قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الرابع و الخمسون و ثلاثمائة في معرفة المنزل الأقصى السرياني و ه

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
معدن الآيات في العجمو جماع الخير في الكلم
فطرة الرحمن تطلبنيبصنوف الحكم و الحكم
فلتكن في رأس مرقبةكشهاب لاح في علم
فهو المزجي سحائبهفي غمام النور و الظلم
و اتبع ما أنت طالبهو ارتفع عن موضع التهم
هذي وصية صدرتمن حديد الطرف غير عم

اعلم أيدك الله بروح منه أن التنزيه في العبد نظير التنزيه في الحق سواء فمن نزه الحق عند أداء ما أوجب الله عليه من العبادات في العهد الذي أخذه عليه عقلا و شرعا أشرك الله نفسه مع عبده في هذا الحكم بما أوجبه على نفسه له بما كتبه على نفسه من الرحمة به و الوفاء بعهده و برأه عن أداء ما أوجب عليه بأن كشف له عن قيام الحق عنه فيما كلفه من العمل الذي كان أهل الحجاب ينسبونه إليه و يقولون إن فلانا من الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الله وَ لا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ فبرأه الله مما قالوا و كان عند الله لهذه البراءة وجيها فقالوا عند هذا الشهود بنور الايمان لا فاعل إلا الله فقالوا قَوْلًا سَدِيداً و بمثل هذا القول أمر الله عباده المؤمنين أن يقولوه فإذا قالوه أصلح لهم أعمالهم و غفر لهم ذنوبهم وَ من يُطِعِ الله وَ رَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماًفالسعيد من حال الله بينه و بين ربوبيته و أقامه عبدا في جميع أحيانه يخاف و يرجو إيمانا و لا يخاف و لا يرجى عيانا

إنما العبد من يخاف و يرجوليس بالعبد من يخاف و يرجى
و لهذا من كل سوء يوقىو لهذا عن كل فعل يزجي
فتراه بكل وجه سعيداو إذا زل بالقضاء ينجى
يحشر العبد في الوفود إليهو إذا لم يكن بعبد فيرجى
فإذا ما نجا الذي يتقيهفالذي قام في المعارف أنجى
كل من تدرك الحقائق منهما لديه مما لها فمنجى

اعلم أيدك الله أن العالم عند الله من علم علم الظاهر و الباطن و من لم يجمع بينهما فليس بعالم خصوصي و لا مصطفى و سبب ذلك أن حقيقة العلم تمنع صاحبها أن يقوم في أحواله بما يخالف علمه فكل من ادعى علما و عمل بخلافه في الحال الذي يجب عليه عقلا و شرعا العمل به فليس بعالم و لا ظاهر بصورة عالم و لا تغالط نفسك فإن وبال ذلك ما يعود على أحد إلا عليك فإن قلت قد نجد من يعلم و لا يرزق التوفيق للعمل بعلمه فقد يكون العلم و لا عمل قلنا هذا غلط من القائل به لتعلم إن مسمى العلم ينطلق اسمه على ما هو علم و ما ليس بعلم فإن الله تعالى يقول فَأَعْرِضْ عَنْ من تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ من الْعِلْمِ فأعلمنا أنهم عملوا بما علموا و لكن لا أريد بالعلم إلا ما حصل عن مشاهدة المعلوم فإن حصل عن دليل فكري فليس بعلم حقيقي و إن كان في نفس الأمر علما كما قال النبي ص حين ذكر سورة في القرآن و لم يسمها ليختبر أصحابه فوقع في نفس بعض أصحابه أنها ربما تكون الفاتحة فأخبر النبي ص أنها الفاتحة و لم تقع للصاحب على جهة القطع فقال له رسول الله ص حين أخبره بما وقع له ليهنك العلم فهو علم في نفس الأمر لا عند هذا الصاحب الذي وقع له ذلك فلما كان هذا كذلك ذهب من ذهب إلى القول بالعمل بخلاف العلم مع وجود العلم و الصحيح إذا اختبرته و بحثت عليه وجدت الحق فيما ذهبنا إليه و لهذا ال رسول الله ص لمن فهم عنه إن الله إذا أراد مضاء قضائه و قدره سلب ذوي العقول عقولهم حتى إذا أمضى فيهم قضاءه و قدره ردها عليهم ليعتبروا و ليس سوى ذهاب العلم عنهم و الاعتبار عمل أوجبه العلم فهذا عين ما ذهبنا إليه قال تعالى في حق قوم يَعْلَمُونَ ظاهِراً من الْحَياةِ الدُّنْيا فعملوا بما علموا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ فلم يعملوا لها فإنه أغفلهم عنها فنسوا آخرتهم فتركوا العمل لها إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ قال تعالى آمرا و ذكر يعني بالعلم من غفل عنه أو نسيه فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ و هم الذين علموا ما ثم بنور الايمان كشفا ثم إنهم غفلوا فحيل بينهم و بين ما علموه من ذلك و كان المشهود لهم ما كانوا به عالمين في وقت نسيانهم فإذا ذكروا تذكروا و قام لهم شهود ما قد كانوا علموه فنفعتهم الذكرى فعملوا بما علموا فشهد الله فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فإذا رأيت من يدعي الايمان و يذكر فلا يقع له نفع بما ذكر به علمت أنه في الحال ليس بعالم بما آمن به فليس بمؤمن أصلا فإن شهادة الله حق و هو صادق و قد أعلمنا أن المؤمن ينتفع بالذكرى و شهدنا أن هذا لم ينتفع بالذكرى فلا بد أن نزيل عنه الايمان تصديقا لله و لا معنى للنفع إلا وجود العمل منه بما علم و ما نرى أحدا يتوقف بالعمل فيما يزعم أنه عالم به إلا و في نفسه احتمال و من قام له في شيء احتمال فليس بعالم به و لا بمؤمن بمن أخبره بذلك إيمانا يوجب له العلم مع أنك لو سألته لقال لك ما نشك في إن ما جاء به هذا الشخص حق يعني الرسول ع و أنا به مؤمن فهذا قول ليس بصحيح إلا في وقت دعواه عند بعض الناس ثم إذا خلى بفكره قام معه الاحتمال فكان ذلك الذي تخيل أنه علم أمر عرض له و بعضهم لا يزول عنه الاحتمال في وقت شهادته إن هذا حق صريح مع وجود الاحتمال و سبب هذه الشهادة بذلك أن الأمر إذا كان يحتمل أن يكون صدقا و يحتمل أن يكون كذبا فتجلى له في الوقت صدق و رده و تصديقه لذلك الذي هو به مؤمن أحد محتملات ذلك الخبر و هو كونه صدقا هذا هو المشهود له في ذلك الحال فيقطع في ذلك الوقت بصدقهو بأنه لا يشك فيه و ما علم إن ذلك من تجلى أحد محتملاته فإذا غاب عنه ذلك الوارد قامت معه المحتملات على السواء فلم يترجح عنده ذلك إلا بطريق الظن لا بالعلم فانظر يا أخي ما أخفى غوائل النفس و ما أعظم حجاب الجهل مع كونه عدما فكيف بنا لو كان وجود فلله الحمد و المنة و إنما نبهناك على هذا لتعلم حظك من الايمان و منزلتك فإن النبي ص يقول في الحديث الصحيح عنه لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن أي مصدق بالعقاب عليه فإنه تعالى قد يغفر و إن الايمان إذا لم يعط الكشف الذي يعطيه العلم فليس بإيمان فاعلم أن العلم يعطي العمل من خلف حجاب رقيق و في حديث آخر عن رسول الله ص في الزاني إذا زنى خرج عنه الايمان حتى صار عليه كالظلة و لنا فيه تأويل حسن و هو أن الزاني قد تعرض لبلاء من الله ينزل عليه فيخرج الايمان حتى يصير عليه كالظلة يمنع نزول ذلك البلاء عليه إن نزل فلا تغفل يا ولي عن هذا القدر الذي نبهتك عليه أ لا ترى الله تعالى ما نصب الآيات و كثرها إلا ليحصل بها العلم لعلمه أن العلم إذا حصل لزم العمل أ لا ترى إلى شارب الدواء و هو عمل ما شربه و تجرع مرارته إلا لعلمه أن ثم دواء مزيلا لهذه العلة التي يشكو منها فيقول عسى يكون ذلك الدواء عين هذا الذي شربته فيشربه بالإمكان و الترجي فكيف به لو علم أنه عين الدواء بلا شك لسارع إليه فهذا حاله مع الترجي و الإمكان فإن قلت فقوله تعالى وَ أَضَلَّهُ الله عَلى عِلْمٍ في حق من اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ قلنا إن الإله له القوة في المألوه و إله هذا هو هواه فحكم عليه و أضله عن سبيل الله و أما قوله عَلى عِلْمٍ يعني من أنه أضله الله على علم لا إن الضال على علم فإن الضال هو الحائر الذي لا يعرف في أي جهة هو مطلوبه فمتعلق على علم أضله و هو العامل فيه و هو فعل الله تعالى و الذي على الله إنما هو البيان خاصة قال تعالى وَ ما كانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي ليحير قوما بعد أن هداهم في أخذ الميثاق و الفطرة التي ولدوا عليها حتى يبين لهم ما يتقون فإذا أبان لهم حيرهم فمنهم من حيره بالواسطة فشك في النبوة و حار فيها و ما تحقق إن هذا نبي فتوقف في الأخذ عنه و منهم من حيره في أصل النبوة هل لها وجود أم لا و منهم من حيره فيما جاء به هذا النبي مما تحيله الأدلة النظرية فأورثهم البيان الإلهي هذه الحيرة و ذلك لعدم الايمان فلم يكن لهم نور إيمان يكشف لهم عن حقيقة ما قاله الله و أبان عنه وَ من لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً هنا من إيمانه فَما لَهُ من نُورٍ في القيامة أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعمل بما علم أنه يكون كونه و ما علم أنه لا يكون لم يكونه فكان عمله بعلمه قل أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ و الإنزال عمل أوجده العلم فلما أبان الحق ما أبانه لعباده فمنهم من رزقه الله العلم فعمل به و منهم من حرمه الله العلم فضل و حار و شك و ارتاب و توقف و أما قوله تعالى الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فإنهم مصدقون بكتابهم و هذا النعت فيه و قد أبصروه فيعلمون أنه عين هذا النعت و لا يعرفون الشخص الذي قام به هذا النعت لجواز أنه يقوم ذلك النعت بأشخاص كثيرين فدخلهم الاحتمال في الشخص لا في النعت و أما قوله تعالى وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أنه الحق فيكتمونه عن مقلديهم و عن النبي ع أنهم عرفوه أنه صاحب هذا النعت و لا يلزم من العالم بالحق الإقرار به في الظاهر و إنما يستلزمه التصديق به في الباطن فهو مصدق به و إن كذبه باللسان فقد عمل بما علم و هو التصديق و قوله تعالى في مثل هذا وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أنها آيات فعلموا و عملوا بما علموا و هو التيقن الذي هو استقرار العلم في النفس فلو لا ما علموا ما تيقنوا و ما كل عمل يعطي عموم النجاة بل يعطي من النجاة قدرا مخصوصا من عموم أو خصوص فإن قلت فإن أهل النار قد علموا صدق الله في إنفاذ الوعيد و قالوا رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فلا نشك أنهم في هذه الحال حصل لهم العلم و الله يقول وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ مع هذا العلم الذوقي الذي حصل لهم قلنا لما علم الله أن هذه الدار الدنيا جعلها الله على طبيعة مخصوصة و جعل نشأة الإنسان على مزاج يقبل النسيان و الغفلة و حب العاجلة و يقبل ضد هذا على حسب ما يقام فيه فعلم سبحانه أن نشأة هؤلاء الذين عينهم أنهم لو ردوا إلى الدنيا في نشأتهم التي كانوا عليها في الدنيا لعادوا إلى نسيان ما كانوا قد علموا و جعل على أعينهم غطاء على ما لو شهدوه لعلموا الأمر فعملوا له فهذا معنى لعادوا لما نهوا عنه لأن النشأة ليست إلا تلك فلو بقي لهم هذا العلم لما عادوا أ لا ترى النبي ص يقول في الصحيح عنه إنه يؤتى في القيامة بأنعمأهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له هل رأيت نعيما قط فيقول لا و الله و معلوم أنه رأى نعيما و لكن حجبه شاهد الحال عن ذلك النعيم فنسيه و كذلك صاحب البؤس إذا غمس في الجنة غمسة يقال له هل رأيت بؤسا قط فيقول لا و الله ما رأيت بؤسا قط فكذلك لو ردوا لكانوا بحسب النشأة و الحال التي يردون فيها و أما عصاة المؤمنين فإنهم عالمون بإنفاذ الوعيد و لكن لا يعلمون فيمن فلو تعين لواحد منهم أنه هو الذي ينفذ فيه الوعيد لما قدم على سببه الذي علم أنه يحصل له إنفاذ الوعيد به و إذا جبر في اختياره فذلك لا يعلمه لأنه لا يجد ذلك من نفسه فإن الأمر في ذلك مشترك و قد تقدم قبل هذا الكلام عليه في بعض المنازل فمن شهد الجبر في اختياره علما من طريق الكشف و الشهود أتى المخالفة بحكم التقدير لا بحكم الانتهاك فكان عاملا بما علم فلم يضره ذلك العمل بل هو مغفور له و اعلم أن هذا القدر الذي ذكرناه في هذه المسألة هو من العلم الذي ورد فيه الخبر الذي لفظه أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العالمون بالله فإذا نطقوا به لم ينكره عليهم إلا أهل الغرة بالله و هذا من طريق الكشف عند أهله حديث صحيح مجمع عليه عندهم خاصة عرفوه و تحققوه فجعله كهيئة المكنون ما جعله مكنونا إذ لو كان مكنونا لانفرد به تعالى فلما لم يعلمه إلا العلماء بالله علمنا إن العلم بالله يورث العلم بما يعلمه الله فهو مستور عن العموم معلوم للخصوص و معنى العلم بالله أنه لا يعلم فقد علمنا إن ثم ما لا يعلم على التعيين و ما عداه فيمكن العلم به فأكنة هذا العلم قلوب العلماء بالله فإذا نطقوا به فيما بينهم إذ لا يصح النطق به إلا على هذا الحد و اتفق أن يكون في المجلس من ليس من أهله و لا من أهل الله فإن أهل الله هم أهل الذكر و هم العلماء بالله أنكره عليهم أهل الغرة بالله فأضاف أهليتهم إلى الغرة و هم الذين يزعمون أنهم عرفوا الله فمن العلم الذي هو كهيئة المكنون و ما هو بمكنون هذا العلم فإن العلم المكنون يعلم شهودا و لا ينقال بخلاف علوم الفكر فإنها كلها تنقال فإذا حصلت أيضا لصاحب الكشف من غير فكر و لا روية فإنها تنقال من غير دليل فيقبلها منه العالم بالدليل فهذا العلم هو الذي كهيئة المكنون لأن العالم به غير عالم بالدليل فاعلم إن الديار داران دار تسكنها الأرواح الناطقة و هو البدن الطبيعي المسوي المعدل الذي خلقه الله بيديه و وجه عليه صفتيه فلما أنشأه أسكنه دار أخرى هي دار الدار و قسم سبحانه دار الدار قسمين قسما سماه الدنيا و قسما سماه الآخرة ثم علم ما يصلح لسكنى كل دار من الساكنين الذين هم ديار النفوس الناطقة فخلق للدار الدنيا لفنائها و ذهاب عينها و تبدل صورتها و وضعها و شكلها و خفاء حياتها ساكنا هو هذه الدار التي أسكنها النفس الناطقة فجعل هذه النشأة مثل دار سكناها خفية الحياة فانية ذاهبة العين متبدلة الصورة و الوضع و الشكل فاتصف ساكنها و هو النفس الناطقة بالجهل و الحجاب و الشك و الظن و الكفر و الايمان و ذلك لكثافة هذه الدار التي هي نشأته البدنية و حال بينه و بين شهود الله و جعله في حجر أمه ترضعه و تقوم به فما شهد من حين أسكن هذه النشأة سوى عين أمه حتى أنه جهل أباه بعض الساكنين و لو لا إن الله من عليه بالنوم و جعل له في ذلك أمرا يسمى الرؤيا في قوة تسمى الخيال فإذا نام كأنه خرج عن هذه النشأة فنظر إليه أبوه و سر به و ألقى إليه روحا و آنسه و بادرت إليه الأرواح و تراءى له الحق من تنزيهه و بدا له ذلك كله في أجساد ألف شهودها من جنس دار نشأته التي فارقها بالنوم فيظن في النوم أنه في دار نشأته التي ألفها و يعرفها و يظن في كل ما يراه في تلك المواد أنها على حسب ما شهدها فهذا القدر هو الذي له في هذه النشأة الدنيا من الأنس بأبيه و إخوانه من الأرواح و من الأنس بربه و منهم من يتقوى في ذلك بحيث إنه يرى ذلك في يقظته و أعطاه علما سماه علم التعبير عبر به في مشاهدة تلك الصور إلى معانيها فإذا أراد الله أن يخلي هذه الدار الدنيا من هذه النشأة التي هي دار النفس الناطقة أرحل عن هذه النشأة روحها المدبر لها و أسكنه صورة برزخية من الصور التي كان يلبسها في حال النوم فإذا كان يوم القيامة و أراد الله أن ينقله إلى الدار الأخرى دار الحيوان و هي دار ناطقة ظاهرة الحياة ثابتة العين غير زائلة أنشأ لهذه النفس الناطقة دارا من جنس هذه الدار الأخرى مجانسة لها في صفتها لأنها لا تقبل ساكنا لا يناسبها فخلق نشأة بدنية طبيعية للسعداء عنصرية للأشقياء فسواها فعدلها ثم أسكنها هذه النفس الناطقة فأزال عنها حجب العمي و الجهل و الشك و الظن و جعلها صاحبة علم و نعيم دائم و أراها أباها ففرحت به و أراها خالقها و رازقها و عرف بينها و بين إخوتها و انتظم الشمل بالأحبابو أشهدها كل شيء كان في الدار الأولى غائبا و أسكن هذه النشأة الدار الأخرى المسماة جنة منها فإنه قسم الدار الأخرى إلى منزلين هذا هو المنزل الواحد و المنزل الآخر المسمى جهنم جعل نشأة بدن أنفسها الناطقة عنصرية تقبل التغيير و أصحبها الجهل و سلب عنها العلم فأعطى جهل المؤمنين من أهل التقليد من كان من أهل هذه الدار دار الشقاء عالما بدقائق الأمور فدخل بذلك الجهل النار إذ كان من أهلها و هي لا تقبل العلماء و أعطى هذا العالم الذي كان في الدنيا عالما بدقائق الأمور و لم يكن من أهل الجنة جهل المؤمن المقلد فإن الجنة ليست بدار جهل فيرى المؤمن الأبله المقلد ما كان عليه من الجهل على ذلك العالم فيستعيذ بالله من تلك الصفة و يرى قبحها و يشكر الله على نعمته التي أعطاه إياها بما كساه و خلع عليه من علم ذلك العالم الذي هو من أهل النار و ينظر إليه ذلك العالم فيزيد حسرة إلى حسرته و يعلم أن الدار أعطت هذه الحقائق لنفسها فيقول يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ من الْمُؤْمِنِينَ لعلمهم إذ كانوا مؤمنين و إن كانوا جاهلين أنهم إذا انتقلوا إلى دار السعادة خلعت عنهم ثياب الجهالة و خلع عليهم خلع العلم فلا يبالون بما كانوا عليه من الجهل في الدنيا لحسن العاقبة و ما علموا أنهم لو ردوا إلى الدنيا في النشأة التي كانوا عليها لعادوا إلى حكمها فإن الفعل بالخاصية لا يتبدل فما تكلموا بما تكلموا به من هذا التمني إلا بلسان النشأة التي هم فيها و تخيلوا أن ذلك العلم يبقى عليهم و ما جعل الله في هذه النشأة الدنيا النسيان للعلماء بالشيء فيما قد علموه و يعلمون أنهم قد كانوا علموا أمرا فيطلبون استحضاره فلا يجدونه بعد ما كانوا عالمين به إلا أعلاما و تنبيها أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بأن يسلب عنهم العلم بما كانوا به عالمين إذا دخلوا النار يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ و هو قوله تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ من تَشاءُ و أي ملك أعظم من العلم و هو ما أعطاه من العلم للمؤمن المقلد الجاهل السعيد في الدار الآخرة وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ و أي ملك أفضل من العلم فينزعه من العالم غير المؤمن الذي هو من أهل النار وَ تُعِزُّ من تَشاءُ بذلك العلم وَ تُذِلُّ من تَشاءُ بانتزاع ذلك العلم منه

لما علمت بأن الله كلفنيعلمت أني مسئول و مقصود
و إنني لا أزال الدهر أعبدهدنيا و آخرة و الحق معبود
و ما تجلى لشيء من خليقتهإلا و يشهد أن الحق مشهود
من عين صورته لا من حقيقتهفالأمر و الشأن موجود و مفقود
لأننا بعيون الوجه نبصرهو كلنا وجهه و الوجه محدود
هو الوجود و من في الكون صورتهفليس ثم سوى الرحمن موجود
الدار داران دار الدار يعمرهادار اللطيف فما في الكون تجريد

و لو لا أن الحقائق تعطي أن المال إلى الرحمة في الدار الأخرى فيرحمه معنى و حسا فثم من تكون الرحمة به عين العافية لا غير و ارتفاع الآلام و هذا مخصوص بأهل النار الذين هم أهلها فهم لا يموتون فيها لما حصل لهم فيها من العافية بزوال الآلام فاستعذبوا ذلك فهم أصحاب عذاب لا أصحاب ألم و لا يحيون أي ما لهم نعيم كنعيم أهل الجنان الذي هو أمر زائد على كونهم عافاهم من دار الشقاء

في القلب منك لهيب ليس يطفيهإلا الذي بشهود الحس ينشيه
إني أخاف على الأشراف من شرففمن يمر على قلبي فينبيه
إذا أتى صاحب العاهات يطلبهفإنه بشهود الحال يبريه
و ما يعيد على قلبي تنعمهإلا الذي كان قبل اليوم يبديه

و اعلم أنه من زعم اليوم أن العلم هو السعادة فإنه صادق بأن العلم هو السعادة و به أقول و لكن فاته ما أدركه أهل الكشف و هو أنه إذا أراد الله شقاوة العبد أزال عنه العلم فإنه لم يكن العلم له ذاتيا بل اكتسبه و ما كان مكتسبا فجائز زواله و يكسوه حلة الجهل فإن عين انتزاع العلم جهل و لا يبقى عليه من العلم إلا العلم بأنه قد انتزع عنه العلم فلو لم يبق الله تعالى عليه هذا العلمبانتزاع العلم لما تعذب فإن الجاهل الذي لا يعلم أنه جاهل فارح مسرور لكونه لا يدري ما فاته فلو علم أنه قد فاته خير كثير ما فرح بحاله و لتالم من حينه فما تألم إلا بعلمه ما فاته أو مما كان عليه فسلبه و لقد أصابني ألم في ذراعي فرجعت إلى الله بالشكوى رجوع أيوب ع أدبا مع الله حتى لا أقاوم القهر الإلهي كما يفعله أهل الجهل بالله و يدعون في ذلك أنهم أهل تسليم و تفويض و عدم اعتراض فجمعوا بين جهالتين و لما تحققت ما حققني الله به في ذلك الوجع قلت

شكوت منه و من ذراعيو ذاك مني لضيق باعي
فقلت للنفس تدعيهفأين دعواك في اتساعي
قالت أنا أشتكيك منهله فضري عين انتفاعي
لو لا التشكي مما أقاسيخرجت عنه و عن طباعي
و ذاك جهل يدريه قلبصاحب حال بالاتباع
لو لا شر ودي عنه بجهليلما دعاني إليه داع
فقلت لبيك من دعانيفقال أبغي عين المتاع
قد نفق الشوق فاغتنمهفعين و صلى عين انقطاعي
فخف عني ما كنت أجدهو غاب عني ما كنت أشهده
فلو لا وجود العقل ما كنت أدريهو لو لا وجود اللوح ما كنت أمليه
و لو لا شهود الكون ما كنت أوفيهو لو لا حصول العلم ما كنت أجريه
فمن قال إن الخلق يعرف كونهفما عنده علم بما حقه فيه
و يكفيه هذا القدر من جهله بماهو الأمر في عين الحقيقة يكفيه

إذا انكشفت الحقائق فلا ريب و لا مين و بان صبحها لذي عينين كان الاطلاع و ارتفع النزاع و حصل الاستماع و لكن بينك و بين هذه الحال مفاوز مهلكة و بيداء معطشة و طرق دارسة و آثار طامسة يحار فيها الخريت فلا يقطعها إلا من يحيي و يميت لا من يحيا و يموت فكيف حال من يقاسي هذه الشدائد و يسلك هذه المضايق و لكن على قدر آلام المشقات يكون النعيم بالراحات و ما ثم بيداء و لا مفازة سواك فأنت حجابك عنك فزل أنت و قد سهل الأمر فمن علم الخلق علم الحق و من جهل البعض من هذا الشأن جهل الكل فإن البعض من الكل فيه عين الكل من حيث لا يدري فلو علم البعض من جميع وجوهه علم الكل فإن من وجوه كونه بعضا علم الكل و هذا المنزل من المنازل التي كثرت آياتها و اتضحت دلالاتها و لكن الأبصار في حكم أغطيتها و القلوب في أكنتها و العقول مشغولة بمحاربة الأهواء فلا تتفرغ للنظر المطلوب منها و في هذا المنزل من العلوم علم مقاومة الأعداء و تقابل الأهواء بالأهواء فإن العقول إن لم تدفع الهوى بالهوى لم تحصل على المقصود فإن النفوس ما اعتادت إلا الأخذ عن هواها فإذا كان العقل عالما بالسياسة حاذقا في إنشاء الصور أنشأ للنفس صورة مطلوبه في عين هواها فقبلته قبول عشق فظفر بها و فيه علم خواص الأعداد و الحروف و فيه علم بسائط الأعداد و ما حكمها فيما تركب منها و هل يبقى فيها مع التركيب خواصها التي لها من كونها بسائط أم لا و فيه علم الظروف الزمانية و بيد من هي و فيه علم الزمان المستقبل إذا كان حالا ما حكمه و فيه علم أحدية العلم و ما ينسب إليه من الكثرة ليس لعينه و إنما ذلك لمتعلقاته و فيه علم ما ينتجه النظر الفكري في الظروف المكانية و فيه علم آجال الأكوان في الدنيا و الآخرة مع كون الآخرة لا نهاية لها و عموم قوله كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فلا بد لكل شيء من غاية و الأشياء لا يتناهى وجودها فلا تنتهي غاياتها فالله يجدد في كل حين أشياء و كل شيء له غاية تلك الغاية هي أجله المسمى فليس الأجل إلا لأحوال الأعيان و الأعيان غايتها عين لا غاية و فيه علم الحقيقة و المجاز و الاعتبار و مم يعبر و إلى ما ذا يعبر و ما فائدة ذلك و فيه علم عمارة الدارين و هو الذي ذكرنا منه طرفا في هذا الباب و ما استوفيناه و فيه علم اختلاف أحكام أحوال الساعة و فيه علم اختلاف المكلفين في أحوالهم و أن الله يخاطب كل صنف من حيث ما هو ذلك الصنف عليه لا يزيدهعلى ذلك و فيه علم يقضي بأن الأمر بدء كله لا إعادة فيه و فيه علم كون الحق ينزل في الخطاب إلى فهم المخاطب و كله حق و إن تناقض و ظهر فيه تقابل فثم عين واحدة تجمعه كالسواد و البياض ضدان متقابلان يجمعهما اللون و كالألوان حقائق مختلفة يجمعهن العرض و فيه علم التوحيد بعين التشبيه و فيه علم التفضيل و فيه علم حكم كلمات الله حكم خلق الله و فيه علم تكوين الأعمال الكونية و إقامتها صورا و فيه علم الجمع و الوجود و فيه علم ما تقتضيه النشأة الطبيعية من الأحكام و فيه علم العلل و الأسباب و الجزاء و فيه علم الفرق بين أسباب الدنيا و أسباب الآخرة و فضل أسباب الدنيا عليها و فيه علم ما يعود على الإنسان من عمله و ما يضيف إلى الله من ذلك يضيفه إلى نفسه و فيه علم التكوين الإلهي من الأسباب الكونية و هي الآثار العلوية البرزخية لا غير و فيه علم تغير الأحوال لتغير الحركات الفلكية و فيه علم حال الحيوان من حين نشأته إلى حين موته و فيه علم القياس الإلهي و فيه علم تأثير الكون في الكون و علم ما يتقي به ذلك التأثير و فيه علم القيامة و أحوالها و مراتبها و فيه علم أمر العالم بجملته و فيه علم فضل أهل النواميس الإلهية على أهل النواميس العقلية الحكمية فهذا ذكر أكثر ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ