و قال تعالى وَ ما عِنْدَ الله باقٍ و قال آتَيْناهُ رَحْمَةً من عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ من لَدُنَّا عِلْماً و قال وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ و قال رسول الله ص كما تصف الملائكة عند ربها و قال تعالى إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ و قال تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ فاختلفت إضافات هذه العندية باختلاف ما أضيفت إليه من اسم و ضمير و كناية و هي ظرف ثالث و ما رأيت من أهل الله من تنبه له حتى يعرف ما هو فإنه ليس بظرف زمان و لا ظرف مكان مخلص بل ما هو ظرف مكانة جملة واحدة علىالإطلاق و كذلك هو في قوله تعالى ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ فجعل لنا عندية و ما هي ظرف مكان في حقنا فعجبت من العلماء كيف غفلوا عن تحقيق هذه العندية التي اتصف بها الحق و الإنسان ثم إن الله جعل عنديته ظرفا لخزائن الأشياء و معلوم أنه يخلق الأشياء و يخرجها من العدم إلى الوجود و هذه الإضافة تقضي بأنه يخرجها من الخزائن التي عنده فهو يخرجها من وجود لم تدركه إلى وجود ندركه فما خلصت الأشياء إلى العدم الصرف بل ظاهر الأمر إن عدمها من العدم الإضافي فإن الأشياء في حال عدمها مشهودة له يميزها بأعيانها مفصلة بعضها عن بعض ما عنده فيها إجمال فخزائنها أعني خزائن الأشياء التي هي أوعيتها المخزونة فيها إنما هي إمكانات الأشياء ليس غير ذلك لأن الأشياء لا وجود لها في أعيانها بل لها الثبوت و الذي استفادته من الحق الوجود العيني فتفصلت للناظرين و لا نفسها بوجود أعيانها و لم تزل مفصلة عند الله تفصيلا ثبوتيا ثم لما ظهرت في أعيانها و أنزلها الحق من عنده أنزلها في خزائنها فإن الإمكان ما فارقها حكمه فلو لا ما هي في خزائنها ما حكمت عليها الخزائن فلما كان الإمكان لا يفارقها طرفة عين و لا يصح خروجها منه لم يزل المرجح معها لأنه لا بد أن تتصف بأحد الممكنين من وجود و عدم فما زالت هي و الخزائن عند الله إذا المرجح لا يفارق ترجيح أحد الممكنين على هذه الأشياء فما لها خروج من خزائن إمكانها و إنما الحق سبحانه فتح أبواب هذه الخزائن حتى نظرنا إليها و نظرت إلينا و نحن فيها و خارجون عنها كما كان آدم خارجا عن قبضة الحق و هو فيه قبضة الحق يرى نفسه في الموطنين فمن رأى الأشياء و لم ير الخزائن و لا رأى الله الذي عنده هذه الخزائن فما رأى الأشياء قط فإن الأشياء لم تفارق خزائنها و خزائنها لم تفارق عندية الله و الضمائر و العندية الإلهية لم تفارق ذاته فمن شهد واحدا من هذه الأمور فقد شهد المجموع
فما في الكون إن كنت عالما أحدية إلا أحدية المجموع لأنه لم يزل إلها و لا يزال إلها و ما تجدد عليه حكم لم يكن عليه و لا حدث اسم لم يكن تسمى به فإنه المسمى نفهس و لا قام به نعت لم يكن قبل ذلك منعوتا به بل له الأمر من قبل و من بعد فهو ذو الأسماء الحسنى و الصفات العليا و الإله الذي لم يزل في العماء و الرحمن الذي وصف نفسه بالاستواء و الرب الذي ينزل كل ليلة في الثلث الباقي من الليل إلى السماء و هو معنا أينما كنا و ما يكون من نجوى عدد معين إلا و هو مشفع ذلك العدد أو موتره فهو رابع الثلاثة و سادس الخمسة و أكثر من ذلك و أدنى فهل رأيت أو هل جاءك من الحق في وحيه إلا أحدية المجموع لأنه ما جاء إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ و لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ... الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ و أنت تعلم أن كنت من أهل الفهم عن الله أن هذه الأسماء و إن ترادفت على مسمى واحد من حيث ذاته فإنا نعلم أنها تدل على معان مختلفة قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فما ندعو إلا إلها واحدا له هذه الأسماء المختلفة الحقائق و المدلولات و لم تزل له هذه الأسماء أزلا و هذه هي الخزائن الإلهية التي فيها خزائن الإمكانات المخزونة فيها الأشياء فقابل الجمع بالجمع و الكثرة بالكثرة و العدد بالعدد مع أحدية العين فذلك أحدية الجمع و كل مصل يناجي ربه في خلوته معه و إن الله واضع كنفه عليه فهو المطلق المقيد العام في الخصوص الخاص في العموم و اعلم أن الله جعل لنا موطنين في التصفيف لم يجعل ذلك لغيرنا من المخلوقين صف في موطن الصلاة وصف في موطن الجهاد فقال إِنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌو أمرنا بالتراص في الصف في الصلاة و ذكر أن الملائكة يتراص في الصف عند ربها و جعل صفوفنا كصفوف الملائكة و ليس ذلك لغيرنا من الأمم وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ و هو الإمام وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا فالإمام صف وحده لأنه مجموع و أحديته أحدية المجموع و لذلك كان صفا وحده و تجلى الحق لأهل الصفوف في مجموع الأحدية لا في أحدية المجموع لأن كل شخص من أشخاص الصفوف يناجي من الحق ما يعطيه حضوره و ما يناسب قصده و ما هو عليه من العلم بربه و لهذا تجلى لهم في مجموع الأحدية فسبق لهم المجموع و أضافه إلى الأحدية حتى لا يشركوا مع الله أحدا في عبادتهم مع اختلاف مقاصدهم و عقائدهم و أحوالهم و أمزجتهم و مناسباتهم و لهذا تختلف سؤالاتهم و تكثر فلو تجلى لهم في أحدية المجموع لم يتمكن لهم النظر إلى المجموع مع وجود تقدم الأحدية و لو كان ذلك لكانت مقاصدهم مقصدا واحدا و سؤالهم سؤالا واحدا و حالاتهم في الحضور حالا واحدة و علمهم بالله علم واحد و الواقع ليس كذلك فدل على إن التجلي كان في مجموع الأحدية وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فرجع المجموع إلى الواحد و أضيف إليه لئلا يتخيلوا أن المجموع وجود أعيان و هو وجود أحكام و أن الله ما شرع الإمام في الصلاة إلا ليقابل به الأحدية التي أضاف المجموع إليها و يقابل بالجماعة مجموع الأحدية فالإمام يناجي الأحدية خاصة و لهذا اعتقد من اعتقد عصمة الإمام في الصلاة حتى يسلم و هم أصحاب الإمام المعصوم لأن الواحد لا يسهو عن أحديته إلا المعلم بالفعل فإنه يقوم به السهو ليعلم كيف يكون حكم الساهي من الجماعة و ليس إلا الأنبياء خاصة و ما عدا الرسل فهو متبع واحد من أهل الصف فإذا تقدم هو و ليس برسول فهو معصوم لأنه ليس بمعلم هذا الذي جعل أصحاب الإمام المعصوم الذين هم الإمامية يقولون بعصمة الإمام و الواقع خلاف ذلك فإنه ما من إمام إلا و يسهو في صلاته و إن لم يسه عن صلاته و الجماعة تناجي مجموع الأحدية كل شخص مأموم يناجي ما يقابله من مجموع الأحدية فأي مصل صلى و لم يشاهد ما ذكرناه من إمام و مأموم فما صلى الصلاة المشروعة بالكمال و إن أتمها فما أكملها لأن تمام الصلاة إقامة نشأتها و استيفاء أركانها من فرائضها و سننها من قيام و تكبير و قراءة و ركوع و خفض و رفع و هيأة و سلام إذا أتى بهذا كله فقد أتمها و إذا شاهد ما ذكرناه فقد أكملها لأن الغاية هي المرتبة و ما وضعت الصلاة إلا لغايتها و هو المعبر عنه في العموم بالحضور في الصلاة أي استصحاب النية في أجزائها من أول الدخول فيها و التلبس بها إلى الخروج منها فانظر يا أخي هل صليت مثل هذه الصلاة إماما كنت أو مأموما و هل فرقت بينك و بين إمامك في الشهود أو ميزته عنك بالتقدم المكاني و بتقدم المكانة في الحكم فلا تكبر حتى يكبر و لا تركع حتى يركع و لا ترفع حتى يرفع و لا تفعل شيئا من أفعال الصلاة حتى يفعل فإن رتبتك الاتباع فالإمام متقدم على المأموم مكانا إن كان في جماعة و مكانة إن لم يكن معه إلا واحد فهو إمام بالمكانة يقابل الأحدية و يقابل مجموع الأحدية بانضمام الآخر إليه حتى كأنه الصف فالإمام إذا تقدم بالمكان و الجماعة خلفه لم يشهد سوى الأحدية و إن كان في الصف مع المأموم لوحدانية المأموم شهد الإمام مجموع الأحدية و أحدية المجموع أو شهد المأموم مجموع الأحدية لا غير فميزته عنه المكانة لاتباعه إياه و اقتدائه به فإن خالفه فإن ناصية المأموم بيد شيطان و الشيطنة البعد و الصلاة قرب فهذا قرب في عين بعد و بعد في عين قرب فلم يشهد هذا المأموم مجموع الأحدية لأنه ليس بمأموم لا مكانا و لا مكانة و إذا كان بهذه المثابة فإن الإمام في حال مخالفة المأموم له ما يشاهد إلا الأحدية لأنه ليس في صف لفقد المأموم لما زال عن مأموميته فالإمام في هذه الحال كالمصلي وحده بالنظر إلى حال هذا المأموم و هو إمام بالنظر إلى من يصلي خلفه من الملائكة و الملائكة لا تصف إلا خلفه و الملائكة تصف عند ربها و هي في هذه الحال عند الإمام المصلي بها و هي لم تزل عند ربها فالإمام خليفة فسجد له الملائكة و الإمام يسجد لله فالله قبلة الإمام و الإمام قبلة الملائكة و ما أم جبريل ع بالنبي ص إلا ليعلمه الصلاة بالفعل فصلى به مكانة لا مكانا فإنه صلى به وحده و لم يتقدم عليه فعلمه عدد الصلوات في أوقاتها و هيأتها على أتم الوجوه ثم أمره إذا كان في جماعة أن يتقدمهم بالمكان و من رأى أنه تقدم بالمكان جبريل أيضا فلم يكن ذلك إلا حتى كشف الله الغطاء عن بصر النبي ص فرأى الملائكة فرأى الجماعة فصف معهم خلف جبريل و أما على الستر فلا و لهذا صلى النبي ص بالرجل وحده و جعله على يمينهفي صف واحدلأن ذلك الشخص لم يشاهد الملائكة فراعى الإمام حكم المأموم و ما كنت بجانب الطور إذ نادى الله موسى و لا بالجانب الغربي إذ قضى إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ من الشَّاهِدِينَ كذلك ما كنت مع رسول الله ص إذ أم به جبريل في الصلوات الخمس وَ ما كُنْتَ من الشَّاهِدِينَ و ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَ ما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ و ليس حكم من شاهد الأمور حكم من لم يشاهدها إلا بالأعلام فللعيان حال لا يمكن أن يعرفه إلا صاحب العيان كما إن للعلم حالا لا يعرفه إلا أولو العلم ليس لغيرهم فيه ذوق رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ و لكن للعيان لطيف معنى لذا سأل المعاينة الكليم و ما زال سجود الملائكة لبني آدم في كل صلاة كما سجدوا لأبيهم آدم فما زالت الخلافة في بنى آدم ما بقي فيهم مصل يقول الله الله فإن الأمر الإلهي و الشأن إذا وقع في الدنيا لم يرتفع حكمه إلى يوم القيامة و قد وقع السجود لآدم من الملائكة فبقي سجودهم لذريته خلف كل من يصلي إلى يوم القيامة كما نسي آدم فنسيت ذريته كما جحد آدم فجحدت ذريته كما قتل قابيل هابيل ظلما فما زال القتل ظلما في بنى آدم إلى يوم القيامة و على الأول كفل من ذلك كما للأول في الخير نصيب من كل من فعله فمن سن سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة و من سن سنة سيئة فعليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة و هم الذين يحملون أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ فكل مصل إمام للملائكة و الملائكة خلفه تسجد له إلا إن الفرق بين الأصل و الفرع أعني آدم و ذريته إن الملائكة تسجد لسجود بنى آدم في القراءة و الصلاة و آدم سجدوا له سجود المتعلم للمعلم فاجتمعا في السجود و اختلفا في السبب و إنما المقصود الذي أردناه أن نبين أن السجود من الملائكة خلف بنى آدم ما ارتفع و أن الإمامة ما ارتفعت من آدم إلى آخر مصل و الملائكة تبع لهذا الإمام كما قررناه فنحن عند الله في حال إمامتنا و الملائكة في هذه الحال عندنا بالاقتداء فهي عند ربها لأن الإمام عنده فالملائكة عنده لأنها عند الإمام و كل صف إمام لمن خلفه بالغا ما بلغ و قولي
الضمير في لها يعود على الظرفية و في هما يعود على عندية الحق و الخلق اعلم أن العندية نسبة ما هي أمر وجودي لأن النسب أمور عدمية ثابتة الحكم معدومة العين و سيأتي الكلام إن شاء الله في أحوال الأقطاب فيمن كان هجيره ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ الله باقٍ من هذا الكتاب و إنما قلنا إن عندية الله مجهولة لأن الله بما هو الله لا يتعين فيه اسم من الأسماء الإلهية دون اسم فإنه عين مجموع الأسماء و ما تخصصه إلا الأحوال فإنه من قال يا الله افعل لي كذا فحاله تخصص أي اسم أراد مما يتضمنه هذا الاسم الله من الأسماء فلهذا يقال فيه إنه مقيد في إطلاق أي تقيده الأحوال بما تطلبه من الأسماء المندرجة فيه و مطلق من حيث انتفاء الأحوال فهو الاسم القابل لكل اسم كما أن الهيولى الكل قابلة لكل صورة و عندية الرب قريبة من هذا إلا إن الفرق بينهما إن الرب ما أتى قط إلا مضافا فمن كان عنده فهو عند من أضيف إليه و لا يضاف إلا إلى كون من الأكوان و عندية الخلق معلومة فعندية الرب معقولة و أما عندية الهو فإن الهو ضمير غائب و الغائب لا يحكم عليه ما كانت حالته الغيبة لأنه لا يدري على أي حالة هو حتى يشهد فإذا شهد فليس هو لأن الغيبة زالت عنه إلا ترى الساكت لا ينسب إليه أمر حتى يتكلم و لا مذهب و لهذا لا يدخل في الإجماع بسكوته و هذه مسألة خلاف و الصحيح ما قلناه كما إن ترك النكير ليس بحجة إلا في بقاء ذلك الأمر على الأصل المنطوق به في قوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً و كلام بنى آدم مما خلق في الأرض و جميع أفعالهم فإذا رأينا أمرا قد قيل أو فعل بمحضر رسول الله ص و لم ينكره فلا نقول إن حكمه الإباحة فإنه لم يحكم فيه بشيء إذ يحتمل أنه لم ينزل فيه شيء عليه و هو لا يحكم إلا بما أوحى الله فيه إليه فيبقى ذلك على الأصل و هو التصرف الطبيعي الذي تطلبه هذه النشأة من غير تعيين حكم عليه بأحد الأحكام الخمسة و هو الأصل الأول أو نرده إلى الأصل الثاني و هو قوله تعالى خَلَقَ لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاًو ليس بنص في الإباحة و إنما هو ظاهر لأن حكم المحظور خلق أي حكم به من أجلنا أي نزل حكمه من أجلنا ابتلاء من الله هل نمتنع منه أم لا كما نزل الوجوب و الندب و الكراهة و الإباحة فالأصل إن لا حكم و هو الأصل الأول الذي يقتضيه النظر الصحيح و يتضمن هذا المنزل من العلوم علم حمد السواء و تفاصيله فإنه عم الطرفين و الواسطة و أضافه إلى العالمين لم يخص عالما من عالم فقال في الطرف الواحد في أول فاتحة الكتاب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و جعل هذا التحميد بين الرحمة المركبة فإنه تقدمه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و تأخر بعده الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فصار العالم بين رحمتين فأوله مرحوم و مآله إلى الرحمة و جاء في وسط سورة يونس في صفة أهل الجنة إن آخر دعائهم أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و جاء في سورة و الصافات وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ بعد قوله وَ سَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ و هم المرحومون السالمون فحمد الله رب العالمين عقيب نصره و ظفره بخيبر فهو حمد نعمة فظهر حمد النعمة في أول السورة و في وسطها و في آخرها فعم الطرفين و الواسطة فهل هذا الحمد في هذه المراتب على السواء من كونه حمد سواء أو هو مختلف المراتب لاختلاف الطرفين و الوسط و أي المراتب أعلى فيه هل أحد الطرفين أو الوسط و لمن هو الحمد الأول من العالمين و الوسط و الآخر كل ذلك علم يعطيه الله العلماء بالله الذين يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا الله و فيه علم المراتب الملكية و البشرية و هل مراتبها على السواء أو أي المراتب أعلى هل مراتب البشر أو مراتب الملائكة أو لكل صنف منهما مراتب تعلو على مراتب الآخر و فيه علم جلب المنافع و هل المضار في طيها منافع أم لا و تعيين المنافع و فيه علم الاتباع في الإلهيات هل يتبع التابع فيها الذكر أو الفكر و فيه علم توحيد الإضافة لا توحيد الإطلاق و هل التوحيد توحيدان أم لا أعني توحيد الذات و توحيد الإله في الألوهة و بما ذا يدرك كل واحد من هذا التوحيد و فيه علم نسبة الله إلى الأشياء هل هي عين نسبة الأشياء إلى الله أو تختلف و فيه علم هل للشيء الواحد وجوه متعددة أو ليس للشيء الواحد سوى وجه واحد و ما يصدر عنه إذا كان بهذه المثابة و فيه علم الفرق بين الرمي الإلهي و الكوني و فيه علم الديمومة و فيه علم الاختلاس و ما حكمه في المختلس بكسر اللام و المختلس بفتح اللام اسم فاعل و اسم مفعول و إن الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد و فيه علم ما للعالم من الخلق و فيه علم اجتماع خالقين على مخلوق واحد هل أعطى كل واحد منهما ما أعطى الآخر أم أحكامهما في خلقه مختلفة و فيما اختلفوا فيه من خلقه و فيما اجتمعوا و فيه علم الرفق بالجاهل في الحال و إمهاله ليرجع عن جهله و فيه علم النطق من الجاهل هل حكمه حكم نطق العالم في الإصابة و إن لم يعلم الجاهل المقام الذي منه نطق أم لا و أصابته التي يراها العالم خطأ فساوى العالم الجاهل في جهل المقام الذي منه نطق الجاهل و الفرق بين من يدري ذلك ممن لا يدريه من العلماء و ما حكم العالم الذي يعلم ذلك و فيه علم تأثير الواحد في الكثيرين من أين أثر مع أحديته و فيه علم الفصل و الوصل و فيه علم جمع الصفة للمختلفين بأي حقيقة تجمعهم و فيه علم الهداية إلى الضلال و فيه علم المواقف و القول و هل للرضى مواقف كما للقهر أم لا و كم مواقف القيامة و هل تنحصر مواقف أهل الله كمواقف النفري أم لا تنحصر أو تنحصر من وجه و لا تنحصر من وجه و لما ذا كان الوقوف و هل هو وقوف سكون أم لا يزال منتقلا في وقوفه و فيه علم الفرق بين أهل الإسلام و أهل الاستسلام و فيه علم طلب العلم من الكون و فيه علم ما يعطيه الاعتراف بالحق في أي موطن كان و هل هو نافع صاحبه بكل وجه أم لا و ما ينبغي أن يعترف به مما لا ينبغي أن يعترف به و فيه علم العلم النافع و فيه علم أدوات المعاني ما كان منها مركبا و غير مركب و فيه علم ما ينعم الإنسان و ما يعذبه و أنه ليس شيء من الله في أحد و فيه علم الخطوط و الحدود الإلهية و أنها موسومة لا تختلط و هي أعلم بمحالها من محالها بها فإن محالها معلومة لها و ليس هي معلومة المكان لمحالها و فيه علم النعم التي ترفع الآلام و الفرق بينها و بين النعم التي لا ترفع ألما و فيه علم الأنس بالمثل و هل يقع الأنس بالله لمن خلق على الصورة أو من حقيقة كونه على الصورة أنه لا يأنس بالله كما لا يأنس الله به و هل للعالم بجملته هذا الحكم أم لا و هل الإنسان الذي هو كالظل للحق حكمه حكم الإنسان الكامل الخليفة الذي هو جزء من ذلك الإنسان المشبه بالظل أم لا و فيه علم الالتذاذ بالنغم الواقعة بالأغيار هل هو من كمال الالتذاذ المطلوب أو هل هو نقص في المستلذ له و فيه علم النفس في قوله استفت قلبك و إن أفتاك المفتون فإن هنا لطفاإلهيا في الإعلام أجراه الله على لسان رسوله ص أنباء أنه ما يلقي الله في القلب إلا ما هو حق فيه سعادة الإنسان فإن رجع في ذلك إلى نفسه فقد أفلح و هذا معنى قول بعض العارفين بهذا المقام حيث قال ما رأيت أسهل علي من الورع كلما حاك له شيء في نفسي تركته و فيه علم تعظيم ما يعظم من الأحوال في القرائن و فيه علم ما ينبغي أن يثابر عليه و فيه علم المفاضلة في الأحوال من غير نظر إلى أصحابها القائمة بهم و فيه العلم بالماهيات و فيه علم تشابه الصورتين و اختلاف الحكم و فيه علم حكمة إيجاد الأئمة في العالم المضلين منهم و غير المضلين و فيه علم النداء عند البلاء و لما ذا اختص به دون النعم و فيه علم إجابة الداعين و السائلين هل يزيد المجيب على مطابقة ما وقع فيه السؤال أو لا يزيد فإن زاد فهل هو إجابة سؤال حال فإن النطق لم يكن ثم و فيه علم ارتباط العالم العلوي بالسفلي ليفيد و ارتباط السفلي بالعلوي ليستفيد و المفيد هو الأعلى أبدا و المستفيد هو السفلي أبدا و لا حكم للمساحة و علو المكان و فيه علم تأثير المحجوب في المكشوف له من أي وجه أثر فيه مع علو مرتبته و أن الحق يعضده و ما عقوبة ذلك المؤثر و فيه علم الأسفار و فيه علم من وصف بالحلم مع عدم القدرة و الحليم لا يكون إلا قادرا على من يحلم عليه و فيه علم أثر الخيال في الحس و أين يبلغ حكمه و فيه علم حكم المراتب على أصحابها بما يكرهون و فيه علم قيمة الأشياء و لها حضرة خاصة و أنه ما من شيء إلا و له قيمة إلا الإنسان الكامل فإن قيمته ربه و فيه علم ما ينتجه الصدق و مراتب الصادقين و إن يسألوا عن صدقهم و فيه علم حضرات البركات الإلهية و فيه علم مراتب الظلم و ما يحمد منه و ما يذم و فيه علم الاشتراك في الأمر هل حكم ذلك الأمر في كل واحد من الشركاء على السواء أم يختلف الحكم مع الاشتراك في الأمر لاختلاف أحوال الشركاء و استعداداتهم و فيه علم صورة حضرة اجتماع الخصوم بين يدي الحاكم و فيه علم إلحاق الإناث بالذكور و فيه علم القرعة و أين يحكم بها و قول النبي ص لو يعلم الناس ما في النداء و الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه و لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه و لو يعلمون ما في العتمة و الصبح لأتوهما و لو حبوا و فيه علم الظلمات و لما ذا ترجع حقيقة الظلمة هل لأمر وجودي أو عدمي و فيه علم فضل التنزيه على غيره من المحامد و فيه علم الشفقة على الجنين إذا خرج و الرفق به و رحمته و قول النبي ص ليس منا من لم يرحم صغيرناو فيه علم اليقين و الشك و هل يتصف صاحب اليقين بالشك فيما هو على يقين فيه أم لا و فيه علم انفراد الحق بعلم الحق و فيه علم ما ينبغي أن ينسب إلى الله و فيه علم من في طبعه أمر ما لا يزول عن حكم طبعه و إن عرض له عارض يزيله فليس بدائم الزوال و الطبع أغلب و فيه علم تغير الأحوال على الملائكة من أين حصل لهم ذلك و فيه علم العناية و طبقات العالم فيه و فيه علم الأناة و العجلة و فيه علم عموم البشارة و خصوص الإنذار إلى غير ذلك من العلوم التي يطول ذكرها فقصدنا إلى ذكر المهم منها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ