قال الله تعالى أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها و لم يقل منها و لا إليها فهي أرض الله سواء سكنها من يعبده أو من يستكبر عن عبادته و قال عز من قائل يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ فأضافها إليه أشد إضافة من قوله إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ و كذلك أضاف العباد إليه إضافة الأرض إضافة اختصاص و كذلك أضافهم في الأمر بالعبادة إليه فقال فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ و قال في غير هذا الموطن اعْبُدُوا الله و اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فمن عرف قدر هذه الإضافة إلى المتكلم عرف قدر ما بين الإضافتين و إن كان المقصود بالعبادة واحدا فضيق في توسعه في إضافتهم إلى المتكلم و وسع في إضافتهم إلى الاسم و هنا أسرار لا يعلمها إلا من يعلم الأمر على ما هو عليه في نفسه و هو قوله ع لما فتح مكة لا هجرة بعد الفتح مع أن مكة أشرف البقاع و أنها بيت الله الذي يحج إليه من مشارق الأرض و مغاربها و لكن أمر و عظم الأجر لمن يهاجر منها من أجل ساكنيها فلما فتحها الله و أسكنها المؤمنين من عباده قال لا هجرة بعد الفتح فمن فتح الله عليه رآه في كل شيء أو عين كل شيء فلم يهاجر لأنه غير فاقد فإن هاجر فعن أمره فيهاجر به منه إليه عن أمره مثل خروجه إلى أداء الصلاة في مسجد الجماعة و مثل خروجه إلى مكة يريد الحج و كخروجه أيضا إلى الجهاد و إلى الزيارة و زيارة أخ في الله تعالى أو في السعي على العيال فهذا كله ليس بهجرة على الحقيقة و إنما هي سياحة عن أمر إلهي على شهود فإن لم يكن على شهود و لا كأنه شهود فما هو مطلوبنا في هذا الموضع فإن أدنى مرتبة الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه و لما خلق الله الإنسان الكامل بالصورتين الموجود بالنشأتين الذي جمع الله له بين الاسمين الأول و الآخر و أعطاه الحكمين في الظاهر و الباطن ليكون بكل شيء عليما خلقه من تراب الأرض أنزل موجود خلق ليس وراءها وراء كما أنه ليس وراءالله مرمى فجعل مسكنه في أشرف الأماكن و هو النقطة التي يستقر عليها عمد الخيمة و جعل العرش المحيط مكان الاستواء الرحماني كما يليق بجلاله أعلاما بالارتباط الإلهي الذي بين العرش و الأرض و ما بينهما من مراتب العالم المتحيز العام للمساحات من الأفلاك و الأركان فجميع العالم في جوف العرش إلا الأرض فإنها مقر السرير فلما أراد الله أن يخلقنا لعبادته قرب الطريق علينا فخلقنا من تراب في تراب و هو الأرض التي جعلها الله ذلولا و العبادة الذلة فنحن الأذلاء بالأصل لا نشبه من خلق نورا من النور و أمر بالعبادة فبعدت عليهم الشقة لبعد الأصل مما دعاهم إليهم من عبادته فلو لا إن الله أشهدهم بأن خلقهم في مقاماتهم ابتداء لم ينزلوا منها فلم يكن لهم في عبادتهم ارتقاء كما لنا ما أطاقوا الوفاء بالعبادة فإن النور له العزة ما له الذلة فمن عناية الله بنا لما كان المطلوب من خلقنا عبادته إن قرب علينا الطريق بأن خلقنا من الأرض التي أمرنا أن نعبده فيها و لما عبد منا من عبد غير الله غار الله أن يعبد في أرضه غيره فقال وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ أي حكم فما عبد من عبد غير الله إلا لهذا الحكم فلم يعبد إلا الله و إن أخطئوا في النسبة إذ كان لله في كل شيء وجه خاص به ثبت ذلك الشيء فما خرج أحد عن عبادة الله و لما أراد الله أن يميز بين من عبده على الاختصاص و بين من عبده في الأشياء أمر بالهجرة من الأماكن الأرضية التي بعبد الله فيها في الأعيان لِيَمِيزَ الله الْخَبِيثَ من الطَّيِّبِ فالخبيث هو الذي عبد الله في الأغيار و الطيب هو الذي عبد الله لا في الأغيار و جعل تعالى هذه الأرض محلا للخلافة فهي دار ملكه و موضع نائبه الظاهر بأحكام أسمائه فمنها خلقنا و فيها أسكننا أحياء و أمواتا و منها يخرجنا بالبعث في النشأة الأخرى حتى لا تفارقنا العبادة حيث كنا دنيا و آخرة و إن كانت الآخرة ليست بدار تكليف و لكنها دار عبادة فمن لم يزل منا مشاهدا لما خلق له في الدنيا و الآخرة فذلك هو العبد الكامل المقصود من العالم النائب عن العالم كله الذي لو غفل العالم كله أعلاه و أسفله زمنا فردا عن ذكر الله و ذكره هذا العبد قام في ذلك الذكر عن العالم كله و حفظ به على العالم وجوده و لو غفل العبد الإنساني عن الذكر لم يقم العالم مقامه في ذلك و خرب منه من زال عنه الإنسان الذاكر قال النبي ص لا تقوم الساعة و في الأرض من يقول الله الله و لما خلق الله هذه النشأة الإنسانية و شرفها بما شرفها به من الجمعية ركب فيها الدعوى و ذلك ليكمل بها صورتها فإن الدعوى صفة إلهية قال تعالى إِنَّنِي أَنَا الله لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي فادعى أنه لا إله إلا هو و هي دعوى صادقة فمن ادعى دعوى صادقة لم تتوجه عليه حجة و كان له السلطان على كل من رد عليه دعواه لأن له الشدة و الغلبة و القهر لأنه صادق و الصدق الشدة فلا يقاوم و لما كانت الدعوى خبرا و الخبر نسبة الصدق إليه و نسبة الكذب على السواء بما هو خبر يقبل هذا و هذا علمنا عند ذلك أنه لا بد من الاختبار فادعى المؤمن الايمان و هو التصديق بوجود الله و أحديته و أنه لا إله إلا هو و أن كل شيء هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ و أن الأمر لله من قبل و من بعد فلما ادعى بلسانه إن هذا مما انطوى عليه جنانه و ربط عليه قلبه احتمل أن يكون صادقا فيما ادعاه إنه صفة له و يحتمل أن يكون كاذبا في إن ذلك صفة له فاختبره الله لإقامة الحجة له أو عليه بما كلفه من عبادته على الاختصاص لا العبادة السارية بسريان الألوهة و نصب له و بين عينيه الأسباب و أوقف ما تمس حاجة هذا المدعي على هذه الأسباب فلم يقض له بشيء إلا منها و على يديها فإن رزقه الله نورا يكشف به و يخترق سدف هذه الأسباب فيرى الحق تعالى من ورائها مسببا اسم فاعل أو يراه فيها خالقا و موجدا لحوائجه التي أضطره إليها فذلك المؤمن الذي هو على نور من ربه و بينة من أمره الصادق في دعواه الموفي حق المقام الذي ادعاه بالعناية الإلهية التي أعطاه وَ من لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ فقال بعد إقراره بربوبية خالقه لما أشهده على نفسه في أخذ الميثاق حين قال له و لأمثاله أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فلما أوجده في هذه الدنيا أوجده على تلك الفطرة فقال بألوهية الأسباب التي رزقه الله منها و جعلها حجبا بينه و بين الله و لم يكن له نور يهتدى به في ظلمات البر و البحر و ليس إلا النجوم و هي هنا نجوم العلم الإلهي فأضاف الألوهة إلى غير مستحقها فكذب في دعواه لكثرة الأسباب و إقراره في شركه بأن ذلك قربة منه إلى الله خالق الأسباب و جعلها آلهة فلم يصدق قوله لا إله إلا هو و لهذا قال من قال أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ و ليس العجب إلا ممن كثر الآلهة و الذي لم يقل بنسبة الألوهة للأسباب لكنه لم ير إلا الأسباب و ما حصل لهمن الكشف ما يخرجه عنها مع توحيد الألوهة كان ذلك شركا خفيا لا يشعر به صاحبه أنه شرك يحجبه عن الأمر العالي الذي طلب به فلم يوجد صاحب هذه الدعوى في توحيد الله و توحيده في أفعاله مع الاضطراب عند فقد السبب و سكونه عند وجوده صادقا فنقصه على قدر ما فاته من ذلك هذا و لم يجعل للأسباب آلهة فإن قلت فالمشرك الذي ادعى أنه مشرك فهو صادق في دعواه إنه مشرك فلما ذا لم ينفعه صدقه قلنا هو كاذب في دعواه في نسبة الألوهة إلى من ليس بالإله هذه دعواه التي كفر بها فهو صادق في أنه مشرك و ليس بصادق في إن الشركة في الألوهة صحيحة لأنه بحث عن ذلك بأدلة العقلية و الشرعية فلم يوجد لما ادعاه عين في الصدق فاختبر الله العباد بما شرع لهم بإرسال الرسل و اختبر الله المؤمنين بالأسباب فكل صنف اختبره بحسب دعواه فمن صدق أورثه ذلك الصدق ما تعطيه دعواه و لهذا يسأل الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ فيما صدقوا فيه هل صدقوا فيما أمروا به و أبيح لهم أو هل صدقوا في إتيان ما حرم عليهم إتيانه مع كونهم صادقين فيقال لهم فيم صدقتم فإن النمامين صادقون و المغتابين صادقون و قد ذمهم الله و توعد على ذلك مع كونه صدقا فلهذا يسأل الصادقين عن صدقهم فيما صدقوا فهذا من اختبار الله إياهم و أصل هذا كله ما ركب فيهم من الدعاوي و مما اختبرهم الله به في الخطاب إن جعل ما ابتلاهم به ليعلم الله الصادق في دعواه من الكاذب فأنزل نفسه في هذا الاختبار منزلة من يستفيد بذلك علما و هو سبحانه العالم بما يكون منهم في ذلك قبل كونه فمن المنزهة في زعمهم من يقول إن الله لا يستفيد من ذلك علما فإنه لا يعلم الأمر من حيث ما هو واقع من فلان على التعيين فرد كلام الله و تأوله إذ خاف من وقوع الأذى به لذلك و من الظاهرية من التزم أنه يعلم بذلك الاختبار وقوفا عند هذا اللفظ و من الناس من صرف ذلك إلى تعلق العلم به عند الوقوع فالعلم قديم و التعلق حادث و من المؤمنين من سلم علم ذلك إلى الله و آمن به من غير تأويل معين و هذا هو أسلم ما يعتقد و هذا كله ابتلاء من الله لعباده الذين ادعوا الايمان به بألسنتهم فإنه قال حَتَّى نَعْلَمَ كما قال وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ و قال أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ الله الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ فميز بينهما فيجازي المجاهد بجزاء معين و يجازي الصابر عليه بجزاء معين و قال فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ لما ذكر الفتنة و هي الاختبار فإذا نظر الإنسان إلى نشأته البدنية قامت معه الأرض التي خلق منها و جعل منها غذاؤه و ما به صلاح نشأته لم يرزقه الله في العادة من غيرها و من خرق الله فيه العادة بأن لم يرزقه منها رزقه من أمر طبيعي خفي و هو السبب الذي أبقى عليه حياته به فوفر عليه حرارته و رطوبته التي هي مادة حياته بأمر لطيف لا يعلمه إلا الله و من أطلعه عليه لأن الله لما وضع الأسباب لم يرفعها في حق أحد و إنما أعطى الله بعض عباده من النور ما اهتدى به في المشي في ظلمات الأسباب غير ذلك ما فعل به فعاينوا من ذلك على قدر أنوارهم فحجب الأسباب مسدلة لا ترفع أبدا فلا تطمع و إن نقلك الحق من سبب فإنما ينقلك بسبب آخر فلا يفقدك السبب جملة واحدة فإنه حبل الله الذي أمرك بالاغتصام به و هو الشرع المنزل و هو أقوى الأسباب و أصدقها و بيده النور الذي يهتدى به في ظلمات بر هذه الأسباب و بحرها فمن عمل كذا و هو السبب فجزاؤه كذا فلا تطمع فيما لا مطمع فيه و لكن سل الله تعالى رشة من ذلك النور على ذاتك و أظهر الأمور اللطيفة إن جعل بدنك ذا مسام و أحاط بك الهواء الذي هو مادة الحياة الطبيعية فإنه حار رطب بالذات و جعل فيك قوة جاذبة فقد تجذب في وقت فقدك الأسباب المعتادة الهواء من مسامك فتغذي به بدنك و أنت لا تشعر و قد علمنا إن من الحشرات من يكون عداؤه من مسام بدنه مما يجذبه من الرطوبات على ميزان خاص يكون له به البقاء من غير إفراط و لا تفريط ثم لتعلم أيها الأخ الولي أن أرض بدنك هي الأرض الحقيقية الواسعة التي أمرك الحق أن تعبده فيها و ذلك لأنه ما أمرك أن تعبده في أرضه إلا ما دام روحك يسكن أرض بدنك فإذا فارقها أسقط عنك هذا التكليف مع وجود بدنك في الأرض مدفونا فيها فتعلم إن الأرض ليست سوى بدنك و جعلها واسعة لما وسعته من القوي و المعاني التي لا توجد إلا في هذه الأرض البدنية الإنسانية و أما قوله فَتُهاجِرُوا فِيها فإنها محل للهوى و محل للعقل فتهاجروا من أرض الهوى منها إلى أرض العقل منهاو أنت في هذا كله فيها ما خرجت عنها فإن استعملك الهوى أرداك و هلكت و إن استعملك العقل الذي بيده سراج الشرع نجوت و أنجاك الله به فإن العقل السليم المبرأ من صفات النقص و الشبه هو الذي فتح الله عين بصيرته لإدراك الأمور على ما هي عليه فعاملها بطريق الاستحقاق فأعطى كل ذي حق حقه و من لم يعبد الله في أرض بدنه الواسعة فما عبد الله في أرضه التي خلق منها فإن الله يقول وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ من طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ من سُلالَةٍ من ماءٍ مَهِينٍ و هو الماء الذي نبع من هذه الأرض البدنية و استقر في رحم المرأة ثم سواه فبعد تسوية أرض البدن و قبوله الاشتعال بما فيه من الرطوبة و الحرارة نفخ الله فيه فاشتعل فكان ذلك الاشتعال روحا له فما خرج إلا منه فمنه خلق و جعل العقل في هذه النشأة نظير القمر في الأرض نورا يستضاء به و لكن ما له ذلك النفوذ بالحجب المانعة من البيوت و الجدران و الأكنة و جعل الشرع لهذا العقل في هذه الأرض البدنية سراجا فأضاءت زوايا هذه الأرض بنور السراج فأعطى من العلم بها مما فيها ما لم يعطه نور العقل الذي هو بمنزلة القمر ثم يعيدنا فيها يعني في النشأة الأخرى أيضا كما خلقنا فيها و يخرجنا إخراجا لمشاهدته كما أنشأنا منها و أخرجنا لعبادته فخلق أرواحنا من أرض أبداننا في الدنيا لعبادته و أسكننا أرض أبداننا في الآخرة لمشاهدته إن كنا سعداء كما آمنا به في النشأة الأولى لما اعتنى الله بنا و الحال مثل الحال سواء في تقسيم الخلق في ذلك و كذلك يكونون غدا و الموت بين النشأتين حالة برزخية تعمر الأرواح فيها أجسادا برزخية خيالية مثل ما أعمرتها في النوم و هي أجساد متولدة عن هذه الأجسام الترابية فإن الخيال قوة من قواها فما برحت أرواحها منها أو مما كان منها فاعلم ذلك فارض الله التي هي ركن موجودة و أنت فيها مدفون و ما أمرت بعبادة ربك و ما دمت في أرض بدنك الواسعة مع وجود عقلك و سراج شرعك فأنت مأمور بعبادة ربك فهذه الأرض البدنية لك على الحقيقة أرض الله الواسعة التي أمرك أن تعبده فيها إلى حين موتك و من مات فقد قامت قيامته و هي القيامة الجزئية و هو قوله وَ فِيها نُعِيدُكُمْ فإذا فهمت القيامة الجزئية بموت هذا الشخص المعين علمت القيامة العامة لكل ميت كان عليها فإن مدة البرزخ هي للنشأة الآخرة بمنزلة حمل المرأة الجنين في بطنها ينشئه الله نشأ بعد نشء فتختلف عليه أطوار النشء إلى أن يولد يوم القيامة فلهذا قيل في الميت إنه إذا مات فقد قامت قيامته أي ابتدأ فيه ظهور نشأة الأخرى في البرزخ إلى يوم البعث من البرزخ كما يبعث من البطن إلى الأرض بالولادة فتدبير نشأة بدنه في الأرض زمان كونه في البرزخ ليسويه و يعدله على غير مثال سبق مما ينبغي للدار الآخرة فيعبده فيها أعني في أرض نشأته الأخراوية عبادة ذاتية لا عبادة تكليف فإن الكشف يمنعه إن يكون عبدا لغير من يستحق أن يكون له عبدا كما ينال هذا المقام رجال الله هنا و لما خلق الله أرض بدنك جعل فيها كعبة و هو قلبك و جعل هذا البيت القلبي أشرف البيوت في المؤمن فأخبر إن السموات و فيها البيت المعمور و الأرض و فيها الكعبة ما وسعته و ضاقت عنه و وسعه هذا القلب من هذه النشأة الإنسانية المؤمنة و المراد هنا بالسعة العلم بالله سبحانه فهذا يدلك على أنها الأرض الواسعة و أنها أرض عبادتك فتعبده كأنك تراه من حيث بصرك لأن قلبك محجوب أن يدركه بصرك فإنه في الباطن منك فتعبد الله كأنك تراه في ذاتك كما يليق بجلاله و عين بصيرتك تشهده فإنه ظاهر لها ظهور علم فتراه بعين بصيرتك و كأنك تراه من حيث بصرك فتجمع في عبادتك بين الصورتين بين ما يستحقه تعالى من العبادة في الخيال و بين ما يستحقه من العبادة في غير موطن الخيال فتعبده مطلقا و مقيدا و ليس ذلك لغير هذه النشأة فلهذا جعل هذه النشأة المؤمنة حرمه المحرم و بيته المعظم المكرم و قد أشرت إلى هذا المعنى بقولي
فكل من في الوجود من المخلوقات يعبد الله على الغيب إلا الإنسان الكامل المؤمن فإنه يعبده على المشاهدة و لا يكملالعبد إلا بالإيمان فله النور الساطع بل هو النور الساطع الذي يزيل كل ظلمة فإذا عبده على الشهادة رآه جميع قواه فما قام بعبادته غيره و لا ينبغي أن يقوم بها سواه فما ثم من حصل له هذا المقام إلا المؤمن الإنساني فإنه ما كان مؤمنا إلا بربه فإنه سبحانه المؤمن و اعلم إنك إذا لم تكن بهذه المنزلة و ما لك قدم في هذه الدرجة فأنا أدلك على ما يحصل لك به الدرجة العليا و هو أن تعلم أن الله ما خلق الخلق على مزاج واحد بل جعله متفاوت المزاج و هذا مشهود بالبديهة و الضرورة لما بين الناس من التفاوت في النظر العقلي و الايمان و قد حصل لك من طريق الحق أن الإنسان مرآة أخيه فيرى منه ما لا يراه الشخص من نفسه إلا بوساطة مثله فإن الإنسان محجوب بهواه متعشق به فإذا رأى تلك الصفة من غيره و هي صفته أبصر عيب نفسه في غيره فعلم قبحها إن كانت قبيحة أو حسنها إن كانت ذات حسن و اعلم أن المرائي مختلفة الأشكال و أنها تصير المرئي عند الرائي بحسب شكلها من طول و عرض و استواء و عوج و استدارة و نقص و زيادة و تعدد و كل شيء يعطيه شكل تلك المرآة و قد علمت إن الرسل أعدل الناس مزاجا لقبولهم رسالات ربهم و كل شخص منهم قبل من الرسالة قدر ما أعطاه الله في مزاجه من التركيب فما من نبي إلا بعث خاصة إلى قوم معينين لأنه على مزاج خاص مقصور و إن محمدا ص ما بعثه الله إلا برسالة عامة إلى جميع الناس كافة و لا قبل هو مثل هذه الرسالة إلا لكونه على مزاج عام يحوي على مزاج كل نبي و رسول فهو أعدل الأمزجة و أكملها و أقوم النشآت فإذا علمت هذا و أردت أن ترى الحق على أكمل ما ينبغي أن يظهر به لهذه النشأة الإنسانية فاعلم إنك ليس لك و لا أنت على مثل هذا المزاج الذي لمحمد ص و أن الحق مهما تجلى لك في مرآة قلبك فإنما تظهره لك مرآتك على قدر مزاجها و صورة شكلها و قد علمت نزولك عن الدرجة التي صحت لمحمد ص في العلم بربه في نشأته فالزم الايمان و الاتباع و اجعله أمامك مثل المرآة التي تنظر فيها صورتك و صورة غيرك فإذا فعلت هذا علمت إن الله تعالى لا بد أن يتجلى لمحمد ص في مرآته و قد أعلمتك أن المرآة لها أثر في ناظر الرائي في المرئي فيكون ظهور الحق في مرآة محمد ص أكمل ظهور و أعدله و أحسنه لما هي مرآته عليه فإذا أدركته في مرآة محمد ص فقد أدركت منه كمالا لم تدركه من حيث نظرك في مرآتك أ لا ترى في باب الايمان و ما جاء في الرسالة من الأمور التي نسب الحق لنفسه بلسان الشرع مما تحيله العقول و لو لا الشرع و الايمان به لما قبلنا من ذلك من حيث نظرنا العقلي شيئا البتة بل نرده ابتداء و نجهل القائل به فكما أعطاه بالرسالة و الايمان ما قصرت العقول التي لا إيمان لها عن إدراكها ذلك من جانب الحق كذلك قصرت أمزجتنا و مرائي عقولنا عند المشاهدة عن إدراك ما تجلى في مرآة محمد ص أن تدركه في مرآتها و كما آمنت به في الرسالة غيبا شهدته في هذا التجلي النبوي عينا
فقد نصحتك و أبلغت لك في النصيحة فلا تطلب مشاهدة الحق إلا في مرآة نبيك ص و احذر أن تشهده في مرآتك أو تشهد النبي و ما تجلى في مرآته من الحق في مرآتك فإنه ينزل بك ذلك عن الدرجة العالية فالزم الاقتداء و الاتباع و لا تطأ مكانا لا ترى فيه قدم نبيك فضع قدمك على قدمه إن أردت أن تكون من أهل الدرجات العلى و الشهود الكامل في المكانة الزلفى و قد أبلغت لك في النصيحة كما أمرت وَ الله يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و في هذا المنزل من العلوم علم مرتبة الحسبان و الظنون و علم التقرير الإلهي و فيه علم الأسرار الخفية عن أكثر الناس و فيه علم الأفراد و فيه علم الملاحم و فيه علم المسابقة و أين حلبة المسابقة التي بين الله و بين عباده و هو علم شريف فيه من الرحمة الإلهية ما لا يصفه واصف و فيه علم الرد على من يقول بإنفاذ الوعيد و شمول الرحمة للجميع و ذلك أن الإنسان إذا عصى فقد تعرض للانتقام و البلاء و أنه جار في شأو الانتقام بما وقع منه و إن الله يسابقه في هذه الحلبة من حيث ما هو غفار و عفو و متجاوز و رحيم و رءوف فالعبد يسابق بالمعاصي و السيئات الحق تعالى إلى الانتقام و الحق أسبق فيسبق إلى الانتقام قبل وصول العبد بالسيئات إليه فيجوزه بالغفار و أخواته من الأسماء فإذا وصل العبد إلى آخر الشأو في هذه الحلبة وجد الانتقام قد جازه الغفار و حال بينه و بين العصاة و هم كانوا يحكمون على أنهم يصلون إليه قبل هذا و هو قوله تعالى في العنكبوت أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا أي يسبقون بسيئاتهم مغفرتي و شمول رحمتي ساءَ ما يَحْكُمُونَ بل السبق لله بالرحمة لهم هذا غاية الكرم و هذا لا يكون إلا في الطائفة التي تقول بإنفاذ الوعيد فيمن يموت على غير توبة فإذا مات العاصي تلقته رحمة الله في الموطن الذي يشاء الله أن تلقاه فيه و فيه علم
قول النبي ص من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه و من كره لقاء الله كره الله لقاءه و لم يقل لم يلقه فما كره الله إلا لقاءه الذي كره و هو أن يلقاه آخذا له على جريمته و منتقما فكره الله أن يلقاه بما كره هذا المسيء فلقيه تعالى بالمغفرة و الرضوان لأنه علم أنه ما كره لقاء الله مع كونه مؤمنا بلقائه إلا لما هو عليه من المخالفة فكره الله لقاءه بما تستحقه المخالفة من العقوبة فلقيه بالعفو و المغفرة و فيه علم ما تستحقه الذات لنفسها لا من حيث اتصافها بأنها إله و فيه علم إن رد الأمور كلها و إن كانت لله فإن الله بعد وقوفه عليها يردها بما شاء على عباده و فيه علم إرسال الستور بين النفوس المؤمنة و بين المخالفات و من خالف منهم أرسلت الستور بينه و بين العقوبات و فيه علم معاملة الله عباده بما يوافق أغراضهم و فيه علم منزلة الأسباب الموضوعة في العالم التي لها الآثار فيه و فيه علم ما تدعوه إليه الأسباب و ما ينبغي أن يجيب منها و ما ينبغي أن لا يجيب و فيه علم إلحاق الأباعد بالأداني و الأسافل بالأعالي في التحام ذلك و فيه علم جهل من يساوي بين الحق و الخلق و من جهل مراتب العالم عند الله و فيه علم التفسير و التمييز و فيه علم ما يعود على العامل من عمله و ما لا يعود و فيه علم أعمار الأشياء و هو بقاء الشيء إلى زمان فساد صورته التي بزوالها يزول عنه الاسم الذي كان يستحقه جمادا كان أو نباتا أو حيوانا و فيه علم الأخذ الإلهي بالأسباب الكونية و أن كل مأخوذ به جند من جنود الله و فيه علم كون العالم آيات بعضه لبعض و فيه علم النصائح من المؤمنين و غير المؤمنين و فيه علم بيان العلم بالأدلة و فيه علم ما تمس الحاجة إليه في كل وقت و فيه علم الاعتبار و فيه علم الإرادة و المشيئة و فيه علم من ينبغي أن يعتمد عليه في الأمور و من لا يعتمد عليه فيها و فيه علم من أراد بأخيه المؤمن سوء عاد عليه و هو سار في كل جنس من الأمم و فيه علم من استعجل صفة ما يكون في يوم القيامة هنا و ما حكمه عند الله و فيه علم الهجرة و المهاجر و فيه علم الوهب من غير الوهب و فيه علم ما أدى الجاهل مع علمه إن يقول إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ من عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً من السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ و أمثال هذا مثل قوله ائْتِنا بِعَذابِ الله إِنْ كُنْتَ من الصَّادِقِينَ فانظر في هذا الخبر الإلهي فإنه مبالغة منهم في التكذيب إذ لو احتمل عندهم صدق الرسول ما قالوا مثل هذا القول فإن النفوس قد جبلت على جلب المنافع لها و دفع المضار عنها و فيه علم الرفق بالأمم و الدعاء عليهم من أنبيائهم و فيه علم العلم بالدار الآخرة و الزمان الآخر و لما ذا يرجع و ما ثم شمس تطلع و لا ليل يقبل و فيه علم تنوع الأسباب و فيه علم مراتب من اتخذ من الآلهة دون الله و فيه علم فصل العلماء و الحكماء الإلهيين و فيه علم ما ينبغي للمؤمن أن يثابر عليه و فيه علم الصنعة و الصانع و فيه علم التنازع في الحديث و مراتب المتنازعين و فيه علم المجمل من المحكممن المعضل من المتشابه و فيه علم تعلق الايمان بما ليس بحق مثل قوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ و فيه علم الداعي الذي يوجب استعجال طلب الشقاء و فيه علم مواطن الايمان و الزلف و فيه علم مراتب الصبر و التوكل و فيه علم من عرف الحق و اجتنبه و ما يحمد من ذلك و ما يذم كالحق المأمور باجتنابه كالغيبة و فيه علم البسط المحمود و المذموم و فيه علم من علم أمرا فقيل له ما تعلمه و فيه علم الحياة السارية في الموجودات و بطونها في الدنيا و ظهورها في الآخرة و بأي بصر كشفها في الدنيا من كشفها و فيه علم الاضطرار و كيف يذهب بذهابه و فيه علم الطرق إلى الله و إن اختلفت فكلها حق و ما يحمد منها و يذم و ما يوصل إلى السعادة منها و ما يحيد بسالكه عن سعادته مع كونه يصل إلى الله و فيه علم المعية الإلهية و مراتب الموجودات فيها فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ