قال رسول الله ص إني لأجد نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن فنفس الله عنه بالأنصار فكانت الأنصار كلمات الله نصر الله بهم دينه و أظهره و هذا المنزل هو منزل ذلك التنفس الرحماني و هذا المنزل عنه ظهرت جميع المنازل الإلهية كلها في العالم الذي هو كل ما سوى الله تعالى علوا و سفلا روحا و جسما معنى و حسا ظاهرا و باطنا فمنه ظهرت المقولات العشر و جاء في الخبر النبوي رائحة لما قلناه و له وجوه إلى كل جنس و نوع و شخص من العالم لا تكون لجنس آخر و لا لنوع آخر و لا لشخص آخر و لهذا المنزل صورة و روح و إمداد إلهي من حيث ما نسب الحق إلى نفسه من الصورة و لكن من باطن الصورة و حكم هذا الإمداد في الظاهر و الباطن من صورة هذا المنزل لكنه في الباطن أتم و لهذا أخر الاسم الباطن عن الأول و الآخر و الظاهر لما عبر عن هذه النعوت الإلهية و ذلك أن الأمر الإلهي في التالي أتم منه و أكملمنه في المتلو الذي هو قبله ففيه ما في الأول و زيادة هكذا هي كلمات الوجود الإلهية و الآخر يتضمن ما في الأول و الظاهر يتضمن ما في الآخر و الأول و الباطن يتضمن ما في الظاهر و الآخر و الأول و لو جاء شيء بعد الباطن لتضمن الباطن و ما قبله و لكن الحصر منع أن يكون سوى هذه الأربعة و لا خامس لها إلا هويته تعالى و ما ثم في العالم حكم إلا من هذه الأربعة و على صورة هذه الأربعة ظهر عالم الأرواح و عالم الأجسام و ما ثم عالم سوى هذين فمن الإلهيات علم و إرادة و قدرة و قول عنها ظهر عالم الأرواح الخارج عن الطبيعة و الطبيعة ثم أظهر عن هذه الأربعة الإلهية الطبيعة على أربع و عنها أظهر عالم الأجسام كثيفها و لطيفها كما أظهر عن هذه الأربع الإلهية من عالم التدوين و التسطير عقلا و نفسا و طبيعة و هيولى قبل ظهور الأجسام و أظهر الأركان أربعة و هي النار و الهواء و الماء و التراب و أظهر النشأة الحيوانية على أربعة أخلاط و جعل لهذه الأخلاط أربع قوى جاذبة و ماسكة و هاضمة و دافعة فأقام الوجود على التربيع و جعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان فإنه الأول و الآخر و الظاهر و الباطن فللباطن ركن الحجر الأسود فإنه يمين الله في الأرض المقبل على جهة البيعة لله فالعين تقع على الحجر و البصيرة تقع على اليمين فاليمين باطن للحجر غير ظاهر للبصر فيشرف ركن الحجر على سائر الأركان فضم حكم الباطن حكم الثلاثة النعوت التي قبل الباطن و هو المخصوص بهذا المنزل و لب هذا المنزل هو الصورة الإلهية التي منها يكون الإمداد له لب تلك الصورة و هو روحها و هو لب اللب و هو خزانة الإمداد لهذا المنزل و لهذا المنزل التحكم في العالم كله كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزجاجة يُوقَدُ من شَجَرَةٍ هويته فهي لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ لا تقبل الجهات عن هذه الزيتونة يكون الزيت و هو المادة لظهور هذا النور فهذه أربعة مشكاة و زجاجة و مصباح و زيت و الخامس الهوية و هو الزيتونة المنزهة عن الجهات و كني عنها بالشجرة من التشاجر و هو التضاد لما تحمله هذه الهوية من الأسماء المتقابلة كالمعز و المذل و الضار و النافع فانظر ما أكمل العبارات الإلهية في الإخبار بما هو الأمر عليه فمن دخل هذا المنزل و فاته شيء من العالم و حقائقه فما دخله و إنما خيل الشيطان له أو النفس أنه دخله وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ إذ حضرة الخيال تنشئ كل صورة و كثير من الناس يدخلون هذه الحضرة الخيالية و يشاهدون ما تجلى لهم من الصور فيزعمون أنهم شاهدوا الوجود الثابت العين على ما هو عليه و لم يكن سوى ما صوره الخيال فمن يلي بمثل هذا فليتربص قليلا فإن كان ما يشاهده روحا ثابت العين في الوجود أو محسوسا في العين فإنه يثبت و لا يتغير و إن كان خيالا فلا يثبت و يسرع إليه التغير في الحال و يرى صورة التغير فيه و يعلم أن الذي ظهر له بالتغير هو عين الأول و يرى بعضهم نفسه في صورتين و أكثر و يعلم أنه هو فبهذا يفرق بين الصور الثابتة في عينها حسا و روحا و بين الصور الخيالية و هذا ميزانها لمن لا معرفة له فقد نبهتك و نصحتك فلا تغفل عن هذا الميزان إن كنت من أهل الكشف و ما جعل الله النوم في العالم الحيواني إلا لمشاهدة حضرة الخيال في العموم فيعلم إن ثم عالما آخر يشبه العالم الحسي و نبهه بسرعة استحالة تلك الصور الخيالية للنائمين من العقلاء على إن في العالم الحسي و الكون الثابت استحالات مع الأنفاس لكن لا تدركها الأبصار و لا الحواس إلا في الكلام خاصة و في الحركات و ما عدا هذين الصنفين فلا تدركه صورة الاستحالات و التغيرات فيها إلا بالبصيرة و هو الكشف أو بالفكر الصحيح في بعض هذه الصور لا في كلها فإن الفكر يقصر عن ذلك و أصل ذلك كله أعني أصل التغير من صورة إلى مثلها أو خلافها في الخيال أو في الحس أو حيثما كان في العالم فإنه كله لا يزال يتغير أبد الآبدين إلى غير نهاية لتغير الأصل الذي يمده و هو التحول الإلهي في الصور الوارد في الصحيح فمن هناك ظهر في المعاني و الصور
فمن معنى إلى معنى و من صور إلى صور
و هو قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و هو ما يحدثه من التغييرات في الأكوان فلا بد أن يظهر في كل صورة تغيرها بحكم لا يكون إلا لذلك المتغير فإن فهمت فقد أبنت لك الأمر على ما هو عليه ف إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى أي في تغيير العالم ذكرى بتغير الأصل لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ فإن القلب له التقليب من حال إلى حال و به سمي قلبا فمن فسر القلب بالعقل فلا معرفة له بالحقائق فإن العقل تقييد من العقال فإن أراد بالعقل الذي هو التقييد ما نريده نحن أي ما هو مقيد بالتقليب فلا يبرحيتقلب فهو صحيح كما نقول بالتمكين في التلوين فلا يزال يتلون و ما كل أحد يشعر بذلك و لما علمنا أن من صفة الدهر التحول القلب و الله هو الدهر و ثبت أنه يتحول في الصور و أنه كل يوم في شأن و اليوم قدر النفس فذلك من اسمه الدهر لا من اسم آخر إن عقلت فلو راقب الإنسان قلبه لرأى أنه لا يبقى على حالة واحدة فيعلم إن الأصل لو لم يكن بهذه المثابة لم يكن لهذا التقلب مستند فإنه بين أصبعين من أصابع خالقه و هو الرحمن فتقليب الأصابع للقلب بغير حال الإصبعين لتغير ما يريد أن يقلب القلب فيه ف من عرف نفسه عرف ربه و في حديث الأصابع بشارة إلهية حيث أضافهما إلى الرحمن فلا يقلبه إلا من رحمة إلى رحمة و إن كان في أنواع التقليب بلاء ففي طيه رحمة غائبة عنه يعرفها الحق فإن الإصبعين أصبعا الرحمن فافهم فإنك إذا علمت ما ذكرناه علمت من هو قلب الوجود الذي يمد عالم صورته التي هو لها قلب و أجزاؤها كلها و إنه هو قلب الجمع و هو ما جمعته هذه الصورة الوجودية من الحقائق الظاهرة و الباطنة فلما كان الله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ كان تقليب العالم الذي هو صورة هذا القالب من حال إلى حال مع الأنفاس فلا يثبت العالم قط على حال واحدة زمانا فردا لأن الله خلاق على الدوام و لو بقي العالم على حالة واحدة زمانين لا تصف بالغنى عن الله و لكن الناس في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ فسبحان من أعطى أهل الكشف و الوجود التنزه في تقليب الأحوال و المشاهدة لمن هو كل يوم في شأن و الله هو الدهر فلا فراغ لحكم هذا الدهر في العالم الأكبر و الأصغر الذي هو الإنسان و هو أحد المعلومات الأربعة التي لها التأثير فالمعلوم الأول لنا الإنسان و المعلوم الثاني العالم الأكبر الذي هو صورة ظاهر العالم الإنساني و الإنسان الذي هو قلب هذه الصورة و لا أريد به إلا الكامل صاحب المرتبة و هو المعلوم الثالث و المعلوم الرابع حقيقة الحقائق التي لها الحكم في القدم و الحدوث و ما ثم معلوم خامس له أثر سوى ما ذكرناه و يتشعب من هذا المنزل شعب الايمان و ذلك بضع و سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق و أرفعها قول لا إله إلا الله و ما بينهما من الشعب و هذا المنزل منزل الايمان و منه ظهر الايمان في قلب المؤمن و الخاص به الاسم المؤمن من الأسماء الإلهية فمن هنا شرع المؤمن شعب الايمان و أبانها و من هذا المنزل أخذت أمة محمد أعمارها فغاية عمر هذه الأمة المحمدية سبعون سنة لا تزيد عليها شيئا فإن زاد فما هو محمدي و إنما هو وارث لمن شاء الله من الأنبياء من آدم إلى خالد بن سنان فيطول عمره طول من ورثه و لهذا قال النبي ص في أعمار أمته إنها ما بين الستين إلى السبعين فجعل السبعين الغاية لعمر أمته فعلمنا أنه ما يريد بأمته إلا المحمديين الذين خصهم الله برتبة ما خص الله بها نبيه من الأحكام و المراتب على جميع الأنبياء إذ كنا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ و كل حكم و رتبة كانت لنبي قبله و إن كانت له و وقع له فيها الاشتراك فلم يخلص له وحده و ليس له الشرف الكامل إلا بما خلص له دون غيره فأمته مثله فمن كان عند انفصاله عن الدنيا أو في حاله على شرع مشترك من هذه الأمة نسبناه إلى من ظهر به أولا قبل ظهور محمد ص ليظهر الفرق بين الأمرين و لتعرف منزلة الشخصين و إن كان ما أخذه إلا من تقرير محمد ص فإنه من أمته و لكن حكم الاشتراك يتميز عن حكم الاختصاص و مات ص و له ثلاث و ستون سنة و الذي يزيد على السبعين سنة بالغا ما بلغ و إن كان من أمته و ممن حصل له الاختصاص المحمدي كله فإنه لا يقبض حين يقبض إلا في الشرع المشترك و ما هو نقص به فإنه قد حصل حكم الاختصاص و لكن خروجه عن السبعين التي جعلها رسول الله ص غالب غاية عمر أمته المقبوضين في الحكم الاختصاصي جعله أن يفرق بينه و بين غيره من الأمة و هذا من العلوم التي لا تدرك بالرأي و القياس و إنما ذلك من علوم الوهب الإلهي و كذا ذكر أن كل واحد من الخلفاء الأربعة ما مات حتى بلغ ثلاثا و ستين سنة إثباتا أنهم قبضوا في الاختصاص المحمدي لا في حكم الشرع المشترك فمن هذا المنزل تعين هؤلاء الأربعة من غيرهم و تعينت العشرة أيضا من هذا المنزل الذين هم أبو بكر و عمر و عثمان و علي و سعد و سعيد و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة بن الجراح فهذا منزلهم الذي منه عينهم رسول الله ص و شهد لهم بالجنة في مجلس واحد بأسمائهم فإن المشهود لهم بالجنة كثيرون لكن ليس في مجلس واحد و مقيدون بصفة خاصة كالسبعين ألفا الذين يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ و عين منهم عكاشة بن محصن و نبه بقوله بِغَيْرِ حِسابٍ أي لم يكن ذلك في حسابهمو لا تخيلوه فبدا لهم خير من الله لم يكونوا يحتسبونه و هم الذين لا يسترقون و لا يكتوون و لا يتطيرون وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فقوله لا يسترقون أي لا يستدعون الرقية لإزالة ألم يصيبهم و لا يرقون أحدا من ألم يصيبه و جاء بالاستفعال للمبالغة و إنما رقى النبي ص و استعمل الطب في نفسه في مرضه لأنه يتأسى به فيتأسى به الضعيف و القوي فإنه رحمة للعالم و هكذا جميع الرسل فما حكمهم حكم أممهم فلا يقدح ذلك في مقامهم فلهم المقام المجهول حيث يظهرون لأممهم بصورة القوة و الضعف فلا يعرف أحد لما ذا ينسبهم من المقامات و قوله و لا يتطيرون فإن الطائر هو الحظ فهم خارجون عن حظوظ نفوسهم مشتغلون بما كلفهم الله به من الأعمال وفاء لما تستحقه الربوبية عليهم لا يبتغون بذلك حظا لنفوسهم من الأجر الذي وعد الله به على ما هم عليه من الأعمال فلم يبعثهم على العمل ما نيط به من الأجر و لكن ما ذكرناه من وفاء المقام فهذا معنى لا يتطيرون أي لا يعملون على الحظوظ و قوله و لا يكتوون فإن الاكتواء لا يكون إلا بالنار و قد عصمهم الله أن تمسهم النار فيجدون في نفوسهم أنهم لا يكتوون و تلك عصمة إلهية من حيث لا يشعرون و قوله وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي يتخذونه وكيلا فيتكلون عليه اتكال الموكل على الوكيل و هي معرفة وسطي جاءتهم من القصد الثاني فرأوا إن الله خلق الأشياء لهم و خلقهم له فاتخذوه وكيلا فيما خلق لهم ليتفرغوا إلى ما خلقوا له و إنما قلنا مرتبة وسطي لأن فوقها المرتبة العالية و هو القصد الأول فإن الله ما خلق شيئا من العالم كله إلا له ليسبحه بحمده و ننتفع نحن بحكم العناية و التبعية و القصد الثاني هو هذا لأنه لما سوانا و سخر لنا ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ قصدان في الخلق في العالم الإنساني و غير الإنساني من يتوكل عليه في أمره كله لأنه مؤمن بأن لله تعالى في كل شيء وجها و لا يقول به إلا المؤمن إذ كان غير المؤمن من الناس خاصة من يقول إن الله ما وجد عنه بطريق العلية إلا واحد و لا علم له بجزئيات العالم على التفصيل إلا بالعلم الكلي الذي يندرج فيه جميع العلم بالجزئيات فلهذا جعل التوكل في المؤمنين قال تعالى وَ عَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فجعل التوكل علامة على وجود الايمان في قلب العبد و لم يتخذه وكيلا إلا طائفة مخصوصة من المتوكلين المؤمنين الذين امتثلوا أمر الله في ذلك في قوله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا فيتخيل من لا علم له بالوجود في الأشياء إنك صاحب المال فاتخذته وكيلا سبحانه فيما هو ملك لك و أن إضافة الأموال إليك بقوله أموالكم إضافة ملك و ما علم إن تلك الإضافة إضافة استحقاق كسرج الدابة و باب الدار لا إضافة ملك و الذي نراه نحن و الأكابر إن الله قال لنا وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فما هو لنا فوكلناه و اتخذناه وكيلا في الإنفاق الذي هو ملكنا لعلمنا بعلم الوكيل بالمصالح و مواضع الإنفاق التي لا يدخلها حكم الإسراف و لا التقتير فتولى الله الإنفاق علينا بأن ألهمنا حيث ننفق و متى ننفق فإن النفقة على أيدينا تظهر فيدنا يد الوكيل في الإنفاق فنحن معصومون في الإنفاق لمعرفتنا بالوجوه و لأن يدنا يد حق فإنها يد الوكيل و هذا لا يعلم إلا بالكشف الإلهي فهم بهذه المثابة في التوكل و ما يشعرون بذلك لأنه قال بغير حساب فهم على غير بصيرة و أفعالهم أفعال أهل البصائر عناية إلهية يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ و الفضل الزيادة و اعلم أن العالم لما كان أصله أن يكون مربوطا وجوده بالواجب الوجود لنفسه كان مربوطا بعضه ببعض فيتسلسل الأمر فيه إذا شرع الإنسان ينظر في العلم به فيخرجه من شيء إلى شيء بحكم الارتباط الذي فيه و لا يكون هذا إلا في علم أهل الله خاصة فلا يجري على قانون العلماء الذين هم علماء الرسوم و الكون فقانونهم ارتباط العالم بعضه ببعض فلهذا تراهم يخرجون من شيء إلى شيء و إن كان يراه عالم الرسوم غير مناسب و هذا هو علم الله و معلوم أن المناسبة ثم و لكن في غاية الخفاء مثل قوله تعالى حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فجاء بآية الصلاة و قبلها آيات النكاح و الطلاق و بعدها آيات الوفاة و الوصية و غير ذلك مما لا مناسبة في الظاهر بينهما و بين الصلاة و أن آية الصلاة لو زالت من هذا الموضع و اتصلت الآية التي بعدها بالآيات التي قبلها لظهر التناسب لكل ذي عينين فهكذا علم أولياء الله تعالى (سئل) الجنيد عن التوحيد (فأجاب) السائل بأمر فقال له لم أفهمه أعد علي فأجابه بأمر آخر فقال السائل لم أفهمه فأجابه بأمر آخر ثم قال له هكذا هو الأمر فقال أمله علي فقال إن كنت أجريه فأنا أمليه يقول إني لا أنطق عن هوى بل ذلك علم الله لا علمي فمن علم القرآن و تحقق به علم علم أهل الله و أنه لا يدخل تحت فصول منحصرة و لا يجري علىقانون منطقي و لا يحكم عليه ميزان فإنه ميزان كل ميزان فلهذا المنزل من عالم الأجسام فلك الشمس من الأفلاك فسبعة فوقه منها ثلاث سماوات و فلك المنزل و الأطلس الذي هو فلك البروج و الكرسي و العرش المحيط و هو نهاية عالم الأجسام و تحته أيضا سبعة ثلاث سماوات و كرات الأثير و الهواء و الماء و الأرض و بقطعها في الفلك تظهر فصول السنة و هي أربعة فصول لوجود التربيع الذي ذكرناه فإن البروج التي هي التقديرات في الفلك الأطلس مربعة قد جعلها الله على أربع مراتب نارية و ترابية و هوائية و مائية لحكم الأربعة الإلهية و الأربعة الطبيعية و لكل فصل ثلاثة أحكام حكمان للطرفين و حكم للوسط و بينهما أحكام في كل حركة و دقيقة و ثانية و ثالثة إلى ما لا يتناهى التقسيم فيها و جعل نجم السماء الثانية من جهتنا ممتزجا و هو الكاتب و لهذا أسكنه عيسى ع لأنه ممتزج من العالمين فإنه ظهر بين ملك و بشر و هما جبريل و مريم فهو روح عن روح و بشر عن بشر و لم يجعل ذلك في غيره من هذا النوع كما لم يجعل شيئا من الجواري الخنس على صورة الكاتب فهو السادس من هناك ليحصل له شرف رتبة قوله وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ و هو الثاني من جهتنا لأن الثاني هو الباء و هو المبدع الأول بفتح الدال الظاهر عن الإنسان الذي هو ظل الصورة الإلهية الذي لم يزل فذلك هو الأول لا أولية الحق لأن أولية الحق لا تقبل الثاني فإن الواحد ليس بعدد و أول العدد الاثنان فظهر في السنة الامتزاج بظهور الفصول و اعلم أن الله لما أعلمنا أنه هو الدهر ذكر لنا سبحانه أن له أياما من كونه دهرا و هي أيام الله فعين هذه الأيام أحكام أسمائه تعالى في العالم فلكل اسم أيام و هي زمان حكم ذلك الاسم و الكل أيام الله و تفاصيل الدهر بالحكم في العالم و هذه الأيام تتوالج و يدخل بعضها في بعض و يغشى بعضها بعضا و هو ما نراه في العالم من اختلاف الأحكام في الزمان الواحد فذلك لتوالجها و غشيانها و تقليبها و تكررها و لهذه الأيام الإلهية ليل و نهار فليلها غيب و هو ما غاب عنا منها و هو عين حكمها في الأرواح العلوية الكائنة فوق الطبيعة و الأرواح المهيمة و نهارها شهادة و هو عين حكمها في الأجسام الطبيعية إلى آخر جسم عنصري و هي ما تحت الطبيعة و سدفة هذا اليوم عين حكم هذه الأيام في الأرواح المسخرة التي تحت الطبيعة و هم عمار السموات و الأرض و ما بينهما و هم الصافون و التالون و المسبحون و هم على مقامات معلومة فمنهم الزاجرات و المرسلات و المقسمات و المنقيات و النازعات و الناشطات و المدبرات و غير ذلك مثل السائحين و العارجين و الكاتبين و الراقبين كل هؤلاء تحت حكم أيام الله من حيث سدف هذه الأيام فعن غشيان نهار هذه الأيام ليلها وجدت الأرواح التي فوق الطبيعة و عن غشيان ليل هذه الأيام نهارها وجدت الأجسام التي دون الطبيعة و عن توالج ليلها بنهارها فليس بنهار خالص لحكم الليل و مشاركته و ليس بليل خالص لحكم النهار و مشاركته و هذا الحال لهذه الأيام تسمى سدفا وجد عن هذا التوالج الأرواح التي دون الطبيعة و لما قسم الله أيامه هذه الأقسام جعل ليلها ثلاثة أقسام و نهارها ثلاثة أقسام فهو سبحانه ينزل لعباده في الثلث الأخير من ليل أيامه و هو تجليه فيه للأرواح الطبيعية المدبرة للأجسام العنصرية و الثلث الوسط يتجلى فيه للأرواح المسخرة و الثلث الأول يتجلى فيه للأرواح المهيمنة و قسم نهار هذه الأيام إلى ثلاثة أقسام يتجلى في كل قسم إلى عالم الأجسام من أجل ما هي مسبحة بحمد الله دائما ففي الثلث الأول يتجلى للأجسام اللطيفة التي لا تدركها الأبصار و في الثلث الوسط يتجلى للأجسام الشفافة و في الثلث الأخير يتجلى للأجسام الكثيفة و لو لا هذا التجلي ما صحت لهم المعرفة بمن يسبحونه فإن المسبح لا بد أن يكون له معرفة بمن يسبحه و المعرفة بالله لا يصح أن تكون عن فكر و لا عن خبر و إنما تكون عن تجليه لكل مسبح فمنهم العالم بذلك و منهم من لا يعلم ذلك و لا يعلم أنه سبح عن معرفة تجل و ذلك ليس إلا لبعض الثقلين و ما عدا هذين فهم عارفون بمن تجلى لهم مسبحون له على الشهود أجساما عموما و أرواحا خصوصا فكل من ليس له قوة التوصيل لما يشهده فعنده العلم بمن تجلى له و كذلك من له قوة التوصيل غير أنه أمين لا يتكلم إلا عن أمر إلهي فذلك عنده العلم بمن تجلى له و من علم إن عنده قوة التوصيل و هو نمام ينم بما شهده و سمعه و ليس بأمين ينتظر أمر صاحب الأمانة فإنه لا يعلمه الحق في تجليه أنه هو و هم المنكرون له إذا تجلى لهم في الدنيا و الآخرة جعلنا الله من الأمناء العالمين بمن تجلى لهم فإن قلت فالليل و النهار في اليوم ما يحدثه إلا طلوع الشمس و غروبها فما الشمس التي أظهرت الليل و النهار في أيام الله المسمى دهرا قلنا اسمه النور الذيذكر أنه نور السموات و الأرض فله الطلوع و الغروب علينا من خلف حجاب الإنسان المثلى الذي ذكرنا أنه ظله المخلوق على صورته الأزلي الحكم الذي نفى عنه المثلية و أثبت عين وجوده في قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ بكاف الصفة فيسمى ليله باطنا و نهاره ظاهرا فهو الباطن من حيث ليله و هو الظاهر من حيث نوره و ذلك المثل الإنساني يميز طلوع هذا النور فيكون النهار و غروب هذا النور فيكون الليل و هو حكم الظاهر و الباطن في العالم و قد قررنا أنه لكل اسم في العالم حكم قبل هذا فالدهر من حيث عينه يوم واحد لا يتعدد و لا ليل له و لا نهار فإذا أخذته الأسماء الإلهية عينت بأحكامها في هذا اليوم الأزلي الأبدي الذي هو عين لدهر الأيام الإلهية التي أمر المذكر أن يذكرنا بها لنعرفها من أيام الزمان و أنه إذا أخذ الاسم النور في وجود الظل المثلى المنزه و في طلوعه على من فيه من العالم سمي العالم الذي في هذا المثل ذلك الطلوع إلى وقت غروبه عنهم نهارا و من وقت غروبه عنهم سموه ليلا و ذلك النور غير غائب عن ذلك الظل كما إن الشمس غير غائبة عن الأرض في طلوعها و غروبها و إنما تطلع و تغيب عن العالم الذي فيها و الظلام الحادث في الأرض إنما هو ظلال اتصالات ما فيها من العالم فهو على الحقيقة ظل يسمونه ظلاما و الذين يسمونه ظلاما ممن ليس له هذا الكشف يجعل ذلك ظل الأرض لما هي عليه من الكثافة و هي في المثل الظلي الإلهي ظل أعيان عمرته لا غير فاعلم ذلك ثم جعل الله هذه الأيام المعلومة عندنا التي أحدثتها حركة الأطلس و الليل و النهار اللذين أحدثتهما حركة القلب أعني الشمس ليقدر بها أحكام الأيام الإلهية التي للأسماء فهي كالموازين لها يعرف بها مقادير تلك الأيام فقال وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فإذا ضربت ثلاثمائة يوم و ستين يوما في ألف سنة فما خرج لك بعد الضرب من العدد فهو أيام التقدير التي ليوم الرب فينقضي ثم ينشئ في الدهر يوما آخر لاسم آخر غير اسم الرب و كذلك يضرب ثلاثمائة يوم و ستين يوما في خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فما خرج لك بعد الضرب من الأيام فهو أيام التقدير التي ليوم ذِي الْمَعارِجِ من الأسماء الإلهية فإذا انقضى ذلك اليوم أنشأ في الدهر يوما آخر لاسم آخر غير الذي لذي المعارج هكذا الأمر دائما فلكل اسم إلهي يوم و إنما ذكرنا هذين اليومين يوم الرب و يوم ذي المعارج لكونهما جاءا في كتاب الله فلا يقدر المؤمنون بذلك على إنكارهما و ما لم يرد إلا على ألسنتنا فلهم حكم الإنكار في ذلك بل الأمر كما ذكرناه أنه ما من اسم إلهي مما يعلم و يجهل إلا و له يوم في الدهر و تلك أيام الله و الكل على الحقيقة أيام الله وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فإذا نزلنا من الأسماء الإلهية إلى يوم العقل الأول قسمه حكمه في النفس الكلية إلى ليل و نهار فليل هذا اليوم عند النفس أعراض العقل عنها حين يقبل على ربه بالاستفادة و نهاره عند هذه النفس حين يقبل عليها بالإفادة فهو يومها و جعل الله من هذا الحكم في النفس قوتين قوة علمية و هي ليلها في العالم الذي دونها و قوة عملية و هي النهار في العالم الذي دونها و هو المسمى غيبا و شهادة و حرفا و معنى و معقولا و محسوسا فهذا الحكم في النفس يوم لا نهار فيه و لا ليل و هو في العالم نهار و ليل و كذلك يوم الهيولى الكل ليلها جوهرها و نهارها صورتها و هي في نفسها يوم لا ليل فيه و لا نهار و شمس كل ليل و نهاره هو المعنى المظهر لهذا الحكم الذي به ينسب إلى هذا اليوم ليل و نهار فإذا نزلنا إلى فلك البروج تعين في حركته اليوم و عين ذلك الكرسي الذي تقطع فيه فتعيينه من فوق لأنه لم يكن ظهر في جوفه بعد ما تعين به حركته مستوفاة فهو يوم لا نهار له و لا ليل و لا مقدار أيام من جهة مقعره و هو متماثل الأجزاء ما هو متماثل الأحكام و لما كان الكرسي هو الذي أظهر فيه تعيين الأحكام بتعيين المقادير المسماة بروجا و جعل لكل مقدار فيها ملكا معينا تعينت المقادير بتلك الأحكام التي وليها ذلك الملك المعين فإذا دار دورة واحدة سميت من جهة الكرسي يوما و كانت الكلمة في العرش واحدة مثل حكم اليوم فلما وجد الكرسي تحت العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض انقسمت في الكرسي تلك الكلمة الواحدة التي هي يوم العرش فكانت قسمتها بالقدمين اللتين تدلتا إلى هذا الكرسي و هما قدم الرب و قدم الجبار فكانتا أعني هاتين القدمين ليوم العرش كالنهار و الليل اللذين قسما اليوم و يوم العرش أحدية كلمته لأن أمر الله واحدة ثم إن الله أوجد فلك الكواكب الثابتة التي ميزتها مقادير البروج و لكل كوكب منها قطع في فلك البروج فإذا قطعه الكوكب كله كان يوما واحدا من أيام ذلك الكوكب مدة قطعه و هو يقطع درجة من ثلاثمائة و ستين درجة في مائةسنة مما نعده من سنينا ثم أوجد بين هذين الفلكين الجنة و ما فيها و من العالم ما لا يحصي عددهم إلا الله و من فلك البروج إلى آخر العالم الجسمي ظهر حكم البروج الهوائية و النارية و المائية و الترابية في الفضاء الذي بين كل فلك و فلك و لا يعلم ذلك إلا بالمشاهدة و الذين لا علم لهم بذلك يقولون إن الأفلاك تحت مقعر كل فلك منها سطح الذي تحته و لا علم لهم بأن بينهم فضاء فيه حكم الطبيعة كما هي في العناصر سواء غير أنها مختلفة الحكم بحسب القوابل ثم أوجد الأركان الأربعة على حكم ما هي عليه البروج التي في الفلك الأطلس لكل ركن طرفان و واسطة للثلاثة الوجوه التي في البروج فللأثير حكم الحمل و الأسد و القوس فالقوس و الأسد للطرفين و الحمل للوسط و للتراب الثور و السنبلة و الجدي فالجدي و السنبلة للطرفين و الثور للوسط و للهواء الجوزاء و الميزان و الدالي فالميزان و الجوزاء للطرفين و الدالي للوسط و للماء السرطان و العقرب و الحوت فالحوت للوسط و العقرب و السرطان للطرفين و إنما رتبناها هذا الترتيب لأن وجود الزمان و العالم الذي يحتوي عليه الفلك الأطلس كان بطالع الميزان و قد انتهت الدورة بالحكم إليه من أول مبعث رسول الله ص و نحن اليوم في سلطانه و لهذا كان العلم و العدل في هذه الأمة و الكشف أكثر و أتم مما كان في غيرها من الأمم و كل ما مضى الأمر استحكم سلطانه و عظم الكشف حتى يظهر ذلك في العام و الخاص فتكلم الرجل عذبة سوطه و يكلم الرجل فخذه بما فعل أهله و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقه الله و لما خلق الله الأركان خلق منها دخانا فتق فيه سبع سماوات ساكنة غير متحركة وَ أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها بأن خلق لها أفلاكا و جعلها محلا لسباحات الجواري الكنس الخنس و خلق فيها عمارا يعمرونها من الملائكة و جعل لها أبوابا تغلق و تفتح لنزول الملائكة و عروجها و أسكنها أرواح من شاء من أنبيائه و عباده و خلق في الفضاء الذي بين سطح السماء السابعة و مقعر فلك الكواكب سدرة المنتهى التي غشاها من نور الله ما غشى و خلق على سطح هذه السماء البيت الضراح و قد تقدم ذكره و ذكر الملائكة التي تدخله في كل يوم و يخرج من أصل هذه السدرة أربعة أنهار تمشي إلى الجنة فإذا انتهت إلى الجنة أخرج الله منها على دار الجلال نهرين النيل و الفرات اللذين عندنا في الأرض فأما النيل فظهر من جبل القمر و أما الفرات فظهر من أرزن الروم و أثر فيهما مزاج الأرض فتغير طعمهما عما كان عليه في الجنة فإذا كان في القيامة عادا إلى الجنة و كذلك يعود سيحون و جيحون و لما فتق الله هذه السموات بعد ما كانت رتقا في الدخان و معنى الدخان أنه أصل لها و هي اليوم سماوات كما إن آدم خَلَقَهُ من تُرابٍ أي أصله و هو لحم و دم و عروق و أعصاب كما خلقنا من ماءٍ مَهِينٍ و أحدث الله الليل و النهار بخلق الشمس و طلوعها و غروبها في الأرض فأما السموات فنور ليس فيها ليل و لا نهار و مخرج الليل من كرة الأرض التي غرب عنها الشمس مخروط الشكل كشكل نور السراج كما تبصره يخرج من رأس الفتيلة فيشعل الهواء مخروط الشكل إلى أن ينتهي إلى أمد قوة اشتعاله و ينقطع و يبقى الهواء الذي فوقه محترقا غير مشتعل قوى الحرارة و لما سبحت هذه الأنجم في أفلاكها جعل الله لكل كوكب يوما من أيام حركة فلك البروج سمي تلك الأيام زمانا يعد به حركة الفلك كما جعل حركة فلك البروج أياما كل حركة يوم يعد به مدة الزمان المتوهم الذي يتوهم و لا يعلم و لا يدرك و هو الدهر الذي نهينا عن سبه و قال الناهي إن الله هو الدهر فجعله اسما من أسمائه فله الأسماء الحسنى جل و تعالى فعين لكل يوم ليلا و نهارا و فرق بين كل ليلة و نهارها بحكم الكواكب الذي هو لليوم الذي ظهر فيه الليل أو النهار فينظر لمن هي أول ساعة من النهار من الجواري فهو حاكم ذلك النهار و يطلب في الليالي فالليلة التي حكم في أول ساعة منها ذلك الكوكب الذي حكم في أول ساعة من النهار فتلك الليلة ليلة ذلك النهار و بالحساب تعرف ذلك و فتق الأرض سبعا جعل لكل أرض قبولا لنظر كوكب من الجواري إليه و قد ذكرنا ذلك كله فيما تقدم و جعل لكل كوكب قطعا في فلك البروج فإذا انتهى قطعه فذلك يوم واحد له هو يومه الذي أحدثه قطعه و جعل حركات هذه الأفلاك و الأركان في الوسط لا من الوسط و لا إلى الوسط و جعل حركة عمارها إلى الوسط و من الوسط و تحدث الأشياء عند هذه الحركات في عالم الخلق و الأمر و في الجناب الأقدس و هي آثار محسوسة و معقولة يحكم بها دليل الشرع و العقل و هيآثار أحوال كنزول الحق إلى السماء الدنيا و أعمال و أقوال كإجابة الحق من دعاه و خلق الملائكة من أعمال بنى آدم الظاهرة و الباطنة و غرس الجنة من أعمال أهلها من بنى آدم و يوم شرع محمد إن كمل ليله و نهاره فهو من أيام الرب و إن لم يكمل و انقطع في أية ساعة انقطع فيها فذلك مقداره و هو من الاسم الخاذل و الناصر لأن الخاذل و الناصر ليس ليومهما مقدار معلوم عندنا بل ميزانه عند الله لا يعلمه إلا هو و حكمهما في كل إنسان بقدر عمر ذلك الإنسان و قدرهما في هذه الأمة بقدر بقائها في الدار الدنيا و ذلك بحسب نظرها إلى نبيها محمد ص فإن نظرت إليه كمل لها يوم الرب و إن أعرضت فلها ما انقضى من مدة يوم الرب و يرجع الحكم لاسم آخر له عند الله يوم موقت لا يعلمه إلا هو و يوم هذه الأمة متصل بيوم الآخرة ليس بينهما إلا ليل البرزخ خاصة و في فجر هذه الليلة تكون نفخة البعث و في طلوع شمس يومه يكون إتيان الحق للفصل و القضاء و في قدر ركعتي الإشراق ينقضي الحكم فتعمر الداران بأهلهما و ذلك يوم السبت فيكون نهاره أبديا لأهل الجنان و يكون ليله أبديا لأهل جهنم فإذا انقضت مدة الآلام في جهنم و هو يوم من خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ في حق قوم و أقل من ذلك في حق قوم و شفعت التسعة عشر ملكا في أهل جهنم للرحمة التي سبقت ارتفعت الآلام فراحتهم ارتفاع الآلام لا وجود النعيم فافهم و هذا القدر هو نعيم أهل جهنم إن علمت و في هذا المنزل من العلوم علم رحمة السيادة و أين ينادى بها و بما ذا يستحقها و ما حكمة كونه نداء ترخيم و الترخيم التسهيل و لهذا يوصف به الحسان فيقال في المرأة الحسناء رخيمة الدلال أي سهلة و فيه علم جميع الحكم لا جميع كل شيء فإن الحكم ليس لها عين إلا في الترتيب خاصة معنى و حسا و فيه علم الرسالة على اختلاف أنواعها لاختلاف الرسل فإن الأنبياء رسل و الملائكة رسل و البشر رسل و تختلف الرسالة باختلاف الأحوال و كل ذلك شرائع موصلة إلى الله و إلى السعادة الدائمة لا اعوجاج فيها و لا ينبغي لأنها نزلت من عرش الرحمة مرتدية بالعزة فلا يؤثر فيها شيء يخرج أممها عن حكمها فما من أمة إلا و الرحمة تلحقها كما لحقتها الشريعة التي خوطبت بها و فيه علم حكمة وضع الشرائع في العالم و لما ذا وضعت في الدار الدنيا و لم توضع في الآخرة لما ذا و توقيت ما وضع منها في الدار الآخرة أولا كالتحجير على آدم في قرب الشجرة و آخرا كدعاء الحق عباده إلى السجود يوم القيامة و بهذا الحكم الشرعي يوم القيامة يرجح ميزان أهل الأعراف فيثقل ميزانهم بهذه السجدة فينصرفون إلى الجنة بعد ما كان منزلهم في سور الأعراف ليس لهم ما يدخلهم النار و لا ما يدخلهم الجنة و فيه قوة المؤمن فيعدل من قوى الكفار قوى كثيرين و لهذا شرع لهم أن لا يفروا في قتال عدوهم و شرع لبعضهم قوة واحد لعشرة ثم خفف عنهم مع إبقاء القوة عليهم فشرع لهم لكل قوة مؤمن قوة رجلين من الكفار و لهذا قال رسول الله ص إنه يوعك كما يوعك رجلان من أمته فأعطى قوة رجلين من أمته و فيه علم رحمة وجود الغفلة و النسيان في العالم بل في هذه الأمة لما نص فيها و كذلك الخطاء و فيه علم الفرق بين القول و قول الله و القول المضاف إلى الخلق و الكلمة و هل لكل قول و كلمة حق واجب في الإمضاء أو ليس ذلك إلا لخصوص قول فإن كان لخصوص قول دون كلمة فما السبب الموجب لهذا التخصيص و الكل قول من حيث ما هو قول و كلمة من حيث ما هي كلمة و إذا كان في نفس الأمر الحكم للقول و هو السابق فلما ذا وقع الأخذ بالسؤال و التقرير مع العلم بأنه مجبور في اختياره و هي مسألة صعبة التصور كثيرة التفلت و لو لا وجود الآلام لهانت و ما خطرت على بال و فيه علم تقييد المعاني و وجود آثار أحكامها فيمن قامت به و إلى أين ينتهي حد التقييد منها في نشأة الإنسان و فيه علم السبب الذي لأجله ترفع الوجوه و الأبصار إلى الفوق يوم القيامة و في الدنيا هل حكمهما و سببهما واحد أو مختلف و هل الرفع عن جذب من خلف أم عن اختيار و فيه علم كون الإنسان بين قضاء الله و قدره فلا يقدر يتعداهما و هل عم القضاء و القدر جهات الإنسان كلها أو ليس لهما منه إلا جهتان جهة الحادي و الهادي و هما السائق و الشهيد و ما الذي أعمى الناس اليوم عن شهود هذين و في الآخرة يرونهما و لم اختصا بالخلف و الأمام دون سائر الجهات و الشيطان له مسالك الأربع جهات فهل مكان الخلف و الأمام لهما الاستشراف على اليمين و الشمال بحكم اليدين اللذين لهما و لو كان لهما اليمين و الشمال لتعطلت اليد الواحدة من كل واحد منهما في حق من التزماه فلا بد أن يكون لهما الخلف و الأمام و فيه علم نسبة العدم و الوجود إلى الممكن و هو لا يعقل إلابالمرجح و ليس عند المرجح إلا وجه واحد من هاتين النسبتين فيرتفع الإمكان فما الصحيح في ذلك هل بقاء الإمكان أو ارتفاعه و فيه علم القوابل هل هي قوابل لكل شيء أو لأشياء مخصوصة أو تتميز في القبول فيكون على صفة توجب لبعض القوابل ما تقبله مما لا تقبله و هل لما تقبله من الأمور التي تأخذها القوابل طريق واحد أم تختلف الطرق و فيه علم وصف الأجر بالعظمة و الكرم لما ذا يرجع و هو علم شريف و فيه علم الموت و ما معنى إحياء الموتى و من يميتهم هل الله بلا سبب أو هل الملك و ما هو ذلك الملك هل هو بعض الأخلاط التي قام بها الجسد الحيواني فإن الأخلاط من ملائكة الله أو هو ملك من ملائكة السموات و إن أضيف إلى السموات هل يضاف إلى واحدة منها بحكم أنه عن حركة ما أوحى الله فيها قوى هذا الخلط القاهر المسمى ملك الموت أو هو ملك غريب من سكان السماء السابعة و كذلك المحيي مثل المميت غير أنه تختلف السماء فإن السماء السادسة معدن الحياة و لها تقوية من كل سماء كما للموت أيضا و الكلام في المحيي كالكلام في المميت أو يكون المميت هو الله من حيث إنه اسم إلهي من أسمائه و كذلك المحيي فهو المميت المحيي و لا نقدر نرفع الأسباب التي وضعها الحق فتبطل حكمة الحق فنرفع الأسباب في الاعتقاد و نقرها في الوجود في أماكنها و إسرافيل ينفخ في الصور و عزرائيل يقبض الأرواح و هذا للاستعداد الذي في هذه الصور لقبول الاشتعال فتحيا و لقبول الانطفاء فتموت و هذا الملك الموكل بنا لا بالموت هو الذي يقوي الملك الذي به و بأصحابه قامت نشأة جسد الحيوان فيميت لقوة سلطانه على بقية أصحابه و لهذا تعرف الأطباء أن الإنسان يموت بالعلامات فلو كان الملك غير ما ذكرناه ما انتهى إليه علم الأطباء فإن ذلك من خصائص علم الأنبياء و من أعلمه الله من عباده و هل المقتول له هذا الحكم الذي للعليل في الموت أم له حكم آخر و هل للملك الموكل بنا لا بالموت هل له حكم الموت أو حكم قبض الأرواح و العروج بها و هل هو ملك واحد أو ملائكة فإن الله أضاف وفاة الأنفس إليه و إلى ملك الموت و إلى رسله فلا بد من علم هذه الإضافات و ما المراد بها و هل تختلف مدارجها أو هي على مدرجة واحدة و فيه علم ما يؤول إليه الجسم بعد الموت و الروح و ما يبعث في نفخة البعث منهما و هل يتغير النشء بالعرض أو بالصورة و فيه علم آثار الأكوان و ما الحضرة التي تمسك فيها إلى وقت الحشر فيوقف أصحابها عليها و هي آثار المكلفين و هي ما صدر عنهم من الأفعال زمان التكليف لا في غير زمانه مثل النائم و المغلوب على عقله و الشخص الذي لم يبلغ الحلم فلهذا قلنا زمان التكليف و لم نقل دار التكليف و فيه علم تتابع الرسل في الأمة الواحدة بخلاف هذه الأمة المحمدية فإنها ما اختلفت عليها الرسل بل إن ظهر فيها من كان رسولا التحق بها و قام بشرعها و جرت عليه أحكام شرع محمد ص و فيه علم النصائح و كون هذه النشأة الإنسانية جبلت على البخل و الكرم لها بحكم العرض ما هو لها ذاتي و إذا كانت بهذه المثابة فمن أين صح لها الأجر الكريم و ليس بينها و بين الكرم نسبة ذاتية و الكرم للأجر ذاتي و العظمة له ذاتية و للأجر العظيم قوم مخصوصون و للأجر الكريم قوم مخصوصون و فيه علم اختلاف أسباب البواعث على العبادة في الثقلين و غيرهما و فيه علم التسليم و التفويض إلى الله و فيه علم التمني و فائدته و صفة القائم به و فيه علم معرفة كون العالم ملكا لله تعالى من حيث ما هو ملك و من ينازعه حتى وصف نفسه أن لِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و فيه علم ما يضاف إلى الله أنه منعوت بالوحدة و ما سبب تكثر هذه الوحدة و ما أثرها في العالم و فيه علم الكشف لما كان غيبا و فيه علم عدم القبول مع ظهور الدليل و العلم به أنه دليل و ما سبب جهل من جهل إنه دليل و هل لكل معلوم دليل أم هو لبعض المعلومات و فيه علم عدم الرجعة إلى ما خرج منه و فيه علم الحضرة التي يجتمع فيها عالم لدنيا من مكلف و غير مكلف و هل يبعث غير المكلف من حيوان و نبات و حجر لتقوم به المطالبة و الحجة من الله على المكلفين أو يبعثون لأنفسهم لما لهم في ذلك من الخير المعلوم عند الله ثم ما يؤول إليه أمرهم بعد البعث و فيه علم ما اختزن الله لنا في عالم السماء و الأرض من المنافع و فيه علم الشكر الواجب من الشكر الذي يتبرع به الإنسان و أيهما أكمل أجرا و فيه علم السبب و الحكمة التي لأجلها خلق الله من كل شيء زوجين و هل من هذه الحكمة خلق آدم على صورته و فيه علم الزمان الذي يفصل به اليوم و فيه علم سكون من لا سكون له و فيه علم مناهل المسافرين و هل يحصون عددا أم لا و فيه علم اختلاف الصفات على المسافرين باختلاف طرقهم و مناهلهم و فيه علم السابق الذي يلحق و السابق الذي لا يلحق منالمسافرين كالشخص مع ظله لا يلحق ظله أبدا و يلحقه ظله و غير ذلك من المسافرين و هو علم شريف يتضمن جميع الأسفار الإلهية و الكونية و العلوية و السفلية و هو علم عزيز المنال بعيد المدرك لا يتفطن له كل أحد و أما الإحاطة به فلا تعلم إلا بإعلام الله و لا يصح الإعلام بها على التفصيل فإنها أسفار لا نهاية لها و فيه علم الطرق التي يسلك فيها كل مسافر و فيه علم الأسباب التي تحول بين بعض المسافرين و بين ما قصدوه في سفرهم و الفرق بين السفر الاختياري و الجبري و فيه علم زمان الدنيا العام الذي يكون بعد انقضائه القيامة الكبرى و فيه علم زمان عمر الحيوان و المولدات و قيامتهم الصغرى بانقضاء مدتهم و الفرق بين هذين الحشرين فإن رسول الله ص قال من مات فقد قامت قيامته فحشرهم إلى البرزخ قيامة و فيه علم صفات ترجى الرحمة التي تسأل الرحمة بلسانها و فيه علم السبب الموجب الذي لأجله أعرض من أعرض عن النظر في الدلالات العقلية التي جاءت بها الرسل و التي لم تجيء بها من الآيات المعتادة و هل تختلف دلالتها و ما صورة دلالتها و هل يختلف مدلولها باختلاف قصد الدال أو قصد الذي يحرك الدال للنظر في الدليل كالرسول يجيء بالدلالة على صدقه في كونه رسولا و تلك الدلالة بعينها تكون دلالة على وجود الحق و عجز الخلق و فيه علم التأسي بالله فيما ذمه الله هل يذم صاحبه من جهة لسان الحقيقة أو لا يذم إلا بلسان الشرع و فيه علم ما يقبض عليه الإنسان هل يبقى عليه في البرزخ و يحشر عليه أم يتغير عليه الحال أو يقبض على ما يبدو له عند كشف الغطاء قبل القبض أو هل عين القبض هو عين الكشف للغطاء و فيه علم رد السائل هل رده عن سؤاله جواب له عن سؤاله أم لا و فيه علم السبب الموجب للاسراع لمن ناداه الحق هل هو إسراع جبر أو إسراع توقع جبر و فيه علم ما سبب اختلاف كلام المبعوثين من أهل القبور و فيه علم من يجيبهم في ذلك هل يجيبهم الحق أو الملائكة أو العالمون و فيه علم ما يتجلى للذين يبعثون من قبورهم هل هو صورة واحدة أم صور مختلفة و هل ذلك المتجلي اسم إلهي أم لا و فيه علم ما السبب الذي أوجب أن يخالف ترتيب البروج و هي طبيعة ترتيب العناصر فإن ترتيب البروج كل برج بين منافر و مناسب بوجه كل واحد إذا أخذته تجده كما ذكرناه و أما الأركان فترتيبها لمناسبة ليس فيها تنافر من جميع الوجوه فالنارية الثلاثة كلها من مائية و ترابية و الترابية كلها من نارية و هوائية و الهوائية كلها بين ترابية و مائية و المائية كلها بين هوائية و نارية و الأركان ليست كذلك و فيه علم الفرق بين عندي ولدي و عندنا ولدنا و لدينا و لدني و فيه علم الفصل بين الأشياء ليتميز بعضها عن بعض و فيه علم ما يرى الرائي غير صورته و صفته كان الرائي من كان و فيه علم الاشتغال و لم سمي شغلا و عمن يشتغل و هل ثم شغل يغني عن سواه بالكلية أم لا و فيه علم الأنس بمثله إلا بمثلية لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و فيه علم إلهيات و الحالات التي تكتسبها النفوس في الدار الدنيا و فيه علم الأعراس الإلهية و فيه علم ما لكل اسم إلهي من الرحمة من الأسماء التي تعطي بظاهرها ذهاب الرحمة منها و فيه علم الاستحقاق الذي يستحقه العالم من حيث ما هو عليه من الصفة فهو استحقاق الصفة لا استحقاق الموصوف و فيه علم العهد الإلهي و الكوني فيما ذا وقع و فيه علم حكم المتقدم كيف ظهر في المتأخر و من أين ظهر و فيه علم البعد الكوني من البعد الإلهي و فيه علم النطق و الصمت و تعيين الناطق و الصامت و زمانه و مكانه و فيه علم تبدل الصور العلية بالصور الدنية و فيه علم سبب التثبط عن النهوض مع وجود الكشف و فيه علم ما يعطيه الزمان في نشأة الإنسان و في سائر المعادن و النبات و الحيوان و فيه علم الإبهام و الإيضاح و فيه علم اجتماع الكثير على إيجاد الواحد و فيه علم تمليك ما ينشئه المنشئ لكونه أنشأه و فيه علم الرياضة الإلهية و الفرق بينها و بين الرياضة الكونية و فيه علم حضرة المنعم و ما لها في الدنيا و الآخرة في الحكم و فيه علم سبب الاعتماد على من يعلم أنه ليس ممن يعتمد عليه و فيه علم المبدأ و المعاد و فيه علم التشبيه و عكس التشبيه و ما هو الأصل الذي يقع به التشبيه و فيه علم تأثير اجتماع الأضداد من العلم الإلهي و وجود النار في الماء و الماء في النار و فيه علم الصفة التي أظهرت العالم في عينه و فيه علم الملكوت و أين حظه من الملك و الجبروت وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ