اعلم أيدنا الله و إياك بروحه القدسي أن التقليد هو الأصل الذي يرجع إليه كل علم نظري أو ضروري أو كشفي لكنهم فيه على مراتب فمنهم من قلد ربه و هم الطائفة العلية أصحاب العلم الصحيح و منهم من قلد عقله و هم أصحاب العلوم الضرورية بحيث لو شككهم فيها مشكك بأمر إمكاني ما قبلوه مع علمهم بأنه ممكن و لا يقبلونه فإذا قلت لهم في ذلك يقولون لأنه لا يقدح في العلم الضروري و أمثلته كثيرة لا أذكرها من أجل النفوس الضعيفة لقبولها فيؤدي ذلك إلى ضرر و هوس فذلك يمنعني أن أبينها و منهم من قلد عقله فيما أعطاه فكره و ما ثم إلا هؤلاء فقد عم التقليد جميع العلماء و التقليد تقييد فما خرج العالم عن حقيقته فإنه الموجود المقيد فلا بد أن يكون علمه مقيدا مثله و التقييد فيه عين التقليد غير أنه ذم في بعض المواطن و هي معلومة و حمد في بعض المواطن و هي معلومة و ليس في المنازل أصعب مرتقى من هذا المنزل هو أصعب من منزل عقبات السويق لأن صاحب ذلك المنزل تارة و تارة و صاحب هذا المنزل ثابت القدم فيه فإذا كان التقليد هو الحاكم و لا بد و لا مندوحة عنه فتقليد الرب أولى فيما شرع من العلم به فلا تعدل عنه فإنه أخبرك عن نفسه في العلم به فيما قلدت فيه عقلك من حيث تقليده لفكره الناظر به في دليله و أعطاك نقيضه من العلم به و الأصل في العالم الجهل و العلم مستفاد فالعلم وجود و الوجود لله و الجهل عدم و العدم للعالم فتقليد الحق الذي له الوجود أولى من تقليد من هو مخلوق مثلك فكما استفدت منه سبحانه الوجود فاستفد منه العلم فقف عند خبره عن نفسه بما أخبر و لا تبال بالتناقض في الأخبار فإنه لكل خبر مرتبة ينزل ذلك الخبر فيها و أنت الحضرة الجامعة لتلك المراتب فكن على بينة من ربك لم تقل من عقلك لأنه لا يحيلك إلا على نفسه لأنه خلقك له فلا يعدل بك عنه فإذا تجلى لك في ضرورة عقلك وجدت استنادك و لا بد إلى أمر ما لا تعلمه من حيث تقليدك لهذه الضرورة العقلية فإذا تجلى لك في نظر عقلك وجدت في نفسك أن هذا الذي استندت إليه في وجودك أمر وجودي لا يشبهك إذ عينك و كل ما يقوم بك و يكون وصفا لك محدث مفتقر إلى موجد مثلك فيقول لك عقلك من حيث نظره إن هذا الموجود ليس مثله شيء من العالم و أنت جميع العالم لأن كل جزء من العالم يشترك مع الكل في الدلالة على ما قررناه و إذا تجلى لك في الشرع أبان لك عن التفاوت في مراتب العالم فتجلى لك في كل مرتبة فقلد في ذلك الشارع حتى يكشف لك فترى الأمر على صورة ما أنت به فقلدت ربك فرأيته مشبها و منزها فجمعت و فرقت و نزهت و شبهت و كل ذلك أنت لأنه تجل إلهي في المراتب و أنت الجامع لها و هي لك و للعالم كله و هي الحاكمة على كل من ظهر فيها فينصبغ في عين الناظر إليه بها و لذلك قلت لك و كل ذلك أنت فإن العالمين من العلامة و العلامة لا تدل إلا على محدود فلا تدل إلا عليك فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فالعالم لا يدل على العلم بذاته و إنما يدل على العلم بوجوده فاعلم أن الحق هو على الحقيقة أم الكتاب و القرآن كتاب من جملة الكتب إلا أن له الجمعية دون سائر الكتب و مع هذا فإنه صفة الحق و الصفة تطلب من تقوم به و النسبة تطلبمن تنسب إليه فلذلك قلنا فيه إنه أم الكتاب الذي عنه خرجت الكتب المنزلة و اختلفت الألسنة به لقبوله إياها بحقيقته فقيل فيه إنه عربي و إنه عبراني و إنه سرياني بحسب اللسان الذي أنزل به و هذا هو عين الجعل في القرآن و عين نسبة الحدوث إليه في قوله ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فهو محدث الإتيان و ما هو الإتيان عين الإنزال كما أنه ليس بعين الجعل و الجعل يكون بمعنى الخلق و بغيره فما ينسب إلى القرآن من قوله محدث فهو من حكم الجعل الذي بمعنى الخلق فلا فرق بين قوله ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ و بين قوله إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا في الحكم و اعلم أن تحقيق عندية كل شيء راجعة إلى نفسه و لهذا قال ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ فإن حكمكم النفاد وَ ما عِنْدَ الله باقٍ فإنه له البقاء فلو كانت عندية الشيء غير نفس الشيء ما نفد ما عندنا لأنا و ما عندنا عند الله وَ ما عِنْدَ الله باقٍ فنحن و ما عندنا باق فتبين لك أن عندية كل شيء نفسه و العندية في اللسان ظرف مكان أو ظرف محلي كالجسم للعرض اللوني الذي يدركه البصر فهو أجلي فيما ترومه من الدلالة فهو بحيث محله و صاحب المكان ما هو بحيث المكان و العندية جامعة للأمرين و لما لم يمكن في التقليد الضروري أن يجحد أحد من استند إليه في وجوده لذلك أقر به من من شأنه الإنكار و الجحود فإن قلت فالمعطلة أنكرت قلنا المعطلة ما أنكرت مستندا و إنما أنكرت و عطلت الذي عينتموه أنتم إنه المستند ما عطلت المستند فقلتم أنتم هو كذا فعطلته المعطلة و قالت بل المستند كذا فكما إن أولئك معطلة أنتم أيضا معطلة تعطيلهم لكن اختص أولئك باسم المعطلة و هم على ضروب في التعطيل محل العلم بذلك و أمثاله العلم بالنحل و الملل و هو علم لا ينبغي للمؤمن أن يقرأه و لا ينظر فيه جملة كما يتعين على أهل الله أن يعرفوا علم كل نحلة و ملة بالله ليشهدوه في كل صورة فلا يقومون في موطن إنكار لأنه تعالى سار في الوجود فما أنكره إلا محدود و أهل الله تابعون لمن هم له أهل فيجري عليهم حكمه و حكمه تعالى عدم التقييد فله عموم الوجود فلأهله عموم الشهود فمن قيد وجوده قيد شهوده و ليس هو من أهل الله و اعلم أن الله لما مهد هذه الخليقة جعلها أرضا له فوصف نفسه بالاستواء و بالنزول إلى السماء و بالتصرف في كل وجهة الكون موليها فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فإنه لا يرفع حكم إن وجه الله حيثما توليت و لكن الله اختار لك ما لك في التوجه إليه سعادتك و لكن في حال مخصوص و هي الصلاة و سائر الأينيات ما جعل الله لك فيها هذا التقييد فجمع لك بين التقييد و الإطلاق كما جمع لنفسه بين التنزيه و التشبيه فقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فالعالم كله أرض ممهدة لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً هل ترى من تفاوت فَارْجِعِ الْبَصَرَ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ و الحق صفة العالم لأن صفته الوجود و ليس إلا لله و لذلك ورد في الخبر الصحيح كنت سمعه و بصره و هكذا جميع قواه و صفاته فلما كان العالم ظرفا مكانيا لمن استوى عليه ظهر بصورته سئل الجنيد عن المعرفة و العارف فقال لون الماء لون إنائه فجعل الأثر للظرف في المظروف و ذلك لتعلم من عرفت فتعلم أنك ما حكمت على معروفك إلا بك فما عرفت سواك فأي لون كان للإناء ظهر الماء للبصر بحسب لون الإناء فحكم من لا علم له بأنه كذا لأن البصر أعطاه ذلك فله التجلي في كل صورة من صور الأواني من حيث ألوانها فلم يتقيد في ذاته الماء و لكن هكذا تراه و كذلك تؤثر فيه أشكال الظروف التي يظهر فيها و هو ماء فيها كلها فإن كان الوعاء مربعا طهر في صورة التربيع أو مخمسا ظهر في صورة التخميس أو مستديرا ظهر في صورة الاستدارة لأن له السيلان فهو يسرى في زوايا الأوعية ليظهر تشكلها فهو الذي حمل الناظرين لسريانه إن يحكموا عليه بحكم الأوعية في اللون و الشكل فمن لم يره قط إلا في وعاء حكم عليه بحكم الوعاء و من رآه بسيطا غير مركب علم إن ما ظهر فيه من الأشكال و الألوان إنما هو من أثر الأوعية فهو في الأوعية كما هو في غير وعاء بحده و حقيقته و لهذا ما زال عنه اسم الماء فإنه يدل عليه بحكم المطابقة فهذه الأوعية له كالسبل في الأرض للسالك فيها فينسب السالك في كل سبيل منها إلى أنه طالب غاية ذلك السبيل الذي سلك عليه في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ من صوره فيكون هو الظاهر لا أنت لأن الظهور للصور لا للعين فالعين غيب أبدا و الصور شهادة أبدا ثم إنه لما خلق من كل شيء زوجين بين لنا أن في أرض العالم نجدين نجدا تكون غايته أنت عند قوم و نجد عند هؤلاء القوم يكون غايته هو أعني الحق و أما عند قوم آخرينفالنجد الواحد تكون غايته أنت في هو و النجد الآخر يكون غايته هو في أنت و أما عند قوم آخرين فالنجد الواحد تكون غايته أنت عين هو و النجد الآخر تكون هو عين أنت و أما عند قوم آخرين فيكون غاية النجدين هو و عين النجدين أنت و عين السالك هو و أما عند قوم آخرين فيكون غاية النجدين و عين النجدين و إنهما عين اليدين و عين السالك أنت و كل من ذكرناه على صراط مستقيم فتعويج القوس للرمي عين صراطه المستقيم ف لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا من رَحِمَ رَبُّكَ فما زلنا من الخلاف لأنهم قد خالفوا المختلفين و لذلك خلقهم فما تعدى كل خلق ما خلق له فالكل طائع و إن كان فيهم من ليس بمطيع مع كونه طائعا و لما كان الاستواء صفة للحق على العرش و خلق الإنسان على صورته جعل له مركبا سماه فلكا كما كان العرش فلكا فالفلك مستوي الإنسان الكامل و جعل لمن هو دون الإنسان الكامل مركبا غير الفلك من الأنعام وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ ليستوي الإنسان على ظهور هذه المراكب و شاركهم في ركوبها الإنسان الكامل فالكامل من الناس يستوي على كل مركوب و غير الكامل لا يستوي على الفلك إلا بحكم التبعية لا لعينه كما ورد في اليقين حين قال ع في عيسى ع لو ازداد يقينا لمشى في الهواء يشير إلى إسرائه و معلوم أن عيسى ع أكثر يقينا منا لا من النبي ص و نحن نمشي في الهواء بحكم التبعية لمن نحن أمته ص لا بأنا أكثر في اليقين من عيسى ع كما إن أمة عيسى ع قد مشت على الماء كما مشى ع على الماء و لكن نعلم و إن كان الأمر في هذا في حقنا بحكم التبعية أن كل الأمة ما مشت في الهواء كما مشى محمد ص لأنه لم يكن بعض أمته تابعا له في كل ما أمر بأن يتبع فيه فمن وفى بحق اتباعه كان له حكمه كما قال أَدْعُوا إِلَى الله عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ من اتَّبَعَنِي و أين المشي في الهواء في الشرف لمن يكون الحق سمعه و بصره في الدءوب على نوافل الخيرات المنتجة أو المنتج ذلك الدءوب عليها لمحبة الله إياه و تلك المحبة أنتجت له أن يكون الحق سمعه و بصره فهذا معنى قولنا بحكم التبعية لما أمر به و نهي عنه لا من كوننا أمة له فقط بل من المجموع و هو اتباع خاص لأنه نبي معين خاص دون غيره فيورث اتباع شريعته بالعمل ما يكون عليه من أحوال رسول تلك الشريعة و هذه عناية من الله تعالى فإن أمة كل نبي لا تطيق حال نبيها إذ لو أطاقته لكانت مثلا له فتستقل بالأمر دونه و ليس الأمر كذلك فإنه لو طلع حيثما طلع لا يزال تابعا و قد أبان ص عن مثل هذا فقال من سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها فله الزيادة عليهم بما له من أجرها الزائد على أجر العاملين بها و ليس لهم ذلك الأجر الخاص به فلا يلحقونه أبدا في ذلك المقام فهم تابعون له دنيا و آخرة و كشفا و الرسل ع منهم ظهرت السنن فلا تزال أممهم أتباعا لهم أبدا و اعلم أن الله تعالى لما كان له مطلق الوجود و لم يكن له تقييد مانع من تقييد بل له التقييدات كلها فهو مطلق التقييد لا يحكم عليه تقييد دون تقييد فافهم معنى نسبة الإطلاق إليه و من كان وجوده بهذه النسبة فله إطلاق النسب فليست نسبة به أولى من نسبة فما كفر من كفر إلا بتخصيص النسب مثل قول اليهود و النصارى عن أنفسهم دون غيرهم من أهل الملل و النحل نَحْنُ أَبْناءُ الله وَ أَحِبَّاؤُهُ فإذ و قد انتسبوا إليه كانوا يعمون النسبة و إن كانت خطأ في نفس الأمر فقال لهم الله فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يقول تعالى النسبة واحدة فلم خصصتم نفوسكم بها دون هؤلاء و إن أخطأتم في نفس الأمر فخطؤكم من عموم النسبة أقل من خطئكم من خصوصها فإن ذلك تحكم على الله من غير برهان و أما طائفة أخرى فجعلوا لله ما يكرهون فقالوا الملائكة بنات الله فحكموا عليه بأنه أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ فتوجه عليهم الحكم بالإنكار في حكمهم مع كونهم يكرهون ذلك لنفوسهم مع كونهم يقولون في الشركاء ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى مع كونهم جعلوا لله جزءا من عباده فلو أضافوا الكل إليه لم يكن ذلك من الكفر الظاهر بل يكون الحكم فيه بحكم ما نسبوا فإن وقعت النسبة العامة للخلق بكونهم عبيدا سعدوا و إن وقعت بالنبوة طولبوا بما قصدوا فإن استندوا ذلك إلى خبر إلهي سلموا بل سعدوا مثل قوله لَوْ أَرادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى فأجاز التبني بل فيه رائحة من كون جبريل تمثل لمريم بَشَراً سَوِيًّا و قد وصف الحق تعالى نفسه بالتحول في الصور و أجرى أحكامها عليه و هو علم يومي إليه لأجل الايمان و لا يفشي فيالعموم لما يسبق إلى النفوس من ذلك و بقي تعلق الاصطفاء بمن يتعلق هل بالصاحبة فيكون من باب التجلي في الصور فيكون عين الصورتين لأنه قال لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً يعني الولد لَاتَّخَذْناهُ من لَدُنَّا و ما له ظهور إلا من الصاحبة التي هي الأم فيكون الاصطفاء في حق الصاحبة و هي من لدنه فما خرج عن نفسه كما إن آدم ع ما خرج عن نفسه في صاحبته فما نكح إلا من هو جزء منه به و بالمجموع يكون نفسه فهو قوله من لَدُنَّا و جاء بحرف لو فدل على الامتناع فلم يكن من الوجهين فإن كان الاصطفاء للبنوة فذلك التبني لا البنوة و إن استندوا إلى غير خبر إلهي و أعني بالخبر الإلهي ما جاء على لسان الرسل في الكتب أو في الوحي فإن كان استنادهم إلى كشف إلهي و اطلاع في ذلك فهم تحت حكم ما اطلعوا و لا عذر للمقلدة في ذلك لأن فيهم الأهلية للاطلاع بحكم النشأة فإن لها استعدادا عاما و هو الاستعداد للاطلاع و إن تفاضل الاطلاع فذلك لاستعداد آخر خاص غير الاستعداد العام فأهل الجبر إذا استمسكوا بالخبر سعدوا و إن أخطئوا في التأويل و لم يصادفوا العلم فلهم ثواب الاجتهاد و إن أصابوا فهو المقصود فمنهم من هو عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ بإصابته و منهم من ليس على بينة من ربه و هو مصيب في نفس الأمر و كل من له متمسك إلهي فهو ناج و أما من كفر بالكل فذلك غاية العمي (وصل) في التحضيض الكوني و هو سر جعله الله في عباده العامة و السالكين في هذا الطريق و أما الخاصة فلا يقع منهم ذلك أبدا لأنه ليس بنعت إلهي إلا أنه جاء من الله فيما يرجع إلى الكون لا فيما يرجع إليه سبحانه مثل قوله لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ و أما أداة لو فهي إلهية و تتضمن معنى التحضيض و قد اتصف بها خاصة الله فقال رسول الله ص لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى و لجعلتها عمرة و لكني سقت الهدى فلا يحل مني حرام حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فرائحة التحضيض في لو هو ما يفهم منه كأنه قال لنفسه هلا أحرمت بعمرة و لا يقع التحضيض من الخواص أبدا إلا فيما شغلوا به نفوسهم من الأفعال التي ترضي الله فيبدو لهم في ثاني زمان رضي الله في فعل ما هو أتم و أعلى من الأول إما في جناب الله أو في حق نفسه أو في حق الغير رفقا بهم و شفقة عليهم لا يقع منهم على جهة الاعتراض على الله بأن يقولوا هلا فعل الله كذا عوضا من فعله كذا هذا لا يتصور من الخواص أبدا فإنه سوء أدب مع الله تعالى و ترجيح تدبير كوني على تدبير إلهي و ما وصف الحق نفسه بأنه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ إلا أن يعرفنا أنه ما عمل شيئا إلا ما تقتضيه حكمة الوجود و أنه أنزله موضعه الذي لو لم ينزله فيه لم يوف الحكمة حقها و هو الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و لذلك لا يمكن أن يظهر لعباده في صفة تحضيض بالنظر إليه فوضعه في اللسان بل في جميع الألسنة ابتلاء لعباده و تمحيصا ليجتنبه أهل العناية فيتميزوا بذلك عن غيرهم و اعلم أن الاختصاص الإلهي الذي يعطي السعادة غير الاختصاص الإلهي الذي يعطي كمال الصورة و قد يجتمعان أعني الاختصاصين في حق بعض الأشخاص فالاختصاص الذي يعطي السعادة هو الاختصاص بالإيمان و العصمة من المخالفة أو بموت عقيب توبة و الاختصاص الذي يعطي كمال الصورة هو الذي لا يعطي إلا نفوذ الاقتدار و التحكم في العالم بالهمة و الحس و الكامل من يرزق الاختصاصين و أقوى التأثير تأثير من يغضب الله كقوم فرعون حيث قال تعالى فيهم فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي أغضبونا و لله سبحانه نفوذ الاقتدار فانتقم منهم ليجعلهم عبرة للآخرين و جعل ذلك مقابلا لنفوذ الاقتدار الكوني لأنه قال آسَفُونا أ لا ترى إلى علم فرعون في قوله فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ من ذَهَبٍ يقول فلو و هو حرف تحضيض أعطى يعني موسى نفوذ الاقتدار فينا حتى لا ننازعه و نسمع له و نطيع لأن اليدين محل القدرة و الأسورة و هو شكل محيط من ذهب أكمل ما يتحلى به من المعادن و نفوذ الاقتدار من الاختصاص الإلهي يقول لقومه فما أعطى ذلك موسى و الذي يدلك على ما قلناه إن فرعون أراد هذا المعنى في هذا القول أنه جاء بأو بعده و هي حرف عطف بالمناسب فقال أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ لعلمه بأن قومه يعلمون أن الملائكة لو جاءت لانقادوا إلى موسى طوعا و كرها يقول فرعون فلم يكن لموسى ع نفوذ اقتدار في حتى أرجع إلى قوله من نفسي بأمر ضروري لا نقدر على دفعه فترجعوا إلى قوله لرجوعي و لا جاء معه من يقطع باقتدارهم فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ أي لطف معناهم بالنظر فيما قاله لهم فلما جعل فيهم هذا حملهم على تدقيق النظر في ذلك و لم يكن لهم هذه الحالة قبل ذلك فأطاعوه ظاهرا بالقهر الظاهر لأنه فيمحل يخاف و يرجى و باطنا بما نظروا فيه مما قاله لهم فلما أخذ قلوبهم بالكلية إليه و لم يبق لله فيهم نصيب يعصمهم أغضبوا الله فغضب فانتقم فكان حكمهم في نفس الأمر خلاف حكم فرعون في نفسه فإنه علم صدق موسى ع و علم حكم الله في ظاهره بما صدر منه و حكم الله في باطنه بما كان يعتقده من صدق موسى فيما دعاهم إليه و كان ظهور إيمانه المقرر في باطنه عند الله مخصوصا بزمان مؤقت لا يكون إلا فيه و بحالة خاصة فظهر بالإيمان لما جاء زمانه و حاله فغرق قومه آية و نجا فرعون ببدنه دون قومه عند ظهور إيمانه آية فمن رحمة الله بعباده أن قال فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ يعني دون قومك لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً أي علامة لمن آمن بالله أن ينجيه الله ببدنه أي بظاهره فإن باطنه لم يزل محفوظا بالنجاة من الشرك لأن العلم أقوى الموانع فسوى الله في الغرق بينهم و تفرقا في الحكم فجعلهم سلفا و مثلا للآخرين يعني الأمم الذين يأتون من بعدهم و خص فرعون بأن تكون نجاته آية لمن رجع إلى الله بالنجاة و لما كان الاختصاص الإلهي الكامل في الجمع بين السعادة و الصورة كان الكمال للمؤمن بالخلافة في المكان الذي من شأنه أن يظهر فيه كمال الصورة من نفوذ الاقتدار عند الإغضاب و ليست الجنة بمحل لهذه الصفة فليست بدار خلافة بل هي دار ولاية محكوم على صاحب تلك الولاية بأمر لا يتعداه و لا تعطي نشأته أن يقبل سواه حتى لو كان فيها تقديرا من شأنه أن يغضب ما قبل صاحب الولاية صفة الغضب لأنه على مزاج خاص بخلاف نشأة الدنيا و لهذا قال إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً و لم يقل في العالم و لو لم تعترض الملائكة ما ابتليت بالسجود فكان ما ابتلوا به عن إغضاب دقيق خفي لا يشعر به إلا الراسخون في العلم و هكذا كل انتقام إلهي يقع بالعالم لا يكون إلا بعد إغضاب لأن الله خلق العالم بالرحمة و ليس من شأنها الانتقام كما إن الغضب من شأنه الانتقام لكنه أعني الغضب على طبقات فيظهر الانتقام على ميزانه من غير زيادة و لا نقصان و لا يقع الانتقام أبدا إلا تطهيرا لمن كان منه الإغضاب فلذلك لا يكون الانتقام إلى غير نهاية بل ينتهي الحكم به إلى أجل مسمى عند الله و تعقبه الرحمة به لأن لها الحكم الأبدي الذي لا يتناهى و من جعل باله لما ذكرناه و دقق النظر فيه رأى علما كبيرا إلهيا من سريان العدل في الحكم الإلهي و شمول الفضل و سبق الرحمة الغضب و إن الحق يجري في حكمه بما هي الحقائق عليه إذ الحقائق لا تتبدل لأنفسها و لا تتحول فهذا الذي ذكرناه في هذه المسألة من الآيات التي جاء بها الحق على لسان المترجم لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ و لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ليست لغير هذا الصنف فحافظ على تحصيل معرفة الإغضاب على غاية الاستقصاء حتى تجتنبه فإنه من علم الأسرار ما يعرفه كل أحد و هو كان علم حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله ص و لهذا كان أصحاب رسول الله ص يسمونه صاحب السر لعلمه بهذا العلم و ليس فيما يمنح الله أولياءه من العلم به في حقهم أنفع من هذا العلم و ما رأيت أحدا له فيه ذوق و لا سمعت عن أحد من أهل الله تعالى بعد حذيفة من ظهر عليه حكم هذا العلم و هو عصمة خفية تكاد لا يشعر صاحبها بها و ما في الكشف أتم منه و لا يرزق الله هذا العلم إلا للادباء أهل المراقبة فإنهم يأخذون الأشياء بحكم المطابقة و المناسبة بين الرب و المربوب و الخالق و المخلوق و لا يحكم عليهم حاكم الإمكان و الجواز لأنه ليس له في هذه الحضرة قدم و لا عين أعني الإمكان و هذا مقام وراء طور العقل لأن العقل يحكم في مثل هذا بالإمكان و الأمر في نفسه ليس كذلك و لكن إذا شهده قبله و إذا فكر فيه أدخله تحت الإمكان و يختص هذا المنزل من العلوم بعلم الإيهام و الإبهام و الرموز و الألغاز و الأسرار و فيه علم الحروف المركبة التي هي الكلمة و فيه علم الأنوار و ما يختص به عالم الشهادة من الشهود و فيه علم الجعل و فيه علم الجمع و التفصيل و فيه علم منازل العلو في الأسماء الإلهية و أحكامها و فيه علم الإعجاز و فيه علم التقرير و فيه علم نتائج الجهل و هو أمر عدمي فكيف يكون له حكم وجودي و فيه علم مقابلة الاقتدار بالاقتدار و فيه علم سريان وجود الحق في العالم و لهذا ما أنكره أحد و إنما وقع الغلط من طلب الماهية فادى إلى الاختلاف فيه الذي ظهر في العالم و فيه علم ما يختص به الحق تعالى لنفسه من غير أن يكون له حكم في العالم و فيه علم الشرائع كلها و أنها بالجعل و لهذا تجري إلى أمد و غايتها حكم الحق بها في القيامة في الفريقين فإذا عمرت الداران و انقضى أمد العقوبة انتشر حكم الرحمة و فيه علم الشفع و الوتر و تقدم علم الزوج على الفرد و علم الحامل و المحمول و علم شمول النعم في البلايا و الرزايا و الأمور المؤلمة و فيه علم نفي الطاقةالكونية و ردها إلى الله و فيه علم قسمة العالم بين الله و بين العالم و ما هو عالم لله و عالم للعالم و صفة من يعلم هذا ممن لا يعلمه و العالم به هل يجب عليه ستره أو يعطي ستره لذاته و علم المحاكمات و تفاضل الناس فيها و علم المطالبات الإلهية متى تكون و لما ذا تئول و علم السبب الذي يرد الخلق كلهم إلى المشيئة الإلهية و هل هو رجوع عن علم أو رجوع عن قهر و علم الفرق بين علم التقليد و علم النظر و هل ما يربط عليه المقلد يكون في حقه علما أم لا و علم حكم السابقة على العالم بنقيض ما يعطيه علمهم و علم العواقب على الإطلاق و هل يعم أثرها في الحال للعالم بها أم لا و علم الفترات و ما حكم أصحابها و علم الأشراف و ما هو و هل في العالم شريف و أشرف أم لا مفاضلة في العالم و إذا وقعت المفاضلة بل هي واقعة هل يؤول الناظر فيها إلى التساوي فيكون كل مفضول يفضل على من فضل عليه و هذا مذهب جماعة منهم أبو القاسم بن قسي صاحب خلع النعلين و فيه علم الحكمة بما جعل الله في العالم من الاختلاف و فيه علم السبب الذي لأجله لزم الشيطان الإنسان و قول النبي ص إن الله أعانه عليه فأسلم و فيه علم حكم من التبس عليه الباطل بالحق و فيه علم الكشف فإنه ليس لمخلوق اقتدار على شيء و أن الكل بيد الله و هو علم الحيرة من أجل التكليف و وقوعه على من ليس له من الأمر شيء و فيه علم أثر الأسباب الإلهية في المسببات هل هو ذاتي أو جعل إلهي و فيه علم الاغتباط بما يعطيه التجلي الإلهي و الاعتصام به و فيه علم التوحيد النبوي و فيه علم الحجب التي تمنع من حكم العلم في العالم مع وجود علمه عنده و فيه علم قبول الرجعة إلى الله عند رؤية البأس و حلول العذاب و أن ذلك نافع لهم في الآخرة و إن لم يكشف عنهم العذاب في الدنيا و ما اختص قوم يونس إلا بالكشف عنهم في الحياة الدنيا عند رجعتهم فيكون معنى قوله فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا يعني في الدنيا فإن الله يقول وَ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فالراجع مع نزول العذاب به مقبول رجوعه لأنه أتى بما ترجى منه بقوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ و فيه علم أسرار الحق في العالم و ظهور العالم بصورة الحق و منزلته و فيه علم عموم الولاية في كل نوع و ما ينقضي منها و ما لا ينقضي و فيه علم الإضافات الإلهية هل هي على طريق التشريف أو على طريق الابتلاء أو منها ما يكون تشريفا و منها ما يكون ابتلاء و فيه علم مرتبة من جمع بين الظاهر و الباطن ممن لم يجمع و فيه علم حكمة الاستناد إلى الوسائط هل هو على طريق الابتلاء أو المقصود به تشريف الوسائط و فيه علم إقامة الحجة الإلهية على المنازعين و حكم من لم ينازع و اعترف بالحق لأهله و فيه علم الإحاطة الإلهية بالذات و فيه علم الزيادات هل هي بأن يؤخذ من زيد ما عنده أو بعض ما عنده فيعطي عمرا أو هي زيادات بإيجاد معدوم أو هل منها ما هو إيجاد معدوم و منها ما هو عن انتقال من شخص إلى شخص و فيه علم ما يختص به الله من العلوم و علم ما يختص به الكون من العلوم مما لا يجوز في العقل أن يكون ذلك حكما لله و هل حكمه في الشرع كما هو حكمه في العقل أم لا و هو علم الأذواق بالحواس و فيه علم مراتب الشفعاء و علم صفتهم التي بها يملكون الشفاعة فهذا بعض علوم هذا المنزل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر الثاني و العشرون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))