قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السادس و الأربعون و ثلاثمائة في معرفة منزل سر صدق فيه بعض العار

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

ينبعث من جوانب ذلك المنزل و هو من الحضرات المحمدية»

عجبت لمعصوم يقال له اتبعو لا تبتدئ و احكم بما أنزل الله
و كيف يرى المعصوم يحكم بالهوىمع الوحي و التحقيق ما ثم إلا هو
فكل هوى في عالم الخلق ساقطإذا نظرت من عارف الوقت عيناه
و لكنه المرموز و لا يدرك السناو شاهد حال الوقت عن ذاك أعماه
و ما يعلم المعنى الذي قد قصدتهو بينته إلا حليم و أواه
ألا كل كون حرف لفظ محققو نسبتكم من ذلك الحرف معناه

اعلم أن هذا المنزل من منازل التوحيد و الأنوار و أدخلنيه الله تعالى مرتين و في هذا المنزل صرت نورا كما قال ص في دعائه و اجعلني نورا و من هذا المنزل علمت الفرقان بين الأجسام و الأجساد فالأجسام هي هذه المعروفة في العموم لطيفها و شفافها و كثيفها ما يرى منها و ما لا يرى و الأجساد هي ما يظهر فيها الأرواح في اليقظة الممثلة في صور الأجسام و ما يدركه النائم في نومه من الصور المشبهة بالأجسام فيما يعطيه الحس و هي في نفسها ليست بالأجسام و اعلم أن مرتبة الإنسان الكامل من العالم مرتبة النفس الناطقة من الإنسان فهو الكامل الذي لا أكمل منه و هو محمد ص و مرتبة الكمل من الأناسي النازلين عن درجة هذا الكمال الذي هو الغاية من العالم منزلة القوي الروحانية من الإنسان و هم الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم و منزلة من نزل في الكمال عن درجة هؤلاء من العالم منزلة القوي الحسية من الإنسان و هم الورثة رضي الله عنهم و ما بقي ممن هو على صورة الإنسان في الشكل هو من جملة الحيوان فهم بمنزلة الروح الحيواني في الإنسان الذي يعطي النمو و الإحساس و اعلم أن العالم اليوم بفقد جمعية محمد ص في ظهوره روحا و جسما و صورة و معنى نائم لا ميت و إن روحه الذي هو محمد ص هو من العالم في صورة المحل الذي هو فيه روح الإنسان عند النوم إلى يوم البعث الذي هو مثل يقظة النائم هنا و إنما قلنا في محمد ص على التعيين إنه الروح الذي هو النفس الناطقة في العالم لما أعطاه الكشف و قوله ص إنه سيد الناس و العالم من الناس فإنه الإنسان الكبير في الجرم و المقدم في التسوية و التعديل ليظهر عنه صورة نشأة محمد ص كما سوى الله جسم الإنسان و عدله قبل وجود روحه ثم نَفَخَ فِيهِ من رُوحِهِ روحا كان به إنسانا تاما أعطاه بذلك خلقه و هو نفسه الناطقة فقبل ظهور نشأته ص كان العالم في حال التسوية و التعديل كالجنين في بطن أمه و حركته بالروح الحيواني منه الذي صحت له به الحياة فأجل فكرك فيما ذكرته لك فإذا كان في القيامة حيي العالم كله بظهور نشأته مكملة ص موفر القوي و كان أهل النار الذين هم أهلها في مرتبتهم في إنسانية العالم مرتبة ما ينمو من الإنسان فلا يتصف بالموت و لا بالحياة و كذا ورد فيهم النص من رسول الله ص إنهم لا يموتون فيها و لا يحيون الظاهرة في خيال الإنسان و كذلك الجن فليس العالم إنسانا كبيرا إلا بوجود الإنسان الكامل الذي هو نفسه الناطقة كما إن نشأة الإنسان لا تكون إنسانا إلا بنفسها الناطقة و لا تكون كاملة هذه النفس الناطقة من الإنسان إلا بالصورة الإلهية المنصوص عليها من الرسول ص فكذلك نفس العالم الذي هو محمد ص حاز درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية في البقاء و التنوع في الصور و بقاء العالم به فقد بان لك حال العالم قبل ظهوره ص إنه كان بمنزلة الجسد المسوي و حال العالم بعد موته بمنزلة النائم و حالة لعالم ببعثه يوم القيامة بمنزلة الانتباه و اليقظة بعد النوم و اعلم أن الإنسان لما كان مثال الصورة الإلهية كالظل للشخص الذي لا يفارقه على كل حال غير أنه يظهر للحس تارة و يخفى تارة فإذا خفي فهو معقول فيه و إذا ظهر فهو مشهود بالبصر لمن يراه فالإنسان الكامل في الحق معقول فيه كالظل إذا خفي في الشمس فلا يظهر فلم يزل الإنسان أزلا و أبدا و لهذا كان مشهودا للحق من كونه موصوفا بأن له بصرا فلما مد الظل منه ظهر بصورته أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَ لَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي ثابتا فيمن هو ظله فلا يمده فلا يظهر له عين في الوجود الحسي إلا لله وحده فلم يزل مع الله و لا يزال مع الله فهو باق ببقاء الله و ما عدا الإنسان الكامل فهو باق بإبقاء الله و لما سوى الله جسم العالم و هو الجسم الكل الصوري في جوهر الهباء المعقول قبل فيض الروح الإلهي الذي لم يزل منتشرا غير معين إذ لم يكن ثم من يعينه فحيي جسم العالم به فكما تضمن جسم العالم أجسام شخصياته كذلك تضمن روحه أرواح شخصياته هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ و من هنا قال من قال إن الروح واحد العين في أشخاص نوع الإنسان و إن روح زيد هو روح عمرو و سائر أشخاص هذا النوع و لكن ما حقق صاحب هذا الأمر صورة هذا الأمر فيه فإنه كما لم تكن صورة جسم آدم جسم كل شخص من ذريته و إن كان هو الأصل الذي منه ظهرنا و تولدنا كذلك الروح المدبرة لجسم العالم بأسره كما أنك لو قدرت الأرض مستوية لا نرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و انتشرت الشمس عليها أشرقت بنورها و لم يتميز النور بعضه عن بعضه و لا حكم عليه بالتجزي و لا بالقسمة و لا على الأرض فلما ظهرت البلاد و الديار و بدت ظلالات هذه الأشخاص القائمة انقسم النور الشمسي و تميز بعضه عن بعضه لما طرأ من هذه الصور في الأرض فإذا اعتبرت هذا علمت إن النور الذي يخص هذا المنزل ليس النور الذي يخص المنزل الآخر و لا المنازل الأخر و إذا اعتبرت التي ظهر منها هذا النورة و هو عينها من حيث انفهاقه عنها قلت الأرواح روح واحدة و إنما اختلفت بالمحال الشمس كالأنوار نور عين واحدة غير أن حكم الاختلاف في القوابل مختلف لاختلاف أمزجتها و صور أشكالها و لما أعطيت هذا المنزل سنة إحدى و تسعين و خمسمائة و أقمت فيه شبه لي بالماء في النهر لا يتميز فيه صورة بل هو عين الماء لا غير فإذا حصل ما حصل منه في الأواني تعين عند ذلك ماء الحب من ماء الجرة من ماء الكوز و ظهر فيه شكل إنائه و لون إنائه فحكمت عليه الأواني بالتجزي و الأشكال مع علمك إن عين ما لم يظهر فيه شكل إذا كان في النهر عين ما ظهر إذا لم يكن فيه غير إن الفرقان بين الصورتين في ضرب المثل إن ماء الأواني و أنوار المنازل إذا فقدت رجعت إلى النور الأصلي و النهر الأصليو كذلك هو في نفس الأمر لو لم تبق آنية و لا يبقى منزل لأنه لما أراد الله بقاء هذه الأنوار على ما قبلته من التمييز خلق لها أجسادا برزخية تميزت فيها هذه الأرواح عند انتقالها عن هذه الأجسام الدنياوية في النوم و بعد الموت و خلق لها في الآخرة أجساما طبيعية كما جعل لها في الدنيا ذلك غير إن المزاج مختلف فنقلها عن جسد البرزخ إلى أجسام نشأة الآخرة فتميزت أيضا بحكم تميز صور أجسامها ثم لا تزال كذلك أبد الآبدين فلا ترجع إلى الحال الأول من الوحدة العينية أبدا فانظر ما أعجب صُنْعَ الله الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ فالعالم اليوم كله نائم من ساعة مات رسول الله ص يرى نفسه حيث هي صورة محمد ص إلى أن يبعث و نحن بحمد الله في الثلث الأخير من هذه الليلة التي العالم نائم فيها و لما كان تجلى الحق في الثلث الأخير من الليل و كان تجليه يعطي الفوائد و العلوم و المعارف التامة على أكمل وجوهها لأنها عن تجل أقرب لأنه تجل في السماء الدنيا فكان علم آخر هذه الأمة أتم من علم وسطها و أولها بعد موت رسول الله ص لأن النبي ص لما بعثه الله بعثه و الشرك قائم و الكفر ظاهر فلم يدع القرن الأول و هو قرن الصحابة إلا إلى الايمان خاصة ما أظهر لهم مما كان يعلمه من العلم المكنون و أنزل عليه القرآن الكريم و جعله يترجم عنه بما يبلغه أفهام عموم ذلك القرن فصور و شبه و نعت بنعوت المحدثات و أقام جميع ما قاله من صفة خالقه مقام صورة حسية مسواة معدلة ثم نفخ في هذه الصورة الخطابية روحا لظهور كمال النشأة فكان الروح لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و كل آية تسبيح في القرآن فهو روح صورة نشأة الخطاب فافهم فإنه سر عجيب فلاح من ذلك لخواص القرن الأول دون عامته بل لبعض خواصه من خلف خطاب التنزيه أسرار عظيمة و مع هذا لم يبلغوا فيها مبلغ المتأخرين من هذه الأمة لأنهم أخذوها من مواد حروف القرآن و الأخبار النبوية فكانوا في ذلك بمنزلة أهل السمر الذين يتحدثون في أول الليل قبل نومهم فلما وصل زمان ثلث هذه الليلة و هو الزمان الذي نحن فيه إلى أن يطلع الفجر فجر القيامة و البعث و يوم النشر و الحشر تجلى الحق في ثلث هذه الليلة و هو زماننا فأعطى من العلوم و الأسرار و المعارف في القلوب بتجليه ما لا تعطيه حروف الأخبار فإنه أعطاها في غير مواد بل المعاني مجردة فكانوا أتم في العلم و كان القرن الأول أتم في العمل و أما الايمان فعلى التساوي فإن هذه النشأة لما فطرت على الحسد و بعث فيها نبي من جنسها فما آمن به إلا قوي على دفع نفسه لما فيها من الحسد و حب التفوق و النفور من الحكم عليها و لا سيما إذا كان الحاكم عليها من جنسها تقول بما ذا فضل علي حتى يتحكم في بما يريده فينسب إلى المؤمن من الصحابة من القوة في الايمان ما لا ينسب إلى من ليست له مشاهدة تقدم جنسه عليه فكان اشتغالهم بدفع قوة سلطان الحسد أن يحكم فيهم بالكفر يمنعهم من إدراك غوامض العلوم و أسرار الحق في عباده و لم تحصل له رتبة الايمان بغيب صورة الرسول و ما جاء به لكونهم مشاهدين له و لصورة ما جاء فلما جاء زماننا و وجدنا أوراقا مكتوبة سوادا في بياض و أخبارا منقولة و وجدنا القبول عليها ابتداء لا نقدر على دفعه من نفوسنا إذا وفقنا الله علمنا إن قوة نور الايمان أعطى ذلك و لم نجد ترددا و لا طلبنا آية و لا دليلا على صحة ما وجدناه مكتوبا من القرآن و لا منقولا من الأخبار فعلمنا على القطع قوة الايمان الذي أعطانا الله عناية منه و كنا في هذه الحالة مؤمنين بالغيب الذي لا درجة للصحابة فيه و لا قدم كما لم يكن لنا قدم في الايمان الذي غلب ما يعطيه سلطان الحسد عند المشاهدة فقابلنا هذه القوة بتلك القوة فتساويا و بقي الفضل في العلم حيث أخذناه من تجلى هذه الليلة المباركة التي فاز بها أهل ثلثها مما لا قدم للثلثين الماضيين من هذه الليلة فيها ثم إن تجليه سبحانه في ثلث الليل من هذه الليالي الجزئية التي يعطيها الجديد إن في قوله إن ربنا ينزل كل ليلة في الثلث الأخير منها إلى السماء الدنيا فيقول هل من تائب هل من مستغفر هل من سائل حتى ينصدع الفجر فقد شاركنا المتقدمين في هذا النزول و ما يعطيه غير أنه تجل منقطع و تجلى ثلث هذه الليلة التي نحن في الثلث الأخير منها و هي من زمان موت رسول الله ص إلى يوم القيامة لم يشاركنا في هذا الثلث أحد من المتقدمين فإذا طلع فجرها و هو فجر القيامة لم ينقطع التجلي بل اتصل لنا تجليه فلم يزل بأعيننا فنحن بين تجل دنياوي و أخراوي و عام و خاص غير منقطع و لا محجوب و في الليالي الزمانية يحجبه طلوع الفجر فحزنا ما حازوه في هذه الليالي و فزنا بما حصل لنا من تجلى ثلث هذه لليلة المباركة التي لا نصيب لغير أهلهاجبرا لقلوبهم لما فقدوه من مشاهدة الرسول ص و كان خيرا لهم فإنهم لا يعرفون كيف كانت تكون أحوالهم عند المشاهدة هل يغلبهم الحسد أو يغلبونه ف كَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ الله قَوِيًّا عَزِيزاً فاعرف يا ولي منزلتك من هذه الصورة الإنسانية التي محمد ص روحها و نفسها الناطقة هل أنت من قواها أو من محال قواها و ما أنت من قواها هل بصرها أم سمعها أم شمها أم لمسها أم طعمها فإني و الله قد علمت أي قوة أنا من قوى هذه الصورة لله الحمد على ذلك و لا تظن يا ولي أن اختصاصنا في المنزلة من هذه الصورة بمنزلة القوي الحسية من الإنسان بل من الحيوان إن ذلك نقص بنا عن منزلة القوي الروحانية لا تظن ذلك بل هي أتم القوي لأن لها الاسم الوهاب لأنها هي التي تهب للقوى الروحانية ما تتصرف فيه و ما يكون به حياتها العلمية من قوة خيال و فكر و حفظ و تصور و وهم و عقل و كل ذلك من مواد هذه القوي الحسية و لهذا قال الله تعالى في الذي أحبه من عباده كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و ذكر الصورة المحسوسة و ما ذكر من القوي الروحانية شيئا و لا أنزل نفسه منزلتها لأن منزلتها منزلة لافتقار إلى الحواس و الحق لا ينزل منزلة من يفتقر إلى غيره و الحواس مفتقرة إلى الله لا إلى غيره فنزل لمن هو مفتقر إليه لم يشرك به أحدا فأعطاها الغني فهي يؤخذ منها و عنها و لا تأخذ هي من سائر القوي إلا من الله فاعرف شرف الحس و قدره و أنه عين الحق و لهذا لا تكمل النشأة لآخرة إلا بوجود الحس و المحسوس لأنها لا تكمل إلا بالحق فالقوى الحسية هم الخلفاء على الحقيقة في أرض هذه النشأة عن الله أ لا تراه سبحانه كيف وصف نفسه بكونه سميعا بصيرا متكلما حيا عالما قادرا مريدا و هذه كلها صفات لها أثر في المحسوس و يحس الإنسان من نفسه بقيام هذه القوي به و لم يصف سبحانه نفسه بأنه عاقل و لا مفكر و لا متخيل و ما أبقى له من القوي الروحانية إلا ما للحس مشاركة فيه و هو الحافظ و المصور فإن الحس له أثر في الحفظ و التصوير فلو لا الاشتراك ما وصف الحق بهما نفسه فهو الحافظ المصور فهاتان صفتان روحانية و حسية فتنبه لما نبهناك عليه لئلا ينكسر قلبك لما أنزلتك منزلة القوي الحسية لخساسة الحس عندك و شرف العقل فأعلمتك إن الشرف كله في الحس و إنك جهلت أمرك و قدرك فلو علمت نفسك علمت ربك كما إن ربك علمك و علم العالم بعلمه بنفسه و أنت صورته فلا بد أن تشاركه في هذا العلم فتعلمه من علمك بنفسك و هذه نكتة ظهرت من رسول الله ص حيث قال من عرف نفسه عرف ربه إذ كان الأمر في علم الحق بالعالم علمه بنفسه و هذا نظير قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ فذكر النشأتين نشأة صورة العالم بالآفاق و نشأة روحه بقوله وَ في أَنْفُسِهِمْ فهو إنسان واحد ذو نشأتين حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ للرائين أَنَّهُ الْحَقُّ أي أن الرائي فيما رآه الحق لا غيره فانظر يا ولي ما ألطف رسول الله ص بأمته و ما أحسن ما علمهم و ما طرق لهم فنعم المدرس و المطرق جعلنا الله ممن مشى على مدرجته حتى التحق بدرجته آمين بعزته فإن كنت ذا فطنة فقد أومأنا إليك بما هو الأمر عليه بل صرحنا بذلك و تحملنا في ذلك ما ينسب إلينا من ينكر ما أشرنا به في هذه المسألة من العمي الذين يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ و و الله لو لا هذا القول لحكمنا عليهم بالعمى في ظاهر الحياة الدنيا و الآخرة كما حكم الله عليهم بعدم السماع مع سماعهم في قوله تعالى ناهيا وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ مع كونهم سمعوا نفى عنهم السمع و هكذا هو علم هؤلاء بظاهر الحياة بما تدركه حواسهم من الأمور المحسوسة لا غير لأن الحق تعالى ليس سمعهم و لا بصرهم فلنذكر ما يتضمنه هذا المنزل من العلوم إن شاء الله فمن ذلك علم عطش العالم الذي لا يقبل معه الري من العلم بالله و فيه علم استناد هذه العلم الذي أعطاه هذا التعطش إلى حضرة الجمع الذي فيه عين الفرقة و فيه علم ما يحصل بالذكر هل هو علم ما نسيه أو مثله لا عينه لشبهة في الصورة فإنه كان عالما بأمر ثم نسيه لما تعطيه نشأته فلم تحفظ عليه صورة علمه بذلك المعلوم ثم ذكره بعد ذلك فهل ما شاهده في ذكره عين ما نسيه أو مثله فإن الزمان قد اختلف عليه مع شبه الزمان بعضه ببعضه فأنت تعلم أن عين أمس ما هو عين اليوم و لا عين غد مع شبهه به في الصورة فمن أي قبيل هو علم الذكر فإن كان هو عينه فمن حفظه حتى ذكره و أين خزانة حفظه هل هي في الناسي و لا ندري أو لها موضع آخر تحفظ فيه زمان نسيانه فإذا تذكر كان عينتجلى ذلك العلم له فيكون الحق خزانته و هو الحافظ له و المجلى له حتى بذكره هذا الناسي و إن لم يكن الأمر كذلك و إلا فليس بذاكر لما نسي بل هو متعلم علما جديدا مماثلا لعلمه الأول و إنما وقع التجديد في التجلي الذي أعطاه ذكر ما نسي و هي مسألة عجيبة في علم كون العبد نسي ربه في أوقات ما لشغله بنفسه أو بشيء من العالم ثم يتذكره و هذا المنسي الذي لا يقبل التجديد بل هو عينه فمن هنا تعرف علم ذكر ما نسيته و فيه علم البدا و هل يستحيل هذا الوصف على الله أم لا و من هنا أنكر من أنكر النسخ الإلهي في الأمور و الشرائع و قال بإنكاره خلق كثير كما قال بتقريره لا على جهة البدا خلق كثير و نحن سلكنا في علم النسخ طريقا بين طريقين فلم نقل بالبداء و لا نفينا النسخ و جعلناه انتهاء مدة الحكم في علم الله إذ لم يرد حكم من الله ذكر أنه مؤبد أو جار إلى أجل معين ثم رفعته قبل وصول ذلك الأجل فلهذا سلكنا هذه الطريقة فيه و فيه علم من ظهر في غير منزلته بصورة غيره حتى جعل نفسه مشقا أو مثلا لمن تلك صورته ليوقع اللبس ما حكم الله فيمن هذه صفته و ما نعته الذي ينبغي أن يطلق عليه و فيه علم الحكمة في الأمور التي تعطي التقديم و الأمور التي تعطي التأخير بحكم الجزم أو بحكم الاختيار و فيه علم منزلة المعتبرين اعتبارهم و من أين تطرق لهم هذا الزلل مع صحة الاعتبار في نفسه فإنه لا زلل فيه و إنما الزلل في المعتبرين و تميز طبقاتهم في ذلك و هو علم عزيز إذ ما كل معتبر يقيم الاعتبار في موضعه و هل المعتبر فيه بفتح الباء لما نصبه الحق هل نصبه لمجرد الاعتبار خاصة فلا يكون له قرار في نفسه إلا ما دام عبرة فإذا ارتفعت عنه صفة الاعتبار من العالم ارتفع وجوده أو هو مقرر في نفسه لا يزول سواء اعتبره المعتبر أو لم يعتبره أو زال الاعتبار من العالم كما يزول في الآخرة عند الإقامة في الدارين و فيه علم إنكار الجاهل على العالم من أين أنكر عليه هل من حضرة أو صفة وجودية في عينها أو عن تخيل لا وجود له من خارج في عين هبل في حضرة خيال المنكر فإن إنكار العالم على الجاهل ما ينكره الجاهل عليه ما هي صورته صورة إنكار الجاهل على العالم و إن اجتمعا في النكران و هل على الحقيقة في العالم ما ينكر أم لا و ما هو الإنكار و على ما هو حقيقة هل هو أمر وجودي أو نسبة و فيه علم التنافس من أين ظهر في العالم و لما ذا لا يظهر إلا في الجنس و هل التشبه بالإله من هذا القبيل فإن كان فما الجنس الجامع بين الخلق و الحق هل الصورة التي نالها الإنسان الكامل المخلوق عليها أو ما ينافس هذا الإنسان الجزئي إلا الإنسان الذي لم يزل يحفظ صورة الحق في نفسه الذي هو ظل له فيحب هذا الإنسان الجزئي أن ينال رتبة ذلك الإنسان الذي هو ظل الصورة الإلهية أو ليس صورة الحق إلا عين هذا الإنسان الذي عبرنا عنه بالظل و الحق روح تلك الصورة فيكون الحق ذا صورة و روح كما يتجلى في الآخرة فينكر و يعرف فإن الله ما ذكر ذلك التجلي سدى أعني في ذكر النبي ص له في هذه الحياة الدنيا فما ذكره إلا لينبه القلوب على طلب علم ذلك من الله و فيه علم خزائن الرحموت لا الرحمة و فيه علم الرحمة المستندة إلى إعطاء الإنعام و إلى المقام الذي به رفعت حكم الغضب الإلهي من العالم و إلى المقام الذي يكون منه خلق ما يصلح بالعالم و أعني بذلك كله عالم التكليف و من هذا المقام تكلم القائلون بوجوب مراعاة الأصلح في حق الحق و فيه علم الترقي في علم الأسباب هل ينتهي أو لا ينتهي و هل الترقي سبب فيرتقي فيه و به و فيه علم الفتن و الملاحم المعنوية و لمن تكون الغلبة فيها و الظهور و إلى حيث ينتهي أمر هذا الفتن و فيه علم تشبه العالم بالعالم و طبقاته فمن ذلك ما هو تشبه محمود كتشبه عالم التكليف منا بعالم التسبيح و هو كل شيء مسبح بحمد الله من العالم و كتشبه الإنسان بمن تقدمه في مكارم الأخلاق و منه ما هو تشبه مذموم و أما التشبه بالحق فذلك التشبه المطلوب عند أكثر أهل الله و أما عند نافلا يصح التشبه بالله و ما قال به من الحكماء إلا من لا معرفة له بالأمر على ما هو عليه في نفسه و فيه علم الفرق بين قوله تعالى ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى و بين قوله تعالى ما لَها من فَواقٍ فوحد و ثني فما محل التثنية من محل الإفراد أو كيف هو الأمر و فيه علم الخاتمة في الحال قبل كونها هل ذلك خاتمة في حق العالم بها أم لا و هل العلم بذلك من البشرى التي قال الله فيها لَهُمُ الْبُشْرى في الْحَياةِ أم لهذا صورة و للبشرى صورة أخرى فإن النبي ص قد بشر جماعة بالجنة و عاشوا بعد ذلك زمانا طويلا بخلاف بشرى المحتضر و فيه علم القوة الحادثة و تجزئها في المحدثات و هل ثم محدث أخذها كلها أم لا يتصور ذلك و ما قدرها من القوة الإلهية فإن القوة الإلهية محلها الممكنات على الإطلاق و القوة الحادثة محلها بعض الممكنات فإذا حصرت أجناس العالم الممكن و سميت ما للقوة من الممكنات علمت على القطع مقدار ذلك من القوة الإلهية و فيه علم الفرق بين التسخير العالم و التسخير الخاص و هل كون الحق كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و سَنَفْرُغُ لَكُمْ هل هو من علم التسخير و بابه أو هو من حقيقة أخرى فإن السيد بصورة الحال يقوم بما يحتاج إليه بعده فهو تسخير دقيق يعطى كمالا في السيد فإن العبد ليست منزلته أن يسخر سيده و منزلة العبد أن يكون مسخرا تحت تسخير سيده بالحالين تسخير بأمر سيده و تسخير بنفسه من ذاته لكونه عبدا و قد يسخر لغير سيده من أمثال سيده و من أمثاله بطرق مختلفة منها ما يكون تسخيره لذلك الغير عن أمر سيده و منها ما يكون بطريق المروءة مع المسخر له بفتح الخاء و منه ما يكون عادة لاستصحاب التسخير له من كونه عبدا فصار له ذلك ديدنا يحكم عليه فيتسخر لغير سيده بحكم العادة لا بالمروءة و لا بأمر السيد و فيه علم نظر العالم كله إلى هذا الإنسان هل ينظر إليه من كونه خليفة أو ينظر إليه من حيث ما عنده من الأمانات له ليؤديها إليه فهو مرسل من الحق بحكم الجبر لا بحكم الاختيار لأنه ما خلق بالأصالة إلا لتسبيح خالقه و فيه علم ما تقع به العناية الإلهية للعبد و ما يعطيه ذلك الاعتناء من المنزلة و العلم و فيه علم الإجمال و التفصيل و فيه علم دقيق و هو أن آدم ع أعطى لداود من عمره ستين سنة حين رأى صورته بين إخوته فأحبه فقبل ذلك داود فجحد آدم بعد ذلك ما أعطاه فانكسر قلب داود عند ذلك فجبره الله بذكر لم يعطه آدم فقال في آدم إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً و ما عينه باسمه و لا جمع له بين أداة المخاطب و بين ما شرفه به فلم يقل له و علمتك الأسماء كلها و قال في خلافة داود يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الْأَرْضِ فسماه فلما علم الله أن مثل هذا المقام و الاعتناء يورثه النفاسة على أبيه آدم فإنه على كل حال بشر يكون منه ما يكون من البشر و ما عرف قدر هذا إلا رسول الله ص فقال إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر يعني لنفسه و لحق غيره و أرضى كما يرضى البشر يعني لنفسه و لغيره و كان هذا من التأديب الإلهي الذي أدبه به ربه تعالى فيما أوحى به إليه فقال له قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي حكم البشرية في حكمها فيكم فلما أراد الله تأديب داود لما يعطيه الذكر الذي سماه الله به من النفاسة على أبيه و لا سيما و قد تقدم من أبيه في حقه ما تقدم من الجحد لما امتن به عليه لكون الإنسان إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً غير إن آدم ما جحد ما جحده إلا لعلمه بمرتبته حيث جعله الله محلا لعلم الأسماء الإلهية التي ما أثنت الملائكة على الله بها و لم تعط بعده إلا لمحمد ص و هو العلم الذي كني عنه بأنه جوامع الكلم فعلم آدم أن داود في تلك المدة التي أعطاه من عمره لا يمكن أن يعبد الله فيها إلا على قدر كماله و هو أنقص من آدم في المرتبة بلا شك لسجود الملائكة و ما علمهم من الأسماء فطلب آدم أن يكون له العمر الذي جاد به على ابنه داود ع ليقوم فيه بالعبادة لله على قدر علو مرتبته على ابنه داود و غيره مما لا يقوم بذلك داود فإذا قام بتلك العبادة في ذلك الزمان المعين وهب لابنه داود أجر ما تعطيه تلك العبادة من مثل آدم و لو ترك تلك المدة لداود لم تحصل له رتبة هذا الجزاء و حصل لآدم ع من الله على ذلك رتبة جزاء من آثر على نفسه فإنه يجري بجزاء مثل هذا لم يكن يحصل له لو لم يكن ترك تلك المدة لداود فكما أحبه في القبضة حين أعطاه من عمره ما أعطاه كذلك من حبه رجع في ذلك ليعطيه جزاء ما يقع في تلك المدة من آدم من العمل و لا علم لداود بذلك فلما جبره الله بذكر اسمه في الخلافة قال له من أجل ما ذكرناه من تطرق النفاسة التي في طبع هذه النشأة و إليه لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله فحذره فشغله ذلك الحذر عن الفرح بما حصل له من تعيين الله له باسمه و لكن قد حصل له الفرح و أخذ حظه منه قبل إن يصل إليه زمان وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله لا عن الله فأمر بمراقبة السبيل ثم تأدب الله معه حيث قال له إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا و لم يقل فإنك إن ضللت عن سبيل الله لك عذاب شديد و هذا علم شريف و في هذا المنزل علم أصحاب الكشف أنه ليس من حقيقة الكشف أن يعلمه المكاشف في كل صورة بل ذلك على قدر ما يريده الحق فيستر عنه ما شاء و يطلعه على ما شاء فليس من شأن المكاشف نفوذ بصره في كل صورة تتجلى له بل تقوم له تلك الصورة التي لا يدري ما هي مقام كثافة الصورة عن إدراك الحس البشري لما خطر فينفس تلك الصورة التي أدركها البصر و في وقت آخر يعطيه الكشف بما تكلم به ذلك الشخص فيه قلبه و هو الكلام على الخاطر عن علم معين له و كشف لا عن زجر و لا حدس و لا موافقة و فيه علم ما يبقى الرفق الإلهي بالعالم و فيه علم حكمة وجود العالم و فيه علم أسباب النزول و فيه علم الوهب و الكسب و فيه علم ما هو الأمر الذي يقوم فيه العبد مقام سيده و فيه علم رعاية الأسباب التي أعطت الخير لصاحب النظر فيها و فيه علم الإبدال أي علم الصور التي يدركها البدل على صورته حيث شاء على علم منه و إن منزلته منزلة عيسى ع في قوله وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا و علم الصور التي يقيمها الحق بد لا من صورة هذا الذي يقام عنه حيث شاء الحق على غير علم من هذا الذي يقام عنه و منزلته فيها منزلة يحيى ع في قول الله وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا و أي المقامين أتم و أعلى و كون يحيى لم يجعل لَهُ من قَبْلُ سَمِيًّا و اختصاصه بذبح الموت يوم القيامة و فيه علم ما السبب الذي يدعو الإنسان أن يطلب الانفراد بالأتم و الأعلى و التفوق على غيره و فيه علم رفع المقادير هل ترفع في نفس الأمر أو لا يصح رفعها و إنما ترفع في حق من ترفع في حقه و هي مقدرة عند الله من حيث لا يشعر العالم بذلك و فيه علم إن كل شيء يعلمه الإنسان إنما هو تذكر لا ابتداء علم و أن كل علم عنده لكنه نسيه و فيه علم صورة تسليط الجن على الإنس و الإنس على الجن و هل تسليط الجن على الإنس ظاهر أو باطنا أو هو في حق قوم ظاهرا خاصة و الباطن معصوم أو كيف هو الأمر و كذلك القول في تسليط الإنس على الجن إلا إن الإنس ليس لهم تسليط إلا على ظاهر الجن الأمن تروحن من الأنس و تلطف معناه بحيث يظهر في ألطف من صور الجن فيسري بذاته في باطن الجن سريان الجن في باطن الإنس فيجهله الجني و يتخيل أن ذلك من حكم نفسه عليه و هو حكم هذا الإنسي المتروحن و ما رأيت أحدا نبه على هذا النوع من العلم و أطلعني الله تعالى عليه فما أدري هل علمه من تقدم من جنسي و ما ذكره أم لا و فيه علم الدواء الذي يزيل به الإنسان ما أثر فيه الجن في تسلطه عليه و فيه علم ما ينكشف له بعد ذهاب هذا الأثر منه و فيه علم صدور الكثرة عن الواحد و هل صدر عن الواحد أحدية الكثرة أو الكثرة و فيه علم الصادر عن المصدر أنه يؤذن أن يكون له حكم المصدر فإن ثبت هذا فيكون مال العالم المكلف إلى الراحة فإن الحق ما صدر عنه العالم من يوم الأحد إلى يوم الجمعة و دخل يوم الأبد و هو يوم السبت و السبت الراحة و هو السابع من الأيام الذي لا انقضاء له و ما مس الخالق من لغوب في خلقه ما خلق و لكن كان يوم السبت يوم الفراغ من طبقات العالم و بقي الخلق من الله فيما يحتاج إليه هذا العالم من الأحوال التي لا ينتهي أبدها و لا ينقضي أمدها و فيه علم نشء الملائكة و فيه علم نشء الإنسان و مرتبته و ما له من الحضرة الإلهية و تفاضل أشخاص هذا النوع بما ذا يكون التفاضل هل بالنشء أو بما يقبله من الأعراض و فيه من العلوم غير هذا و لكن قصدنا إلى المهم فالمهم من ذلك لننبه القلوب عليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ