المحمدية من الاسم الودود»
اعلم أيدنا الله و إياك أن هذا المنزل من أعظم المنازل له الاسم الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و الخلق و الأمر يحوي على مقامات و أحوال لا يعرفها إلا القليل من الناس عظم الله مقداره و أعلى مناره له زمام التكوين و عنه ظهر وجود العالم الحق و العالم الأعلى و الأسفل ناظر إليه له الغيرة و الصول و الحجب هو العيب الذي يظهر منه و لا يظهر يعطي عالم الشهادة و يخفى عالم الغيب في الغيب سلطانه قوي لا يرام و مقامه عزيز لا يضام نعته النقص و الكمال و بصورته يظهر الليل و النهار أول شيء أعطى الانقياد الإلهي الكوني
و لما رجح الله وجود الممكنات على عدمها لطلبها الترجيح من ذاتها كان ذلك انقيادا من الحق لهذا الطلب الإمكانى و امتنانا فإنه تعالى الغني عن العالمين و لكن لما وصف نفسه بأنه يحب أن تعرفه الممكنات بأنه لا يعرف و من شأن المحب الانقياد للمحبوب فما انقاد في الحقيقة إلا لنفسه و الممكن حجاب على هذا الطلب الإلهي الذي طلبه حب العرفان به من نفسه و تبعه ما طلبه الممكن من ترجيح الوجود على عدمه فلما أوجده عرفه إنه ربه فعرفه أنه ربه ما عرف منه غير ذلك و لا يتمكن لغير الله أن يعرف الله من حيث ما يعرف الله نفسه ثم طلبه بالانقياد إليه فيما يأمره به و ينهاه عنه فقال الممكن هذا مقام صعب لا أقدر عليه كما إنك يا رب ما يبدل القول لديك و لا يكون عنك إلا ما سبق به علمك فمشيئتك واحدة و الاختيار المنسوب إلي منك فالذي تقبله ذاتي من الانقياد إليك أن أكون لك حيث تريد لا حيث تأمر إلا إن وافق أمرك إرادتك فحينئذ أجمع بينهما و أكثر من هذا فما تعطي حقيقتي إذا نسبتها إليك أنت القائل أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ من في النَّارِ و هو أكرم المكلفين عليك و هذا الحكم منك و عليك يعود فما كان انقيادك إلا إليك و أنا صورة مماثلة للمحجوبين الذين لا يعرفونك معرفتي فيقولون قد أجاب الحق سؤالنا و انقاد إلينا فيما نريده منه و أنت ما أجبت إلا نفسك و ما تعلقت به إرادتك فانقيادي أنا لنفسي فإنه لا يتمكن أن أطلبك لك و إنما أطلبك لنفسي فلنفسي كان انقيادي لما دعوتني و جعلت حجابا بيني و بين المحجوبين من خلقك الذين لا يعرفون فقالوا فلان أجاب أمر ربه حين دعاه و ما علموا إن الانقياد مني إنما كان لإرادتك لا لأمرك فإنه ما يبدل الحكم لدي فإني ما أقبل غير هذا قبول ذات و فيه سعادتي ثم إنك سبحانك نسبت لي ذلك و أثنيت علي به و أنت تعلم كيف كان الأمر فظهرت بأمر تشهد الحقيقة بخلافه فقلت لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ و الحقيقة من خلف هذا الثناء تنادي لا يعصون الله ما أراد منهم و قرن الأمر منه بإرادته فذلك هو الأمر الذي لا يعصيه مخلوق و هو قوله إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ هذا هو الأمر الذي لا يمكن للممكن المأمور به مخالفته لا الأمر بالأفعال و التروك يعرف ذلك العارفون من عبادك ذوقا و شهودا فإن أمرت الفعل المأمور به أن يتكون في هذا العبد المأمور بالفعل تكون فتقول هذا عبد طائع امتثل أمري و ما بيده من ذلك شيء فالصمت حكم و قليل فاعله فمن تكلم بالله كانت الحجة له فإن الحجة البالغة لله و من تكلم بنفسه كان محجوبا كما إن الحق إذا تكلم بعبده كان كلامه ظاهرا بحيث يقتضيه مقام عبده فإذا رد الجواب عليه عبده به لا بنفسه و ظهر حكمه على كلام ربه نادى الحق عليه وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا و إن قال الحق و لكن ما كل حق يحمد و لا كل ما ليس بحق يذم فالأدباء يعرفون المواطن التي يحمد فيها الحق فيأتون به فيها و يعرفون المواطن التي يحمد فيها ما ليس بحق فيأتون به فيها مغالطة جزاء وفاقا إلهيا فمن عرف الانقياد الإلهي و الكوني كما قررناه كان من العارفين و لكن فيه أسرار و آداب ينبغي للإنسان إذا تكلم في هذا المقام و أمثاله أن لا يغفل عن دقائقه فإن فيه مكرا خفيا لا يشعر به إلا أهل العناية و من أراد العصمة من ذلك فلينظر إلى ما شرع الله له و أتى على ألسنة رسله فيمشي معه حيث مشى و يقف عنده حيث وقف من غير مزيد و إن تناقضت الأمور و تصادمت فذلك له لا لك و قل لا أدري هكذا جاء الأمر من عنده و ارجع إليه وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فهذا قد أنبأ عن المقام الأول «وصل» و أما المقام الثاني الذي بيد اسمه المؤمن فإنه نتيجة عن الاسم المؤمن الكياني و هو المظهر له إذا كان بمعنى المصدق لا بمعنى معطي الأمان فإن كان بمعنى معطي الأمان فالاسم الإلهي المؤمن متقدم على المؤمن الكياني فأعطاه الأمان في حال عدمه إنه لا يعدمه إذا أوجده و لا يحول بينه و بينمعرفته بوجوده و استناده إليه فأعطاه الأمان في ذلك كله فمن عرف ذلك لم يخف و كان من الآمنين
صدق الممكن ربه فيما أخبره به من إعطاء الأمان من العدم إذا أوجده فصدقه الله في صدقه و أجرى له الصدق في خلقه فالمصدق و الصديق ما هو الصادق إلا بنسبتين مختلفتين و الخبر لا يكون أبدا إلا من الأول و التصديق لا يكون أبدا إلا من الآخر و الأول و الآخر اسمان لله فإذا أقام الله عبده في الأولية أعطاه الإخبار فأخبر و أقام الله نفسه في الاسم الآخر فصدقه فيما أخبر به و إذا أقام الله نفسه في الاسم الأول و أخبر أقام العبد في الاسم الآخر فصدقه في خبره فالصادق للأول أبدا و الصديق للآخر أبدا قال تعالى وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ و هو الأول وَ صَدَّقَ به و هو الآخر أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ المفلحون الباقون بهذا الحكم
فالصدق متعلقة الخبر و محله الصادق و ليس بصفة لأصحاب الأدلة و لا للعلماء الذين آمنوا بما أعطتهم الآيات و المعجزات من الدلالة على صدق دعواه فذلك علم و الصدق نور يظهر على قلب العبد يصدق به هذا المخبر و يكشف بذلك النور أنه صدق و يرجع عنه برجوع المخبر لأن النور يتبع المخبر حيث مشى و الصدق بالدليل ليس هذا حكمه إن رجع المخبر لم يرجع لرجوعه فهذا هو الفارق بين الرجلين و هذه المسألة من أشكل المسائل في الوجود فإن الأحكام المشروعة أخبار إلهية يدخلها النسخ و التصديق يتبع الحكم فيثبته ما دام المخبر يثبته و يرفعه ما دام المخبر يرفعه و لا يتصف الحق بالبداء في ذلك و هو الذي جعل بعض الطوائف ينكرون نسخ الأحكام و أما الصادق فما أكذب نفسه في الخبر الأول و إنما أخبر بثبوته و أخبر برفعه و هو صادق في الحالتين و لا تناقض و لما كان من حقيقة الخبر الإمكان لحكم الصفتين الصدق و الكذب من حيث ما هو خبر لا من حيث النظر إلى من أخبر به لذلك ميزنا بين القائل بصدق المخبر للدليل و القائل بصدقه للإيمان فإن الايمان كشف نوري لا يقبل الشبه و صاحب الدليل لا يقدر على عصمة نفسه من الدخل عليه في دليله القادح فيرده هذا الدخل إلى محل النظر فلذلك عريناه عن الايمان فإن الايمان لا يقبل الزوال فإنه نور إلهي رقيب قائم على كل نفس بما كسبت ما هو نور شمسي كوكبي يطلع و يغرب فيعقبه ظلام شك أو غيره فمن عرف ما قلناه عرف مرتبة العلم من جهة الايمان و مرتبة العلم الحاصل عن الدليل فإن الأصل الذي هو الحق ما علم الأشياء بالدليل و إنما علمها بنفسه و الإنسان الكامل مخلوق على صورته فعلمه بالله إيمان نور و كشف و لذلك يصفه بما لا تقبله الأدلة و يتأوله المؤمن به من حيث الدليل فينقصه من الايمان بقدر ما نفاه عنه دليله
«وصل» و في هذا المنزل صمت العبد إذا كلمه الحق و الحق يكلمه على الدوام فالعبد صامت مصغ على الدوام على جملة أحواله من حركة و سكون و قيام و قعود فإن العبد الممنوح السمع لكلام الحق لا يزال يسمع أمر الحق بالتكوين فيما يتكون فيه من الحالات و إلهيات و لا يخلو هذا العبد و لا العالم نفسا واحدا من وجود التكوين فيه فلا يزال سامعا فلا يزال صامتا و لا يمكن أن يدخل معه في كلامه فإذا سمعتم العبد يتكلم فذلك تكوين الحق فيه و العبد على أصله صامت واقف بين يديه تعالى فما تقع الأسماع إلا على تكوينات الحق فافهم فإن هذا من لباب المعرفة التي لا تحصل إلا لأهل الشهود
«وصل» التقييد صفة تضيفها العقول و الكشف إلى الممكنات و تقصرها العقول عليها و تضيف الإطلاق إلى الحق و ما علمت إن الإطلاق تقييد فإن التقييد إنما أصله و سببه التمييز حتى لا تختلط الحقائق فالإطلاق تقييد فإنه قد تميز عن المقيد و تقيد بالإطلاق و لا سيما و قد سمى نفسه حليما لا يعجل فإمهاله العبد المستحق للاخذ إلى زمان الأخذ حبس عن إرسال الأخذ في زمان الاستحقاق و لذلك سمى نفسه بالصبور فما ثم إطلاق لا يكون فيه تقييد لأن المقيد الذي هو الكون تميز عن إطلاقه بتقييده فقد قيده بالإطلاق و هو تجليه في كل صورة و قبوله كل حكم ممكن من حيث إنه عين الوجود فقد قيدته أحكام الممكنات
«وصل» الشدة نعت إلهي و كياني قال موسى اشْدُدْ به أَزْرِي و تلي بحضرة أبي يزيد إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ فقال بطشي أشد و ذلك لخلو بطش العبد من الرحمة الكونية و بطش الله ليس كذلك فإن الرحمة الإلهية تصحبه و هو يعلمها و كذا هي في بطش العبد إلا إن العبد لا يشهدها و لا يجد لها أثرا في نفسه و إن كان يرحم نفسه بذلك البطش و لكن لا يعلم و الله عليم بكل شيء فهو عليم بأن رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فوسعت بطشه و بطش الكون و لكن ما كل باطش يعلم ذلك و لما كان للعبد بطش من حيث عينه و له بطش بربه و ليس للرب في الحقيقة بطش بعبده فأضاف أبو يزيد بطش ربه إلى بطشه فقال بطشي أشد لأن فيه بطش ربي و ما في بطش ربي بعباده بطشي فإذا وصف الحق نفسه بالشديد فهو ما يوجده من الأشياء بالأسباب الموضوعة في العالم فيعذب عباده بالنار فللنار حكم في العذاب مضاف إلى ما يوجده الله من الألم القائم بالمعذب و هو في الحجاب عن الله و ليس للمعذب شهود إلا للأسباب فبطشه بالعبد بمشاهدة الأسباب من كونه شديد الأمن كونه معذبا فالشدة تطلب الغير و لا بد و هذا لا يقدر أحد على إنكاره فإن المشاهدة لأسباب الآلام أعظم في العذاب ممن يجد الألم و لا يشهد سببه و لا سيما إن كان يعلم أنه قادر على إزالة السبب
«وصل» الخضوع عند تجلى الحق و مناجاته هو المحمود و ما سوى هذا فهو مذموم و يلحق الذم بمن ظهر عليه إلا من يرى الحق في الأشياء كلها من الوجه الإلهي الذي لها و لكن على ميزان محقق لا يتعداه فإن الله قد وضع له ميزانا عندنا في الأرض قال تعالى وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ فليصرفه بحسب وضع الحق فهو و إن شهده في كل شيء فما يريد تعالى أن يعامله بمعاملة واحدة في كل شيء بل يحمده في المواضع التي تطلب منه المحامد و يقبل عليه و يعرض عنه في المواضع التي يطلب منه الإعراض عنه فيها فلا يتعدى الميزان الذي يطلبه منه و هذا المشهد المكر فيه خفي و لا مزيل له إلا العلم بالميزان الإلهي المشروع فمن عرفه و وقف عنده و تأدب بآداب الله التي أدب بها رسله فقد فاز و حاز درجة العلم بالله قال تعالى معلما و مؤدبا لمن عظم صفة الله على غير ميزان عَبَسَ وَ تَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى يعني ذلك الجبار و إن الله عند المنكسرة قلوبهم أصحاب العاهات غيبا و هو في الجبابرة المتكبرين ظاهر عينا و لظهور حكم أقوى و كان ص حريصا على الناس أن يؤمنوا بوحدانية الله و إزالة العمي الذي كانوا عليه فلما جاء الأعمى في الظاهر البصير في الباطنفكان باطن الجبابرة ظاهر هذا الأعمى فحصل في النفس البشرية ما حصل و النبي ص ليس له مشهود إلا صفة الحق حيث ظهرت من الأكوان فإذا رآها أعمل الحيلة في سلبها عن الكون الذي أخذها على غير ميزانها و ظهر بها في غير موطنها و هو ص غيور فقيل له أَمَّا من اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى يقول إنه لما شاهد صفة الحق و هي غناه عن العالم تصدى لها حرصا منه أن يزكى من ظهر بها عنده فقيل له ما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى و لك ما نويت و حكمه لو تزكي لما فاتك شيء سواء تزكي أو لم يتزك وَ أَمَّا من جاءَكَ يَسْعى وَ هُوَ يَخْشى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى لكونه أعمى أي لا تتطير فنهاه عن الطيرة فمن هنا كان يحب الفال الحسن و يكره الطيرة و هو الحظ من المكروه و الفال الحسن الحظ و النصيب من الخير و قيل له أيضا وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ و انظر فيهم صفة الحق فإنها مطلوبك في الكون فإني أدعو عبادي بالغداة و العشي و في كل وقت أريد وجههم أي ذاتهم أن يسمعوا دعائي فيرجعوا إلي وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ فإنهم ظاهرون بصفتي كما عرفتك تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا فهذه الزينة أيضا في هؤلاء و هي في الحياة الدنيا فهنا أيضا مطلوبك وَ لا تُطِعْ فإنهم طلبوا منه ص أن يجعل لهم مجلسا ينفردون به معه لا يحضره هؤلاء الأعبد من أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي جعلنا قلبه في غلاف فحجبناه عن ذكرنا فإنه إن ذكرنا علم إن السيادة لنا و أنه عبد فيزول عنه هذا الكبرياء التي ظهر بها التي عظمتها أنت لكونها صفتي و طمعت في إزالتها عن ظاهرهم فإني أعلمتك أني قد طبعت عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ فلا يدخله كبر و إن ظهر به وَ اتَّبَعَ هَواهُ أي غرضه الذي ظهر به وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً أي ما هو نصب عينيه له و هو مشهود له لا يصرف نظره عنه إلى ما يقول له الحق على لسان رسوله و ما يريده منه وَ قُلِ الْحَقُّ من رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ الله أن يؤمن فَلْيُؤْمِنْ وَ من شاءَ الله أن يكفر فَلْيَكْفُرْ فإنهم ما يشاؤن إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ فكان رسول الله ص إذا أقبل عليه هؤلاء قال ص مرحبا بمن عتبني فيهم ربي و يمسك نفسه معهم في المجلس حتى يكونوا هم الذين ينصرفون و لم تزل هذه أخلاقه ص بعد ذلك إلى أن مات فما لقيه أحد بعد ذلك فحدثه إلا قام معه حتى يكون هو الذي ينصرف و كذلك إذا صافحه شخص لم يزل يده من يده حتى يكون الشخص هو الذي يزيلها هكذا رويناه من أخلاقه ص
«وصل» أداء الحقوق نعت إلهي طولب به الكون قال تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فذلك حق ذلك الشيء الذي له عند الله من حيث ذاته فهو حق ذاتي و الحق العرضي الذي له عند الله هو قوله أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فهذا حق على الله أوجبه على نفسه لمن وفى بعهده و من لم يف فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه و إن شاء أدخله الجنة فمن عباد الله من يدخل الجنة بالاستحقاق و منهم من يدخلها بالمشيئة لا بالاستحقاق كما أنه إثم من يدخل النار بالاستحقاق و هم المجرمون خاصة و هم أهلها فلا يخرجون منها أبدا و لهذا يقال لهم يوم القيامة وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أي أهل الاستحقاق الذين يستحقون سكنى هذه الدار و ما عدا المجرمين فإنهم و إن دخلوا النار فلا بد و أن يخرجوا منها بشفاعة الشافعين أو بمنة الله عليهم و هم الذين ما عملوا خيرا قط و إن كان المجرمون قد عملوا خيرا و لكن الاستحقاق يطلبهم بالإقامة فيها فصورتهم صورة من يفعل ذلك بالخاصية فمن أعطى الحق من نفسه فما ترك عليه حجة لأحد و من زاد على الحق فذلك امتياز له و ثناء من الله خاص و هذا نعت فيه بين أهل الله كلام فإنه في إعطاء الواجب عبد اضطرار و في الامتنان عبد اختيار فمن الناس من رجح مقام عبودية الاختيار على عبودية الاضطرار فإن الاضطرار جبر فحكمه غير حكم المختار قال الله تبارك و تعالى إِلَّا من أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ و غير المكره إذا كفر أخذ بكفره و أي شيء فعل جوزي بفعله بخلاف المجبور و ما بقي النظر إلا في معرفة من هو المجبور المكره و ما صفته فإن بعض العلماء لم يصح عنده الجبر و الإكراه على الزنا فيؤاخذ به فإن الآلة لا تقوم له إلا بسريان الشهوة و حكمها فيه و عندنا مجبور في مثل هذا مكره على أن يريد الوقاع و لا يظهر حكم إرادته إلا بالوقوع و لا يكون الوقاع إلا بعد الانتشار و وجود الشهوة و حينئذ يعصم نفسه من المكره له على ذلك المتوعد له بالقتل إن لم يفعل فصح الإكراه في مثل هذا بالباطن بخلاف الكفر فإنه يقنع فيه بالظاهر و إن خالفه الباطن فالزاني يشتهي و يكره تلك الشهوة فإنه مؤمن و لو لا أن الشهوة إرادة بالتذاذ لقلنا إنه غير مريد لما اشتهاه
«وصل» الممكن إذا وجد لا بد من حافظ يحفظ عليه وجوده و بذلك الحافظ بقاؤه في الوجود كان ذلك الحافظ ما كان من الأكوان فالحفظ خلق لله فلذلك نسب الحفظ إليه لأن الأعيان القائمة بأنفسها قابلة للحفظ بخلاف ما لا يقوم بنفسه من الممكنات فإنه لا يقبل الحفظ و يقبل الوجود و لا يقبل البقاء فليس له من الوجود غير زمان وجوده ثم ينعدم و متعلق الحفظ إنما هو الزمان الثاني الذي يلي زمان وجوده فما زاد فالله حفيظ رقيب و العين القائمة بنفسها محفوظة مراقبة و حافظ الكون حفيظ زمان وجوده و الحق مراقب بفتح القاف للعبد غير محفوظ له فإنه لا يقبل أن يكون محفوظا فإنه الصمد الذي لا مثل له أ لا تراه قد قال لنبيه ع ما يقوله لمن عبد غير الله ينبههم أن كل ما سوى الله من معبود يطلب بذاته من يحفظ عليه بقاء وجوده فقال له يا محمد قُلْ أَ غَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ و قد قرى الثاني في الشاذ بفتح الياء فكل موجود له بقاء في وجوده فلا بد من حافظ كياني يحفظ عليه وجوده و ذلك الحافظ خلق لله و هو غذاء هذا المحفوظ عليه الوجود فلا تزال عينه و إن تغيرت صورته ما دام الله يغذيه بما به بقاؤه من لطيف و كثيف و مما يدرك و مما لا يدرك فالسعيد من الحافظين هو من يرى أنه مجعول للحفظ قال تعالى وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ و ليس هؤلاء من حفظة الوجود و إنما هؤلاء هم المراقبون أفعال العباد و إنما الحفظة العامة في قوله وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً فنكر فدخل تحت هذا اللفظ حفظة الوجود و حفظة الأفعال
«وصل» القلم و اللوح أول عالم التدين و التسطير و حقيقتهما ساريتان في جميع الموجودات علوا و سفلا و معنى و حسا و بهما حفظ الله العلم على العالم و لهذا ورد في الخبر عنه ص قيدوا العلم بالكتابة و من هنا كتب الله التوراة بيده و من هذه الحضرة اتخذ رسول الله ص و جميع الرسل ع كتاب الوحي و قال كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ و قال في كتاب لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها و قال وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ في إِمامٍ مُبِينٍ و قال في كِتابٍ مَكْنُونٍ و قال في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ و قال وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ و الكتب الضم و منه سميت الكتيبة كتيبة لانضمام الأجناد بعضهم إلى بعض و بانضمام الزوجين وقع النكاح في المعاني و الأجسام فظهرت النتائج في الأعيان فمن حفظ عليها هذا الضم الخاص أفادته علو ما لم تكن عنده و من لم يحفظ هذا الضم الخاص المفيد العلم لم يحصل على طائل و كان كلاما غير مفيد
«وصل» اعلم أن لله مجالس مع عباده و عددها على عدد ما فرض عليهم سبحانه مما كلفهم به ابتداء فلما سواها دعاهم إليها ليجالسوه فيها فمن تخلف عن مجالسته فيها فقد عصى دعوته و لله مجالس تسمى مجالس الايمان خيرهم في مجالسته فيها على وجه خاص فيجالسهم فيها إذا دخلوها من حيث دعاهم إليها فيجدون خيرا كثيرا فإن دخلوها لا من حيث دعاهم إليها لم يجالسوه فيها و لا وجدوا فيها خيرا و لا شرا و عدد هذه المجالس بعدد ما أباح لهم في الشرع أن يتصرفوا فيه مما لا أجر فيه و لا وزر فإذا فعلوا المباح من حيث إن الله تعالى أباحه لهم و هم مؤمنون بذلك حضر معهم بالإيمان فهذا معنى قولي من حيث ما دعاهم إليها و لله مجالس في هذه المجالس التي أباح لهم الدخول فيها ليجالسوه إذا جاءوا إليها من حيث ما دعاهم إلى الدخول فيها فإذا لم يأتوا إلى هذه المجالس التي في مجالس الإباحة المعينة منها و لا جالسوا الحق فيها فقد عصوه و كان حكمهم في ترك مجالسته فيها حكم مجالس الفرائض و أعني بالفرائض كل ما أذكره من فعل و ترك حتى يشمل الحظر و الكراهة التي في مقابلة الندب و عدد هذه المجالس بعدد ما أوجبوه على أنفسهم بالنذر فأوجبه الله عليهم و بعدد ما أمرهم به أولو الأمر منهم فأوجب الله عليهم طاعتهم في ذلك فإن لم يدخلوا هذه المجالس فقد عصوا و إنما جعلنا هذه المجالس معينة في مجالس الإباحة لأن النذر لا يكون إلا فيما أبيح له فعله و خيره الحق فيه بين الفعل و الترك و كذلك ما أمرهم به أولو الأمر منهم ما لهم أمر فيهم إلا بما أبيح لهم فعله فيجالسهم الحق في هذه المجالس المعينة مجالسته لهم في مجالس الفرائض و لله مجالس أعدها سبحانه لعباده تسمى مجالس نوافل الخيرات بينها و بين مجالس الإباحة الترجيح فإن الإباحة ليس فيها ترجيح و كما قلنا في كل ذلك من فعل و ترك و قرن تعالى محبته العالية السامية لأهل مجالس الفرائض و قرن محبة أخرى دون هذه المحبة لأهل مجالس نوافل الخيرات و عدد هذه المجالس بعدد النوافل و لا تكون نافلة إلا ما كان له مثل في الفرائض كصدقة التطوع نافلة لأن لها أصلا في الفرائض و هو الزكاة و كذلك الحج و الصيام و الصلاة و كل فرض و لله مجالس يجالس الحق فيها عباده تسمى مجالس السنن الكيانية و هوقوله ص من سن سنة حسنة و تسمى في العامة بدعة حسنة لأنها مبتدعة لمن سنها ما كتبها الله علينا و لا أوجبها و عددها على عدد ما سن من ذلك و عدد من عمل بها كل ذلك يكون مجالسة الحق فيها مع من سنها من حيث لا يشعر إلا أن يكشف الله له في سره بمجالسته إياه بعدد كل عامل بها فيرى مجالسته غريبة و هو غير عامل لها في الوقت فيقال له إن فلانا و فلانا عملا بالخير الذي سننته فجالسناه فيه فجالسناك فاحمد فعلك فيشكر الله على ذلك و لكل مجلس باب عليه يكون الدخول إلى هذه المجالس و على كل باب بواب و هو الايمان و من المجالس ما يكون عليها بوابان الايمان و النية و الأبواب ما هي غير الشروع في ذلك العمل الذي هو بمنزلة الدخول فالحال الذي يكون عليه في أول الشروع الذي هو الدخول ذلك هو الباب قال تعالى الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ و المصلي يناجي ربه و المناجاة ذكر و هو جليس من ذكره سبحانه و الدوام على مناجاته أن يكون العبد في جميع أحواله و تصرفاته مع الله كما هو في صلاته يناجيه في كل نفس و سبب ذلك كونه لا بد أن يكون على حال من الأحوال و لا بد أن يكون للشارع و هو الله في ذلك الحال حكم أي حكم كان و هو سبحانه حاضر مع أحكامه حيث كانت فالمراتب تناجيه في كل حال محظور و غير محظور لأن الأفعال و التروك و هي أحوال العبد التي تعلقت بها أحكام الحق مقدرة فلا بد من وقوعها و هو سبحانه خالقها فلا بد من حضوره فيها فيناجيه هذا العبد الذي قد عرف بحضور الحق معه في حاله فهذا هو الدوام على الصلاة و قالت عائشة تخبر عن حال رسول الله ص إنه كان يذكر الله على كل أحيانه تشير إلى ما قلناه فإنه قد كان يأتي البراز و هو ممنوع أن يذكر بلسانه ربه في تلك الحال و قد كان من أحيانه يمازح العجوز و الصغير و يكلم الأعراب و يكون في هذه الأحيان كلها ذاكرا و هذا هو الذي يقال فيه ذكر القلب الخارج عن ذكر اللفظ و ذكر الخيال فمن ذكر الله بهذا الذكر فهوجليسه دائما و هو الذي أثنى عليه ربه و ألحقه بالذين هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ و لما فسر الله الصلاة ما فسرها إلا بالذكر و هو التلاوة فقال يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله حمدني عبدي فقسم المناجاة بينه و بين عبده فالمناجاة هي عين الصلاة و المناجاة فعل فاعلين فيقول و يقول قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
«وصل» الرجوع الاختياري إلى الله يشكر عليه العبد قال عز و جل وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فإذا علمت هذا فارجع إليه مختارا و لا ترجع إليه مضطرا فإنه لا بد من رجوعك إليه و لا بد أن تلقاه كارها كنت أو محبا فإنه يلقاك بصفتك لا يزيد عليها فانظر لنفسك يا ولي قال ص من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه و أخبرنا في الكشف بالأخبار الإلهي المنفوث في الروع من الوجه الخاص فقيل لنا من استحى من لقاء الله آنسه الله و أزال خجله و ذلك أن العبد ما يجعله يستحيي إلا ما ظهر به من المخالفة أو التقصير عن حق الاستطاعة و ما ثم غير هذين فآنس الحق في ذلك أن يقول له يا عبدي إنما كان ذلك بقضائي و قدري فأنت موضع جريان حكمي فيأنس العبد بهذا القول فلو قال هذا القول العبد لله لأساء الأدب مع الله و لم يسمع منه و بهذا بعينه يؤنسه الحق فهو من جانب الحق في غاية الحسن و من جانب الخلق في غاية القبح قال ص الحياء خير كله قال و الحياء لا يأتي إلا بخيرو أي خير أعظم من هذا الخير أن يقيم الحق حجة العبد أنسا له و مباسطة و إزالة خجل و رفع وجل فسبحان اللطيف الخبير المنعم المتفضل و لما ورد على هذا التعريف الإلهي لم يسعني وجود بل ضاق عني الوجود مما امتلأت من هذا الخطاب و التعريف الإلهي حيث جعلني محلا لخطابه و أهلني لما أهل له أهل خصوصه و قد علمنا أن لقاء الله لا يكون إلا بالموت علمنا معنى الموت فاستعجلناه في الحياة الدنيا فمتنا في عين حياتنا عن جميع تصرفاتنا و حركاتنا و إراداتنا فلما ظهر الموت علينا في حياتنا التي لا زوال لها عنا حيث كنا التي بها تسبح ذواتنا و جوارحنا و جميع أجزائنا لقينا الله فلقينا فكان لنا حكم من يلقاه محبا للقائه فإذا جاء الموت المعلوم في العامة و انكشف عنا غطاء هذا الجسم لم يتغير علينا حال و لا زدنا يقينا على ما كنا عليه فما ذقنا إلا الموتة الأولى و هي التي متناها في حياتنا الدنيا فوقانا ربنا عذاب الجحيم فَضْلًا من رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قال علي رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا فمن رجع إلى الله هذا الرجوع سعد و ما أحس بالرجوع المحتوم الاضطراري فإنه ما جاءه إلا و هو هناك عند الله فغاية ما يكون الموت المعلوم في حقه أن نفسه التي هي عند الله يحال بينها و بين تدبير هذا الجسم الذي كانت تدبره فتبقى مع الحق على حالها و ينقلب هذا الجسد إلى أصله و هو التراب الذي منه نشأت ذاته فكان دارا رحل عنها ساكنها فأنزله الملك في مَقْعَدِ صِدْقٍ عنده إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ و يكون حاله في بعثه كذلك لا يتغير عليه حال من كونه مع الحق لا من حيث ما يعطيه الحق مع الأنفاس و هكذا في الحشر العام و في الجنان التي هي مقره و مسكنه و في النشأة التي ينزل فيها فيرى نشأة مخلوقة على غير مثال تعطيه هذه النشأة في ظهورها ما تعطيه نشأة الدنيا في باطنها و خيالها فعلى ذلك الحكم يكون تصرف ظاهر النشأة الآخرة فينعم بجميع ملكه في النفس الواحد و لا يفقده شيء من ملكه من أزواج و غير هن دائما و لا يفقدهم فهو فيهم بحيث يشتهي و هم فيه بحيث يشتهون فإنها دار انفعال سريع لا بطء فيه كباطن هذه النشأة الدنياوية في الخواطر التي لها سواء فالإنسان في الآخرة مقلوب النشأة فباطنه ثابت على صورة واحدة كظاهره هنا و ظاهره سريع التحول في الصور كباطنه هنا قال تعالى أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ و لما انقلبنا قلبنا فما زاد علينا شيء مما كنا عليه فافهم و هذا الرجوع المذكور في هذا الوصل ما هو رجوع التوبة فإنه لذلك الرجوع المسمى توبة حد خاص عند علماء الرسوم و عندنا و هذا رجوع عام في كل الأحوال التي يكون عليها الإنسان فهذا الفرق بين الرجوعين فإن التوبة رجعة بندم و عزم علىأمر و هذا ليس كذلك فالتوبة في العموم معلومة و هذا الرجوع في الخصوص معلوم لا يناله إلا أهل الله الذين هم هم
«وصل» العبودية ذلة محضة خالصة ذاتية للعبد لا يكلف العبد القيام فيها فإنها عين ذاته فإذا قام بحقها كان قيامه عبادة و لا يقوم بها إلا من يسكن الأرض الإلهية الواسعة التي تسع الحدوث و القدم فتلك أرض الله من سكن فيها تحقق بعبادة الله و أضافه الحق إليه قال تعالى يا عِبادِيَ (الَّذِينَ آمَنُوا) إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ يعني فيها ولي مذ عبدت الله فيها من سنة تسعين و خمسمائة و أنا اليوم في سنة خمس و ثلاثين و ستمائة و لهذه الأرض البقاء ما هي الأرض التي تقبل التبديل و لهذا جعلها مسكن عباده و محل عبادته و العبد لا يزال عبدا أبدا فلا يزال في هذه الأرض أبدا و هي أرض معنوية معقولة غير محسوسة و إن ظهرت في الحس فكظهور تجلى الحق في الصور و تجلى المعاني في المحسوسات و لا تظهر المعاني في الصور الحسية إلا لقصور بعض النفوس عن إدراك ما ليس بمادة فإذا كان متضلعا من المعرفة بالله لم ير المعاني في مواد و لا رأى المواد في غير نفسها فأدرك كل شيء في شيئيته كانت ما كانت و هذا هو الإدراك الذي يعول عليه لأنه بريء من التلبيس و لا يصح بوجه من الوجوه أن يشهد الإنسان محض عبوديته و لا يقام في عبادته المحضة التي لا يخالطها شيء من الربوبية التي تعطيه الصورة التي خلق عليها إلا عن تجل إلهي فإذا لم يكن تجل فإن الإنسان يقام في الصورة التي خلق عليها فيكون عبدا ربا مالكا مملوكا مثل العامة سواء غير إن الفارق بينه و بين العامة أنه للعامة اعتقاد و لعلماء الرسوم علم و لهذه الطائفة شهود و هو العبد الممتزج الظاهر بالحقيقتين و ما يتخلص من هذا المزج إلا أهل العناية الذين يعمرون هذه الأرض الواسعة التي لا نهاية لها و كل أرض سواها فمحدودة ليس لها هذا الحكم و لهذا أربابها كثيرون فإن لكل عبد فيها ملكا يملكه و يتصرف فيه فلا يتعدى غيره عليه و بنفس ما يملك منها كان مالكا و ربا فيها و هذه الأرض الواسعة هي المتصرفة في سكانها الحاكمة عليهم بذاتها و هي مجلى الربوبية و منصة المالك الحق و فيها يرونه فمن كان من أهلها حيل بينه و بين الصورة التي خلق عليها فكان عبدا محضا شاهدا يشاهد الحق في عين ذاته فالشهود له دائم و الحكم له لازم و هؤلاء هم المسودون الوجه في الدنيا و الآخرة إذا علمت ذلك
«وصل» الانتقالات في الأحوال من أثر كونه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و العالم كله على الصورة و ليس هو غير الشئون التي تظهر بها و لا يشهد هذا الأمر كشفا إلا أصحاب الأحوال و لا يشهد هذا حالا إلا أهل السياحات و لا يشهده علما إلا القائلون بتجدد الأعراض في كل زمان فإن من عباد الله من لا يعرف بمكان إلا انتقل عنه إلى مكان غيرة منه على الله و على نفسه فأما غيرته على الله فإنه لا يعرف إلا به فحاله هو الذي يظهره الحق لهم فيغار على الجناب الإلهي حيثلا يذكر الله إلا به و ينبغي في نفس الأمر أن لا يذكروا الله إلا بالله فلما رأوا أن الأمر ظهر بالعكس و هو قوله ع حين قيل له من أولياء الله قال الذين إذا رأوا ذكر الله فغاروا من هذا و أرادوا احترام الجناب الإلهي حتى يذكروه ابتداء لا بسبب رؤيتهم و أما غيرتهم على نفوسهم فإنهم ما تحققوا بالحق في تقلباتهم لمشاهدتهم شئون الحق إلا حتى لا يعرفهم الخلق كما لا يعرفون الحق فما داموا يجهلون في العالم طاب عيشهم و علموا إن الله قد جعلهم أخفياء أبرياء مصانين في الكنف الأحمى من جملة ضنائنه فمتى ما عرفوا انتقلوا إما بالحال و هو التصرف بحكم العادات التي هي مثل الآيات المعتادة فلا يعرفها إلا الذين يعقلون عن الله و إما بالانتقال الحسي المكاني من مكان إلى مكان لتحققهم بالحق في نزوله من سماء إلى سماء فمن أراد أن يتمتع بوجود هذا الصنف و مشاهدته و يستفيد منه من حيث لا يشعر فلا يظهر له أنه يعرفه و يظهر العزة عليه و الاستغناء عنه و يصحبه صحبة عادة العامة و لا تبدو منه كلمة لا يرضاها الله فإنه لا يحتملها صاحب هذا الحال و ينفر منه كما ينفر ممن يعلمه فلا يعامله إلا بواجب أو مندوب أو مباح خاصة هكذا يقتضي حالهم
«وصل» الحالة البرزخية لا يقام فيها إلا من عظم حرمات الله و شعائر الله من عباده و هم أهل العظمة و ما لقيت أحدا من هذا الصنف إلا واحدا بالموصل من أهل حديثة الموصل كان له هذا المقام و وقعت له واقعة مشكلة و لم يجد من يخلصه منها فلما سمع بنا جاء به إلينا من كان يعتقد فيه و هو الفقيه نجم الدين محمد بن شائي الموصلي فعرض علينا واقعته فخلصناه منها فسر بذلك و ثلج صدره و اتخذناه صاحبا و كان من أهل هذا المقام و ما زلت أسعى في نقلته منه إلى ما هو أعلى مع بقائه على حاله فإن النقلة في المقامات ما هي بأن تترك المقام و إنما هو بأن تحصل ما هو أعلى منه من غير مفارقة للمقام الذي تكون فيه فهو انتقال إلى كذا لا من كذا بل مع كذا فهكذا انتقال أهل الله و هكذا الانتقال في المعاني لا يلزم من انتقل من علم إلى علم إن يجهل العلم الذي كان عليه بل لا يزال معه إذا كان عالما و صاحب هذا الحال بين الله و بين نفسه فهو ناظر إلى نفسه ليرى ربه منها أو فيها فإذا لم يبد له مطلوبه صرف النظر بالحال إلى ربه ليرى في ربه نفسه فإذا رآه الحق على ذلك جاءه الاسم الغيور فخاف عليه إن يناله فرده إلى رؤية نفسه و أشهده في نفسه ربه و هو المقام الذي يأتي عقيب هذا إن شاء الله
«وصل» من شهد نفسه شهود حقيقة رآها ظلا أزليا لمن هي على صورته فلم يقم مقامه لأن المنفعل لا يقوم مقام فاعله فلا تسجد الظلال إلا لسجود من ظهرت عنه فالظلال لا أثر لها بل هي المؤثر فيها و كل منفعل ففاعله أعلى منه في الرتبة فلا تشهد الأشياء إلا بمراتبها لا بأعيانها فإنه لا فرق بين الملك و السوقة في الإنسانية فما تميز العالم إلا بالمراتب و ما شرف بعضه على بعضه إلا بها و من علم أن الشرف للرتب لا لعينه لم يغالط نفسه في أنه أشرف من غيره و إن كان يقول إن هذه الرتبة أشرف من هذه الرتبة و هذا مقام العقلاء العارفين يقول رسول الله ص كثيرا في هذاالمقام في حق نفسه و تعليما لنا إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فلم ير لنفسه فضلا علينا ثم ذكر المرتبة و هي قوله يُوحى إِلَيَّ و لا خلاف بين العقلاء أنه من تعاظم في نفسه بشرف غيره إنه أخرق جاهل إذ لم يكن شرفه بنفسه و الأمر ليس كذلك فالعاقل الحاضر الشهيد لا يرى لنفسه شرفا يفتخر به على أمثاله أ لا تراه ص إنه قال أنا سيد الناس يوم القيامة و لا فخرفنفى أن يقصد بذلك الفخر ثم ذكر الرتبة التي لها الفخر الذي هو ص مترجم عنها و ناطق بلسانها فذكر رتبة الشفاعة و المقام المحمود فالفخر للرتبة لا لنا فما هلك امرؤ عرف قدره و لنا بحمد الله في هذا المقام القدم الراسخة و المراتب نسب عدمية فلا فخر بالذات إلا لله وحده و إذا كان الفخر فينا للرتب و الرتب نسب عدمية فما فخرنا إلا بالعدم و ناهيك ممن فخره بالعدم
«وصل» الأمر الإلهي نافذ في المأمور لا يتوقف لأمره مأمورة فإذا ورد الأمر الإلهي على لسان الكون ظهر في الأمثال فاعتزت النفوس أن تكون تتصرف تحت أوامر أمثالها فردت أوامر الحق إما على جهالة بأنها أوامر الحق و إما على علم بأنها أوامر الحق لكن أثرت فيها الواسطة لأن المحل برد الحال فيه إلى صورته كالماء في الأوعية إلا إن المأمور إذا كان على بينة من ربه أبصر المأمور به ليس في قدرته إيجاد عينه إلا أن يتعلق به الأمر الإلهي الذي له النفوذ فيهيئ محله لوجود المأمور به عند إيجاد الحق إياه فإذا هيأ محله أوجده الحق فيقال في المحل إنه عبد طائع لله فيما أمره به و لسان الحال و الكشف يقول ليس لك من الأمر شيء و إذا لم يهيئ محله لوجود المأمور به لم يظهر للمأمور به عين فقيل عبد عاص أمر ربه مخالف و لسان الحال و الكشف يقول له لَيْسَ لَكَ من الْأَمْرِ شَيْءٌ و سواء كان الواسطة يأمر أو يتكلم بلسان حق أو بغير لسان حق فإن هذه مسألة قد فشت في العامة و هي مبنية على أصل فاسد فيقولون في المذكرين إذا لم يؤثروا في السامعين أنه لو خرج الكلام من القلب لوقع في القلب و إذا كان من اللسان لم يعد الآذان و يشيرون بذلك إلى المذكر لو كان صادقا فيما يدعو به الناس إلى الله لأثر و معلوم أن الأنبياء و الرسل ع صادقون في أحوالهم بل هم أصدق الدعاة إلى الله ثم إنهم يدعون على بصيرة إلى الله بصورة ما أوحى به إليهم فهم صادقون بكل وجه و مع هذا يقول نوح ع إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَ نَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً و قال فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ يعني دعاء الحق على لسان الرسول ص ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً في الْأَرْضِ فلا تغالط نفسك و انظر فيما دعيت إليه فإن كان حقا و لو كان من شيطان فاقبله فإنك إنما تقبل الحق و لا تبال من جاء به هذا مطلب الرجال الذين يعرفون الأشياء بالحق ما يعرفون الحق بالأشياء و أصحاب هذا الوصف هم العارفون بالموازين الإلهية المعرفة التامة و هم قليلون في العالم إلى وقتي هذا ما رأيت منهم واحدا و إن كنت رأيته فما رأيته في حال تصرفه في هذا المقام و هم حكماء هذا الطريق ناطقون بالله عن الله ما أمرهم به الله
«وصل» إذا أضيف حكم من أحكام الوجود إلى غير اللهأنكره أهل الشهود خاصة و هم الذين لا يشهدون شيئا و لا يرونه إلا رأوا الله قبله كما قال الصديق عن نفسه و أما العلماء فهم في هذا المقام على حكم الحق فيه لا على ما يشهدونه فينكرون النكرة و يعرفون المعرفة إذ كان الوجود مبناه على المعرفة و هو الأصل فلما جاءت الأمثال و الأشباه ظهر التنكير فافتقرنا إلى البدل و النعت و عطف البيان و لو لا الأمثال و حصول التنكير ما احتجنا إلى شيء و ليست الحدود الذاتية للأشياء تقوى قوة النعوت فإن الحدود الذاتية مثلا للإنسان بما هو إنسان لا تميز زيدا عن عمرو فلا بد من زيادة يقع بها تعريف هذا التنكير لو قلت جاءني إنسان لم يعرف من هو حتى تقول فلان فإن كان في حضرة التنكير نعته أو أبدلت منه أو عرفته بعطف البيان حتى تقيمه في حضرة التعريف ليعرف المخبر به من أردت و هذا مقام لم يتحقق به أحد مثل الملامية من أهل الله و هم سادات هذا الطريق و من الناس من ينكر على الحق لا على جهة الاعتراض عليه و إنما يطلب بذلك أن يعلم ما هو الأمر عليه الذي جهله بالتعريف الإلهي الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ على لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ و من هذا المقام قولي
«وصل» الحدود الذاتية الإلهية التي يتميز بها الحق من الخلق لا يعلمها إلا أهل الرؤية لا أهل المشاهدة و لا غيرهم و لا تعلم بالخبر لكن قد تعلم بعلم ضروري يعطيه الله من يشاء من عباده لا يلحق بالخبر الإلهي و ما ثم أمر لا يدرك من جهة الخبر الإلهي إلا هذا و ما عدا هذا فلا يعلم إلا بالخبر الإلهي أو العلم الضروري لا غير فحدود الموجودات على اختلافها هي حدود الممكنات من حيث أحكامها في العين الوجودية و حد العين الوجودية الذاتي ليس إلا عين كونها موجودة فوجودها عين حقيقتها إذ ليس لمعلوم وجود أصلا و غاية العارفين أن يجعلوا حدود الكون بأسره هو الحد الذاتي لواجب الوجود و العلماء بالله فوق هذا الكشف و المشهد كما ذكرناه قبل و هم رضي الله عنهم يحافظون على هذا المقام لسرعة تفلته من قلوبهم فإنه من لم تستصحبه الرؤية دائما مع الأنفاس فإنه لا يكون من هؤلاء الرجال و هذا مقام من يقول ما رأيت إلا الله فإن قيل له فمن الرائي قال هو فإن قيل له فمن القائل قال هو فإن قيل له فمن السائل قال هو فإن قيل له فكيف الأمر قال نسب تظهر فيه منه له فما ثم في ثم إلا هو و هو عين ثم و هذا هو مشهد أبي يزيد البسطامي رضي الله عنه بالحال
و ممن عرف الحق من كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه فمن قواه العلم بالأمور و الحق تلك القوة و العبد موصوف بها فهو موصوف بالحق و الحق يعلم نفسه فهذا العبد عالم به من حيث ما هو الحق عين صفته فما علمه إلا به و من له هذا المقام من العلم بالله فلا يجاريه أحد في علمه بالله فهذا هو العالم بالحد الذاتي الذي لا ينقال «وصل» رأيت بقونية فيمشهد من المشاهد شخصا إلهيا يقال له سقيط الرفرف ابن ساقط العرش و رأيت بفأس شخصا يوقد في الأتون ممن سقط و صحبته و انتفع بنا فإن جماعة من أهل الله يعرضون عن الساقطين و سبب ذلك إنهم ما بلغوا من معرفة الله بحيث إنهم يرونه عين كل شيء فلما حصروه صار عندهم كل من سقط من ذلك المقام الإلهي الذي عينوه أعرضوا عنه لبعده عندهم من الله تعالى و العلماء بالله ما لهم حالة الإعراض عن هؤلاء لأنهم في حال الثبوت و حال السقوط ما خرجوا عن المقام الإلهي و إن خرجوا عن المقام السعادي فلا أثر للسقوط عندهم فهم مقبلون على كل ساقط قبول رحمة أو قبول علم و معرفة لأنهم علموا أين حصل لما سقط أو من هو الذي سقط و قد رفع الله المؤاخذة عنهم و عمن كانوا عنده و هذا من أعظم العناية لمن عقل عن الله بهم و هم لا يشعرون و لا يشعر بهم إلا العلماء بالله قال تعالى وَ ما تَسْقُطُ من وَرَقَةٍ و هي ما تسقط إلا من خشية الله كما قال وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ من خَشْيَةِ الله و الهبوط سقوط بسرعة عن غير اختيار و الجبر الأصل فهذا حكم الأصل قد ظهر في الساقطين
«وصل» و أما رجال الله الذين يحفظون نفوسهم من حكم سلطان الغفلة الحائلة بينهم و بين ما أمروا به من المراقبة فهم قسمان قسم له الإطلاق في الحفظ كإطلاق حكم الشرع في أفعال المكلف و قسم له التقييد في الحفظ ظاهرا لا باطنا فأما أهل الإطلاق فمنهم من يحافظ على ما عين الحق له منه إنه وسعه و هو القلب و منهم من يحافظ على ملازمة الحجاب الذي يعلم أن الحق وراؤه فيكون له كالحاجب في العالم ينفذ أوامره و هذه حالة القطب فليس له من الله إلا صفة الخطاب لا الشهود لأنه صاحب الديوان الإلهي فلا يكون إلا من وراء حجاب إلى أن يموت فإذا مات لقي الله و هو مسئول عن العالم و العالم مسئول عنه و هذا هو مقام الرسل صلوات الله عليهم أجمعين و شركهم في هذا المقام من يحافظ على الصلوات في الجماعات إذا قدر عليها و على كثرة النوافل منها ليلا و نهارا و لما علموا إن الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ و هم من الأشياء و هم الذين ادعوا أنهم أهل الصورة المثلية لزمهم إن يقوموا في هذه الصفة فيصدق عليهم اسم الحفيظ على كل شيء فيحفظوا ما خصص الله به نفسه في ملكه من الحقوق التي له أن ينازعه فيها أحد من عالمهم و ينوب عن العالم بأسره فيما فيه مصالحهم لما هو العالم عليه من الغفلة و الجهل فبالجهل لا يعرف مصالحه من غير مصالحه و بالغفلة يغفل عن مصالحه و إن كان يعرفها إذا نبه لها فيكون هذا العبد الحفيظ على كل شيء مستحقا هذا الاسم و لما علم إن عليه من الله حافظا يكتب ما يعمله من أفعاله حفظ ما يملي عليه حتى يقع لصحيفته ميز على سائر الصحف إذا رفعت إلى الله هذا شأن القوم و أما أنا فأقول
و لما رأيت ما ينبغي لله و ما ينبغي للعبد و رأيت ما حجب الله به عباده المنسوبين إليه من حيث إنه جعل لهم في قلوبهم أنهم يعتقدون أن لهم أسماء حقيقة و أن الحق تعالى قد زاحمهم فيها و حجبهم عن العلم بأن تلك الأسماء أسماؤه تعالى زاحموه بالتخلق بالأسماء الإلهية و قابلوا مزاحمة بمزاحمة و ما تفطنوا لما لم يزاحمهم فيه من الذلة و الافتقار الذي نبه لأبي يزيد عليها و لنا اعتناء من الله فهذه أسماؤهم لا ما أدعوها فزاحموه فيما تخيلوه من الأسماء أنها لهم و هم لا يشعرون و لقد كنت مثلهم في ذلك قبل أن يمن الله علي بما من به علي من معرفته فعلمني إن الأسماء أسماؤه و أنه لا بد من إطلاقها علينا فأطلقناها ضرورة لا اعتقادا و أطلقتها أنا و من خصه الله بهذا العلم على الله اعتقادا و أطلقها غيرنا اضطرارا إيمانيا لكون الشرع ورد بها لا اعتقادا فحفظنا عليه ما هو له حين لم يحفظه و مكر بعباده و في ذلك قلت
فمن حفظ على نفسه ذله و افتقاره و حفظ على الله أسماءه كلها التي وصف بها نفسه و التي أعطى في الكشف أنها له فقد أنصف فاتصف بأنه عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ «وصل» و لما فتح الله باب الرحمتينو بان الصبح بهما لذي عينين أوقف الحق من عباده من شاء بين يديه و خاطبه مخبرا بما له و عليه و قال له إن لم تتق الله جهلته و إن اتقيته كنت به أجهل و لا بد لك من إحدى الخصلتين فلهذا خلقت لك الغفلة حتى تتعرى عن حكم الضدين و النسيان لأنه بدون الغفلة يظهر حكم أحدهما فاشكر الله على الغفلة و النسيان ثم قيل له احذر من أهل الستور إن يستدرجوك إليها فإنهم أهل خداع و مكر أ يكون الستر على من هو منك أقرب من حَبْلِ الْوَرِيدِ فما استتر عنك إلا بك فأنت عين ستره عليك فلو رأيت باطنك رأيته و كذلك ذو الوجهين فإن له وجها معك و وجها معه فيحيرك فاحذره كما تحذر الحجاب فهم جعلوا أنفسهم حجابا ما أنا اتخذتهم حجبة فإذا رأيت من يدعوك إلى فيك فأولئك حجتي فاصغ إليهم فإنهم نصحوك و صدقوك ثم قيل له لم يتسم الله بالحكيم إلا من أجلك و تسمى بالعليم من أجلك و من أجله فقد خصك بأمر ليس له و هو لك فأنت أعظم إحاطة في الصفات منه لأنه كل ما له لك فيه اشتراك فما اختص بشيء دونك و هو كماله الذي ينبغي له و اختصصت أنت بأمر ليس له و هو كمالك الذي ينبغي لك و لا ينبغي له فما ثم إلا كمال في كمال ثم قيل له اتبع الخبر و لا تتبع النظر المعرى عن الخبر فإن الله ما تسمى بالخبير إلا لهذا ثم قيل له اعتمد عليه تعالى في وكالتك و احذر أن تكون له وكيلا ثم قيل له أنت قلب العالم و هو قلبك فشرفك به و شرف العالم بك ثم قيل له لا تجهل من أنت له و هو لك مثل من أنت منه و ما هو منك كما لا تجعل من هو منك من أنت منه و أجر مع الحقائق على ما هي عليه في أنفسها فإن لم تفعل و قلت خلاف هذا تكذبك مشاهدة الحقائق فتكون من الكاذبين و هذا هو قول الزور لأنه قول مال بصاحبه عن الحق الذي هو الأمر عليه و زال عن العدل ثم قيل له ليكن مشهودك ما تقصده حتى تعرف ما تقصد فإن اجتهدت و أخطأت بعد الاجتهاد فلا بأس عليك و أنت غير مؤاخذ فإن الله ما كلف نفسا إلا ما أتاها فقد وفت بقسمها الذي أعطاها الله فهو الذي ستر ما ستر لحكمه و كشف ما كشف لحكمه رحمة بعباده ثم قيل له الحق أولى بعباده المضافين إليه المميزين من غيرهم و هم الذين لم يزالوا عباده في حالة الاضطرار و الاختيار من نفوسهم و ما هو مع من لم يضف إليه بهذه المثابة فلكل عالم حظ معلوم من الله لا يتعدى قسمه ثم قيل له إذا بذلت معروفا فلا تبذله إلا لمعروف و أنت تعرف من هو المعروف فإن للمعروف أهلا لا يعلمهم إلا الله و من أعلمه الله ثم قيل له قد علمت إن لله ميثاقين و أنك مطلوب بهما فإن العلماء ورثة الأنبياء فانظر لمن أنت وارث فإن ورثت الجميع تعين عليك العمل بميثاق الجميع و إن كنت وارثا لمعين فأنت لمن ورثته ثم قيل له أصدق و لا تأمن ثم قيل له إن ذكرت النعم كنت لها و كنت عبد نعمة و إن ذكرت الله كنت له و كنت عبد الله و إن ذكرت الأمرين كنت عبد المنعم و عبد الله فأنت أنت حكيم الوقت فإن لم تناد بعبد المنعم فاعلم إنك عبد المنعم خاصة فاجعل بالك إذا نوديت من سرك بأي اسم تنادي من أسماء إضافة العبودية إليه فكن منه على حذر ثم قيل له إن لله قهرا خفيا في العالم لا يشعر به و هو ما جبرهم عليه في اختيارهم و قهرا جليا و هو ما ليس لهم فيه اختيار يحكم عليهم فرجال الله يراقبون القهر الخفي لأنه عليه يقع السؤال من الله و المطالبة فإن شهدت الجبر في اختيارك كنت ممن شهد الجبر الجلي فيرفع عنك المطالبة ذلك الشهود و لكن المشاهد له عزيز ما رأيت من أهل هذا اللسان و الحال إلا قليلا بل ما رأيت إلا واحدا بالشام ففرحت به ثم قيل له لك ست جهات أربعة منها للشيطان و واحدة لك و واحدة لله فأنت فيما منها لله معصوم فمن ثم خذ التلقي و احذر من الباقي و هو الخمسة و لذا جاءالشرع بخمسة أحكام منها جهتك و جهات الشيطان منك و أما جهته منك فلا حكم فيها للشرع و هي جهة معصومة لا يتنزل على القلب منها إلا العلوم الإلهية المحفوظة من الشوب ثم قيل له إذا كنت مؤمنا فكن عالما حتى لا تزلزلك الشبه و ما علم لا يزلزل صاحبه الشبه إلا ما كان من الله فكل علم عن غير الله تزاحمه الشبه و الشكوك في أوقات ثم قيل له لا يقيدك مقام فإنك محمدي فلا تكن وارثا لغيره تحز المال كله فمن ورثه من أمته زاد على سائر الأنبياء بصورة الظاهر فإنهم ما شهدوه حين أخذوا عنه رسالاتهم إلا باطنا كما يتميز على سائر الأنبياء من أدرك شريعته الظاهرة كعيسى ع و الياس فهذان قد كمل لهم المقام المحمدي ثم قيل له الاستئذان في الخير دليل على الفتور و الرغبة فإن استأذنت ربك في خير تعلم أنه خير فانظر فإن أجابك بالعمل به فحسن و إن خيرك فقد مكر بك و استدرجك و إن لم تقع عندك منه إجابة فاعلم إن في إيمانك ثلمة فإنك ما علمت أنه خير إلا من جهة الشارع و الشارع الله فلأي شيء تستأذن بعد العلم فجدد إيمانك بين يديه و قل لا إله إلا الله محمد رسول الله آمنت بما جاء من عندك و اشرع في العمل و لا تستأذن في شيء قط فإن الله عليك رقيب فهو يلهمك ما فيه مصالحك و ميزان الشرع الذي شرع لك بيدك لا تضعه من يدك ساعة واحدة و لا نفسا واحدا بل لا يزال أهل الله مع الأنفاس في وزن ما هم عليه فهم الصيارفة النقاد ثم قيل له أنت على ملكك و عن ملكك زائل و عن بلدك راحل و عن الدنيا منتقل فلا تفرط في الزاد فإنك ما تأكل إلا ما تحمل معك و لا تشرب إلا ما ترفع معك في مزادتك فالطريق معطشة و البلاد مجدبة ثم قيل له لا تزد في العهود و يكفيك ما جبرت عليه و لهذا كره رسول الله ص النذر و أوجب الوفاء به لأنه من فضول الإنسان كما كان السؤال هو الذي أهلك الأمم قبل هذه الأمة من فضولهم فإن السؤال يوجب إنزال الأحكام و كما جرى في هذه الأمة من إثبات القياس و الرأي فإن رسول الله ص كان يحب التقليل على أمته من التكليف و بالقياس كثر بلا شك فشغلوا نفوسهم بما كرهه رسول الله ص مع أن لهم في ذلك أجرا لأنهم أخطئوا في الاجتهاد في إثبات القياس بلا شك فالله ينفعهم بما قصدوا و أما سائر الأمة فلا يلزمهم إلا ما جاء عن الله و عن رسوله و ما كان عن رأى أو قياس فهم فيه مخيرون إن اتبعوه و قلدوا صاحبه فما قلدوا إلا ما قرر الشارع حكمه في ذلك الشخص و في هذا نظر فإنه ما أمرنا أن نسأل إلا أهل الذكر و هم أهل القرآن يقول الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ يريد القرآن ثم قيل له لا تسلك من الطرق إلا ما تقع لك فيه المنفعة و الربح فإنها تجارة و هكذا سماها الله فقال هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ ثم ذكر الايمان و الجهاد و قال فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ في حق من ابتاع الضلالة بما كان في يديه من الهدى ثم قيل له عليك بالالتجاء إلى من تعرف أنه لا يقاوم فإنه يحميك ثم قيل له عليك بآثار الأنبياء فإنها طرق المهتدين ثم قيل له إياك و الحسد فإنه يخلق الحسنات و أول ما يعود وباله على صاحبه ثم قيل له لا يكون التيسير الإلهي من نعوت الحق إلا إذا ظهر الحق بصورة أهله فإن المنازع لله في إيجاد الممكن العدم الذاتي الذي للممكن فانظر ما يزيله و الأمر الذاتي يحكم لنفسه فتعمل في الخروج من هذه الشبهة ثم قيل له خلق الله العالم أطوارا و كل طور يزهد في طوره و يذمه و يثني على ما سواه فما الذي دعا إلى ذلك و ما الذي أفرح كل أحد بما عنده حتى منعه ذلك الفرح من الخروج عنه ثم قيل له الاقتداء شأن الرجال فاقتد بالله من كون الميزان في يده فإن فاتك هذا الاقتداء هلكت ثم قيل له الايمان برزخ بين إسلام و إحصان و هو الاستسلام فلهذا يكون الإسلام و لا إيمان و يكون الايمان و لا استسلام فالزم الاستسلام تفز بالجميع و ما ثم برزخ لا يقوي قوة الطرفين إلا الايمان فكل برزخ فيه قوة الطرفين هو الايمان ثم قيل له ألحق المتأخر بالمتقدم فتسعد و لا تعكس الأمر ثم قيل له لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله و خلق الله كلماته و لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله و إنما التبديل لله من كونه متكلما لا من كونه قائلا فإن ظهرت القولة بصورة الكلمة لم تبدل لكونها قولا لا من حيث إنها كلمة من الكلام ثم قيل له الحزاء بالخير حتم و بالشر في المشيئة ثم قيل له الاستناد إلى القوي حمى لا ينتهك فيرجع طالب انتهاكه خاسرا ثم قيل له النزول من العلو بإنزال و بغير إنزال فمن نزل من غير إنزال فهو محمود و من نزل بإنزال فقد يحمد و الخلافة أرفع الدرجات و لها العلو فمن خلع نفسه منها حمد و إن كان فيها و من خلع منها فقد يحمد و هو بحسب ما يقع له ثم قيل له إن كنت وارثا فلا ترث إلا الحق فقال و كيف يورث الحق فقال إذا أشهدك الحق غناه عن العالمين فقد تركهم فهذه تركة إلهية لا يرثها إلا أنت إن كنت صاحب هذا الشهود فتعرف من هذا الورث ما لم تكن تعرفه قبله من العالم ثم قيل له لا تخلط بين الأمور و أنزل كل شيء حيث أنزلته حقيقته فلا تقل ما ثم إلا الله و لو كان كذلك و هو كذلك أ ليست المراتب المعقولة قد ميزت بين كونه كذا و كونه كذا و العين واحدة كما تقول و لكن هو من كذا أمر و من كذا أمر آخر و أراك تحس بالألم و تهرب منه فما الذي دعاك إلى ما منه تهرب و أراك تحس باللذة و أراك فاقدا ما كنت تطلب فبهذا القدر أثبت عينك و اعرف أينك فعلى كل حال الكثرة موجودة و الأغيار مشهودة و عالم و جاهل و أمر و مأمور و حاكم و محكوم عليه و محكوم به و محكوم فيه و مريد و مراد و تخيير و جبر و فاصل و مفصول و واصل و موصول و قريب و أقرب و وعد و وعيد فالفائدة في مخاطب و مخاطب و خطاب و مخاطب به الإنسان واحد بجملته و أعضاؤه متميزة و قواه متعددة و هو هو لا غير فأي شيء تألم منه سرى الألم في كله و ترى شخصا يتألم و آخر يسر بألمه و آخر يحزن لذلك فلو كان الأمر واحدا كما هو في الإنسان لسرى الألم في العالم بأسره إذا تألم منه واحد فليس الأمر كما تخيلته إذا كشف الغطاء علمت ما أقول فانصح نفسك إن أردت أن تلحق بالعلماء بالله الذين أسعدهم الله فالظاهر لله و الباطن كالروح و الجسد فكما لا يفترقان كذلك لا يفترقان فما الأمر إلا عبد و رب فما هو إلا أنت و هو فالطائع مهتد و العاصي حائر بين ما أريد منه و ما أمر به و اعلم أن الله لما أنكح العقل النفس لإظهار الأبناء لا لحصول لذة الابتناء أسكنها أرض الطبيعة فأثرت في مزاجها إذ كانت الأرض تقلب ما يزرع فيها إلى طبيعتها اجعل بالك إلى قوله تعالى يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ و الأرض واحدة و تختلف الطعوم و الروائح و الألوان فإن قلنا في العسل إنه حلو لذيذ فترى بعض الأمزجة تتألم به و لا تلتذ و تجده مرا و كذلك الروائح و الألوان فرأينا هذا الاختلاف يرجع إلى الإدراكات لا إلى الأشياء فرأيناها نسبا لا حقيقة لها في أعيانها إلا من حيث جوهرها ثم قيل له قف عند الإضافات و النسب تعثر على الأمر على ما هو عليه ثم قيل له إذا أيه الله بك فاعلم من أين نوديت و أين كنت و لما ذا دعيت و من دعاك و ما دعاك فكن بحسب ما ينتج لك ما ذكرته ثم قيل له السعادة في الايمان لا في العلم و الكمال في العلم فإن جمعت بينهما فأنت إذا أنت ما فوقك غاية ثم قيل له هذه حضرة الأخبار فاجعل بالك لكل خبر يأتيك فيها فإنك إن فقدتها لم تنل في غيرها ما تنال فيها و فيها من العلوم ما أذكره لك إن شاء الله فمن ذلك علم من أين صدر الأمر و النهي و جميع الأحكام و النواميس الوضعية و الإلهية و فيه علم التنبيه على حقائق الأشياء بالتصريح و التضمن و الإيماء و فيه علم خلق باطن الإنسان دون ظاهره و كم إنسان في الوجود فإذا علمت أنه ما في الوجود إلا ثلاثة أناسا الإنسان الأول الكل الأقدم و الإنسان العالم و الإنسان الآدمي فانظر ما هو الأتم من هؤلاء الثلاثة و فيه علم ما لا يعلم إلا بالإيمان و فيه علم الموازنة و فيه علم ما يؤثره القصد في الأمور مما لا يقصد و فيه علم الالتحام و فيه علم الدواوين الإلهية و الكتاب و العمال و المتصرفين و فيه علم الشروط و الشهادات و القضايا المبثوثة في العالم و فيه علم محاسبة الديوان العمال و فيه علم الحركة و السكون و فيه علم الإطلاق الذي لا تقييد فيه فإذا علمه من علمه تقيد فيه و فيه علم الميل و الاعتدال و بأيهما يقع التكوين و فيه علم الخواص في الإنسان و هي الطبيعة المجهولة و فيه علم الإهمال و الإمهال و من يتولى ذلك من الأسماء و قوله قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ و فيه علم المحاربة الإلهية و فيه علم المنع الإلهي و هو يناقض الجود المطلق هل اقتضاه من اقتضائه لذاته أو لأمر آخر و فيه علم عصمة الرسل و فيه علم تنوع العالم من أين قبله و ما صدر فيما يعطيه الدليل العقلي إلا ممن لا يقبل التنوع و فيه علم الأنبياء و الأولياء و العقلاء و الفروق بين هؤلاء و فيه علم حكمة التقديم و التأخير الزماني و الوجودي و المكاني و الرتب و فيه علم القبول و الرد و فيه علم ما يجده الحيوان من الخوف هل هو أمر طبيعي أم إلهي و وصف الملائكة بالخوف و لما خافت الملائكة ربها من فوقها فإنه لا يخاف تعالى إلا لما يكون منه مما فوق الملائكة من الأسباب المخيفة و أي الملائكة هم الموصوفون بالخوف هل كلهم أو جنس منهم و فيه علم تدبير الروح الواحدة نفوسا كثيرة و من هنا تعرف النشأة الآخرة و فيه علم تعظيم العقوبة على المقرب صاحب الرتبة العليا و لما ذا لم تحمه رتبته عن العقوبة و الفرق بين العقوبة و العذاب و الألم و الآلام و فيه علم ما جبلت عليه النفوس من النزاع و المخالفات و فيهعلم طهارة النفوس هل طهارتها ذاتية أو مكتسبة و فيه علم فضل الشهادتين و ما يحمد من الشرك و ما يذم و فيه علم مرتبة المؤمن من غيره مع الاشتراك في الإنسانية و لوازمها و حدودها و الذي وقع به التمييز موجود في كل إنسان لأنه محقق في نفس الأمر فنسبته إلى كل إنسان نسبة واحدة فلما ذا خصص به المؤمن من غيره و فيه علم مراعاة الأكوان من الأكابر دون الحق هل ذلك من الرحمة بهم أو هو من خور الطبع و فيه علم مرتبة الواجبات الإلهية و فيه علم الشروط و الشهادة و القضايا المبثوثة في العالم و فيه علم الانتساب إلى الله و من ينبغي أن ينسب إلى الله و بما ذا يقع النسب إلى الله الزائد على العبودة و فيه علم غريب و هو نزول الحق إلى العالم في صفاتهم أو عروج العالم إلى الله بصفاته فإن الأمر فيه في غاية الغموض فإن أكثر العلماء بالله يقولون إن الحق نزل إلى نعوت عباده و الحقائق تأبى ذلك و الكشف و فيه علم الأنوار النبوية المقتبسة من السبحات الإلهية لا الوجهية و فيه علم النقض بعد الإبرام فلما ذا أبرم و فيه علم الاختصاص و أهله في المحسوس و المعقول و فيه علم قرب النفوس و بعدها من الحضرة الإلهية و فيه علم التحجير على الأكابر من العلماء بالله و شهودهم لا يقضى به و فيه علم الآداب الإلهية و ما ذا حجب الله عن عباده من المعارف و هل المعارف هي العلوم أو تختلف حقائقها كما اختلفت أسماؤها و فيه علم النفوس و الأرواح هل هما شيء واحد أو يفترقان و فيه علم السبب الذي لأجله ظهر السلام في كل ملة و في الملائكة قال تعالى سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ و فيه علم الاسم الإلهي الصبور هل للاسم الحليم فيه حكم أم لا و فيه علم أسباب رفع الأذى من بعض العالم و هل يرتفع من العالم حتى لا يبقى له حكم أم لا و فيه علم فضل ما سوى الإنسان على الإنسان هل هو عام من جميع الوجوه أو يفضل عليه في شيء و يفضل هو على غيره في شيء و ما العلة في ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ