اعلم أيدك الله أن الله تعالى لما عمر الخلأ بالعالم كله امتلأ به و خلق فيه الحركة ليستحيل بعضه لبعض و تختلف فيه الصور بالاستحالات لطبيعة الخلأ الذي ملأه من العالم ذلك الذي استحال إليه فلا يزال يستحيل دائما و ذلك هو الخلق الجديد الذي أكثر الناس منه في لبس و شك و من علم هذا من أهل الله الذين أشهدهم الله ذلك عينا في سرائرهم علم استحالة الدنيا إلى الآخرة و استحالة الآخرة بعضها إلى بعض كما استحال منها ما استحال إلى الدنيا كما ورد في الخبر في النيل و الفرات و سيحان و جيحان إنها من أنهار الجنة استحالت فظهرت في الدنيا بخلاف الصورة التي كانت عليها في الآخرة و من ذلك قوله بين قبري و منبري روضة من رياض الجنةفاستحالت تربة في الدنيا في مساحة مقدرة معلومة و كذلك وادي محسر هو واد في النار استحال إلى الدنيا و آدم و حواء و إبليس من عالم الآخرة استحالوا إلى الدنيا ثم يستحيلون إلى الآخرة فتتغير عليهم الصور بحسب ما تعطيه طبيعة المكان المتوهم الذي تنقلهم إليه الحركة فتؤثر فيهم روحا كان أو جسما متحيزا كان أو غير متحيز و الله محركه على الدوام و لو لا نحن ما تميزت آخرة من دنيا فإن الله ما اعتبر من العالم في هذه الإضافة إلا هذا النوع الإنساني و الجان فجعل الظهور للانس من اسمه الظاهر و جعل البطون للجان من اسمه الباطن و ما عداهما فمسخر لهما كما هو في نفسه مسخر بعضه لبعضه من أجل الدرجات التي أنزلهم فيها فأعطتهم الدرجات صور ما استحالوا إليه لما نقلتهم الحركة الإلهية إليها و لما لم تظهر لأعياننا إلا هنا سميت هذه الدار دار الدنيا و الأولى و سميت الحياة الدنيا فإذا استحلنا إلى البرزخ و استحلنا من البرزخ إلى الصور التي يكون فيها النشر و البعث سميت تلك الآخرة و لا يزال الأمر في الآخرة في خلق جديد منها فيها أهل الجنة في الجنة و أهل النار في النار إلى ما لا يتناهى فلا نشاهد في الآخرة إلا خلقا جديدا في عين واحدة فالعالم متناه لا متناه و لما كان الأمر هكذا لذلك يرى الإنسان نفسه إذا هو نام في الجنة أو في القيامة أو في غير مكانه و بلده مما يعرفه أو يجهله و في غير صورته و في غير حاله فقد استحال في نفسه بحركته التي نقلته من اليقظة إلى النوم إلى صور يعهدها في أوقات و لا يعهدها في أوقات و إلى أحوال محمودة حسنة يسر بها و أحوال مذمومة قبيحة يتألم لها ثم تسرع إليه الاستحالة فيرجع إلى اليقظة إما باستيفاء المعنى الذي استحال إليه في النوم فلم يبق فيه ما يعطيه في تلك الاستحالة الخاصة و هو الذي ينتبه من غير سبب و هو الانتباه الطبيعي لما أخذت النفس للعين حقها من النوم الذي فيه راحتها فإن انتقل من النوم إلى اليقظة بسبب إما من جهة الحس و إما من أمر مفزع أو حركة ما مزعجة ظهرت منه في حال نومه فاستيقظ فإن وافق ذلك الأمر استيفاء العين حقها من النوم الطبيعي كان و إن لم يوافق و بقي من حق العين بقية لو لا ذلك السبب لاستوفاها فإنه يستوفيها في نوم آخر و لذلك بعض النائمين يطول نومهم في وقت و سبب طوله ما ذكرناه و أما قصر نومه فلأحد أمرين و هو ما ذكرناهإما لسبب يوقظه و إما لاستيفاء العين حقها في تلك النومة الخاصة من أجل المزاج الذي يكون عليه فإنه لا يستوي مزاج المتعوب و مزاج المستريح فالمتعوب يطلب من الراحة ما يزيل به ذلك التعب فيستغرقه النوم و يطول لأنه يحب استيفاء الراحة فلا يوقظه قبل الاستيفاء إلا أحد ثلاثة أشياء أو كلها أو بعضها على حسب ما يقع إما بأمر مزعج يراه في نومه أو يوقظه أحد من المتيقظين قصدا أو صيحة عظيمة أو حركة أو ما كان من هذه الأسباب في عالم الحس مقصودا لانتباهه أو غير مقصود بل يقع بالاتفاق و الأمر الثالث أن تكون النفس متعلقة الخاطر بقضاء شغل ما تحب أن تفعله فتنام على ذلك الخاطر و هو متعلق بذلك الأمر فيزعجه فينتبه قبل استيفاء حقه من النوم و ليس المقصود مما ذكرناه إلا تعريفك بأن العالم لا يخلو في كل نفس من الاستحالة و لو لا إن عين الجوهر من الذي يقبل هذه الاستحالة في نفسه واحد ثابت لا يستحيل من حيث جوهره ما علم حين يستحيل إلى أمر ما ما كان عليه من الحال قبل تلك الاستحالة غير إن الاستحالات قد يخفى بعضها و يدق و بعضها يكون ظاهرا تحس به النفس كاستحالة خواطرها و حركاتها الظاهرة و أحوالها و تدق و تخفى كاستحالتها في علومها و قواها و ألوان المتلونات بتجديد أمثالها فهي لا تدرك ذلك الأمر إلا من كان من أهل الكشف فإنه يدرك ذلك و أزال عنه الكشف ذلك اللبس الذي أعمى غيره عن إدراك هذا الأمر فإن قلت فهذه الصورة التي يستحيل إليها جواهر العالم ما هي قلنا الممكنات ليس غيرها هي في شيئية ثبوتها و هي قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ فإذا ظهر عن قوله كن ليس شيئية الوجود و هو قوله وَ قَدْ خَلَقْتُكَ من قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً أي قدرتك أي ما كانت لك شيئية الوجود و هي على الحقيقة شيئية الظهور ظهور لعينه و إن كان في شيئية ثبوته ظاهرا متميزا عن غيره بحقيقته و لكن لربه لا لنفسه فما ظهر لنفسه إلا بعد تعلق الأمر الإلهي من قوله كن بظهوره فاكتسب ظهوره لنفسه فعرف نفسه و شاهد عينه فاستحال من شيئية ثبوته إلى شيئية وجوده و إن شئت قلت استحال في نفسه من كونه لم يكن ظاهرا لنفسه إلى حالة ظهر بها لنفسه بتقدير العزيز العليم فالعالم كله طالع غارب و فلك دائر و نجم سابح ظاهر بين طلوع و غروب عن وحي إلهي و هو ما يتوجه عليه من أمر بظهور و خفاء و وحي نفسي و هو ما يطلبه منه الحق و ما يطلب من الحق تعالى فيوحي إلى الحق كما أوحى الحق إليه فيعمل الحق بما أوحى إليه عبده وقتا و قد لا يعمل وقتا كما إن العبد إذا أوحى الحق إليه فأمره بشيء يعمله أو يتركه فيطيعه وقتا و يعصيه وقتا فظهر الحق للمكلف بصورته في العطاء و الإباية فما رأى العبد في الحق إلا صورته فلا يلومن إلا نفسه إذا دعا الحق في أمر فلم يجبه أ لا ترى إلى الملائكة لما لم يعصوا الله تعالى فيما دعاهم إليه من فعل كما أخبر عنهم ما دعوه في شيء إلا أجابهم لأنهم ليسوا على صورة منع مما دعاهم الحق إليه و العالم لا يشهد من الحق إلا صورة ما هو عليه و لذلك قال ص فيمن يقول آمين بعد قراءة الفاتحة من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له لأن تأمين الملائكة مقبول عند الله مجاب فوافق زمان الإجابة للملائكة فحصلت له الإجابة بحكم التبعية إلا أن يكون وقته وقت إجابة له جزاء لما امتثل من أمر الحق في وقت ما و الأصل في العالم قبول الأمر الإلهي في التكوين و العصيان أمر عارض عرض له نسبي و في الحقيقة ما عصى الله أحد و لا أطاعه بل الأمر كله لله و هو قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فأفعال العباد خلق لله و العبد محل لذلك الخلق فالعالم كله محصور في ثلاثة أسرار جوهره و صوره و الاستحالة و ما ثم أمر رابع فإن قلت فمن أين ظهر حكم الاستحالة في العالم من الحقائق الإلهية قلنا إن الحق وصف نفسه بأنه كل يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و الشئون مختلفة و وصف نفسه بالفرح بتوبة عبده و لم يفرح بها قبل كونها و كذلك قوله ص إن الله لا يمل حتى تملوا و ذكر عنه العارفون به و هم الرسل ع إن الله تعالى يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله كما يليق بجلاله فقد نعتوه بأنه كان على حالة قبل هذا الغضب لم يكن فيها منعوتا بهذا الغضب و قد ورد في الصحيح تحوله في الصور يوم القيامة إذا تجلى لعباده و التحول هو عين الاستحالة ليس غيرها في الظهور و لو لا ذلك ما صح للعالم ابتداء في الخلق و كان العالم مساوقا لله في الوجود و هذا ليس بصحيح في نفس الأمر فكما قبل تعالى الظهور لعباده في صور مختلفة كذلك أيضا لم يخلق ثم خلق فكان موصوفا في الأزل بأنه عالم قادر أي متمكن من إيجاد الممكن لكن له أن يظهر في صورة إيجاده و أن لا يظهر فظهر في إيجاد صورة الممكن لما شاء و لا فرق بين الممكنات في النسبة إليه سبحانه و نحن نعلم أن زيدا ماأوجده الله مثلا إلا أمس أو الآن فقد تأخر وجوده مع كون الحق قادرا فكذلك يلزم الحكم في أول موجود من العالم أن يكون الله يتصف بالقدرة على إيجاد الشيء و إن لم يوجده كما إنك قادر على الحركة في وقت سكونك و إن لم تتحرك و لا يلزم من هذا محال فإنه لا فرق بين الممكن الموجود الآن المتأخر عن غيره و بين الممكن الأول فإن الحق غير موصوف بإيجاد زيد في وقت عدم زيد فالصورة واحدة إن فهمت غير إن إطلاق لفظ الاستحالة لا يطلق على الله و إن كان قد أطلق على نفسه التحول فنقف عنده مع معقولية ما ذكرناه فما ثم إلا الله و التوجه و قبول الممكنات لما أراد الله بذلك التوجه فهذه ثلاثة لا بد منها و من ظهور حكمها فالغروب لا يكون إلا عن طلوع من طالع ثم غرب و الظهور لا يكون إلا من بطون لا عن بطون و أعني بقولي لا عن بطون أنه لم يكن ظاهرا ثم بطن ثم ظهر عن ذلك البطون بل لم يزل باطنا ثم أظهره الله فظهر لنفسه «وصل» لما كان الوصف النفسي للموصوف لا يتمكن رفعه إلا و يرتفع معه الموصوف لأنه عين الموصوف ليس غيره و كان تقدم العدم للممكنات نعتا نفسيا لأن الممكن يستحيل عليه الوجود أزلا فلم يبق إلا أن يكون أزلي العدم فتقدم العدم له نعت نفسي و الممكنات متميزة الحقائق و الصور في ذاتها لأن الحقائق تعطي ذلك فلما أراد الله أن يلبسها حالة الوجود و ما ثم إلا الله و هو عين الوجود و هو الموجود ظهر تعالى للممكنات باستعدادات الممكنات و حقائقها فرأت نفسها بنفسها في وجود موجدها و هي على حالها من العدم فإن لها الإدراكات في حال عدمها كما أنها مدركة للمدرك لها في حال عدمها و لذا جاء في الشرع أن الله يأمر الممكن بالتكوين فيتكون فلو لا إن له حقيقة السمع و أنه مدرك أمر الحق إذا توجه عليه لم يتكون و لا وصفه الله بالتكون و لا وصف نفسه بالقول لذلك الشيء المنعوت بالعدم فكذلك للممكن جميع القوي التي يدرك بها المدركات التي تخص هذه الإدراكات فلما أمرها بالتكوين لم تجد وجود انتصف به إذ لم يكن ثم إلا وجود الحق فظهرت صورا في وجود الحق فلذلك تداخلت الصفات الإلهية و الكونية فوصف الخلق بصفات الحق و وصف الحق بصفات الخلق فمن قال ما رأيت إلا الله صدق و من قال ما رأيت إلا العالم صدق و من قال ما رأيت شيئا صدق لسرعة الاستحالة و عدم الثبات فيقول ما رأيت شيئا و من قال ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فهو ما قلنا إن للممكن إدراكا في حال عدمه فإذا جاءه الأمر الإلهي بالتكوين لم يجد إلا وجود الحق فظهر فيه لنفسه فرأى الحق قبل رؤية نفسه فلما لبسه وجود الحق رأى نفسه عند ذلك فقال ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله أي قبل أن يتكون فيه فيقبل الحق صورة ذلك الشيء فمن لم يعلم الأمر هكذا و إلا فما علم الحق و لا الخلق و لا هذه النسب ف كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ بالصورة للاستحالات إِلَّا وَجْهَهُ و الضمير في وجهه يعود على الشيء فالشيء هالك من حيث صورته غير هالك من حيث وجهه و حقيقته و ليس إلا وجود الحق الذي ظهر به لنفسه لَهُ الْحُكْمُ أي لذلك الشيء الحكم في الوجه فتختلف عليه الأحكام باختلاف الصور وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في ذلك الحكم أي إلى ذلك الشيء يرجع الحكم الذي حكم به على الوجه فالحكم و التحكيم للاحالة لأنها المقصود لا محالة فما ثم إلا هلاك و إيجاد في عين واحدة لا تبديل إلا لله لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله بل التبديل له كما لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ يقضي بذلك كونه أخبر عن نفسه أنه الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ من عين واحدة فليس إلا صور ظاهر هنا و في البرزخ و الآخرة و هو الذي جاء به قوله إِنَّا لَمَرْدُودُونَ في الْحافِرَةِ توهموا ذاك و ما حققوا لذلك قالوا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ فلو رأوها لرأوا أنها ليست سوى أعيانها الظاهرة فما أحالوها و لا عرجوا عنها لكونهم ما نظرت أعينهم إلا إليها فكيف ينكرون ما رأوه أو يجحدون عن نفوسهم ما تيقنوه و من لم يكن له هذا الإدراك فقد حرم العلم و المعرفة التي أعطاها الشهود و الكشف و في هذا المنزل من العلوم علم المعجزات و علم الطمس و علم التتالي و تتابع الموجودات في الخلق و فيه علم اليقين و فيه علم ما يحصل بالخبر و فيه علم ما يحمد و يذم و فيه علم الغضب و لا يقع إلا ممن لم يعط الأمور حقها في حدودها و فيه علم الرحمة بالضعفاء و الخلق كلهم ضعفاء بالأصالة فالرحمة تشملهم و فيه علم ورث الكون للأسماء الإلهية و فيه علم التمكين و فيه علم الإشهاد و فيه علم البيان لتمييز ما يحذر و ما لا يحذر و فيه علم إلحاق الإناث بالذكور و هو إلحاق المنفعل بالفاعل من حيث ما ينفعل عنه منفعل آخر حتى ينتهي الأمر إلى منفعل آخر لا ينفعل عنه منفعل كما ينتهي الأمر منالطرف الآخر إلى فاعل لا يكون منفعلا عن فاعل و هو الحق تعالى و فيه علم اختلاف الوجوه في العين الواحدة و فيه علم الآثار و ما تعطي العالم بها من العلوم و من هنا أخذ السامري القبضة من أثر جبريل فلو لا علمه بما تعطيه الآثار ما فعل و من هذا الباب الذين يقصون الأثر في طلب الشيء و من هذا الباب تعرف أقدام السعداء من أقدام الأشقياء إذا رأى صاحب هذا العلم وطاتهم في الأرض و إن لم ير أشخاصهم فإذا رأى أثر أرجلهم حكم عليهم بما يظهر له و فيه علم التعريض و قولهم في المثل السائر إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب و فيه علم التورية و لذلك كان ص إذا أراد غزو جهة ورى بغيرها و فيه علم ما تعطيه الأسباب من الحكم في العالم و فيه علم حكم الأحوال على الرجال الأقوياء بل حكم الأحوال على كل شيء و من هذا الباب رضي الله عن المطيع و غضبه على من يشاء من العصاة و فيه علم من أين نصر الشخص من يشبهه في الصفة إذا تعدى عليه آخر و هو ضد لمماثله بالجسد الذي ركبه الله عليه و يظهر ذلك في الحيوان كثيرا و فيه علم الأسباب التي تورث الالتجاء إلى الله عز و جل و هي أسباب القهر و فيه علم سفر الخواطر و سفر الأجسام و ما ينتج كل سفر منها و فيه علم من أين يترك الإنسان طلب ما هو محتاج إليه بالطبع مثل قول بعضهم في إن الفقير من ليست له إلى الله حاجة و هذا و إن كان لفظه في غاية القبح فهو من جهة المعنى في غاية الحسن لأنه أرفع درجات التسليم و صاحب هذا المقام هو الذي اتخذ الله وكيلا لعلمه بأنه تعالى أعلم بما يصلح لهذا العبد فلا يعين له العبد حاجة لجهله بالمصالح فالفقير ليست له إلى الله حاجة معينة بل رد أمره كله إلى الله و فيه علم ما ينتج من له هذا المقام و كان حاله و فيه علم من عرف مقدار النساء و منزلتهن في الوجود و لهذا حببهن الله لمحمد ص فإنه من أسرار الاختصاص و لما علم الله موسى ع قدر هذا استأجر نفسه في مهر امرأة عشر سنين و أعني بالنساء الأنوثة السارية في العالم و كانت في النساء أظهر فلهذا حببت لمن حببت إليه فإن النظر العقلي لا يعطي ذلك لبعده عن الشهوة الطبيعية و ما علم هذا العقل أنه ما تنزه عن الشهوة لطبيعية الحيوانية في زعمه إلا بالشهوة الطبيعية فما زهد في شيء إلا بما زهد فيه فما خرج عن حكمه و هذا أجهل الجاهلين و لو لم يكن من شرف النساء إلا هيأة السجود لهن عند النكاح و السجود أشرف حالات للعبد في الصلاة و لو لا خوفي أن أثير الشهوة في نفوس السامعين فيؤدي ذلك إلى أمور يكون فيها حجاب الخلق عما دعاهم الحق إليه لجهلهم بما كنت أذكره في ذلك و لكن له مواطن يستعمل فيها لا ظهرت من ذلك ما لا يظهر على فضله فضل شيء و لذلك قرن معه حب الطيب و الصلاة و من أسماء الله تعالى الطيب و لو نظرت فيما أنتج الله من الكلام الإلهي لموسى ع حين خرج ساعيا لأهله لما كانوا يحتاجون إليه من النار فبسعيه على عياله و استفراغه ناداه الحق و كلمه في عين حاجته و هي النار فقال له أن بورك من في النار و من حولها و فيه علم وجود الحق في عين الخلاف كما يوجد في عين الاتفاق لمن عقل و فيه علم افتقار الأعلى إلى الأدنى و حاجته إليه و هذا العلم من أصعب العلوم لدقة ميزانه فإنه ما كل أحد يقدر يزن بهذا الميزان و لا سيما في قوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ فمن أي شيء تحفظ في قوله ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ و نحن نعلم أنه لا يطعم و لا يطلب الرزق من عباده بل هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ لما كانت القوة فينا للغذاء فقال أَنْ يُطْعِمُونِ فتكون قوتي مما طمعت بل لي القوة من غير غذاء و لا طعام و فيه علم الإمامة في العالم و أنه لا يجتمع أمر العالم إلا بها و لا تكون المصالح إلا بها و فيه علم تعليم العلم و فيه علم الغيب الإضافي و ما ثم غيب مطلق و فيه علم من طلب شيئا فلما أعطيه رده و لم يقبله فما السبب الذي حمل الطالب على طلبه و ما السبب الذي جعله يرده و لا يقبله فينبني على هذا علم السبب المؤدي إلى الطلب على الإطلاق من غير تخصيص طالب من طالب و فيه علم ما يتبع الشخص إلا من له الحكم فيه و ما يحكم فيه إلا من له التعشق به و هذا اتباع الاختيار لا اتباع الجبر فإن اتباع الجبر قد لا يكون له حكم ما ذكرناه و إن كان العاشق مجبورا للعشق القائم به و لكن الفرق ظاهر بين الحركتين و فيه علم التوصيل و ما ينتج و فيه علم الأصناف الذين يضاعف لهم العطاء في الآخرة و فيه علم ما ينبغي أن يطلب له العالم و فيه علم ما يحذر من الاتباع و ما لا يحذر و ما يذم من الحذر و ما لا يذم و فيه علم السبب الموجب لهلاك ما يهلك من العالم و فيه علم المفاضلة في العالمبالمراتب و فيه علم الأنساب و الأحساب و ما يقع به الشرف في الانتساب و ما لا يقع و نهى النبي ص عن الطعن في الأنساب و فيه علم الأهوال الشاغلة و فيه علم الجبر و من هو المجبور و فيه علم التنزيه و فيه علم عواقب الثناء و أوائله و فيه علم الأحكام و لمن تنسب و من يحكم بها و فيه علم التقدير الذي لم يقع لو وقع ما ينتج و هل ترك وقوعه من باب الرحمة بالعالم أم لا و فيه علم إقامة الحجج و فيه علم الابتلاء و ما فائدته و فيه علم صنعة الكيمياء و فيه علم الاعتبار و فيه علم التمني و ما يفيد منه و ينفع المتمني و ما لا يفيد و لا ينفع و فيه علم أهلية كل موجود لما أهل له و فيه علم من جازى بأفضل مما عمل له و من أجاب بأكثر مما سئل عنه و فيه علم ما نهي عنه المؤمن هل هو بقاء على الأصل لأنه ترك و لما ذا تأخر عن الأمر و كلاهما حكم الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس و الخمسون و ثلاثمائة في معرفة منزل ثلاثة أسرار مكتتمة و
بذلت نفسي لنفسي كي أفوز بمنقد كان عندي و لم أشعر بموضعه
حتى رأيت له شكلا يماثلنيفغبت فيه بأمر من مشرعه
هل للنعيم به أو للتخلق بالأسماءفانظر إلى أحوال مبدعه
فإن يخاطبك الرحمن من كتببسر حكمته فاحضر عسى تعه