يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ الله وَ آمِنُوا به يَغْفِرْ لَكُمْ من ذُنُوبِكُمْ وَ يُجِرْكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ وَ من لا يُجِبْ داعِيَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ وَ لَيْسَ لَهُ من دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ فأخبر بقوله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الْأَرْضِ عن الجن و قول الله من و ليس له إلى مبين فضمت شريعته الجن و الإنس فعم بشريعته الإنس و الجن و عمت العالم رحمته التي أرسل بها فقال وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فأخبر الله أنه أرسله ليرحم العالم و ما خص عالما من عالم فإذا أتى بكل ما يرضي العالم صنفا صنفا ما عدا بعض من هو مخاطب بحكم شرعه فقد رحمه و قام بالرحمة التي أرسل بها بل نقول إنه جاء بحكم الله و حكم الله يرضى به كل صنف من العالم بلا شك فإن كل العالم مسبح بحمده فهو راض بحكمه من جهة ما جاء به هذا الرسول العام الدعوة العام بنشر الرحمة على العالم غير أن من الناس من لم يرض بالمحكوم به و إن كان راضيا بالحكم فقد نال من رحمة الله التي أرسل بها على قدر ما رضي به من الحكم المعين الذي جاء به و ليس هذا الواقع إلا في الناس خاصة و إنما الجن شياطينهم و غير شياطينهم فإن الله جعل لهم الإغواء و أمرهم من خلف حجاب البعد بالاستفزاز و المشاركة في الأموال و الأولاد ابتلاء لهم و امتحانا فيقول الشيطان لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فإذا كفر يقول الشيطان إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ هذا إخبار الله عنه ثم قال فَكانَ عاقِبَتَهُما أي جاءهما عقيب هذا الواقع أَنَّهُما في النَّارِ فأعقب الشيطان برجوعه إلى أصله فإنه مخلوق من النار فرجع إلى موطنه و كان للإنسان عقوبة على كفره حيث ظلم بقبول ما جاءه به الشيطان و لم يقبل ما جاءه به الرسول ثم قال خالِدَيْنِ فِيها فخلد الشيطان في منزله و داره و خلد الإنسان جزاء لكفره و لهذا تبرأ منه للافتراق الذي بينهما في العاقبة و قوله و ذلك فأشار رينية الواحد و لم يثن الإشارة إلى العقاب فإنهما ما اشتركا فيه لأن الذي أتى للإنسان عقيب ذنبه إنما هو العذاب و الذي كان سهمالشيطان الذي أتاه عقيب فعله و قوله رجوعه إلى أصله الذي منه خلق فلا يغتر العاقل أ لا ترى في قصة آدم في الجنة لما وقع منه ما وقع من قرب الشجرة و أعقبه الله الهبوط إلى الأرض من الجنة و أهبط حواء و أهبط إبليس و لهذا قال اهْبِطُوا فجمع و لم يثن و لا أفرد فنزل آدم إلى أصله الذي خلق منه فإنه مخلوق من التراب فأهبطه الله للخلافة لقوله تعالى إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً فما أهبط عقوبة لما وقع منه و إنما جاء الهبوط عقيب ما وقع منه و أهبط حواء للتناسلو أهبط إبليس عقوبة لا رجوعا إلى أصله فإنها ليست داره و لا خلق منها فسأل الله الإغواء أن يدوم له في ذرية آدم لما عاقبه الله بما يكرهه من إنزاله إلى الأرض و كان سبب ذلك في الأصل وجود آدم لأنه بوجوده وقع الأمر بالسجود و ظهر ما ظهر من إبليس و كان من الأمر ما كان فعلمنا أن الله أرسله بالرحمة و جعله رحمة للعالمين فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته و إنما ذلك من جهة القابل فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه على الأرض فمن استتر عنه في كن و ظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه و عدل عنه فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع و أخبر ص أنه بعث إلى كل أحمر و أسود فذكر من قامت به الألوان من الأجسام يشير إلى أنه مبعوث بعموم الرحمة لمن يقبلها و بعموم الشرع لمن يؤمن به و أمته ص جميع من بعث إليه ليشرع له فمنهم من آمن و منهم من كفر و الكل أمته و الخصلة الرابعة أنه نصر بالرعب بين يديه مسيرة شهر و الشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط فهو أسرع قاطع و الحساب به للعرب و هو عربي فإذا نصر بين يديه بالرعب مسيرة شهر بسير القمر لأنه ما ذكر السائر و ذكر الشهر و لا يعين الشهر عند أصحاب هذا اللسان إلا سير القمر فقد عم نصره بالرعب ما قطعه من المسافة هذا القمر في شهر فعم حكم كل درجة للفلك الأقصى لها أثر في عالم الكون و الفساد بقطع القمر تلك المسافة فما قال ذلك إلا بطريق الثناء به عليه و لو كان ثم من يقطع الفلك في أقل من هذه المدة لجاء به فجاء بأسرع سائر يعم سيره قطع درجات الفلك المحيط فعموم رعبه في قلوب أعدائه عموم رحمته فلا يقبل الرعب إلا عدو مقصود يعلم أنه مقصود فما قابلة أحد في قتال إلا و في قلبه رعب منه و لكنه يتجلد عليه بما أشقاه الله ليتميز السعيد من الشقي فيوهن ذلك الرعب من جلادة عدوه على قدر ما يريد الله فما نقص من جلادة ذلك العدو بما وجده من الرعب كان ذلك القدر نصرا من الله و الخصلة الخامسة أحلت له الغنائم و لم تحل لأحد قبله فأعطى ما يوافق شهوة أمته و الشهوة نار في باطن الإنسان تطلب مشتهاها و لا سيما في المغانم لأن النفوس لها التذاذ بها لكونها حصلت لهم عن قهر منهم و غلبة و تعمل فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوه من الشدة و التعب في تحصيلها فهي أعظم مشتهى لهم و قد كانت المغانم في حق غيره من الأنبياء إذا انصرف من قتال العدو جمع المغانم كلها فإذا لم يبق منها شيء نزلت نار من الجو فأحرقتها كلها فإن وقع فيها غلول لم تنزل تلك النار حتى يرد و يلقى فيها ذلك الذي أخذ منها فكان لهم نزول النار علامة على القبول الإلهي لفعلهم فأحلها الله لمحمد ص فقسمها في أصحابه فتناولتها نار شهواتهم عناية من الله بهم لكرامة هذا الرسول عليه فأكرمه بأمر لم يكرم به غيره من الرسل و أكرم من آمن به بما لم يكرم به مؤمنا قبله بغيره و الخصلة السادسة أن طهر الله بسببه الأرض فجعلها كلها مسجدا له فحيث أدركته أو أمته الصلاة يصلي و المساجد بيوت الله و بيوت الله أكرم البيوت لأضافتها إلى الله فصير الأرض كلها بيت الله من حيث أن جعلها مسجدا و قد أخبرنا لمن يلازم المساجد من الفضل عند الله فأمته لا تبرح في مسجد أبدا لأنها لا تبرح من الأرض لا في الحياة و لا في الموت و إنما هو انتقال من ظهر إلى بطن و ملازم المسجد جليس الله في بيته فهذه الأمة جلساء الله حياة و موتا لأنهم في مسجد و هو الأرض و كذلك جعل الله أيضا تربة هذه الأرض طهورا فكان لها حكم الماء في الطهارة إذا عدم الماء أو عدم الاقتدار على استعماله لسبب مانع من ذلك فأقام لهم تراب هذه الأرض و الأرض طهورا فإذا فارق الأرض ما فارق منها ما عدا التراب فلا يتطهر به إلا أن يكون التراب فإنه ما كان منها يسمى أرضا ما دام فيها من معدن و رخام و زرنيخ و غير ذلك فما دام في الأرض كان أرضا حقيقة لأن الأرض تعم هذا كله فإذا فارق الأرض انفرد باسم خاص له و زال عنه اسم الأرض فزال حكم الطهارة منه إلا التراب خاصة فسواء فارق الأرض أو لم يفارقها فإنه طهور لأنه منه خلق المتطهر به و هو الإنسان فيطهر بذاته تشريفا له فأبقى الله النص عليه بالحكم به في الطهارة دون غيره ممن له اسم غير اسم الأرض فإذا فارق التراب الأرض زال عنه اسم الأرض و بقي عليه اسم التراب كما زال عن الزرنيخ اسم الأرض لما فارق الأرض و بقي عليه اسم الزرنيخ فلم تجز الطهارة به بعد المفارقة لأن الله ما خلق الإنسان من زرنيخ و إنما خلقه من تراب فقال رسول الله ص في الأرض إن الله جعلها له مسجدا و طهورا فعم ثم قال في الخبر الآخر و جعلت تربتها لنا طهورافخرج التراب بالنص فيه عن سائر ما يكون أرضا و يزول عنه الاسم بالمفارقة فهذه ستة خص بها هذا النبي ص فكانت منزلة لم ينلها غيره لها حكم في كل منزل من دنيا و هو ما ذكرناه و من برزخ و قيامة و جنة و كثيب فيظهر حكم هذا الاختصاص الإلهي في كل منزل من هذه المنازل ليتبين شرفه و ما فضله الله به على غيره مع كونه أعطى جميع ما فضلت به الرسل بعضها على بعض ثم لتعلم أيها الولي أنه من رحمته ص التي بعثه الله تعالى بها ما أبان الله على لسانه لنا و أمره بتبليغ ذلك فبلغ أنه ليس من شرط الرسالة ظهور العلامات على صدقه إنما هو شخص منذر مأمور بتبليغ ما أمر بتبليغه هذا حظه لا يجب عليه غير ذلك فإن أتى بعلامة على صدقه فتلك فضل الله ليس ذلك بيده فأقام عذر الأنبياء كلهم في ذلك فكان رحمة للرسل في هذا فجاء في القرآن قوله وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ من رَبِّهِ و هذا قول غير العرب ما هو قول العرب لأنه جاء بالقرآن آية على صدقه للعرب إذ لا يعرف إعجازه و كونه آية غير العرب فلم يرد عنه إنه أظهر آية لكل من دعاه من غير العرب كاليهود و النصارى و المجوس و لكن أي شيء جاء من الآيات فذلك من الله لا بحكم الوجوب عليه و لا على غيره من الرسل فقيل له قُلْ لهم إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ الله وَ إِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ثم قال له أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ في ذلِكَ لَرَحْمَةً بهم فإنا أرسلناك رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فضمنا القرآن جميع ما تعرف الأمم أنه آية على صدق من جاء به إذ لم يعلموا منه بقرائن الأحوال أنه قرأ و لا كتب و لا طالع و لا عاشر و لا فارق بلده بل كان أميا من جملة الأميين و أخبرهم عن الله بأمور يعرفون أنه لا يعلمها من هو بهذه الصفة التي هو عليها هذا الرسول إلا بإعلام من الله فكان ما جاء في القرآن من ذلك آية كما قالوا و طلبوا و كان إعجازه للعرب خاصة إذ نزل بلسانهم و صرفوا عن معارضته أو لم يكن في قوتهم ذلك من غير صرف حدث لهم فجاء القرآن بما جاءت به الكتب قبله و لا علم له بما جاء فيها إلا من القرآن و علمت ذلك اليهود و النصارى و أصحاب الكتب فحصلت الآية من عند الله لأن القرآن من عند الله فقد تبين لك منزل محمد من غيره من الرسل و خصه الله بعلوم لم تجتمع في غيره منها إنه أعطاه أنواع ضروب الوحي كلها فأوحى إليه بجميع ما سمي وحيا كالمبشرات و الإنزال على القلوب و الآذان و بحالة العروج و عدم العروج و غير ذلك و خصه بعموم علوم الأحوال كلها فأعطاه العلم بكل حال و في كل حال ذوقا لأنه أرسله إلى الناس كافة و أحوالهم مختلفة فلا بد أن تكون رسالته تعم العلم بجميع الأحوال و خصه الله بعلم إحياء الأموات معنى و حسا فحصل العلم بالحياة المعنوية و هي حياة العلوم و الحياة الحسية و هو ما أتى في قصة إبراهيم ع تعليما و أعلاما لرسول الله ص و هو قوله نَقُصُّ عَلَيْكَ من أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ به فُؤادَكَ وَ جاءَكَ في هذِهِ الْحَقُّ و خص بعلم الشرائع كلها فأبان له عن شرائع المتقدمين و أمره أن يهتدي بهداهم و خص بشرع لم يكن لغيره منه ما ذكرناه في الستة التي خص بها فهذه أربعة منازل لم ينزل فيها غيره من الأنبياء ع فهذا منزل محمد ص قد ذكرت منه ما يسره الله على لساني فلنذكر ما يتضمن منزله من العلوم فمن ذلك علم الحجاب أعني حجاب الجحد و حجاب الحكمة و علم الفارق الذي تعينت به السبل مثل قوله لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً و هل هم اليوم بعموم بعثة الرسل أمة واحدة أم لا و هل حكم الله على أصحاب الكتب بالجزية و إبقائهم على دينهم شرع من الله لهم على لسان محمد ص فينفعهم ذلك ما أعطوا الجزية عن قوة من الآخذين و صغار منهم فقد فعلوا ما كلفوا و كان هذا حظهم من الشريعة فإبقاؤهم على شرعهم شرع محمدي لهم فيسعدون بذلك فتكون مؤاخذة من أخذ منهم بما فرط فيه من الشرع الذي هم عليه كسائر العصاة الذين لم يعملوا بجميع ما تضمنه شرعهم و إن كانوا مؤمنين به و هذا علم غريب ما أعلم له ذائقا من فتوح المكاشفة و هو من علوم الأسرار التي غار عليها أهل الله فصانوها و فيه علم ما حير الأكوان فيما تحيروا فيه كان ما كان و فيه علم الايمان المطلق و المقيد و فيه علم ما يفسد العمل المشروع و يصلحه و فيه علم سريان الحق في الأحكام على اختلافها و أنها كلها حق من الرب و فيه علم الكفارات و فيه علم ما تصلح به أحوال الخلق و فيه علم ما هو الباطل و ما هو الحق هل هما أمر وجودي أو ليس بوجودي و فيه علم الشركة في الاتباع و إلى ما يؤول كل تابع هل غايته أمر واحد أو مختلف و فيه علم من تضرب له الأمثال ممن لا تضرب و فيه علم القهر الإلهي على أيدي الأكوانو قول أبي يزيد بطشي أشد في هذا المقام و فيه علم الفرج بعد الشدة و هل من شأن الفرج أن لا يكون إلا بعد شدة أم لا و فيه علم أنواع الابتلاء و فيه علم الصفة التي تزيل الحيرة عمن قامت به و الإبانة عن ذلك و علم الأنفاس الإلهية و علم الأسفار عن نتائج الأسفار و علم المواعظ و علم الغلبة التي ليس فيها نصر إلهي بما ذا كانوا غالبين و فيه علم الفرق بين علم العين و علم الدليل و هل يقوم مقام العين أم لا و فيه علم أنواع الزينة في العالم و فيه علم مراتب العلوم و تفاصيلها و فيه علم القضاء السابق من علم نفاة القدر و فيه علم الطبع و الختم و القفل و الكن و ما هو عمى الأبصار و عمى البصائر و لم اختص عمى القلوب بحالة الصدور و هو الرجوع عن الحق و هل هو الصدور الذي يكون عن ورود متقدم أو هو صدور تكوين ممكن عن واجب أو هو صدور محل لا صفة فيكون عماه من كونه في المحل فإذا فارق المحل بنظره و انفتح له فيه فرج ينظر منها يزول عماه و فيه تعيين علوم المزيد فإنها مختلفة بحكم ما تقع الزيادة عليه و فيه علم الآيات و العلامات على الكوائن و فيه علم توحيد المرتبة الإلهية أنه ما حازها إلا واحد و فيه علم الستور و أصنافها التي تسدل علينا لنستر بها عن إدراك الغير و ما هي الستور التي تسدل بيننا و بين من نطلب رؤيته فلا نراه و فيه علم الإقامة في المنزل و التقلب فيه لا عنه و فيه علم العناية بقوم و تركها في حق قوم و فيه ما تنتجه العزائم في الخير و الشر و فيه علم الخير و الشرور و فيه علم النسب الرحماني و فيه علم ما ينفع من الايمان مما لا ينفع كما قال أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا و فيه علم البعد و القرب الإلهي و فيه علم ما يؤدي إليه التفكر و فيه علم الرجعة ممن و إلى من و فيه علم ما يؤثر فيه الظن مما لا يؤثر و فيه علم المشاهدة و تعلقها بالمشيئة مع استعداد المحل لقبولها و ما هناك منع و المحل قابل و ما هذه المشيئة المانعة و فيه علم الإنصاف في المجازاة و الفضل و فيه علم الفرق بين الأضداد و الأمثال و غير الأمثال إلى غير هذا من العلوم فإني لا أسوق من ذلك ما أسوقه على جهة الحصر مع علمي بذلك و إنما أسوقه على جهة التنبيه على ما فيه أو بعض ما فيه بحسب ما يقع لي فوقتا أورد ذلك بطريق الحصر بحيث إني لا أترك في المنزل علما إلا نبهت عليه و وقتا أقصر عن ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ