قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثالث و الخمسون و ثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار طلسمية حك

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

معرفة منزل السبب و أداء حقه و هو من الحضرة المحمدية»

قل للإمام أبي إن كنت تأنس بيفإن أنسي بربي لا بأشكالي
أنسي بربي لا بالوالدين و لابالأهل إن وجود المثل أمثالي
مني هربت و مني استوحشت خلقيفكيف أنسي بالماضي و بالحال
و كيف يؤنسني من لا يناسبنيو لا يناسبه شيء من أحوالي
و المثل ضد فكيف الأنس يا سكنىو العقل يمنعه فالحال كالحال
لما جهلت الذي لا شيء يشبههسواى أخطرته جهلا على بالي
ما لي أقول بأن الحق يطلبنيو لست أعرفه مالي به مالي
الأنس يطلبنا بأن يقوم بناو ليس يأنس دون الدون بالعالي
قد حرت فيه و إيحاشي يلازمنيو لست أطرده إلا بآمالي
لا ذاق أنسا حكيم ما بدت مثللعينه من علوم أو من أعمالي

اعلم أيدك الله بروح منه أن الله لما خلق النفس الناطقة المدبرة لهذا الهيكل المسمى إنسانا سلط عليه في هذا المزاج الخاص بهذه النشأة الدنيوية ثلاثة أشياء جعلها من لوازم نشأته النفس النباتية و النفس الشهوانية و النفس الغضبية فأما النفس النباتية و الغضبية فيزولان في نشأة أهل السعادة في الجنان و لا يبقى في تلك النشأة إلا النفس الشهوانية فهي لازمة للنشأتين و بها تكون اللذة لأهل النعيم و أما النفس النباتية فهي التي تطلب الغذاء لتجبر به ما نقص منه فينمي به الجسم فلا ينفك يتغذى دائما فأما من خارج يجلب إليها و هو المعبر عنه بالأكل و إما من حيث شاء الله من غير تعيين و لها أربعة وزعة الجاذب و الماسك و الهاضم و الدافع فأما الجاذب فحكمه أن ينقل الغذاء من مكان إلى مكان فينقله من الفم إلى المعدة و من المعدة إلى الكبد و من الكبد إلى القلب و إلى سائر العروق و أجزاء البدن فإنه المقسم على أجزاء البدن ما يحتاج إليه مما يكون به قواها و يساعده الدافع فإنه يدفع به عن مكانه إذا رآه قد استوفى حقه من ذلك المكان و ما بقي له فيه شغل و دفع به حتى لا يزاحم غيره إذا ورد فهو يساعد الجاذب و أما الماسك فهو الذي يمسكه في كل مكان حتى بأخذ التدبير فيه حقه فإذا رأى أنه وفى حقه ترك يده عنه فتولاه الدافع و الجاذب و أما الهاضم فهو الذي يغير صورة الغذاء و يكسوه صورة أخرى حتى يكون على غير الصورة التي كان عليها فإنه كان على صورة حسنة و ذا رائحة طيبة فلما حصل بيده و غير صورة شكله و كساه صورة متغيرة لريح مبددة النظم و لهذا سمي هاضما من الاهتضام و لكن وجود الحكمة في هذا الاهتضام فإنه لو لا الهضم ما وجد المقصود الذي قصده الغاذي بالغذاء فظاهر الأمر فساد و باطنه صلاح و لا يزال هذا الهاضم بنقله من صورة إلى صورة و الماسك يمسك عليه بقاءه حتى يدبر فيه ما يعطيه علمه و ما وكل به فإذا استوفياه بحسب ذلك الموطن تركاه و أخذه الجاذب و الدافع فإذا أنزلاه و نقلاه إلى المكان الآخر رداه إلى الماسك و إلى الهاضم فيفعلان فيه مثل ما فعلاه في المكان الذي قبله و يفتح فيه صورا مختلفة فيأخذه الجاذب و الدافع فيسلكان بتلك الصور طرقا معينة لا يتعديانها ما دام يريد الله إبقاء هذه النشأة الطبيعية و لو لا هؤلاء الوزعة ما تمكنت النفس النباتية من مطلوبها فإذا أراد الله هلاك هذه النشأة الطبيعية طلبت النفس النباتية مساعدة الشهوة لها حتى تنبعث النفس المدبرة لجلب ما تشتهي فلم تفعل و أضعفها الله باستيلاء سلطان الحرارة على محلها فضعفت كما يضعف السراج في نور الشمس فيبقى لا حكم له فتبقى النفس النباتية بحقيقتها تقول لوزعتها لا بد لي من شيء أتغذى به فتتغذى بأخلاط البدن و ما بقي فيه من الفضول و وزعتها قد ضعفوا أيضا مثلها فلا تزال النشأة في نقص متزايد و الدافع يقوى و الجاذب يضعف و كذلك الماسك إلى أن يموت الإنسان و لو لا هذا التدبير بهذه الآلات لهذه النشأة ما سمعت أذن و لا نظر بصر و لا كان حكم لشيء من هذه القوي الحسية و المعنوية و أما النفس الشهوانية فسلطانها في هذا الهيكل طلب ما يحسن عندها و لا تعرف هل يضرها ذلك أو ينفعها و هذا ليس إلا في نشأة الإنسان و أما سائر الحيوان فلا يتناول الغذاء إلا بالإرادة لا بالشهوة ليدفع عن نفسه ألم الجوع و الحاجة فلا يقصد إلا لما له فيه المنفعة و يبقى حكم الشهوة في الحيوان في الاستكثار من الغذاء فمنه يدخل عليه الخلل و الإنسان يدخل عليه الخلل كذلك من الاستكثار مما ينفع القليل منه و من تناوله ما لا ينفعه أصلا مما يطلبه الشهوة و يتضرر به المزاج فهذا الفارق بين الإنسان و الحيوان في تناول الغذاء فالنفس الشهوانية للنفس النباتية كما قيل في ذلك

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق

فلها الصداقة مع النفس النباتية لأنها المساعدة لها على الغذاء و تناوله و هي العدوة حيث تدخل عليها من الأغذية ما يضرها و لا ينفعها فمساعدتها للنفس النباتية إنما هو بالعرض لا بالذات فهي العدو اللازم الذي لا يمكن مفارقته و لا يؤمن شره و أما النفس الغضبية و هي السبعية فهي التي تطلب القهر لما رأت من تفوقها على سائر الحيوان بما أعطيت من القوي و التمكن من التصرف و أبصرت العالم مسخرا لنشأتها و لمدبرها و رأت أن في الوجود عوارض تعرض اتفاقية أو لأسباب تظهر يمنعها ذلك كله من وصولها إلى أغراضها فتغضب لعدم حصول الغرض فإن كان لها سلطان قوي مساعد من همة فعالة أو آمرة من خارج لها بها إمضاء غضبها في المغضوب عليه أهلكته و أظهرتالانتقام منه و لا تعرف ميزان الظلم و العدل في ذلك الانتقام و القهر لأن ذلك ما هو لها و إنما ذلك للعقل و ناموس الوقت و لذا أخطأ الشاعر الذي قال

الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم

فلو قال القهر بدلا من الظلم لقال الصحيح فإن الظلم لا يأتي به إلا الشرعي فمنه يعرف فليس للنفس إلا القهر حمية جاهلية فإن صادفت الحق كانت حمية دينية و لهذا يحمد الغضب لله و في الله و يذم الغضب لغير الله و في غير الله و هذا من تدبير الحكيم الحق الذي رتب الأمور مراتبها و أعطى كل شيء خلقه ليكون آية له لأولي الألباب و لسائر أهل الآيات من العالم إذ كانوا مختلفي المأخذ في ذلك كما عددهم الله في كتابه العزيز الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ و ضم هذه الآيات كلها في كتاب الوجود الذي ما فيه سوى البيان و الرحمة لا غير فكل ما ظهر في العالم من جانب الحق أو من معاملة بعضه بعضا يناقض الرحمة فأمر عرضي في الكتاب أبان عنه البيان حيث هو ذلك العارض ما هو في نفس هذا الكتاب فالكتاب رحمة كله من حيث ذاته و بيان فما جعله الله عذابا فالله أكرم أن يعذب خلقه عذابا لا ينتهي الأمر فيه إلى أجل ضمه و عينه بيان الكتاب ثم يرجع الحكم للرحمة هذا ما لا بد منه وَ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ ثم لتعلم إن الله أطلعني على حكم غريب يتعلق بالعالم الإنساني و لا أدري هل له تعلق بما عدا الإنسان من العالم أم لا ما أطلعني الله على ذلك و لا ينبغي لي أن أقول عن الله ما لا أعلم الله يعصمني و إياكم من ذلك و هذا الحكم يظهر في العالم الإنساني عند انقضاء كل ثلاثة آلاف عام من أعوام الدنيا و هو عند الله يوم واحد لا أدري لأي اسم إلهي يرجع هذا اليوم لأني ما عرفت به غير إن الحق تعالى قسمه لي ثلاثة أثلاث كل ثلث ألف سنة و الألف سنة يوم واحد من أيام الرب هذا الذي أخبرني به ربي و هذه المدة التي هي ثلاثة آلاف سنة حكمها في الإنسان حكم بدء و عود و حياة و موت كيف يشاء الله و حيث يشاء الله غير إن الله لما رقم لي هذا الأمر في درجي كلمات وقفت عليها مشاهدة جعل كلمة بفضة و كلمة بذهب على هذه الصورة رقمها فعلمت أنها أحوال و أحكام تظهر في الإنسان في الجنة بمرور هذه المدة المعينة و ما أثروا لله عندي خبر إلهي ورد على ما أثر هذا من الجزع و الخوف المقلق فما سكن روعي إلا كون الكلمات من ذهب و فضة الكلمة الذهبية إلى جانبها الكلمة الفضية و لما فرغ هذا الإلقاء الإلهي و التعريف الرباني و سكن عني ما كنت أجده من ألم هذا التجلي في هذه الصورة و سرى عني نظمت نظم إلهام لا نظم روية ما أذكره

لنا حبيب نزيه لا أسميهو هو الحبيب الذي حار الورى فيه
إن قلت هذا فإن الحد يحصرهأو قلت هو فكلام لست أدريه
كيف السبيل إلى غيب و أعيننافي كل حين تراه من تجليه
أو قلت عندي جاء الظرف يطلبهو الظرف حق و لكن ليس يحويه
ما إن رأيت وجودا لست أدريهإلا الذي أنا معنى من معانيه
قد حرت فيه و حار الكون في و كمأذناي قد سمعت من قولة فيه
هذا الذي و جلال الحق أمرضهفهل له عوض منه فيشفيه
هو الشفاء هو الداء فأين أناالعين واحدة و كلنا فيه

ضمير أمرضه يعود على الكون و اعلم أن لنا من الله الإلهام لا الوحي فإن سبيل الوحي قد انقطع بموت رسول الله ص و قد كان الوحي قبله و لم يجيء خبر إلهي أن بعده وحيا كما قال وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ من قَبْلِكَ و لم يذكر وحيا بعده و إن لم يلزم هذا و قد جاء الخبر النبوي الصادق في عيسى ع و قد كان ممن أوحي إليه قبل رسول الله ص أنه ع لا يؤمنا إلا منا أي بسنتنا فله الكشف إذا نزل و الإلهام كما لهذه الأمة و لا يتخيل في الإلهام أنه ليس بخبر إلهي ما هو الأمر كذلك بل هو خبر إلهي و إخبار من الله للعبد على يد ملك مغيب عن هذا الملهم و قد يلهم من الوجه الخاص فالرسول و النبي يشهد الملك و يراه رؤية بصر عندما يوحى إليه و غير الرسول يحس بأثره و لا يراه رؤية بصر فيلهمه الله به ما شاء أن يلهمه أو يعطيه من الوجه الخاص بارتفاع الوسائط و هو أجل الإلقاء و أشرفه و هو الذي يجتمع فيه الرسول و الولي أيضا فأصابع الرحمن للوجه الخاص و لمة الملك للوجه المشترك و الإلهام إلهي أكثره لا واسطة فيه فمن عرفه عرف كيف يأخذه و محله النفس قال تعالى فَأَلْهَمَها فالفاعل هويته فهو الملهم لا غيره فُجُورَها ليعلمه لا ليعمل به وَ تَقْواها ليعلمه و يعمل به فهو إلهام إعلام لا كما يظنه من لا علم له و لذلك قال وَ قَدْ خابَ من دَسَّاها و الدس إلحاق خفي بازدحام فالحق العمل بالفجور بالعمل بالتقوى و ما فرق في موضع التفريق فجمع بينهما في العلم و العمل و الأمر ليس كذلك و سبب جهله بذلك أنه رمى ميزان الشرع من يده فلو لم يضع الميزان من يده لرأى أنه مأمور بالتقوى منهي عن الفجور مبين له الأمران معا و لما أضاف الله الفجور لها و التقوى علمنا أنه لا بد من وقوعهما في الوجود من هذه النفس الملهمة و كان الفجور لها ما انفجر لها عن تأويل تأولته فما أقدمت على المخالفة انتهاكا للحرمة الإلهية و لا يتمكن لها ذلك و كان هذا من رحمة الله بالأنفس و لما كان الفجر فجرين فجر كاذب و فجر صادق و هو الفجر المستطيل الكاذب ألهمها تقواها أي تتقي في فجورها الفجر المستطيل لأنه يستطيل عليها بالأولية لتاخر المستطير الذي يطير حكمه عنها فألهمها في فجورها الفجر المستطيل فتبين لها بهذا الانفجار ما هو المشكوك فيه من غير المشكوك و تقواها و ما تتقي به ما يضرها حكمه فيها فلو لا ما مكنها مما تتقي به و هو المعنى الذي ألهمها لتتنبه النفس على استعماله فتفرق ما بين الشبهة و الدليل ما تمكنت من الفرق بينهما فإن الله سبحانه كما لم يأمر بالفحشاء لم يلهم العبد العمل بالفحشاء كما يراه بعضهم و لو ألهمه العمل بالفحشاء لما قامت الحجة لله على العبد بل هذه الآية مثل قوله وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي الطريقين بيناهما له فقال إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي بينا له إِمَّا شاكِراً فيعمل في السبيل بمقتضاه إن كان نهيا انتهى و إن كان أمرا فعل وَ إِمَّا كَفُوراً يقول يستر على نفسه فيخادعون أنفسهم فإنه ما ضل أحد إلا على علم فإن بيان الحق ليس بعده بيان و لا فائدة للبيان إلا حصول العلم ثم يستره العالم به عن نفسه لغرض يقوم له فتقوم الحجة لله عليه فالإلهام إعلام إلهي فمن زكى نفسه بالتقوى فاتقى من الفجور ما ينبغي أن يتقى منه و أخذ منه ما ينبغي أن يؤخذ منه و من دس نفسه في موضع قيل له لا تدخل منه فقد خاب فمن أراد طريق العلم و السعادة فلا يضع ميزان الشرع من يده نفسا واحدا فإن الله بيده الميزان لا يضعه يخفض القسط و يرفعه و هو ما هو الوجود عليه من الأحوال فلو وضع الحق الميزان من يده لفنى العالم دفعة واحدة عند هذا الوضع و كذلك ينبغي للمكلف بل للإنسان أن لا يضع الميزان المشروع من يده ما دام مكلفا لأنه إن وضعه من يده نفسا واحدا فنى الشرع كله كما فنى العالم لو وضع الحق الميزان من يده فإن كل حركة في المكلف و من المكلف و سكون لميزان الشرع فيه حكم فلا يصح وضعه مع بقاء الشرع فهذا الميزان له من كونه مكلفا و أما الميزان الآخر الذي لا ينبغي أن يضعه الإنسان لا من كونه مكلفا بل هو بيده دنيا و آخرة فذلك هو ميزان العلم الذي ميزان الشرع حكم من أحكامه و هو مثل الميزان الذي بيد الحق فبه يشهد وزن الحق فنسبته إلى ميزان الحق نسبة شخص بيده ميزان و شخص آخر بيده مرآة فرأى في مرآته التي في يده صورة ذلك الميزان و الوزان و الوزن فعلم صورة الأمر من شهوده في وجوده و كان هذا الأمر من ورائه غيبا له لو لا المرآة ما شهده فأضاف ما رآه في مرآته إليه لكون مرآته ليس غيره فالغيب الذي يزن و الوزن و الميزان حضرة الحق و المرآة حضرة الإنسان فالوزن لله تعالى و الشهود لمن كانت نفسه مرآة فهو السعيد الصادق و إنما كشف الله هذا السر لمن كشفه ليري في مرآته صورة الخلق الإلهي و كيف صدور الأشياء و ظهورها في الوجود من عنده و هو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فيرى من أين صدر ذلك الشيء فيكون صاحب هذا الكشف خلاقا و هو الذي أراده الحق منه بهذا الكشف بل يعلم أنه خلاق من هذا الكشف و لم يزل كذلك و هو لا يشعر فأفاده هذا الكشف العلم بما هو الأمر عليه لا أنه بالكشف صار خلاقا فأمره الله عند ذلك أن يعطي كل شيء حقه من صورته كما أعطاه الله خلقه في صورته فلا تتوجه عليه مطالبة لمخلوق كما لا يتوجه على الحق تعالى مطالبة لمخلوق هذا ما أعطاه ذلك الكشف من الفائدة فإذا أقامه الحق تعالى في فعل من أفعاله المأمور بها أو المحجور عليه فيها نظر إلىما لها من الحق قبله فوفى ذلك الفعل حقه فإن كان من الأمور المأمور بفعلها أعطاها حقها في نشأتها حتى تقوم سوية الخلق معدلة النشء فلم يتوجه لذلك الفعل حق على فاعله فلله الخلق و للعبد الحق فالحق أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و الخلق أعطى كل شيء حقه فدخل الحق في الخلق و دخل الخلق في الحق في هذه المسألة و إن كان من الأمور المنهي عنها فحقها على هذا العبد أنه لا يوجدها و لا يظهر لها عينا أصلا فإن لم يفعل فما وفاها حقها و توجهت عليه المطالبة لها فلم يعط كل شيء حقه فلم يقم في الحق مقام الحق في الخلق فكان محجوجا فهكذا ينبغي أن تعرف الأمور و الأوامر الإلهية و صورة التروك في الجناب الإلهي هو الذي لم يوجد من أحد الممكنين لوجود الآخر المرجح وجوده فهو من حيث إنه لم يوجد ترك له و هذه مسألة نبهناك عليها لعلمنا أنك ما تجدها في غير هذا الكتاب لأنها عزيزة التصور قريبة المتناول لمن اعتنى الله به تعطي الأدب مع الله و حفظ الشريعة على عباد الله و هي من الأسرار المخزونة عند الله التي لا تظهر إلا على العارفين بالله و لا ينبغي كتمها عن أحد من خلق الله فإن كتمها العالم بها فقد غش عباد الله و من غشنا فليس منا أي ليس من سنتنا الغش و لما وقفنا على هذه المسألة في كتاب الرحمة الإلهية الذي هو سرح عيون قلوب العارفين شكرنا الله تعالى حيث رفع الغطاء و أجزل العطاء فله الحمد و المنة و إذا قام العبد صورة ما ذكرناه من كونه خلاقا تعين عليه من تمام الصورة الإلهية التي هو عليها أن يحفظ على ما أوجده صورته ليكون له البقاء أعني لذلك الموجود عنه فيدفعه لمن يحفظ البقاء عليه و هو الله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا في ذلك الأمر و أمثاله عن أمر ربه فلا ينسب إلى سوء الأدب في ذلك فالعبد في كل نفس مشغول بخلق ما أمر بخلقه و الحق بتوكيل هذا العبد له قائم بحفظ ما خلقه بإذن ربه في الخلق و التوكيل و هذا علم دقيق إلهي و هو رد الحفظ إلى الله بحكم الوكالة عن أمر الله و إيجاد الأشياء عن العبد بأمر الله فلم يزل هذا العبد في كل حال تحت أمر الله و من لم يزل تحت أمر الله في جميع أحواله لم يزل عند الله في شهوده أبدا دائما دنيا و آخرة فإنه له النشء حيث كان في الأولى و الآخرة عن أمر الله قال تعالى في حق عيسى وَ إِذْ تَخْلُقُ من الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي و كذلك أمر المكلف بالعمل فما عمل إلا بإذن الله و موطن هذا العبد و استقراره إنما هو عند ربه من حيث هو خير و أبقى و هو الآخرة التي هي خَيْرٌ وَ أَبْقى و لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ من الْأُولى وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى و هو عطاء كُنْ في ظاهر العين كما هو له في الباطن فإن الإنسان له في باطنه قوة كن و ما له منها في ظاهره إلا الانفعال و في الآخرة يكون حكم كن منه في الظاهر و قد يعطي لبعض الناس في الدنيا و ليس لها ذلك العموم فمن رجال الله من أخذ بها و من رجال الله من تأدب مع الله فيها لعلمه أن هذا ليس بموطن لها و لا سيما و قد رأى الأكابر الذين لا خلاف في تقدمهم عليه و علينا قد قيل له إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ و قيل له أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ من في النَّارِ لأنه إذا أسلم فليس من أهل النار فلما رآها رجال الله غير عامة الحكم في هذه الدار جعلوا حكم ما لا تعم إلى حكم ما تعمه فترك الكل إلى موطنه و هذه حالة الأدباء العلماء بالله الحاضرين معه على الدوام فالأديب خلاق في هذه الدار بالعمل لا بكن بل ببسم الله الرحمن الرحيم ليسلم في عمله من مشاركة الشيطان حيث أمره الله بالمشاركة في الأموال و الأولاد فهو ممتثل هذا الأمر الإلهي حريص عليه و نحن مأمورون باتقائه في هذه المشاركة فطلبنا ما نتقيه به لكونه غيبا عنا لا نراه فأعطانا الله اسمه فلما سمينا الله على أعمالنا عند الشروع فيها توحدنا بها و عصمنا من مشاركة الشيطان فإن الاسم الإلهي هو الذي يباشره و يحول بيننا و بينه و إن بعض أهل الكشف ليشهدون هذه المدافعة التي بين الاسم الإلهي من العبد في حال الشروع و بين الشيطان و إذا كان العبد بهذه الصفة كان على بينة من ربه و فاز و نجا من هذه المشاركة و كان له البقاء في الحفظ و العصمة في جميع أعماله و أحواله و هذا المنزل يحوي على علوم منها علم الفرق بين الدليل و الآية و أن صاحب الآية هو الأولى بنسبة الحكمة إليه و بالاسم الحكيم من صاحب الدليل فإن الآية لا تقبل الشبهة و لا تكون إلا لأهل الكشف و الوجود و ليس الدليل كذلك و فيه علم الاختراع الدائم و لا يكون في الأمثال إلا فيما تتميز به بعضها عن بعض ذلك القدر هو حكم الاختراع فيها و ما وقع فيه الاشتراك فليس بمخترع فافهم و فيه علم الخواص و فيه علم السبب الذي لأجله لا يرفع العالم بما علمه رأسا مع تحققه أن ذلك الوضع له يضره و فيه علم الفرق بين قول الإنسان في الشيء نعم بفتح العين و بين كسرها و أين يقولذلك و أين يقول لا و بلى و فيه علم تميز الجنات بعضها من بعض هل هو تميز حالات في جنة واحدة أو تميز مساحات فإن كل اسم جاءنا للجنات تستحقه كل جنة إن كان التمييز بالمساحات فكل جنة لا نشك أنها جنة مأوى و جنة عدن و جنة خلد و جنة نعيم و جنة فردوس و هي واحدة العين و هذه الأحكام لها و لو تميزت بالمساحات فلا بد من حكم هذه الأسماء لها و فيه علم الفرق بين الخلود و التأبيد و التسرمد و عدم الخروج و فيه علم الفرق بين الوعد و الوعيد بالمشيئة في أحدهما دون الآخر و لما ذا قبل الوعيد المشيئة دون الوعد و كلاهما إخبار إلهي و أين وجود الحكمة في ذلك و فيه علم السماء هل هي شبه الأكرة أو شبه الخيمة أو هل هي أكرة في خيمة أو خيمة في أكرة فتدور الأرض لدورانها و هل السماء ساكنة أو متحركة فإن الشهود يعطي جميع ما ذكرناه و ما بقي إلا علم ما هو الأمر في نفسه من غير نظر إلى شهود هل هو كما يقضي به شهود كل شاهد أم ليس كذلك و فيه علم وجود الزوجين و بما ذا تكرم كل واحد من الزوجين على صاحبه هل هو بما هو محتاج إليه كل واحد منهما أم قد يكون بما لا حاجة فيه فلا يفرق بين العنين و بين أهله و فيه علم من يدعي الألوهة هل له خلق أم لا فإن المدعي الألوهة لا خلق له البتة في حال دعواه فإذا فارق الدعوى كان حكمه حكم سائر الموجودات التي ليست لها هذه الدعوى و فيه علم حكم من اتخذ إلها من غير دعوى منه بل هو في نفسه عبد غير راض بما نسب إليه و عاجز عن إزالة ما ادعى فيه و أنه مظلوم حيث سلب عنه هذا المدعي ما يستحقه و هو كونه عبدا فظلمه فينتصر الله له لا لنفسه فاتخاذ الشريك من مظالم العباد و فيه علم الحكمة ما هي و فيه علم إلحاق ما ليس بنبي مشرع بالأنبياء في الرتبة العلمية بالله تعالى و فيه علم الوصايا و الآداب الإلهية النبوية الموحى بها و الملهمة إليها و فيه علم الأخذ بالأولى و المبادرة إليه و فيه علم ما يدخل تحت القدرة الحادثة مما لا يدخل و فيه علم ما لا بد منه و فيه علم الفرق بين الصوت و الحرف و الكلام و الأنعام و فيه علم النعم الجلية و الخفية و العامة و المقصورة و فيه علم نجاة استناد الناظر و لو كان شبهة و فيه علم من ينبغي أن يلحق به المذام من العالم و فيه علم الفرق بين من رجع إلى الله عن كشف و بين من رجع إليه عن غير كشف و فيه علم المتقدم و العاقب و هو واحد و فيه علم ما ينبغي أن لا يؤبه بالجهل به و فيه علم ما لا يمكن الجهل به و فيه علم الوقت الذي يتعين فيه الثناء الجميل و على ما ذا يتعين و الأحوال كلها تطلبه و الأزمان و فيه علم ما يقع به الاكتفاء من الثناء فلا يقبل المزيد و فيه علم حكم الكثير حكم الواحد عند الواحد و استناد الكثير إلى الكثير و استناد الكثير إلى الواحد و فيه علم التناكح للتناسل و لغير التناسل و ما هو الأعلى منهما و فيه علم ما يشترك فيه الحق و الباطل و ليس ذلك إلا في الخيال و فيه علم ما هو علم و ليس بعلم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ