قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الأربعون و ثلاثمائة في معرفة المنزل الذي منه خبا النبي ص لابن ص

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

من القرآن العزيز فقال له ما خبأت لك فقاله الدخ و هو لغة في الدخان لأن فيها آية يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ فعلم ابن صياد اسمها الذي نواه و أضمره في نفسه رسول الله ص في خبئه فقال له ص اخسأ فلن تعدو قدرك أي علمك بهذا لا يخرجك عن قدرك الذي أهلك الله له و قد روى فلم تعد قدرك يعني بإدراكك لما خبأته لك و في هذا القول سر يطلعك إياه هذا القول من النبي ص لصاف على المقام الذي أوجب على رسول الله ص أن يقول مثل هذا القول له فإنه لم يختبره بما خبأ له عن وحي من الله فلو كان عن وحي ما عثر عليه ابن صائد لأن الله من وراء ما يأمر به بالتأييد بل كان هذا القول مثل قوله ص في إبار النخل فلما خرج خبؤه كان ذلك من الله تأديب فعل ليحفظ عليه مقام المراقبة فلا ينطق إلا عن شهود إذ بقرينة الحال يعلم أن النبي ص ما خبأ له ما خبا إلا ليعجزه فأبى الله ذلك فقال ص إن الله أدبنيفأحسن تأديبي و لو نطق النبي ص للحاضرين بقصده فيما خبا له لارتدت جماعة من الحاضرين لذلك و لكن الله عصم نبيه ص عن القول و لم يخرجه العلم بالخبيئة عن كونه كاهنا و الحاضرون يعرفون أمر الكهنة و شأنهم و لا سيما أهل اليمن و الحجاز و جزيرة العرب فلم يخرجه ذلك العلم عن قدره عند الحاضرين و في هذه المسألة أمور عظيمة يتسع الشرح فيها إلى أمر عظيم

ترك الرضي لا يكونإلا لمن هو دون
فإن يكن لك حالافكل صعب يهون
و إن أبيت رضاهفما يشاء يكون

هذا المنزل منه خبا رسول الله ص لابن صياد سورة الدخان من القرآن و هو منزل عظيم فيه من المكر الإلهي و الاستدراج ما لا تأمن مع العلم به الملائكة من مكر الله فالعاقل إذا لم يكن من أهل الاطلاع في تصرفاته فلا أقل من أنه لا يزيل الميزان المشروع له الوزن به في تصرفاته من يده بل من يمينه فيحفظه في نفس الأمر من هذا المكر و لا يخرج عن لوازم عبوديته و أحكامها طرفة عين يعطي من الزيادات في العلوم و الأمور ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على بال ممكن يكون العروج إليه من الأرواح المفارقة و غيرها منه تبدو العلامات على صدق الصادق و كذب الكاذب من حصل فيه حصل علم الحكمة الجامعة و تميز له الشقي من السعيد فيه تختلف أحوال الناظرين فما يراه زيد نورا يراه عمرو ظلمة و يراه جعفر نورا و ظلمة معا فإنه يكشف به الأشياء فيقول هذا نور و يبصره من حيث عينه فيقول ظلمة فيه تكون المنازلات كلها يلتقي فيه الحق النازل و الخلق الصاعد فيقول الحق للصاعد إلى أين فيقول إليك و يقول الخلق للنازل إلى أين فيقول إليك فيقول قد التقينا فتعال حتى يعين كل واحد منا ما السبب الذي أوجب لكل واحد منا طلب صاحبه فيقول الحق قصدت بالنزول إليك لنريحك من التعب فنعطيك و نهبك من غير مشقة و لا نصب و أنت في أهلك مستريح لم يكن لي قصد غير هذا و يقول الخلق قصدت بالعروج إليك تعظيما لك و خدمة لنقف بين يديك و أنت على سرير ملكك و قد علم الملأ الأعلى أني خليفتك و أني أعلم بك منهم لما خصصتني به فإذا رآني الملأ الأعلى بين يديك اقتدوا بي فيما أقوم به بين يديك مما ينبغي لمثلي أن يتأدب معك به فيحصل لهم بالمشاهدة من علم الأدب معك ما لم يكن عندهم لأني رأيتهم جاهلين بمنزلتك مع كونهم يسبحونك لا يفترون تقول لهم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً فيعارضونك فيه بما حكيت لي عنهم أنهم قالوا و لم يكن ينبغي لهم إلا السمع كما لك الأمر فلما علمت إن الأدب الإلهي ما استحكم فيهم و قد أمرتني بتعليمهم و رأيت أن التعليم بالحال و الفعل أتم منه بالقول و العمارة قصدت العروج إليك ليرى الملأ الأعلى بالحال و الفعل ما ينبغي أن يعامل به جلالك و الاستواء أشرف حال ظهرت به إلى خلقك و مع ذلك اعترضوا عليك فكيف لو نزلت إلى أدنى من حالة الاستواء من سماء و أرض فيقول الحق نعم ما قصدت مثلك من يقدر قدر الأشياء فإنه من عرف قدره و قدر الأشياء عرف قدري و و فاني حقي أ لا ترى محمدا ص لما فرضت عليه و على أمته خمسين صلاة نزل بها و لم يقل شيئا و لا اعترض و لا قال هذا كثير فلما نزل إلى موسى ع فقال له راجع ربك عسى إن يخفف عن أمتك فإني قاسيت من بنى إسرائيل في ذلك أهوالا و أمتك تعجز عن حمل مثل هذا و تسأم منه فبقي محمد ص متحيرا الأدب الكامل يعطيه ما فعل من عدم المعارضة و الشفقة على أمته تطلبه بالتخفيف عنها حتى لا يعبد الله بضجر و لا كره و لا ملل و لا كسل فبقي حائرا فهذا ما أثرت الوسائط و الجلساء فأخذ يطلب الترجيح فيما قاله موسى ع و فيما وفى هو ص من حق الأدب مع الله و قد كان الله تقدم إليه عند ذكر جماعة من الأنبياء ع منهم موسى ع بأن قال له أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ فتأول إن هذا الذي أشار به عليه من هداهم و لم يتفطن في الوقت إن موسى ع لما كان في حال هداه ما سأل التخفيف و ذلك الهدى هو الذي أمر رسول الله ص أن يقتدي به فأعطاه هذا الاجتهاد الرجوع إلى الله فسأله التخفيف فما زال يرجع بين الله تعالى و بين موسى ع إلى أن قال ما أعطاه الأدب استحييت من ربي و انتهى الأمربالتخفيف إلى العشر فنزل به على أمته و شرع له أن يشرع لأمته الاجتهاد في الأحكام التي بها صلاح العالم لأنه ص بالاجتهاد رجع بين الله و بين موسى ع فأمضى ذلك في أمته لتأنس بما جرى منه و لا تستوحش و جبر بهذا التشريع قلب موسى في ذلك فإنه لا بد إذا رجع مع نفسه و زال عنه حكم الشفقة على العباد قام معه تعظيم الحق و ما ينبغي لجلاله فلم يستكثر شيئا في حقه و علم إن القوة بيده يقوي بها من شاء و إذا خطر له مثل هذا و أقامه الحق فيه لا بد له أن يؤثر عنده ندما على ما جرى منه فيما قاله لمحمد ص فجبر الله قلبه بقوله ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ في آخر رجعة و كان قد تقدم القول بالتكثير و بدله بالتخفيف و التقليل فاعلم موسى أن القول الإلهي منه ما يقبل التبديل و منه ما لا يقبل التبديل و هو إذا حق القول منه فالقول الواجب لا يبدل و القول المعروض يقبل التبديل فسر موسى ع بهذا القول و إنه ما تكلم إلا في عرض القول لا في حقه و كذلك لما علم بما شرع الله لأمة محمد ص من الاجتهاد في نصب الأحكام من أجل اجتهاد محمد جبر الله تعالى قلب محمد ص فيما جرى منه و سرى ذلك في أمته ص كما سرى الجحد و النسيان في بنى آدم من جحد آدم و نسيانه جبر القلب آدم فإن هذه النشأة الطبيعية من حكم الطبيعة فيها الجحد و النسيان فكانت حركة آدم في جحده حركة طبيعية و في نسيانه أثر طبيعي فلو تناسى لكان الأمر من حركة الطبيعة كالجحد من حيث إنه جحد هو أثر طبيعي و من حيث ما هو جحد بكذا هو حكم طبيعي لا أثر فهذا الفرق بين حكم الطبيعة و بين أثرها و النسيان من أثرها و التناسي من حكمها و الغفلة من أثرها و التغافل من حكمها و قليل من العلماء بالله من يفرق بين حكم الطبيعة و أثرها فاجتمع في آدم حكم الطبيعة بالجحد لأنه الأول الجامع في ظهره للجاحدين فحكموا عليه بالجحد فجحد لأن الابن له أثر في أبيه فالجحد و إن كان من حكم الطبيعة فإنه من أثر الجاحدين من أبنائه لأن آدم إنسان كامل و كذا النسيان الواقع منه هو من أثر الطبيعة و حكم الأبناء فإنه حامل في ظهره للناسين من أبنائه فحكموا عليه بالنسيان فانظر ما أعجب هذه الأمور و ما يعطيه فتوح المكاشفة من العلوم و جميع ما ذكرناه من أحكام هذا المنزل و له من الحضرة الإلهية الغيب و من أعيان العالم الطبيعة و من عالم الشهادة الظلمة ففي الشهادة ترى الظلمة و لا يرى بها و في الطبيعة تعلم و لا ترى و يرى أثرها و يرى بها و في الغيب يرى و يرى به مع بقاء اسم الغيب عليه و إنما قلنا هذا لأن الأسماء تتغير بتغير الأحكام و لا سيما في الأسماء الإلهية فإن الحكم يغير الاسم للاسم الآخر الذي يطلبه ذلك الحكم و العين واحدة و في أحكام الشرائع عكس هذا تغير الأحكام تبع لتغير الأحوال و الأسماء و العين واحدة قيل لمالك بن أنس من أئمة الدين ما تقول في خنزير البحر من بعض السمك فقال هو حرام فقيل له فسمك البحر و دوابه و ميتته حلال فقال أنتم سميتموه خنزيرا و الله قد حرم الخنزير فتغير الحكم عند مالك لتغير الاسم فلو قالوا له ما تقول في سمك البحر أو دواب البحر لحكم بالحل و كذا تغير الأحوال يغير الأحكام فالشخص الواحد الذي لم يكن حاله الاضطرار أكل الميتة عليه حرام فإذا اضطر ذلك الشخص عينه فأكل الميتة له حلال فاختلف الحكم لاختلاف الحال و العين واحدة و اعلم أن الله من هذا المنزل يقبل التجلي في الصور الطبيعية كثيفها و لطيفها و شفافها لأهل البرازخ و القيامة برزخ و ما في الوجود غير البرازخ لأنه منتظم شيء بين شيئين مثل زمان الحال و يسمى الدائم و الأشياء المعنوية دور و الحسية أكر فما في الكون طرف لأن الدائرة لا طرف لها فكل جزء منها برزخ بين جزأين و هذا علم شريف لمن عرفه و لهذا جمع في الإنسان الكامل بين الصورتين الطبيعيتين في نشأته فخلقه بجسم مظلم كثيف و بجسم لطيف محمول في هذا الجسم الكثيف سماه روحا له به كان حيوانا و هو البخار الخارج من تجويف القلب المنتشر في أجزاء البدن المعطي فيه النمو و الإحساس و خصه دون العالم كله بالقوة المفكرة التي بها يدبر الأمور و يفصلها و ليس لغيره من العالم ذلك فإنه على الصورة الإلهية و من صورتها يدبر الأمر يفصل الآيات فالإنسان الكامل من تممت له الصورة الإلهية و لا يكمل إلا بالمرتبة و من نزل عنها فعنده من الصورة بقدر ما عنده أ لا ترى الحيوان يسمع و يبصر و يدرك الروائح و الطعوم و الحار و البارد و لا يقال فيه إنسان بل هو جمل و فرس و طائر و غير ذلك فلو كملت فيه الصورة قيل فيه إنسان كذلك الإنسان لا يكمل فيزول عنه الاسم العام إلى الاسم الخاص فلا يسمىخليفة إلا بكمال الصورة الإلهية فيه إذ العالم لا ينظرون إلا إليها و لهذا لما لم تر الملائكة من آدم إلا الصورة الطبيعية الجسمية المظلمة العنصرية الكثيفة قالت ما قالت فلما أعلمهم الله بكمال الصورة فيه و أمرهم بالسجود له سارعوا بالسجود له و لا سيما و قد ظهر لهم بالفعل في تعليمه الأسماء إياهم و لو لم يعلمهم و قال لهم الله إني أعطيته الصورة و الشورة لأخذوها إيمانا و عاملوه بما عاملوه به لأمر الله فإذا كوشف الإنسان على الإنسان الكامل و رأى الحق في الصورة التي كساها الإنسان الكامل يبقى في حيرة بين الصورتين لا يدري لأيتهما يسجد فيخير في ذلك المقام بأن يتلى عليه فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ففي الإنسان وجه الله من حيث صورته و في جانب الحق وجه الله من حيث عينه فلا شيء يسجد قبل سجوده فإن الله يقبل السجود للصورة كما يقبله للعين كما تحير رسول الله ص في مثل هذا المقام في منزلة أخرى لما قيل له حين أسرى به و أقيم في النور وحده فاستوحش و سبب استيحاشه إنما كان حيث أسرى به بجسمه العنصري فأدركته الوحشة بخروجه عن أصله و وقوفه في غير منزله فلم يستوحش منه ص إلا حقيقة ما ظهر فيه من العناصر فناداه من ناداه بصوت أبي بكر إذ كان قد اعتاد الأنس به فآنس للنداء و أصغى إليه و زالت عنه تلك الوحشة بصوت أبي بكر فقيل له لما أراد الدخول من ذلك الموقف على الله قف يا محمد إن ربك يصلي فتحير في نسبة الصلاة إليه و كان محمد ص في مقام الصورة الإلهية الكاملة التي تستقبل بالصلاة و السجود لها فلما دنا استقبله ربه بالصلاة له و لا علم له بذلك فناداه الاسم العليم المنسوب إليه الكلام بصوت أبي بكر ليعرفه بمرتبة أبي بكر و يؤنسه به قف إن ربك يصلي و الوقوف ثبات و هو قبلة للمصلي فوقف و أفزعه ذلك الخطاب لأن حاله في ذلك الوقت التسبيح الذي روحه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فهذا الذي أفزعه فلما تلي عليه عند ذلك هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ تذكر ما أنزله الله عليه في القرآن فزال عنه رعب نسبة الصلاة إلى الله بما ذكره به و كان من أمر الإسراء ما كان و له موضع غير هذا نذكره فيه إن شاء الله فمن أقامه الله بين الصورتين لا يبالي لأيتهما سجد فإن رأى هذا الذي كوشف بالصورتين تصافح الصورتين دون سجود إحداهما للأخرى فهي علامة له على كمال الصورة في حق ذلك الإنسان الخاص و إن رأى السجود من الصورة الإنسانية للصورة الأخرى الإلهية فيعلم عند ذلك أن الصورة الإنسانية الكاملة في مقام مشاهدة العين لا مشاهدة الصورة فيوافقها في السجود لها فإن رأى السجود من الصورة الإلهية للصورة الإنسانية هنالك من قوله هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ لم يوافقها في السجود فإن وافقها هلك بل من حصل في ذلك المقام يعرف الأمور على ما هي عليه فإنه يعلم أن الصلاة من الله على العبد الكامل لا للعبد الكامل و الصلاة من العبد الكامل لله لا على الله و من حصل له هذا الفرقان فقد جمع بين القرآن و الفرقان و هذا مشهد عزيز ما رأيت له ذائقا و هو من أتم المعارف و لما نزل القرآن نزل على قلب محمد ص و على قلوب التالين له دائما التي في صدورهم في داخل أجسامهم لا أعني اللطيفة الإنسانية التي لا تتحيز و لا تقبل الاتصاف بالدخول و الخروج فيقوم للنفس الناطقة القلب الذي في الصدر ليصير لها مقام المصحف المكتوب للبصر فمن هناك تتلقاه النفس الناطقة و سبب ذلك أنه لما قام لها التفوق و الفضل على الجسم المركب الكثيف بما أعطيته من تدبيره و التصرف فيه و رأته دونها في المرتبة لجهلها بما هو الأمر عليه و ما علمت أنه من الأمور المتممة لكمالها فجعل الله القلب الذي في داخل الجسم في صدره مصحفا و كتابا مرقوما تنظر فيه النفس الناطقة فتتصف بالعلم و تتحلى به بحسب الآية التي تنظر فيها فتفتقر إلى هذا المحل لما تستفيده بسببه لكون الحق اتخذه محلا لكلامه و رقمه فيه فنزلت بهذا عن ذلك التفوق الذي كان قد أعجبت به و عرفت قدرها و رأت أن ذلك القلب مهبط الملائكة بالروح الذي هو كلام الله و ما رأت تلك الملائكة النازلة تنظر إليها و لا تكلمها إنما ترقم في القلب ما تنزل به و النفس تقرأ ما نزل فيه مرقوما فتعلم في فهمها عن الله أن مراد الله بذلك تعليمها و تأديبها لما طرأ عليها من خلل العجب بنفسها فأقرت و اعترفت بأن نسبة الله إلى كل شيء نسبة واحدة من غير تفاضل فلم تر لها تفوقا على شيء من المخلوقات من ملأ أعلى أو أدنى و لا تفضيل و لا ترجيح في العالم و لكن من حيث الدلالة و نسبة الحق لا من حيث هو العالم فإنه من حيث هو العالم يكون ترجيحبعضهم على بعض و يظهر فيه التفاوت فاعلم إن النفس الناطقة من الإنسان إذا أراد الله بها خيرا كشف لها عن نطق جميع أجزاء بدنها كلها بالتسبيح و الثناء على الله بحمده لا بحمد من عندها و لا ترى فيهم فتورا و لا غفلة و لا اشتغالا و رأت ذاتها غافلة عما يجب لله تعالى عليها من الذكر مفرطة مشتغلة عن الله بأغراضها متوجهة نحو الأمور التي تحجبها عن الله و الوقوف عند حدوده فيعظم العالم عندها و تعلم أنه شعائر الله التي يجب عليها تعظيمها و حرمات الله و تصغر عندها نفسها و تعلم أن لو تميزت عن جسمها و لم يكن جسمها من المتمات لها في نشأتها لعلمت أن الجسم ذلك المدبر لها أشرف منها فلما علمت إن ذلك الجسم أشرف منها علمت إن شرفه بما هو عليه من هذه الصفات هو عين شرفها و إنها ما أمرت بتدبيره و استخدمت في حقه و صيرت كالخديم له و توجهت عليها حقوق له من عينه و سمعه و غير ذلك إلا لشغله بالله و تسبيح خالقه فعلمت نفسها أنها مسخرة له فلو كانت هي من الاشتغال بالله في مثل هذا الاشتغال كان لها حكم جسمها و لو وكل الجسم لتدبير ذاته اشتغل عن التسبيح كما اشتغلت النفس الإنسانية و إذا علمت أنها مسخرة في حق جسمها عرفت قدرها و أنها في معرض المطالبة و المؤاخذة و السؤال و الحساب فتعين عليها في دار التكليف أداء الحقوق الواجبة عليها لله و للعالم الخارج عنها و لنفسها بما يطلبه منها جسمها و لم تتفرغ مع هذا الاشتغال إلى رؤية الأفضلية و لا تشوفت لمعرفة المراتب و هذه المرتبة أعني مرتبة أداء الحقوق أشرف المراتب في حق الإنسان و الخاسر من اشتغل عنها كما إن الرابح من اشتغل بها و اعلم أن الله تعالى إذا ذكر لك شيئا بضمير الغائب فما هو غائب عنه و إنما راعى المخاطب و هو أنت و المذكور غائب عنك فإذا ذكره بضمير الحضور من إشارة إليه و غيرها فإنما راعاك و مراعاة شهوده لا بد منها في كل حال و لكن يفرق بين ما يحكيه الله من أقوال القائلين و بين الكلام الذي يقوله من عند نفسه فإذا كان الحق سمع العبد و بصره زالت الغيبة في حق العبد فما هو عند ذلك مخاطب بما فيه ضمير غائب و قد وجد الخطاب لمن هذه صفته بضمير الغائب فكيف الأمر قلنا لما كان العبد المنزل عليه القرآن مأمورا بتبليغه إلى المكلفين و تبيينه للناس ما نزل إليهم و من الأشياء ما هي مشهودة لهم و غائبة عنهم و لم يؤمر أن يحرف الكلم عن مواضعه بل يحكي عن الله كما حكى الله له قول القائلين و قولهم يتضمن الغيبة و الحضور فما زاد على ما قالوه في حكايته عنهم و قيل له بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ فلم يعدل عن صورة ما أنزل إليه فقال ما قيل له فإنه ما نزلت المعاني على قلبه من غير تركيب هذه الحروف و ترتيب هذه الكلمات و نظم هذه الآيات و إنشاء هذه السور المسمى هذا كله قرآنا فلما أقام الله نشأة القرآن صورة في نفسها أظهرها كما شاهدها فأبصرتها الأبصار في المصاحف و سمعتها الآذان من التالين و ليس غير كلام الله هذا المسموع و المبصر و ألحق الذم بمن حرفه بعد ما عقله و هو يعلم أنه كلام الله فأبقى صورته كما أنزلت عليه فلو بدل من ذلك شيئا و غير النشأة لبلغ إلينا صورة فهمه لا صورة ما أنزل عليه فإنه لكل عين من الناس المنزل إليهم هذا القرآن نظر فيه فلو نقله إلينا على معنى ما فهم لما كان قرآنا أعني القرآن الذي أنزل عليه فإن فرضنا أنه قد علم جميع معانيه بحيث إنه لم يشذ عنه شيء من معانيه قلنا فإن علم ذلك و هذه الكلمات التي تدل على جميع تلك المعاني فلأي شيء يعدل و إن عدل إلى كلمات تساويها في جميع تلك المعاني فلا بد لتلك الكلمات التي يعدل إليها من حيث ما هي أعيان وجودية أعيان غير هذه الأعيان التي عدل عنها التي أنزلت عليه فلا بد أن تخالفها بما تعطيه من الزيادة من حيث أعيانها على ما جمعته من المعاني التي جمعتها الكلمات المنزلة فيزيد للناظر في القرآن معاني أعيان تلك الكلمات المعدول إليها و ما أنزلها الله فيكون النبي قد بلغ للناس ما نزل إليهم و ما لم ينزل إليهم فيزيدون في الحكم شرعا لم يأذن به الله كما أيضا ينقص مما أنزل الله أعيان تلك الكلمات التي عدل عنها فكان الرسول قد نقص من تبليغ ما أنزل إليه أعيان تلك الكلمات و حاشاه من ذلك فلم يكن ينبغي له إلا أن يبلغ إلى الناس ما نزل إليهم صورة مكملة من حيث الظاهر حروفها اللفظية و الرقمية و من حيث الباطن معانيها و لذلك كان جبريل في كل رمضان ينزل على محمد ص يدارسه القرآن مرة واحدة فكانت له مع جبريل ع في كل رمضان ختمة إلى أن جاء آخر رمضان شهده رسول الله ص فدارسه جبريل مرتين في ذلك الرمضان فختم ختمتين فعلم أنه يموت في السنة الداخلة لا في سنة ذلك الرمضان فكانت الختمة الثانية لرمضان السنة التي مات فيها حتى تكونالسنة له بعد موته فمات في ربيع الأول و كان نزول القرآن في ليلة القدر التي هي خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ فأتى بغاية أسماء العدد البسيط الذي لا اسم بعده بسيط إلا ما يتركب كما كان القرآن آخر كتاب أنزل من الله كما كان من أنزل عليه آخر الرسل و خاتمهم ثم أضاف ذلك الاسم الذي هو ألف إلى شهر بالتنكير فيدخل الفصول فيه و الشهر العربي قدر قطع منازل درجات الفلك كله لسير القمر الذي به يظهر الشهر فلو قال أزيد من ذلك لكرر و لا تكرار في الوجود بل هو خلق جديد و لو نقص بذكر الأيام أو الجمع لما استوفى قطع درجات الفلك فلم تكن تعم رسالته و لم يكن القرآن يعم جميع الكتب قبله لأنه ما ثم سير لكوكب يقطع الدرجات كلها في أصغر دورة إلا القمر الذي له الشهر العربي فلذلك نزل في ليلة هي خير من ألف شهر أي أفضل من ألف شهر و الأفضل زيادة و الزيادة عينها و جعل الأفضلية في القدر و هي المنزلة التي عند الله لذلك المذكور و كانت تلك الليلة المنزل فيها التي هي ليلة القدر موافقة ليلة النصف من شعبان فإنها ليلة تدور في السنة كلها و أما نحن فإنا رأيناها تدور في السنة و أنا رأيناها أيضا في شعبان و رأيناها في رمضان في كل وتر من شهر رمضان و في ليلة الثامن عشر من شهر رمضان على حسب صيامنا في تلك السنة فأي ليلة شاء الله أن يجعلها محلا من ليالي السنة للقدر الذي به تسمى ليلة القدر جعل ذلك فإن كان ذلك من ليالي السنة ليلة لها خصوص فضل على غيرها من ليالي السنة كليلة الجمعة و ليلة عرفة و ليلة النصف من شعبان و غير تلك من الليالي المعروفة فينضاف خير تلك الليلة إلى فضل القدر فتكون ليلة القدر تفضل ليلة القدر في السنة التي لا ينضاف إليها فضل غيرها فاعلم ذلك و من هذا المنزل نزل الروح الأمين على قلب محمد ص بسورتين سورة القدر و سورة الدخان و هما مختلفان في الحكم فسورة القدر تجمع ما تفرقة سورة الدخان و سورة الدخان تفرق ما تجمعه سورة القدر فمن لا علم له بما شاهده يتخيل أن السورتين متقابلتان و لم يتفطن للمنزل الواحد الذي جمعهما و لم يتفطن لنشأته التي قامت من جمعها للمتقابلات الطبيعية و صاحب الكشف الصحيح إذا دخل هذا المنزل و كانَ لَهُ قَلْبٌ ... وَ هُوَ شَهِيدٌ رأى أن سورة القدر لا تقابل بينها و بين سورة الدخان فإن سورة القدر تجمع ما تعطيه سورة الدخان لتفرقه على المراتب فتأخذه سورة الدخان فتفرقه على المراتب لأنها علمت من سورة القدر أنها ما جمعت ذلك و أعطته إياها إلا لتفرقه فسورة القدر كالجابية لسورة الدخان هكذا هو الأمر و هما سورتان لهما عينان و لسانان و شفتان تعرفان و تشهدان لمن دخل هذا المنزل بأنه من أهل المقام المحمود و إنه وارث مكمل و يتضمن هذا المنزل علم المطابقة و المناسبة و المراقبة و علم التلويح و الرمز و علم النفوذ في الأمور من غير مشقة لأن النفوذ في الأمور بطريق الفكر من أعظم المشقات و علم الإبانة و الكشف و علم النشآت الطبيعية هل حكمها حكم النشآت العنصرية أم لا و علم الفرق بين الأنوار و الظلم و لما ذا يرجع النور و الظلمة و هما حجابان بين الله و عباده و ما يلي العباد من هذه الحجب و ما يلي الحق منها و هل ترفع لأحد أو لا تزال مسدلة و هل تعطي هذه الحجب تحديد المحجوب أم لا فإن أعطت التحديد للمحجوب فبأي نشأة تقيده و تحده هل بنشأة عنصرية أو طبيعية و إن لم تقيده فيما ذا تلحقه هل بما لا يقبل التحيز من العالم فلا يتصف بالدخول في الأجسام و لا بالخروج منها أو تقضي عليه بحكم يخصه خارج عن حكم ما لا يتحيز فلا يقبل المكان و لا الحلول و علم الرحمة التي يتضمنها الإنذار ممن كان و علم الأذواق و علم ما يشقى من الأسماء مما يسعد و علم تعلم اليقين و علم التنزيه في الربوبية و هو صعب التصور و علم مرتبة العلم من مرتبة الشك خاصة و ما تعطي كل مرتبة منهما لمن حل فيها و نزل بها و علم العذاب أ هو من علم الآلام أو هو من علم اللذات و علم عدم قبول التوبة عند حلول البأس و قبولها من قوم يونس خاصة و علم نفوذ قضاء السوابق هل تنفذ بالشر على من هو على بصيرة أو هل هو مختص بالمحجوبين و علم طبقات العذاب و علم الابتلاء و طبقاته و علم النصائح و علم أهل العناية عند الله مع شمول الرحمة للجميع و قد ابتلوا أهل العناية في الدنيا بما به ابتلي من ليس منهم في الآخرة و لما ذا ترجع عناية الله بأهله مع الابتلاء و البلاء هل لاقتضاء الدارين أو لاقتضاء سابق العلم و علم وجود الحق بوجوهه في كل فرد فرد من العالم كله و علم توقيت الجمع الأخير من الجموع الثلاثة و علم الاستثناء لما ذا يرجع و علم أين يذهب الجهل و الظن و الشك و العلم بأصحابهم و علم تقدم الموت على الحياة و معلوم أنالموت لا يكون إلا عن حياة و علوم هذا المنزل كثيرة فقصدنا منها إلى التعريف بالأهم من ذلك مما تتعلق السعادة بالعلم به و إن كان العلم كله عين السعادة لكن في العموم ليست السعادة إلا حصول اللذات و نيل الأغراض و الفوز من الآلام وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ