قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الموفي خمسين و ثلاثمائة في معرفة منزل تجلى الاستفهام و رفع الغط

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

الحضرة المحمدية من اسمه الرب»

إذا صعق الروح من وحيهفكيف بهيكل ظلمائه
لقد ثبت الله أركانهو أجراه فلكا على مائه
و ما هو بحر له ساحلو أين التناهي لأسمائه
أبو الكون لو كنت تدري بهو تشهده عين أبنائه
فلا تفرحن بإتيانهو لا تقعدن بسيسائه
فسبحان مذهب أعيانناإذا ما كفرنا بنعمائه
و يا عجبا إذ كفرنا بهاو إني من عين آلائه

اعلم أيدنا الله و إياك أن هذا المنزل منزل الحجب المانعة و الآلات الدافعة فمنها حجب عناية مثل قوله ص إن لله سبعين ألف حجاب أو سبعين حجابا الشك مني من نور ظلمة و لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه و هنا نكتة و إشارة أن البصر هنا بصر الخلق الذي الحق بصره و هو القابل لهذه الحجب و هو الموصوف بأنالحق بصره و هو عين سبحات الوجه فإن الله لا يزال يرى العالم و لم يزل و ما أحرقت العالم رؤيته و منها حجب غير عناية مثل قوله تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فاعلم إن الحجب على أنواع حجب كيانية بين الأكوان مثل قوله تعالى فَسْئَلُوهُنَّ من وَراءِ حِجابٍ و منها حجب احتجبت بها الخلق عن الله مثل قوله وَ قالُوا قُلُوبُنا في أَكِنَّةٍ و منها حجب احتجب بها الله عن خلقه مثل قوله ص إن الله يتجلى يوم القيامة لعباده ليس بينه و بينهم إلا رداء الكبرياء على وجهه و في رواية بينه و بين خلقه ثلاثة حجب أو كما قال و منها وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ كما كلم موسى ع من حجاب النار و الشجرة و شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ و جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ و في الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ و كما قال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فكلم الله المستجير من خلف حجاب محمد ص إذ كان هو عين الحجاب لأن المستجير من المشركين منه سمع كلام الله فلا نشك أن الله كلمنا على لسان رسول الله ص و كما أيضا كلمنا من وراء حجاب المصلي إذا قال سمع الله لمن حمده فالسنة العالم كلها أقوال الله و تقسيمها لله فيضيف إلى نفسه منها ما شاء و يترك منها ما شاء فأما الحجب الكيانية التي بين الأكوان فمنها جنن و وقايات و منها عزة و حمايات كاحتجاب الملوك و حجاب الغيرة على من يغار عليه كما قال في ذوات الخدور و هن المحتجبات و من ذلك حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الْخِيامِ و أما الوقايات و الجنن فمنها الحجب التي تقي الأجسام الحيوانية من البرد القوي و الحر الشديد فيدفع بذلك الألم عن نفسه و كذلك الطوارق يدفع بها في الحرب المقاتل عن نفسه سهام الأعداء و رماحهم و سيوفهم فيتقي هذا و أمثاله بمجنه الحائل بينه و بين عدوه و يدفع بذلك عن نفسه الأذى من خودة و ترس و درع و قد تكون حجب معنوية يدفع بها الأذى الشخص عمن يتكرم عليه مثل شخص يصدر منه في حق شخص آخر ما يكرهه ذلك الشخص لكونه لا يلائم طبعه و لا يوافق غرضه فيلحق به الذم لما جرى منه في حقه فيقوم شخص يجعل نفسه له وقاية حتى يتلقى هو في نفسه سهام ذلك الذم فيقرر في نفس الذام أنه السبب الموجب لذلك و أن ذلك الأذى كان كله من جهته حتى يتحقق ذلك الذام هذا الأمر أنه كان من جهة هذا الشخص بأي وجه أمكنه التوصل إليه فيعلق الذم به و يكون حائلا بينه و بين الشخص الذي كان منه الأذى لذلك الذم فوقى عرضه بنفسه كما نلحق نحن من الأفعال ما قبح منها مما لا يوافق الأغراض و لا يلائم الطبع إلينا مع علمنا إن الكل من عند الله و لكن لما تعلق به لسان الذم فدينا ما ينسب إلى الحق من ذلك بنفوسنا أدبا مع الله و ما كان من خير و حسن رفعنا نفوسنا من الطريق و أضفنا ذلك إلى الله حتى يكون هو المحمود أدبا مع الله و حقيقة فإنه لله بلا شك مع ما فيه من رائحة الاشتراك بالخبر الإلهي في قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و قوله ما أَصابَكَ من حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ و قال قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله فأضاف العمل وقتا إلينا و وقتا إليه فلهذا قلنا فيه رائحة اشتراك قال تعالى لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ فأضاف الكل إلينا و قال فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها فله الإلهام فينا و لنا العمل بما ألهم و قال كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ من عَطاءِ رَبِّكَ فقد يكون عطاؤه الإلهام و قد يكون خلق العمل فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا لا من جهة الكشف و لا من جهة الخبر فالأمر الصحيح في ذلك أنه مربوط بين حق و خلق غير مخلص لأحد الجانبين فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق تعالى هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات فما ثم إلا وجود عين الحق لا غيره و التغييرات الظاهرة في هذه العين أحكام أعيان الممكنات فلو لا العين ما ظهر الحكم و لو لا الممكن ما ظهر التغيير فلا بد في الأفعال من حق و خلق و في مذهب بعض العامة أن العبد محل ظهور أفعال الله و موضع جريانها فلا يشهدها الحس إلا من الأكوان و لا تشهدها بصيرتهم إلا من الله من وراء حجاب هذا الذي ظهرت على يديه المريد لها المختار فيها فهو لها مكتسب باختياره و هذا مذهب الأشاعرة و مذهب بعض العامة أيضا إن الفعل للعبد حقيقة و مع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق و الخلق لا يزول فإن هؤلاء أيضا يقولون إن القدرة الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل إن الله خلق له القدرة عليها فما يخلص الفعل للعبد إلا بما خلق الله فيه من القدرة عليه فما زال الاشتراك و هذا مذهب أهل الاعتزال فهؤلاء ثلاثة أصناف أصحابنا و الأشاعرة و المعتزلة ما زال منهم وقوع الاشتراك و هكذا أيضا حكم مثبتي العلللا يتخلص لهم إثبات المعلول لعلته التي هي معلولة لعلة أخرى فوقها إلى أن ينتهوا إلى الحق في ذلك الواجب الوجود لذاته الذي هو عندهم علة العلل فلو لا علة العلل ما كان معلول عن علة إذ كل علة دون علة العلل معلولة فالاشتراك ما ارتفع على مذهب هؤلاء و أما ما عدا هؤلاء الأصناف من الطبيعيين و الدهريين فغاية ما يؤول إليه أمرهم أن الذي نقول نحن فيه إنه الإله تقول الدهرية فيه إنه الدهر و الطبيعيون أنه الطبيعة و هم لا يخلصون الفعل الظاهر منا دون أن يضيفوا ذلك إلى الطبيعة و أصحاب الدهر إلى الدهر فما زال وجود الاشتراك في كل نحلة و ملة و ما ثم عقل يدل على خلاف هذا و لا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين فلنقره كما أقره الله على علم الله فيه و ما ثم إلا كشف و شرع و عقل و هذه الثلاثة ما خلصت شيئا و لا يخلص أبدا دنيا و لا آخرة جزاء بما كنتم تعملون فالأمر في نفسه و الله أعلم ما هو إلا كما وقع ما يقع فيه تخليص لأنه في نفسه غير مخلص إذ لو كان في نفسه مخلصا لا بد إن كان يظهر عليه بعض هذه الطوائف و لا يتمكن لنا أن نقول الكل على خطأ فإن في الكل الشرائع الإلهية و نسبة الخطاء إليها محال و ما يخبر بالأشياء على ما هي عليه إلا الله و قد أخبر فما هو الأمر إلا كما أخبر لأن مرجوع الكل إليه فما خلص فهو مخلص و ما لم يخلص فما هو في نفسه مخلص فإن الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ فاتفق الحق و العالم جميعه في هذه المسألة على الاشتراك و هذا هو الشرك الخفي و الجلي و موضع الحيرة فلا يرجح فما ثم إلا ما قلناه فإذ قد قررنا في هذه المسألة ما قررناه فلنقل إن الجود الإلهي و الغيرة الإلهية اقتضيا أن يقولا ما نبينه إن شاء الله و ذلك أن المتكلمين في هذا الشأن على قسمين الواحد أضاف الأفعال كلها إلى الأكوان فقال لسان الغيرة الإلهية كُلٌّ من عِنْدِ الله فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً أي حادثا و أما القسم الثاني فأضاف الأفعال الحسنة كلها إلى الله و أضاف الأفعال القبيحة إلى الأكوان فقال لسان الجود الإلهي قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله لا تكذيبا لهم بل ثناء جميلا و ما ثم من قال إن الأفعال كلها لله و لا للأكوان من غير رائحة اشتراك فلهذا حصرناها في قسمين من أجل الطبيعية و الدهرية و أما حجب العناية و هي حجب الإشفاق على الخلق من الإحراق فهي الحجب التي تمنع السبحات الوجهية أن تحرق ما أدركه البصر من الخلق و سبب ذلك أن الله قد وضع الدعاوي في الخلق لأن أعيانهم لما اتصفت بالوجود بعد العدم و أن ذلك الوجود كان عن ترجيح المرجح الذي هو واجب الوجود فما أنكره أحد و إن كانت قد تغيرت العبارات عنه باسم طبيعة و دهر و علة و غير ذلك فهو هو لا غيره فرأوا إن الوجود لها و إن كان مستفادا فإنه لهم حقيقة و إن أعيانهم هم الموجودون بهذا الوجود المستفاد و هذه هي أعيان الحجب التي بين الله و بين خلقه فلو كشفها عموما كما كشفها خصوصا لبعض عباده لأحرقت أنوار ذاته المعبر عنها بسبحات وجهه ما أدركه بصره من أعيان الموجودات أي أن بصره ما كان يدرك من الموجودات سوى وجود الحق و يذهب الكل الذي قررته الدعاوي فيتبين أنه الحق لا غيره فعبر عن هذا الذهاب بالإحراق لما جعلها أنوارا و الأنوار لها الإحراق لكنه تعالى أبقى حجب الدعاوي ليتميز أهل الله من غيرهم فلم تزل الممكنات عند أهل الله من حيث أعيانهم موصوفين بالعدم و من حيث أحكامهم لم يزالوا موصوفين بالوجود و هو الحق كما قال تعالى كنت سمعه و بصره في الخبر الصحيح فأثبت العين للعبد و جعل نفسه عين صفته التي هي عين وجوده عين صفة العبد فعين الممكن ثابتة غير موجودة و الصفة موجودة ثابتة و هي عين واحدة و لو تكثرت بنسبها فإنها كثيرة في النسب فهي سمع و بصر و غير هذين إلى جميع ما في العالم من القوي من ملك و بشر و جان و معدن و نبات و حيوان و مكان و زمان و محل و معقول و محسوس و ما ثم إلا هذا و لما قرر الله دعاوى المدعين بإرسال الحجب بينهم و بين ما هو الأمر عليه و شغلهم بالحجب التي بينهم و بينه في الأفعال و ضرب الكل بالكل انفرد بخاصته و جعلهم جلساء له عنده بالشهود و في صورهم المحسوسة بالذكر فهو جليس الذاكرين و هم آخر الطوائف ليس بعدهم أحد له نعت يذكر قال تعالى لما وصفهم ذُكْراناً وَ إِناثاً و الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ فختم بجلسائه و ما بعد جلسائه من يقبل صفة إلا صفة بعد عن هذه المجالسة أ لا ترى أبا يزيد رحمه الله حين جهل الأسماء الإلهية و ما تستحقه من الحقائق كيف صنع لما سمع القارئ يقرأ يوم الجمعة يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً طار الدم من عينيه حتى ضرب المنبر و تأوه و قال هذا عجب كيف يحشر إليهمن هو جليسه فإنه في تلك الحالة كان جليسا مع الأسماء من حيث ما هي دالة على الذات كل واحد منها لم يكن مع الاسم من حيث ما تطلبه حقيقته من عين دلالته على الذات فأنكر ما لم يعطه مشهده مع كونه كلام الحق و قد وقع منه الإنكار بل ما وقع منه إلا التعجب خاصة فهو يشبه الإنكار و ليس بإنكار حتى أنه لو كان هذا القول من غير الله لأمر القائل بالسكوت و زجره عن ذلك و إنما الرجل أظهر التعجب من قول الله في حق المتقين الذين هم جلساء الله كيف يحشرون إليه فكأنه إبراهيمي المشهد في طلب الكيفية في إحياء الموتى فأراد أبو يزيد ما أراده إبراهيم في كيفية إحياء الموتى لاختلاف الوجوه في ذلك لا إنكار إحياء الموتى فدل هذا الكلام من أبي يزيد على حاله في ذلك الوقت فهذا مثل قول إبراهيم يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ من الرَّحْمنِ و الرحمة تناقض العذاب إلا على الوجه الذي قررناه في المنزل الذي قبل هذا المنزل و هو منزل فتح الأبواب كذلك أبو يزيد لو علم إن المتقي ما هو جليس الرحمن و إنما هو جليس الجبار المريد العظيم المتكبر فيحشر المتقي إلى الرحمن ليكون جليسه فيزول عنه الاتقاء فإن الرحمن لا يتقى بل هو محل موضع الطمع و الإدلال و الأنس لكنهم رضي الله عنهم صادقون لا يتعدون ذوقهم في كل حال بخلاف العامة من أهل الله فإنهم يتكلمون بأحوال غيرهم و الخاصة لا سبيل لهم إلى ذلك و إن اتفق أن يتكلم أحد منهم في حال نبي أو ولي هو فوقه فيبين أنه مترجم عن حال غيره حتى بعرف السامع عمن يقول هذه حالهم رضي الله عنهم و لا يقع منهم مثل هذا إلا في النادر لضرورة تدعو إليه فإن لهم الكشف الخبري عن مقامات من هو فوقهم و ما لهم الكشف الذوقي إلا فيما هو مقامهم و حالهم فلو لا هذه الحجب التي أسد لها الله بين الأكوان و بينه ما تميزت المراتب و اختلطت الحقائق و هذا سبب وضع الحدود في الأشياء و قد لعن الله من غير منار الأرض «وصل» و من هذا الباب أن الله ما جمع لأحد بين مشاهدته و بين كلامه في حال مشاهدته فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا أن يكون التجلي الإلهي في صورة مثالية فحينئذ يجمع بين المشاهدة و الكلام و هذا غير منكور عندنا و قد بلغنا عن الشيخ العارف شهاب الدين السهروردي ببغداد رضي الله عنه أنه قال بالجمع بين المشاهدة و الكلام و لكن ما نقل عنه أكثر من هذا فإني سألت الناقل فلم يذكر لي نوع التجلي و الظن بالشيخ جميل فلا بد أن يريد التجلي الصوري أ لا ترى السياري من رجال رسالة القشيري حيث قال ما التذ عاقل بمشاهدة قط ثم فسر فقال لأن مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة و الخطاب في حال الفناء لا يصح لأن فائدة الخطاب أن يعقل و لذلك قال وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ و ما زال البشر عن حكم البشرية كمسألة موسى و الحجاب عين الصورة التي يناديه منها و ما يزول البشر عن بشريته و إن فنى عن شهودها فعين وجودها لا يزول و الحد يصحبها و إنما قلنا هذا لأني سمعت بعض الشيوخ يقول هذا حظ البشر فإذا زال عن بشريته كان حكمه حكما آخر فأبنت له رضي الله عنه إن الأمر ليس كما يظنه فلما تحقق ما ذكرناه رجع عن ذلك و قال ما كنت أظن إلا إن الأمر على ما قلته لم أجعل بالي من هذا فإنه تكلم في شرح الآية فغلط ما تكلم في ذلك عن ذوق الأمر و من هنا يقع الغلط و نحن نعلم أن الذي قاله الله حق كله و إنه لا يخالف الأذواق فلا بد أن يكون كلام الذائق مطابقا للاخبارات الإلهية حتى يقول من لا معرفة له بمقام الرجال إن هذا المتكلم يتكلم بما لا يخالف ما جاء به قرآن أو سنة إنما هو أخذه منهما و هو مفسر لهما و صاحب الذوق ما قال إلا ما ذاقه فمن المحال أن يخالف شيئا مما جاء عن الله لكن الأجنبي الذي لا ذوق له يقول هذا عن الذائق بل جماعة من أهل الطريق ممن لا ذوق لهم يتخيلون مثل هذا و يقولون إن فلانا يتكلم من حيثما ورد في الأخبار الإلهية ليس له مادة غيرها و ينكرون الذوق لأنهم ما عرفوه من نفوسهم مع كونهم يعتقدون في نفوسهم أنهم على طريق واحدة و كذلك هو الأمر أصحاب الأذواق هم على طريق واحدة بلا شك غير أن فيهم البصير و الأعمى و الأعشى فلا يقول واحد منهم إلا ما أعطاه حاله لا ما أعطاه الطريق و لا ما هو الطريق عليه في نفسه و لا سيما السلوك المعنوي فإن عمى القلوب أشد من عمى الأبصار فإن عمى القلوب يحول بينك و بين الحق و عمى البصر الذي لم ير قط صاحبه ليس يحول إلا بينك و بين الألوان خاصة ليس له إلا ذلك و هذا العمي من الحجب و كذلك الصمم و القفل و الكنو الغشاوة دون العمي في الحكم إلا أن تكون الغشاوة تعطي الظلمة فلا فرق بينها و بين العمي فإن خرجت عن حد الظلمة إلى حد السدفة فقد يكون حال صاحبها أحسن من حال صاحب الظلمة و من حال الأعمى قال بعضهم لمحمد ص وَ من بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ و هو الأكنة فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ أي اعمل في رفع ذلك و يحتمل قولهم إِنَّنا عامِلُونَ في رفع ذلك في حق من يحتمل صدقه عندهم فإنهم اعترفوا أن قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه فما جحدوا قوله و لا ردوه كما اعتقد غيرهم ممن لم يقل ذلك فلا أدري ما آل إليه أمر هؤلاء فإنهم عندي في مقام الرجاء فإنا نعلم قطعا إن الرسول يعمل في رفع الغطاء عن أعينهم بلا شك حتى قال لأزيدن على السبعين و لذا قال في الآية وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ و لم يقل و ويل لكم فهذا يدل بقرينة الحال أنهم عاملون في رفع الحجاب و إخراج قلوبهم من الأكنة و إنما كثر الأكنة لاختلاف أسباب توقفهم في قبول ما أتاهم به فمنهم من كنه الحسد و آخر الجهل و آخر شغل الوقت بما كان عنده أهم حتى يتفرغ منه و الكل حجاب و من أعجب الأشياء الواقعة في الوجود ما أقوله و ذلك أن الملائكة إذا تكلم الله بالوحي كأنه سلسلة على صفوان تصعق الملائكة و رسول الله ص كان إذا نزل عليه الوحي كسلسلة على صفوان يصعق و هو أشد الوحي عليه فينزل جبريل به على قلبه فيفني عن عالم الحس و يرغو و يسجى إلى أن يسرى عنه و أنه لينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيتفصد جبينه عرقا و موسى ص كلمه الله تكليما بارتفاع الوسائط و ما صعق و لا زال عن حسه و قال و قيل له و هذا المقام أعظم من مقام الوحي بوساطة الملك فهذا الملك يصعق عند الكلام و هذا أكرم البشر يصعق عند نزول الروح بالوحي و هذا موسى لم يصعق و لا جرى عليه شيء مع ارتفاع الوسائط و صعق لذلك الجبل فاعلم إن هذا كله من آثار الحجب فإن الحكم لها حيث ظهرت فإن الله لما خلقها حجبا لم يمكن إلا أن تحجب و لا بد فلو لم تحجب لما كانت حجبا و خلق الله هذه الحجب على نوعين معنوية و مادية و خلق المادية على نوعين كثيفة و لطيفة و شفافة فالكثيفة لا يدرك البصر سواها و اللطيفة يدرك البصر ما فيها و ما وراءها و الشفافة يدرك البصر ما وراءها و يحصل له الالتباس إذا أدرك ما فيها كما قيل

رق الزجاج و رقت الخمرفتشاكلا فتشابه الأمر
فكأنما خمر و لا قدحو كأنما قدح و لا خمر

و أما المرائي و الأجسام الصقيلة فلا يدرك موضع الصور منها و لا يدرك ما وراءها و يدرك الصور الغائبة عن عين المدرك بها لا فيها فالصور المرئية حجاب بين البصر و بين الصقيل و هي صور لا يقال فيها لطيفة و لا كثيفة و تشهدها الأبصار كثيفة و تتغير أشكالها بتغير شكل الصقيل و تتموج بتموجه و تتحرك بتحرك من هي صورته من خارج و تسكن بسكونه إلا أن يتحرك الصقيل كتموج الماء فيظهر في العين فيها حركة و من هي صورته ساكن فلها حركتان حركة من حركة من هي صورته و حركة من حركة الصقيل فما في الوجود إلا حجب مسدلة و الإدراكات متعلقها الحجب و لها الأثر في صاحب العين المدرك لها و أعظم الحجب حجابان حجاب معنوي و هو الجهل و حجاب حسي و هو أنت على نفسك فأما الحجاب الأعظم المعنوي فقول رسول الله ص لما أسرى به في شجرة فيها وكرا طائر فقعد جبريل في الوكر الواحد و قعد رسول الله ص في الآخر فلما وصلا إلى السماء الدنيا تدلى إليهما شبه الرفرف درا و ياقوتا و كان ذلك نوعا من تجلى الحق قال عليه السلام فأما جبريل فغشي عليه لعلمه بما تدلى إليه و أما رسول الله ص فبقي على حاله لكونه ما علم ما هو فلم يكن له سلطان عليه فلما أخبره جبريل عند ما أفاق أنه الحق قال ص عند ذلك فعلمت فضله يعني فضل جبريل علي في العلم فالعلم أصعق جبريل و عدم العلم أبقى النبي صلى الله عليه و سلم على حاله مع وجود الرؤية من الشخصين فهذا أعظم الحجب المعنوية و أما كونك حجابا عليك و هو أكثف الحجب الحسية فقول القائل

بدا لك سر طال عنك اكتتامهو لاح صباح كنت أنت ظلامه
فأنت حجاب القلب عن سر غيبهو لولاك لم يطبع عليه ختامه
إذا غبت عنه حل فيه و طنبت على منكب الكشف المصون خيامه
و جاء حديث لا يمل سماعهشهى إلينا نثره و نظامه

فما جعل حجابا عليك سواك ثم نرجع إلى مسألتنا و نقول أما موسى ع فكان قد استفرغه طلب النار لأهله و هو الذي أخرجه لما أمر به من السعي على العيال و الأنبياء أشد الناس مطالبة لأنفسهم للقيام بأوامر الحق فلم يكن في نفسه سوى ما خرج إليه فلما أبصر حاجته و هي النار التي لاحت له من الشَّجَرَةِ من جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ ناداه الحق من عين حاجته بما يناسب الوقت إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى و لم يقل لما أوحى إِنَّنِي أَنَا الله فثبته الخطاب الأول بالنداء لأنه خرج على إن يقتبس نارا أو يجد على النار هدى و هو قوله سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أي من يدله على حاجته فكان منتظرا للنداء قد هيأ سمعه و بصره لرؤية النار و سمعه لمن يدله عليها فلما جاءه النداء بأمر مناسب لم ينكره و ثبت فلما علم إن المنادي ربه و قد صح له الثبوت و جاءه النداء من خارج لا من نفسه ثبت ليوفي الأدب حقه في الاستماع فإنه لكل نوع من التجلي حكم و حكم نداء هذا التجلي التهيؤ لسماع ما يأتي به فلم يصعق و لا غاب عن شهوده فإنه خطاب مقيد بجهة مسموع بإذن و خطاب تفصيلي فالمثبت للإنسان على حسه و شهود محسوسه قلبه المدبر لجسده و لم يكن لهذا الكلام الإلهي الموسوي توجه على القلب فليس للقلب هنا إلا ما يتلقاه من سمعه و بصره و قواه حسبما جرت به العادة فلم يتعد الحال حكمه في موسى ع و أما أمر محمد ص فهو نزول قلبي و خطاب إجمالي كسلسلة على صفوان فاجعل بالك لهذا التشبيه فاشتغل القلب بما نزل إليه ليتلقاه فغاب عن تدبير بدنه فسمى ذلك غشية و صعقا و كذلك الملائكة أخبر النبي ص عن الملائكة في طريان هذا الحال أنه إذا كان الوحي المتكلم به كسلسلة على صفوان و كان نزوله على قلوب الملائكة فإنه قال حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ ثم لما أفاقوا أخبر عنهم بأنهم يقولون ما ذا و هنا وقف ثم يجيبهم فيقول ربكم و هنا وقف فيقولون الحق بالنصب أي قال الحق كذا علمناه و هو العلي عن هذا النزول في هذا النزول الكبير عن هذا التشبيه في هذه النسبة و على الوجه الآخر قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ و هنا وقف فيقول بعضهم لبعض الْحَقَّ وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ من قول الله لا من قول الملائكة فعلى الوجه الأول لما أفاقوا و زال الخطاب الإجمالي المشبه و زالت البديهة قالوا ما ذا فقال لهم ربكم و هو قوله قال ربكم فما صعقوا عند هذا القول بل ثبتوا و قالوا الحق أي قال الحق أي قال ربنا القول الحق يعنون ما فهموه من الوحي أو قوله قال ربكم أو هما معا و هو الصحيح فهذا الفرق بين حال موسى ع و بين حال محمد ص و حال الملائكة ع و اعلم أن في هذا المنزل من العلوم علم ثناء الحق على نفسه بخلقه و هو المثنى على نفسه بغناه عن خلقه فأي الثناءين أتم و أحق و ما هو الحق من هذين الثناءين و ما هو الحقيقة منهما أو كلاهما حقيقتان لحقين أو هما حقان و لهما حقيقتان و فيه علم الفرق بين العلم و الحكمة و الخبرة و فيه علم العلم بما في العالم بتقاسيم أحوالهم و فيه علم النيابة في الأجوبة عن الله و لا يكون ذلك إلا لرسول أو نبي أو وارث عن سماع لخطاب إلهي لا عن تجل و لا خطاب حال و فيه علم علم الله و فيه علم أين أودع الله علمه في خلقه من العوالم و هل أودعه في واحد أو فيما زاد على واحد و فيه علم بما ذا تتميز به القبضتان في عالم الشهادة و بما ذا تتميز به في عالم الغيب و فيه علم الدلالة على العلماء و أصحاب الأخبار الإلهية لنعرفهم فنتلقي منهم ما يأتون به عن الله فنساويهم في العلم بذلك رغبة في إن تلحق نفوسنا بنفوسهم في الصورة و إن اختلفت الطرق فلا أثر لاختلافها في صورة العلم و هذا هو الذي يحرض الأكابر من العلماء الأكابر على نشر العلم كما يحرض المتعلمين على طلب العلم من أكابر العلماء الذين يعلمون أنهم أعلم بالله منهم و من هذا قال الرجل للتلميذ لأن ترى أبا يزيد مرة خير لك من أن ترى الله ألف مرة لفضله عليه في العلم بالله لما علم إن ظهور الحق لعباده على قدر علمهم به فرؤيتنا الله بعلم العلماء به إذا استفدناه منهم أتم من رؤيتنا بعلمنا قبل إن نستفيده منهم و فيه علم إحاطة الاعتبار بالجهات و إن أن الاعتبار لا يخص حالا من حال و لا جهة من جهة و أنه علم عام و هو علم يعطي الدلالة لمن رجع إلى الله بالعبودة و فيه علم الأمر و النهي الإلهي بالمساعدة في العبادة و أعمال الخير و فيه علم إرسال النعمالخارقة و ما يحجب منها و ما ذا يحجب و فيه علم قوى المسخرات في التسخير و إلى أين تنتهي قواهم فيما سخروا فيه و فيه علم الموت المجهول في الميت و بما ذا يعرف كما حكى القشيري في رسالته عن بعضهم أنه مات إنسان فنظر إليه الغاسل فتحير فلم يدر أ هو ميت أم ليس بميت و هو ميت في نفس الأمر و مثل هذا ظهر على صاحب لي كان يخدمني فمات عندي فشك فيه الغاسل عند غسله هل هو ميت أم لا و فيه علم أثر العلم في العالم و من ادعى العلم و لم يؤثر فيه ما هو عالم و هي مسألة مشكلة يورث الإشكال فيها الحس فإنه ما رأينا أحدا يلقي نفسه في النار لعلمه أنها تحرقه إلا طائفتين الواحدة من تتخذها قربانا فتلقى نفسها فيها طلبا للإحراق قربة إليها أو من يعلم أنها لا تحرقه فعلمنا إن العلم له أثر في العالم و فيه علم آيات النعم و على ما ذا تدل و ما حقها على من يراها آية و فيه علم العلم القوي الذي يذهب بما سواه من العلوم التي يجدها في القلب و فيه علم الأدنى و الأعلى و ما السبب الموجب للطالب في طلبه الأدنى و تركه الأعلى مع علمه بمرتبة كل واحد منهما و فيه علم أسباب الجزاء في الخير و الشر و فيه علم البعد و القرب الكياني و الإلهي و فيه علم ما في علم القرب و البعد من الآيات الدالة على الله و فيه علم موافقة الظن العلم و بما ذا يعلم صاحب الحق أنه علم لا ظن و قد كان يعتقد أن ذلك ظن و فيه علم حال أهل الريب و بمن يلحقون من الأصناف و ما ينظر إليهم من الأسماء و فيه علم الحوالة و فيه علم أحوال الملإ الأعلى و اختلافها عليهم لاختلاف الواردات في مقامهم المعلوم و فيه علم ما لا ينسب إلى الله أعني لا يوصف به هل هو أمر عدمي أو وجودي و فيه علم أين يشك العالم و هو ليس بشاك و لما ذا يظهر بصورة الشاك و فيه علم ما يسأل عنه و ما لا يسأل عنه و فيه علم فيما ذا يجمع الله بين عباده ثم يفصل بينهم في عين هذا الجمع فهم فيه مفصلون و فيه علم من ادعى أمرا طولب بالدليل على ما ادعاه إذا ادعى ما يريد أن يؤثر به في أحوال العالم و فيه علم ما لا يقبل التقدم و لا التأخر من الأحوال و فيه علم الحجاج و فيه علم التقريب و إلى من يكون القرب هل إلى كون أو إلى الله و هل يصح القرب إلى الله أم لا و هو أقرب إلى كل إنسان من حَبْلِ الْوَرِيدِ كما قال تعالى و فيه علم الأعراض و فيه علم الفرق و التبري بين الأرواح و فيه علم ما يقال عند رؤية الدلالات و فيه علم الأجر المعاد و إلحاق الشيء بجنسه و فيه علم من يدري ما يقول و ما يقال له و من لا يدري ما يقول و ما يقال له من ذلك و فيه علم رد الأمور كلها حيرتها و إنابتها إلى الله و خيرها و شرها و أن الشر ليس إلى الله و فيه علم الإدراك الإلهي و فيه علم ما لا يدرك مما يجوز أن يدرك و فيه علم ما يمنع الاحتلام بالرؤية و فيه علم الموانع وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ