اعلم أيدك الله أنه إنما سمي الطلسم بهذا الاسم لمقلوبه يعني أنه مسلط على كل من وكل به فكل مسلط طلسم ما دام مسلطا فمن ذلك ما له تسليط على العقول و هو أشدها فإنه لا يتركها تقبل من الأخبار الإلهية و العلوم النبوية الكشفية إلا ما يدخل لها تحت تأويلها و ميزانها و إن لم يكن بهذه المثابة فلا تقبله و هذا أصعب تسليط في العالم فإن صاحبه المحجور عليه يفوته علم كثير بالله فطلسمه الفكر و سلطه الله عليه أن يفكر به ليعلم أنه لا يعلم أمر من الأمور إلا بالله فعكس الأمر هذا المسلط فقال له لا تعلم الله يا عقل إلا بي و الطلسم الآخر الخيال سلطه الله على المعاني يكسوها مواد يظهرها فيها لا يتمكن لمعنى يمنع نفسه منه و الطلسم الثالث طلسم العادات سلطه الله على النفوس الناطقة فهي مهما فقدت شيئا منها جرت إليه تطلبه لما له عليها من السلطان و قوة التأثير و ما يتميز الرجال إلا في رفع هذه الطلسمات الثلاثة فأما الطلسم الأول فرأيت جماعة من أهل الله قد استحكم فيهم سلطانه بحيث إنهم لا يلتذون بشيء من العلوم الإلهية التذاذهم بعلم يكون فيه رائحة فكر فيكونون به أعظم لذة من علمهم بما يعطيهم الايمان المحض بنوره الذي هو أكشف الأنوار و أوضحها بيانا و سبب ذلك ما نذكره و ذلك أن نور الايمان وهب إلهي ليس فيه من الكسب شيء و لا أثر للادلة فيه البتة فإنا قد رأينا من حصل العلم بالأدلة و بما دلت عليه بحيث لا يشك و مع هذا لا أثر للإيمان فيه بوجه من الوجوه فلما خرج عن كسب العبد فكأنه إذا فرح بما أعطاه نور الايمان من العلم فرح بما ليس له و أنه إذا أعمل الفكر في تحصيل علم بأمر ما و حصل له عن فكره و نظره فيه و اجتهاده كان له تعمل و اكتساب فكانت لذته بما هو كسب له أعظم مما ليس له فيه كسب لأنه فيما اكتسبه خلاق و لم يكن ذلك من هؤلاء إلا لجهلهم بأصولهم و بنفوسهم لأنهم لو علموا أنهم ما خرجوا من العدم إلى الوجود إلا بالمنة و الوهب و هبة الله لهم فأوجدهم فلم يكن لهم تعمل في ذلك و هم في غاية من الالتذاذ بوجودهم فكانوا على ما يعطي هذا الأصل أفرح بعلوم الوهب الذي يعطيهم نور الايمان من الذي يعطيهم الفكر بنظرهثم الحجاب الآخر في جهلهم بنفوسهم و بما فيهم إن العقل و الفكر ما حصل لهم من الحق بتعمل و لا اكتساب بل بوهب إلهي و هم به فرحون فهلا كان فرحهم بما وهبهم الحق من العلم بنور الايمان أعظم من فرحهم بما نالوه من جهة الفكر ثم إنهم من جهلهم و حجابهم إنهم يشهدون في أوقات في علم ما اتخذوه بالفكر شبها تدخل عليهم فيه فتزيله من أيديهم أو تحيرهم فيه فيغتمون لذلك الغم الشديد و يعملون فكرهم في أمر من أنواع الدلالات إما أن يزيل عنهم تلك الشبهات حتى يعلموا أنها شبهات فيرجعوا إلى ما كانوا عليه بلا مزيد و يخسرون ما يعطيه المزيد الإلهي في كل نفس و إما أن يعطيهم الفكر أن تلك الشبهة ليست بشبهة بل هي دليل أعطاهم العلم بضد ما كانوا عليه و أين الأمر الذي كانوا عليه فيفرحون به و يقولون هو علم لم يكن كذلك بل كان شبهة فلو فتح الله عليهم لكانوا في هذا الذي رجعوا إليه تحت إمكان أيضا كما ظهر لهم في حكم الأول الذي رجعوا عنه فلو لم يكن لصاحب الفكر في العلم الإلهي صارف يصرفه عنه إلا هذا لكان فيه كفاية و كلامنا هذا إنما هو في حق المؤمنين من أهل الله و أما من يرى أنه لا يأخذ إلا من الأرواح العلوية و إنها الممدة لهم و إنهم يستنزلونها لتفيدهم و أن جميع ما هم فيه إنما هو منهم كما يرون أن كل ما يحجبهم عن مثل هذا إنما هو نظرهم إلى شهواتهم و اشتغالهم بالأمور الطبيعية من أكل و شرب و نكاح و غير ذلك من مثل هذه الأمور فلا كلام لنا معهم فإنهم عبيد أكوان لا عبيد الله ليس لهم من الله رائحة إلا بعلم واحد إنه الأصل من غير تفصيل و لا استرسال و استصحاب و ظهور في كل جزء جزء من العالم الأعلى مساحة و معنى و العالم الأسفل مساحة و معنى فهم عن هذا كله محجوبون و به غير قائلين و لما كان الطلسم في أصل الوضع لا يضعه واضعه إلا لخفاء ما يمكن أن يشهد و يحصل أعملت الحيلة في رفع حكم ذلك الطلسم حتى يبدو ما كان يخفيه مما ينتفع به فالإنسان من حيث قيوميته التي يعتقدها في نفسه هو طلسم على نفسه و بتلك القيومية استخدم فكره و جميع قواه لأنه يعتقد أنه رب في ذاته و في ملكه مالك ثم رأى الحق قد كلفه و استعمله فزاد تحقيقا في قيوميته و لو لم يكن له قيام بما كلفه الحق ما كلفه فيقول باستعمالي لهذه القوي يكون لي الدليل على أني صدقت ربي و هو الصادق فيما كلفني به من استعمالها و لم يتحقق هذا المسكين المواضع التي يستعملها فيها ثم إنهم رأوا أن أشرف ما يكتسبونه بها العلم بذات الله و ما ينبغي لها أن تكون عليه فتركوا استعمال قواهم فيما يمكن لهم أن يصلوا إليه و استعملوها فيما لا يمكن الوصول إليه مع تبيين الحق لهم فيما شرع من قول الله وَ يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ أي لا تستعملوا فيها الفكر و قال رسول الله ص لا تتفكروا في ذات الله فعصوا الله و رسوله مع أنهم من أهل الله بالمعصية المقدرة عليهم فلا بد من نفوذ حكمها فيهم فالله يجعلنا ممن عصمه الله أن يستعمل قواه فيما ليس لها التصرف فيه إنه ولي كريم منعم محسان فإذا أراد الله أن يوفقك لرفع حكم هذا الطلسم حتى تشهد ما حجبك عنه وفقك لإزالة قيوميتك بقيوميته و استعملك في فقرك و ذلك و شهود أصلك و استعمل فكرك في أنك لك موهوب و إنك صادر من عين منته عليك في وجودك و في تقلبك في أطوار نشأتك المحسوسة و المعنوية و في إسلامك و إيمانك إلى أن جعلك من أهله و اصطنعك لنفسه و حجب غيرك ممن هو مثلك لا ليد لك عليه بل سابق عناية بك و منة اختصاص فإذا وفقك لمثل هذا النظر وفقك للنظر أيضا في قواك و ما بين لك من مصارفها فلم تتعد بها مصرفها الإلهي و وقفت عند حدوده و عرفت قدرك فعرفت قدره و جعلت أمرك كله فيما تصرفت فيه وهبا إلهيا من عين منته و نظرت إليه بنور الايمان الذي وهبك إياه فأشهدك الأمور كما هي عليه في نفسها و كشف لك عن الحق و رزقك اتباعه و كشف لك عن الباطل و رزقك الاجتناب عنه و رأيت جماعة في هذا الكشف من أصحاب الأفكار العقلاء النظار قد أراهم الفكر الحق باطلا فحققوه فاجتنبوا الحق و اتبعوا الباطل و لا علم لهم بذلك إذ الباطل في جبلة كل أحد اجتنابه فإذا رأيتهم على ذلك رحمتهم فربما تدعوهم إليه و هم يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ من مَكانٍ بَعِيدٍ فيجهلونك فيما تدعوهم إليه من الحق كما كان ص يدعو أهل الشرك إلى التوحيد فيقول إذا دعاهم إلى ذلك و دعوه إلى ما هم عليه ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَ تَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ أُشْرِكَ به ما لَيْسَ لِي به عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ فيا ولي لا تقل في جوابي إنهم أيضا يقولون له مثل ما قال لهم ليس الأمر كذلك فإنهم مشركون فقد أثبتوا بكونهم مشركين عين ما دعاهم إليه هذا الرسول و هو ما أثبت الشريك و هم قالوا إنما ندعوهم لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فأثبتوا له سبحانه و تعالى التعظيم و المنزلة العظمى التي ليست لشركائهم فمن هناك لم يتمكن لهم أن يقولوا في الجواب مثل ما قال لهم فإنه قال لهم ما ليس لي به علم و هم علماء بما دعاهم الرسول إليه فلما دعاهم دعاهم بحالهم و لسانهم من حيث ما أثبتوا عين ما دعاهم إليه و زادوا الشريك الذي لا علم لمحمد ص به فإذا قال صاحب الكشف لصاحب الفكر مثل هذا كان جواب صاحب الفكر له أشد في البعد عن الله من المشركين مع رسول الله ص و كان المشركون أسعد حالة من أصحاب الفكر فإنهم أثبتوا على كل حال عين ما دعاهم إليه أنه له المنزلة العليا و هؤلاء قالوا إن الله لا يعلم ما نحن عليه حيث قالوا إنه أعظم من أن يعلم الجزئيات بل علمه في الأشياء علم كلي و هو أن يعلم أن في العالم من يتحرك و يسكن لا أنه يعلم أن زيد بن عمرو هو المتحرك عند زوال الشمس هذا أعطاهم فكرهم فمن هنا يعلم أن المشرك أسعد حالا منهم و أعطاهم فكرهم إن هذه النواميس الإلهية السائرة في العالم إمداد الأرواح العلوية للنفوس الفاضلة القابلة لمصالح العالم في الدنيا فهي أوضاع روحانية على السنة قوم قد خلصوا نفوسهم من رق الشهوات و أسر الطبيعة و صفوا مرائي قلوبهم فأقبلت عليهم الأرواح العلوية و جالسوا بأفكارهم الملأ الأعلى فأمدهم بما وضعوه في العالم من أسباب الخير فسموا أنبياء و حكماء و رسلا و ليس إلا هذا و جعلوا ما وضعوه من الوعد و الوعيد المغيب المسمى الدار الآخرة سياسات يسوسون بها النفوس الشوارد عن النظر فيما ينبغي لهم مما وجدوا له لا غير و نعوذ بالله من هذا القول و هذا العلم فهذا ما أعطاهم الفكر حيث استعملوه في غير موطنه و ذهبوا به في غير مذهبه وَ الله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و أما الطلسم الثاني و هو الخيال فيجسد المعاني و يدخلها في قالب الصور الحسية فهو طلسم أيضا على أهل الأفهام القاصرة التي لا علم لها بالمعاني المجردة عن المواد فلا تشهدها و لا يشهد هؤلاء إلا صورا جسدية فيحرم من حكم عليه طلسم الخيال إدراك الأمور على ما هي عليه في أنفسها من غير تخيل فهؤلاء لا يقبلون شيئا من المعاني مع علمهم بأنها ليست صورا جسدية إلا حتى يصوروها في خيالهم صورا متجسدة متحيزة متميزة فيجمعون بين النقيضين فأنتم تعلمون أنها ليست صورا و لا يقبلونها إلا صورا فمن أراد رفع حكم هذا الطلسم فإن الطلسم لا يرتفع أبدا من هذه النشأة فإنه وضع إلهي و كذلك جميع الطلسمات الإلهية لا ترتفع أعيانها و لا ترفع أحكامها في الموضع الذي جعل الحق تعالى حكمها فيه و لكن بعض الناس خرجوا بها عن طريقها فذلك الحكم الذي أعطاه ذلك الخروج هو الذي يرتفع لا غيره فاعلم ذلك فيرتفع حكم صاحب هذا الطلسم إذا أبصر الفكر قد دخل لخزانة هذا الخيال ثم انصرف خارجا منه فيصحبه إلى العقل ليشاهد المعاني مجردة عن الصور كما هي في نفسها فأول ما يشهد من ذلك حقيقة الفكر الذي صحبه إلى العقل فيراه مجردا عن المواد التي كان الخيال يعطيه إياها فيشكر الله و يقول هكذا كنت أعلمه قبل إن أشهده و ما كان الغرض إلا أن يوافق الشهود العلم فإذا ارتفع إلى العقل شاهده أيضا مجردا عن المواد في نفسه فيحصل له أنس بعالم المعاني المجرد عن المواد فإذا تحقق بهذه المشاهدة انتقل إلى مشاهدة الحق الذي هو أثره في التجرد من المعاني فإنه و إن تجردت المعاني المحدثة فما تجردت عن حدوثها و إمكانها فيشاهد فيها صاحب هذا المقام عدمها الأصلي الذي كان لها و يشاهد حدوثها و يشاهد إمكانها كل ذلك في غير صورة مادية فإذا ارتقى إلى الحق فأول ما يشاهد منه عين إمكانه فيقع له عند هذا تحير فيه فإنه علمه غير ممكن فيأخذ الحق بيده في ذلك بأن يعرفه أن الذي شاهده من الحق ابتداء عين الإمكان الذي يرجع إلى المشاهد و هو الذي يقول فيه إنه يمكن أن يشهدني الحق نفسه و يمكن أن لا يشهدني فهذا الإمكان هو الذي ظهر له من الحق في أول شهوده فإنه قد ترجح له بالشهود أحد الوجهين من الإمكان فيسكن عند ذلك و تزول عنه الحيرة ثم يتجلى له الحق في غير مادة لأنه ليس عند ذلك في عالم المواد فيعلم من الله على قدر ما كان ذلك التجلي و لا يقدر أحد على تعيين ما تجلى له من الحق إلا أنه تجلى في غير مادة لا غير و سبب ذلك أن الله يتجلى لكل عبد من العالم في حقيقة ما هي عين ما تجلى بها لعبد آخر و لا هي عين ما يتجلى له بها في مجلى آخر فلذلك لا يتعين ما تجلى فيه و لا ينقال فإذا رجع هذا العبد من هذا المقام إلى عالم نفسه عالم الموادصحبه تجلى الحق فما من حضرة يدخلها من الحضرات لها حكم إلا و يرى الحق قد تحول بحكم تلك الحضرة و العبد قد ضبط منه أو لا ما ضبط فيعلم أنه قد تحول في أمر آخر فلا يجهله بعد ذلك أبدا و لا ينحجب عنه فإن الله ما تجلى لأحد فانحجب عنه بعد ذلك فإنه غير ممكن أصلا فإذا نزل العبد إلى عالم خياله و قد عرف الأمور على ما هي عليه مشاهدة و قد كان قبل ذلك عرفها علما و إيمانا رأى الحق في حضرة الخيال صورة جسدية فلم ينكره و أنكره العابر و الأجانب ثم نزل من عالم الخيال إلى عالم الحس و المحسوس فنزل الحق معه لنزوله فإنه لا يفارقه فيشاهده صورة كل ما شاهده من العالم لا يخص به صورة دون صورة من الأجسام و الأعراض و يراه عين نفسه و يعلم أنه ما هو عين نفسه و لا عين العالم و لا يحار في ذلك لما حصل له من التحقيق بصحبة الحق في نزوله معه من المقام الذي يستحقه و لا عالم وراءه يتحول في كل حضرة بحسب حكمها و هذا مشهد عزيز ما رأيت من يقول به من غير شهود إلا في عالم الأجسام و الأجساد و سبب ذلك عدم الصحبة مع الحق لما نزل من المقام الذي يستحقه فكان القائلون به في عالم الأجسام و الأجساد مقلدين و يعرف ذلك من كونه لا يصحبهم ذلك و تتوالى الغفلات عليهم فإذا حضروا بنفوسهم حينئذ يقولون بذلك و صاحب الذوق لا غفلة عنده عن ذلك جملة واحدة فإنه معلوم عنده و الغفلة إنما تكون عن شيء دون شيء لا تعم فكل ما يبقى من الأمور غير مشهود لصاحب الغفلة فإن صاحب الذوق يشهد الحق فيه فما بقي له مشهود في حال غفلته و من ليس له هذا المقام ذوقا يغفل عن الحق بالأشياء حتى يستحضره في أوقات ما فهذا هو الفارق بين أصحاب الذوق و بين غيرهم فلا تغالط نفسك و ما رأيت واحدا من أهل هذا المقام ذوقا إلا أنه أخبرتني أهلي مريم بنت محمد بن عبدون أنها أبصرت واحدا وصفت لي حاله فعلمت أنه من أهل هذا الشهود إلا أنها ذكرت عنه أحوالا تدل على عدم قوته فيه و ضعفه مع تحققه بهذا الحال وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و أما الطلسم الثالث و هو طلسم العادات الحاكمة على النفوس الناطقة لما حصل لها من الألفة بها و توقف المنافع و المصالح عليها دائما لا يرتفع فإذا أراد من أراد أن يرتفع عن حكم هذا الطلسم إذ علم أنه لا يرتفع فإن الأسباب المألوفة هي أوضاع إلهية لا يمكن رفعها و لا دفعها يرجع هذا الشخص إلى النظر في وجهه الخاص به الذي لا أثر للسبب فيه و هو خفي جدا فيعمد إلى بابه فيفتحه و يكثر العكوف عليه و يحس بالأسباب تجذبه عنه ليأخذ منها ما بيدها من الأمانات له فلا يفعل و لا يقبل ما تأتيه به فإذا جاءه خاطر أن ذلك سوء أدب مع الله فخذ ما أعطاك وَ كُنْ من الشَّاكِرِينَ و إن هذه الأسباب لا يمكن رفعها فلا تبطل حكمة الله في حقك فتكون من الجاهلين فلا يصغ إلى هذا العتب و لا إلى هذا المعلم فإنه خاطر نفسي ما هو خاطر إلهي و ليثبت على اعتكافه بالباب الخاص و ليقل لذلك المعلم إن الله قد نهى أن تؤتى البيوت من ظهورها فلو كنت من الله لأتيت البيوت من أبوابها و أنا بيت لا يزيده على هذا فإذا أراده الحق لذلك المقام أدخل عليه ذلك السبب بما عنده من الأمانة له على باب ذلك الوجه الخاص الذي قد واجهه هذا العبد و اعتكف عليه و ذلك هو باب بيته فإذا أعطاه ذلك السبب ما أعطاه قبله منه لأنه ما جاءه إلا من باب الوجه الذي يطلب الأمر منه و قد أتى البيت هذا السبب من بابه و هذا هو المسمى خرق العوائد في العوائد فإن العالم لا يشهدون صاحب هذا المقام إلا آخذا من الأسباب فلا يفرقون بينهم و بينه فهو وحده يعرف كيف أخذ و ليس هذا المقام إلا للملامية و هم أعلى الطوائف فإنهم في خرق العادة في عين العادة و بينهم في المقام ما بين المحجوب و المشاهد و لكن لا يشعرون و أصحاب خرق العوائد الظاهرة ما لهم هذا المقام و لا شموا منه رائحة أصلا و هم الآخذون من الأسباب فإن الأسباب ما زالت عنهم و لا تزول و لكن خفيت فإنه لا بد لصاحب خرق العادة الظاهرة من حركة حسية هي سبب وجود عين ذلك المطلوب فيغرف أو يقبض بيده في الهواء فيفتحه عن مقبوض عليه من ذهب أو غيره فلم يكن إلا بسبب حركة من يده و قبض فما خرج عن سبب لكنه غير معتاد بالجملة لكن القبض معتاد و حركة اليد معتادة و تحصيل هذا الذي حصل له من غير هذا الوجه معتاد و تحصيله من هذا الوجه غير معتاد فقيل فيه إنه خرق عادة فاعلم ذلك فمن أراد رفع حكم طلسم العادات فليعمل نفسه فيما ذكرناه فلا تحكم عليه العوائد و هو في العوائد غير معروف عند العامة و الخاصة و من علوم هذا المنزل علم الإشارات و الخطاب و فيه علم الدخل بالشبه على أصحاب الأدلة و فيه علم الاسم الذي توجه على الخلق بالإيجاد و التقدير و علم ما بينالإيجاد و التقدير من المدة و فيه علم ترتيب الموجودات في الإيجاد بمرور الأزمان و على من مرت هل على الموجد أو على الموجودات فيعلم من تقيد بها و هل كان ذلك التقييد بها اختيارا أو شيئا لا بد منه و فيه علم ما إذا توجه الحق على إيجاد أمر ما هل في ذلك أعراض عن أمر آخر أم لا و فيه علم لما ذا يستند الفكر في حكمه و هل له سلطان إلهي يعضده حتى يتمسك بذلك أهل الأفكار أم لا و إن لم يشعروا بذلك أو ربما أحالوه لو بين لهم و هو في نفس الأمر صحيح و فيه علم نزول الأمر الإلهي و رجوعه إلى ما منه نزل و كم مدة ذلك من الزمان و فيه علم ارتباط السبب بالمسبب اسم فاعل بكسر الباء و هل يصح فعل ذلك من الله من غير هذا السبب المعين أو من غير سبب أم لا و فيه علم ارتباط العلم و الرحمة و العزة مع ما بين الرحمة و العزة من التنافر و فيه علم الأعلى في الأنزل و ما ثم علم الأنزل في الأعلى و فيه علم الأحسن في عالم الأمر و الخلق و بما هو أحسن و ما ثم قبيح و لا مفاضلة في الحسن و فيه علم منزلة هذه النشأة الإنسانية على غيرها من النشآت و العناية بها مع كونها خلقت لشقاء و لسعادة و كان الأمر يقتضي أن لا شقاء لما ظهر من العناية بها و فيه علم ما يتولد عن هذا الإنسان في العالم من الأمور و فيه علم المساكن و ما قدم منها و ما أخر و ما يتبدل منها و ما لا يتبدل و ما يلحقه التغيير و ما لا يلحقه التغيير و فيه علم ما يختلف فيه نشأة الإنسان في الدارين من حيث صورته الظاهرة و ما لا يختلف من نشأته في صورة روحه أو لتلك النشأة الأخرى روح آخر يخلقه الله لها بحسب استعدادها و كيف هو الأمر في نفسه إذ قد وردت الإعادة فما حقيقتها و فيما ذا تكون و هو علم غريب و فيه علم كون الحق لا يلقاه العبد إلا بالموت و هل هو لقاء خاص أو ما ثم لقاء إلا بالموت و فيه علم الموت و بيد من هو و فيه علم اختلاف العالم لما ذا يرجع في صوره و تخيله و فيه علم التحديد الإلهي في الآخرة مع كونها دار كشف للحقائق عند الناس أو حكمها حكم الدنيا في بعض الأمور و فيه علم ما يردك إلى مشاهدة حقيقتك و أن في ذلك سعادتك و فيه علم حب الإنسان بالطبع في أن يكون قيوما مع ذله و افتقاره و ما الذي يدعوه إلى ذلك ثم اختلافهم في القيام فمنهم من يقوم عبدا و منهم من يقوم سيدا و الذي يقوم سيدا منهم من يقوم سيدا بالحجاب و منهم من يقوم سيدا بكشف صحيح و فيه علم ما لا يعلم إلا هناك و فيه علم أدنى الدني و أدنى الدنو و ما حقيقة هذا و فيه علم اختلاف أسماء أهل الاستحقاق مع وجود الاستحقاق و فيه علم الأولوية و فيه علم الحكم الإلهي يوم القيامة بما ذا يحكم و يفصل و فيه علم الإستبصار و علم ما ينفع من الخطاب و علم الفتح الإلهي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر الثالث و العشرون
( (بسم الله الرحمن الرحيم))