قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و الثلاثون و ثلاثمائة في معرفة منزل عقبات السويق و هو من

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
الفتح فتحان في المعنى و في الكلم فمن تكمل يدعي جامع الحكم
و لو تسافل في الأكوان منزلهكان العلو له في حضرة الكلم
هو المقدم في المعنى برتبتهفي عالم النور لا في عالم الظلم
لا تحقرن عباد الله أن لهمحظا من الله ذي الآلاء و النعم
فعظم الكون فالمدلول يطلبهو هو البريء من الآفات و التهم

اعلم أن لله في المقام المحمود الذي يقام فيه رسول الله ص يوم القيامة باسمه الحميد سبعة ألوية تسمى ألوية الحمد تعطي لرسول الله ص و ورثته المحمديين في الألوية أسماء الله التي يثني بها ص على ربه إذا أقيم في المقام المحمود يوم القيامة و هو قوله ص إذا سئل في الشفاعة قال فأحمد الله بمحامد لا أعلمها الآن و هي الثناء عليه سبحانه بهذه الأسماء التي يقتضيها ذلك الموطن و الله تعالى لا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى خاصة و أسماؤه سبحانه لا يحاط بها علما فإنا نعلم أن في الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و نعلم أنا لا نعلم ما أخفي لنا من قرة أعين و ما من شيء من ذلك إلا و هو مستند إلى الاسم الإلهي الذي ظهر به حين أظهره و الاسم الإلهي الذي امتن علينا تعالى بإظهاره لنا فلا بد أن نعلمه و نثني على الله به و نحمده إما ثناء تسبيح أو ثناء إثبات فلما عرفت بذلك سألت عن توقيت تلك الأسماء التي يحمد الله تعالى بها يوم القيامة في المقام المحمود فإني علمت أني لا أعلمها الآن و لا يعلمنيها الله فإنها من المحامد التي يختص بها ص يوم القيامة فإذا سمعناه يحمده بها يوم القيامة في المقام المحمود و انتشرت الألوية بها و المحامد مرقومة فيها ففي ذلك الموطن نعلمها فقيل لي إن عدد تلك الأسماء ألف اسم و ستمائة اسم و أربعة و ستون اسما كل لواء منها فيه مرقوم تسعة و تسعون اسما من أحصاها هناك دخل الجنة غير لواء واحد من هذه الألوية فإن فيه مرقوما من هذه الأسماء سبع مائة و سبعون اسما يحمده صهذه المحامد كلها و كلها تتضمن طلب الشفاعة من الله و هذا المنزل مما يعطي من ينزله مشاهدة كل لواء من تلك الألوية و علما بما فيه من الأسماء ليثني هذا الوارث على الله بها هنالك و لكل لواء منها منزل هنا ناله ص و تناله الورثة الكمل من أتباعه و هذا المنزل منزل شامخ صعب المرتقى و لهذا سمي عقبة و أضيفت إلى السويق لعدم ثبوت الاقدام فيها لأنها مزلة الاقدام فلا يقطعها إلا رجل كامل من رسول و نبي و وارث كامل يحجب كل وارث في زمانه و هذا هو المنزل الذي سماه النفري في موافقة موقف السواء لظهور العبد فيه بصورة الحق فإن لم يمن الله على هذا العبد بالعصمة و الحفظ و يثبت قدمه في هذه العقبة بأن يبقى عليه في هذا الظهور شهود عبوديته لا تزال نصب عينيه و إن لم تكن حالته هذه و إلا زلت به القدم و حيل بينه و بين شهود عبوديته بما رأى نفسه عليه من صورة الحق و رأى الحق في صورة عبوديته و انعكس عليه الأمر و هو مشهد صعب فإن الله نزل من مقام غناه عن العالمين إلى طلب القرض من عباده و من هنا قال من قال إِنَّ الله فَقِيرٌ و هو الغني وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ و هم الفقراء فانعكست عندهم القضية و هذا من المكر الإلهي الذي لا يشعر به فمن أراد الطريق إلى العصمة من المكر الإلهي فليلزم عبوديته في كل حال و لوازمها فتلك علامة على عصمته من مكر الله و يبقى كونه لا يأمنه في المستقبل بمعنى أنه ما هو على أمن إن تبقي له هذه الحالة في المستقبل إلا بالتعريف الإلهي الذي لا يدخله تأويل و لا يحكم عليه إجمال و في هذا المنزل يشاهد قوله وَ لكِنَّ الله رَمى و محمد ص هو الرامي في الحس الذي وقع عليه البصر و يقوم له في هذا المنزل وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و اعلم أن السواء بين طريقين لأن الأمر محصور بين رب و بين عبد فللرب طريق و للعبد طريق فالعبد طريق الرب فإليه غايته و الرب طريق العبد فإليه غايته فالطريق الواحدة العامة في الخلق كلهم هي ظهور الحق بأحكام صفات الخلق فهي في العموم إنها أحكام صفات الخلق و هي عندنا صفات الحق لا الخلق و هذا معنى السواء و الطريق الأخرى ظهور الخلق بصفات الحق التي تتميز في العموم أنها صفات الحق كالاسماء الحسنى و أمثالها و هذا مبلغ علم العامة و عندنا و عند الخصوص كلها صفات الحق بالأصالة ما أضيف إلى الخلق منها مما تجعله العامة نزولا من الله إلينا بها و هي عندنا صفات الحق و إن العبد علت منزلته عند الله حتى تحلى بها فهي عند العامة أسماء نقص و عندنا أسماء كمال فإنه ما ثم مسمى بالأصالة إلا الله و لما أظهر الخلق أعطاهم من أسمائه ما شاء و حققهم بها و الخلق في مقام النقص لإمكانه و افتقاره إلى المرجح فما يتخيل أنه أصل فيه و حق له اتبعوه في الحكم نفسه فحكموا على هذه الأسماء الخلقية بالنقص و إذا بلغهم أن الحق تسمى بها و يصف نفسه بها يجعلون ذلك نزولا من الحق تعالى إليهم بصفاتهم و ما يعلمون أنها أسماء حق بالأصالة فعلى مذهبنا في ظهور الخلق بصفات الحق تعم الخلق أجمعه فكل اسم لهم هو حق للحق مستعار للخلق و على مذهب الجماعة لا يكون ذلك إلا لأهل الخصوص أعني الأسماء الحسنى منها خاصة و عندنا لا يكون العلم بذلك إلا للخصوص من أهل الله و فرق عظيم بين قولنا لا يكون ذلك و بين قولنا لا يكون العلم بذلك فإن الحق هو المشهود بكل عين في نفس الأمر و لا يعلم ذلك إلا آحاد من أهل الله و هو مثل قول الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فعرفته فإذا ظهر ذلك الشيء لعينه المقيد و قد رأى الله قبله ميزه في ذلك الشيء و علم إن ذلك الشيء ملبس من ملابس الحق ظهر فيه للزينة فتلك زينة الله التي تزين بها لعباده هذا مقام الصديق فلا يتميز أهل الله من غيرهم إلا بالعلم بذلك لأن الأمر في نفسه على ذلك و عند العامة لا يكون ذلك إلا لأهل العناية المتحققين بالحق و غيرهم هو عندهم خلق بلا حق ثم نرجع فنقول إن الله جعل لهذا المنزل بابا يسمى باب الرحمة منه يكون الدخول إليه فيعصمه مما فيه من الآفات المهلكة التي أشرنا إليها آنفا من حكم السواء فإنه لهذا المنزل أعني هذا الباب كالنية في العمل فما تخلل العمل من غفلة و سهو لم يؤثر في صحة العمل فإن النية تجبر ذلك لأنها أصل في إنشاء ذلك العمل فهي تحفظه و كذلك البسملة جعلها الله في أول كل سورة من القرآن فهي للسورة كالنية للعمل فكل وعيد و كل صفة توجب الشقاء مذكورة في تلك السورة فإن البسملة بما فيها من الرحمن في العموم و الرحيم في الخصوص تحكم على ما في تلك السورة من الأمور التي تعطي من قامت به الشقاء فيرحم الله ذلك العبد إما بالرحمة الخاصة و هي الواجبة أو بالرحمة العامة و هي رحمة الامتنانفالمال إلى الرحمة لأجل البسملة فهي بشرى و أما سورة التوبة على من يجعلها سورة على حدة منفصلة عن سورة الأنفال فسماها سورة التوبة و هو الرجعة الإلهية على العباد بالرحمة و العطف فإنه قال للمسرفين على أنفسهم و لم يخص مسرفا من مسرف يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فلو قال إن الرحمن لم يعذب أحدا من المسرفين فلما جاء بالاسم الله قد تكون المغفرة قبل الأخذ و قد تكون بعد الأخذ و لذلك ختم الآية بقوله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فجاء بالرحيم آخرا أي مآلهم و إن أوخذوا إلى الرحمة و إن الرجعة الإلهية لا تكون إلا بالرحمة لا يرجع على عباده بغيرها فإن كانت الرجعة في الدنيا ردهم بها إليه و هو قوله ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا و إن كانت في الآخرة فتكون رجعتهم مقدمة على رجعته لأن الموطن يقتضي ذلك فإن كل من حضر من الخلق في ذلك المشهد سقط في يديه و رجع بالضرورة إلى ربه فيرجع الله إليهم و عليهم فمنهم من يرجع الله عليه بالرحمة في القيامة و منازلها و منهم من يرجع عليه بالرحمة بعد دخول النار و ذلك بحسب ما تعطيه الأحوال و يقع به الشهود و الأمر في ذلك كله حسي و معنوي فإن العالم كله حرف جاء لمعنى معناه الله ليظهر فيه أحكامه إذ لا يكون في نفسه محلا لظهور أحكامه فلا يزال المعنى مرتبطا بالحرف فلا يزال الله مع العالم قال تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فالداخل إلى هذا المنزل في أول قدم يضعه فيه يحصل له من الله تسعة و تسعون تجليا مائة إلا واحدا تتقدم إليه منها تسعة يرى فيها صورته فيعلم حقيقته ثم بعد ذلك يقام في التسعين فيرى ما لم يكن يعلم من حضرة جمع و منعة و علو عن المقاوم فينزل الحق إليه معلما له علما من لدنه و قد تقدمت الرحمة له عند دخوله و هذا منزل خضر صاحب موسى ع و اعلم أن أهلية الشيء لأمر ما أنما هو نعت ذاتي فلا يقع فيها مشاركة لغيره إلا بنسبة بعيدة إذا حققتها لم تثبت و زلت قدمك فيها كما قال ص في الصحيح أما أهل النار الذين هم أهلها و هم الذين لا يخرجون منها رأسا لأنهم أهلها فإنهم لا يموتون فيها و لا يحيون فجعل نعتهم نفي الحياة و الموت ثم استدرك نعت من دخلها و ما هو بأهلها فقال و لكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم الله فيها إماتة فنعتهم بالموت و هو خلاف نعت من هو لها أهل ثم ذكر خروج هؤلاء من النار فتنبه لكون الحق أنطق العالم كله بالتسبيح بحمده و التسبيح تنزيه ما هو ثناء بأمر ثبوتي لأنه لا يثنى عليه إلا بما هو أهل له و ما هو له لا يقع فيه المشاركة و ما أثنى عليه إلا بأسمائه و ما من اسم له سبحانه عندنا معلوم إلا و للعبد التخلق به و الاتصاف به على قدر ما ينبغي له فلما لم يتمكن في العالم أن يثنى عليه بما هو أهله جعل الثناء عليه تسبيحا من كل شيء و لهذا أضاف الحمد إليه فقال يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي بالثناء الذي يستحقه و هو أهله و ليس إلا التسبيح فإنه سبحانه يقول سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و العزة المنع من الوصول إليه بشيء من الثناء عليه الذي لا يكون الإله عما يصفون و كل مثن واصف فذكر سبحانه تسبيحه في كل حال و من كل عين فقال تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَ الْأَرْضُ وَ من فِيهِنَّ و ما ثم إلا هؤلاء و قال آمرا لمحمد عند انقضاء رسالته و ما شرع له أن يشرع من الثناء عليه فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ فقال أنت كما أثنيت على نفسك هذا هو التسبيح بحمده فلما كان الأمر بالثناء على الله على ما قررناه لم يتمكن لنا أن نستنبط له ثناء و إنما نذكره بما ذكر عن نفسه فيما أنزله في كتبه على حد ما يعلمه هو لا على حد ما نفهمه نحن فنكون في الثناء عليه حاكين تالين لأن الثناء على المثنى عليه مجهول الذات لا يقبل الحدود و الرسوم و لا يدخل تحت الكيفية و لا يعرف كما هو عليه في نفسه و هو الغني عن العالمين فلا تدل على المعرفة به الدلالات و إنما تدل على استنادنا إليه من حيث لا يشبهنا أو لا يقبل وصفنا و ما من اسم إلهي إلا و نتصف به فما تلك هي المعرفة المقصودة التي يعلم بها نفسه فشرع التسبيح و فطر عليه كل شيء و هو نفي عن كل وصف لا إثبات و لهذا بعض أهل النظر تنهوا إلى شيء من هذا و إن كان العلماء لم يرتضوا ما ذهبوا إليه و لكن هو حق في نفس الأمر من وجه ما مليح و ذلك أنهم رأوا أن المشاركة بين المحدث و الله لا تصح حتى في إطلاق الألفاظ عليه فإذا قيل لهم الله موجود يقولون ليس بمعدوم فإن المحدث موصوف بالوجود و لا مشاركة فإذا قيل لهم الله حي يقولون ليس بميت الله عالم يقولون ليس بجاهل الله قادر يقولون ليس بعاجز الله مريد يقولون ليس بقاصر فأتوا بلفظة النفي و التسبيح تنزيه و نفي لا إثبات فجروا على الأصل الذي نطق الله به كل شيء فسلكوا مسلكا غريبا بين النظارو الثناء على الله بالتسبيح لا تكل به الألسنة بخلاف الثناء بالأسماء فإن الألسنة تكل و تعيا و تقف فيها و لهذا قال من قال مما شرع له أن يقول من الثناء على الله فقال خاتما عند الإعياء و الحصر لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك و انظر حكمة الله تعالى في كونه لم يجعل له صفة في كتبه بل نزه نفسه عن الوصف فقال وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فجعلها أسماء و ما جعلها نعوتا و لا صفات و قال فَادْعُوهُ بِها و بها كان الثناء و الاسم ما يعطي الثناء و الاسم ما يعطي الثناء و إنما يعطيه النعت و الصفة و ما شعر أكثر الناس لكون الحق ما ذكر له نعتا في خلقه و إنما جعل ذلك أسماء كأسماء الأعلام التي ما جاءت للثناء و إنما جاءت للدلالة و تلك الأسماء الإلهية الحسنى هي لنا نعوت يثنى علينا بها و أثنينا علينا بها و أثنى الله على نفسه بها لأنا قدمنا إن نزول الشرائع في العالم من الله إنما تنزل بحكم ما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان سواء صادف أهل ذلك اللسان الحق في ذلك أو لا و قد تواطأ الناس على إن هذه الأسماء التي سمي الحق بها نفسه مما يثنى بها في المحدثات إذا قامت بمن تقوم به نعتا أو صفة فأثنى الله على نفسه بها و نبه على أنها أسماء لا نعوت ليفهم السامع الفهم الفطن أن ذلك من حكم التواطؤ لا حكم الأمر في نفسه كما دل دليل الشرع ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ من جميع الوجوه فلا يقبل الأينية فإنه لو قبلها لم يصدق لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ على الإطلاق فإن قبول الأينية مماثلة و أما الدليل العقلي فلا يقول بها أصلا و مع هذا الحكم للتواطئ فقال رسول الله ص للسوداء الخرساء أين الله فأطلق عليه لفظ الأينية لعلمه أن الأينية في حقه بمنزلة الاسم لا بمنزلة النعت فقالت السوداء في السماء بالإشارة فقبل ما أشارت به و جعلها مؤمنة لأن الله أخبر عن نفسه أنه في السماء فصدقته في خبره فكانت مؤمنة و لم يقل ص فيها عند ذلك إنها عالمة و أمر بعتقها و العتق سراح من قيد العبودية تنبيه من النبي ص بالعتق في حقها من قيد العبودية و الملك على أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سراح من قيد الأينية و فاء الظرف التي أتت به السوداء في الجواب فانظر ما أعجب الشارع العارف بالله و هذا كله تنزيه فالثناء على الله بصفات الإثبات التي جعلها أسماء و جعلها الخلق نعوتا كما هي لهم نعوت إذا وقع هذا الثناء من العبد صورة لا يكون روح تلك الصورة تسبيحا بليس كمثله شيء كان جهلا بما يستحقه المثنى عليه فإنه أدخله تحت الحد و الحصر بخلاف كون ذلك أسماء لا نعوتا فيا ولي لا يفارق التسبيح ثناؤك على الله جملة واحدة فإنك إذا كنت بهذه المثابة نفخت روحا في صورة ثنائك التي أنشأتها فلا تكن من المصورين الذين يعذبون يوم القيامة بأن يقال لهم أحيوا ما خلقتم و لا قدرة لهم على ذلك هناك لأن الدعوى هناك لا تقع لما هو عليه من كشف الأمور و في الدنيا ليس كذلك ثم انظر في تحقيق ما ذكرناه من إنشاء صورة الثناء إذا لم تنفخ فيها روح التسبيح قوله لطائفة قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ من دُونِ الله أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا من الْأَرْضِ فلو قالوا عيسى دعي إلها من دون الله و قد خلق من الأرض لما عجنه طينا لانتظام الأجزاء الترابية بما في الماء من الرطوبة و البرودة فزادت كمية برودة التراب فثقل عن التحليل و عدم الانتظام و أزالت الرطوبة اليبوسة التي في التراب فالتأمت أجزاؤه لظهور شكل الطائر فقدم الحق لأجل هذا القول إن خلق عيسى للطير كان بإذن الله فكان خلقه له عبادة يتقرب بها إلى الله لأنه مأذون له في ذلك فقال وَ إِذْ تَخْلُقُ من الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي فما أضاف خلقه إلا لإذن الله و المأمور عبد و العبد لا يكون إلها و إنما جئنا بهذه المسألة لعموم كلمة ما فإنها لفظة تطلق على كل شيء ممن يعقل و مما لا يعقل كذا قال سيبويه و هو المرجوع إليه في العلم باللسان فإن بعض المنتحلين لهذا الفن يقولون إن لفظة ما تختص بما لا يعقل و من تختص بمن يعقل و هو قول غير محرر و قد رأينا في كلام العرب جمع من لا يعقل جمع من يعقل و إطلاق ما على من يعقل و إنما قلنا هذا لئلا يقال في قوله ما تَدْعُونَ من دُونِ الله إنما أراد من لا يعقل و عيسى يعقل فلا يدخل في هذا الخطاب و قول سيبويه أولى فهذا قد ترجمنا عن هذا المنزل بما فيه تنبيه على شموخه و تفلته من العالم به إن لم يكن له مراقبا دائما و هو يحوي على علوم منها علم ما خص الله به أولية الحمد من الرحمة هل أعطاها الرحمة العامة أو الخاصة فإن التي تجاوره الرحمة الواجبة و هي جزء من الرحمة العامة فهل لواء الحمد يقتصر عليها و هو أن لا يثني على الله إلا بالأسماء الحسنى في العرف أو يتعداها إلى الرحمة العامة في الثناء على الله بجميع الأسماء و الكنايات إذ له الفعل المطلق من غير تقييد و له كل اسم يطلبه الفعل و إن لم يطلق عليه فإن الرحمة الإلهية العامة تعم هذه لأسماء التي لم يجر العرف بأن تطلق عليه فتطلق عليه رحمة بها فتجدها مرقومة في اللواء و هو علم شريف كنا قد عزمنا إن نضع فيه كتابا فاقتصرنا منه على جزء صغير سميناه معرفة المدخل إلى الأسماء و الكنايات و هو أسلوب عجيب غريب ما رأيت أحدا نبه عليه من المتقدمين مع معرفتهم به و من علوم هذا المنزل علم الإجمال الذي يعقبه التفصيل من غير تأخير و فيه علم إنزال الكتب من أين تنزل و ما حضرتها من الأسماء الإلهية و هل جميع الكتب المنزلة من حضرة واحدة من الأسماء أو تختلف حضراتها باختلاف سبب نزولها فإن التوراة و إن كتبها الله بيده فما نزلت للاعجاز عن المعارضة و القرآن نزل معجزا فلا بد أن تختلف حضرة أسماء الله فيضاف كل كتاب إلى اسمه الخاص به من الأسماء الإلهية و فيه العلم بالحق المخلوق به و هو العدل عند سهل بن عبد الله و فيه علم أهل الحجب في إعراضهم عن دعوة الحق هل إعراضهم جهل أو عناد و جحد و فيه علم ما يتميز به الله عمن تدعى فيه الألوهة و ليس فيه خصوص وصف الإله و فيه علم ما آخذ الأدلة للعقل بالقوة الفكرية و فيه علم تأخير الإجابة عند الدعاء ما سبب ذلك و فيه علم صيرورة الولي عدوا ما سببه و فيه علم التفاضل في الفهم عن الله هل يرجع إلى الاستعداد أو إلى المشيئة و فيه علم الشهادة الإلهية للمشهود له و عليه و اجتماع المشهود له و عليه في الرحمة بعد الأداء و لم يكن الصلح أو لا و لا يحتاج إلى دعوى و إلى شهادة و إذا كان الحق شهيدا فمن الحاكم حتى يشهد عنده فلو حكم بعلمه لم يكن شاهدا و يتعلق بهذا العلم علم الشهادة و مراتب الشهداء و الشهود فيها و هل للحاكم أن يحكم بعلمه أو يترك علمه لشهادة الشهود إذا لم تكن شهادتهم شهادة زور مثل أن تشهد شهود على إن زيدا يستحق على عمرو كذا و كذا درهما و هو عندهم كما شهدوا و كان الحاكم قد علم إن عمرا قد دفع له هذا المستحق بيقين و ليس لزيد شهود إلا علم الحاكم و يعلم الحاكم أن الشهود شهدوا بما علموا و لم يكن لهم علم بأن عمرا قد أوصل إلى زيد ما كانت الشهادة قد وقعت عليه و فيه علم تكذيب الصادق من أين يكذبه من يكذبه مع جواز الإمكان فيما يدعيه في أخباره و فيه علم أسباب ارتفاع الخوف في مواطن الخوف و فيه علم المناسبة في الجزاء الوفاق و هل ما زاد على الجزاء الوفاق يكون جزاء أو يكون هبة و هل الجزاء المؤلم يساوي الجزاء الملذ في الزيادة أم لا تكون الزيادة إلا في جزاء ما يقع به النعيم و أما في الآلام فلا يزيد على الوفاق شيء و قوله تعالى زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ لما ذا ترجع هذه الزيادة و قوله كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ فهل هذه الجلود المجددة هل هي من الجزاء الوفاق أو من الزيادة و قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً هل لهم في هذا القول وجه يصدقون فيه أم لا وجه لهم و قول الله في حق هؤلاء بَلى من كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ به خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ هل هو معارض لقولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً فإنه ما كل من دخل النار تمسه فإن ملائكة العذاب في النار و هي دارهم و ما تمسهم النار و ما قال الله بعد قوله وَ أَحاطَتْ به خَطِيئَتُهُ فأولئك الذين تمسهم النار و فيه علم نشء بنى آدم و صورته الطبيعية و الروحانية و فيه علم الوصف الذي إذا أقيم العبد فيه تجاوز الله عنه فيما أساء فيه و فيه علم الحقوق و المستحقين لها و فيه علم الفرق بين العرض و الوقوف فإنه ورد وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ و ورد يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى (النَّارِ) ربهم و ورد وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ و ورد وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ و هل العرض دخول أم لا و فيه علم المطابقة و هو علم عزيز و فيه علم مضادة الأمثال و فيه علم ما يجب على الرسل مما لا يجب و فيه علم عدم الثقة بالأسباب المعهودة لأمر ما يكون عنها فيظهر عنها خلاف ذلك من أين وقع الغلط للذي وثق بها و فيه علم ما يفنى من الأشياء مما لا يفنى و ما يفنى منها هل يفنى بالذات أم لا و فيه علم كل شيء فيك و منك فلا يطرأ عليك أمر غريب ما هو عندك فلا يكشف لك إلا عنك و هو علم عزيز أيضا ما يعلمه كل أحد من أهل الله و فيه علم الفرق بين أصناف العالم و فيه علم الاقتداء و فيه علم الزمان الكبير من الزمان الصغير و ظهور الزمان الكبير قصيرا كزمان النعيم و الوصال و ظهور الزمان القصير كبيرا كزمان الآلام و الهجران وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ