قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع و الخمسون و ثلاثمائة في معرفة منزل البهائم من الحضرة الإ

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
هيهات ما تسدل الأستار و الكللإلا لأمر عظيم كله جلل
لو أن ما سترت يبدو لأعيننالما بدت نحل فينا و لا ملل
و لا بد أعرض في طيه مرضو لا دواء و لا طب و لا علل
و لا جديد تكون النفس تلبسهو لا التوسط منه لا و لا الثمل
إن الستور ترى في العين صورتهاو ليس يدركها في ذلكم ملل
و أعين الكون خلف الستر ناظرةو الحجب تبصر ما لا تبصر المقل

اعلم أيدك الله أيها الطالب أن معرفة الأمور على ما هي عليه في أنفسها إنك لا تعلم ذلك إلا إذا أوقفك الله عليك من نفسك و أشهدك ذلك من ذاتك فيحصل لك ما طلبته ذوقا عند ما تقف عليه كشفا و لا سبيل إلى حصول ذلك إلا بعناية أزلية تعطيك استعدادا تاما لقبوله برياضات نفسية و مجاهدات بدنية و تخلق بأسماء إلهية و تحقق بأرواح طاهرة ملكية و تطهير بطهارة شرعية مشروعة لا معقولة و عدم تعلق بأكوان و تفريغ محل عن جميع الأغيار لأن الحق ما اصطفى لنفسه منك إلا قلبك حين نوره بالإيمان فوسع جلال الحق فعاين من هذه صفته الممكنات بعين الحق فكانت له مشهودة و إن لم تكن موجودة فما هي له مفقودة و قد كشف لبصيرته بل لبصره و بصيرته نور الايمان حين انبسط على أعيان الممكنات أنها في حال عدمها مرئية رائية مسموعة سامعة برؤية ثبوتية و سمع ثبوتي لا وجود له فعين الحق ما شاء من تلك الأعيان فوجه عليه دون غيره من أمثاله قوله المعبر عنه باللسان العربي المترجم بكن فأسمعه أمره فبادر المأمور فتكون عن كلمته لا بل كان عين كلمته و لم تزل الممكنات في حال عدمها الأزلي لها تعرف الواجب الوجود لذاته و تسبحه و تمجده بتسبيح أزلي و تمجيد قديم ذاتي و لا عين لها موجودة و لا حكم لها مفقود فإذا كان حال الممكنات كلها على ما ذكرناه من هذه الصفات التي لا جهل معها فكيف تكون في حال وجودها و ظهورها لنفسها جمادا لا ينطق أو نباتا بتعظيم خالقه لا يتحقق أو حيوانا بحاله لا يصدق أو إنسانا بربه لا يتعلق هذا محال فلا بد أن يكون كل ما في الوجود من ممكن موجود يسبح الله بحمده بلسان لا يفقه و لحن ما إليه كل أحد يتنبه فيسمعه أهل الكشف شهادة و يقبله المؤمن إيمانا و عبادة فقال تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً فجاء باسم الحجاب و الستر و هو قوله غَفُوراً و جاء بالاسم الذي يقتضي تأخير المؤاخذة إلى الآجل و عدم حكمها في العاجل و هو الحليم لما علم إن في عباده من حرم الكشف و الايمان و هم العقلاء عبيد الأفكار و الواقفون مع الاعتبار فجازوا من الظاهر إلى الباطن مفارقين الظاهر فعبروا عنه إذ لم يكونوا أهل كشف و لا إيمان لما حجب الله أعينهم عن مشاهدة ما هي عليه الموجودات في أنفسها و لا رزقوا إيمانا في قلوبهم يكون له نور يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ و أما المؤمنون الصادقون أولوا العزم من الأولياء فعبروا بالظاهر معهم لا من الظاهر إلى الباطن و بالحرف عينه إلى المعنى ما عبروا عنه فرأوا الأمور بالعينين و شهدوا بنور إيمانهم النجدين فلم يتمكن لهم إنكارما شهدوه و لا جحدوا ما تيقنوه فأسمعهم الله نطق الموجودات لا بل نطق الممكنات قبل وجودها فإنها حية ناطقة دراكة بحياة ثبوتية و نطق ثبوتي و إدراك ثبوتي إذ كانت في أنفسها أشياء ثبوتية فلما قبلت شيئية الوجود قبلتها بجميع نعوتها و صفاتها و ليس نعتها سوى عينها فهي في حال شيئية وجودها حية بحياة وجودية ناطقة بنطق وجودي دراكة بإدراك وجودي إلا إن الله سبحانه أخذ بأبصار بعض عباده عن إدراك هذه الحياة السارية و النطق و الإدراك الساري في جميع الموجودات كما أخذ الله ببصائر أهل العقول و الأفكار عن إدراك ما ذكرناه في جميع الموجودات و في جميع الممكنات و أهل الكشف و الايمان على علم مما هو الأمر عليه في هذه الأعيان في حال عدمها و وجودها فمن ظهرت حياته سمي حيا و من بطنت حياته فلم تظهر لكل عين سمي نباتا و جمادا فانقسم عند المحجوبين الأمر و عند أهل الكشف و الايمان لم ينقسم فأما صاحب الكشف و الشهود أهل الاختصاص فقد أعطاهم الشهود و ما أعطى المحجوبين شهودهم فيقول أهل الشهود سمعنا و رأينا و يقول المحجوبون ما سمعنا و لا رأينا و يقول أهل الايمان آمنا و صدقنا قال تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و شيء نكرة و قال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ من في السَّماواتِ وَ من في الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ فذكر الجماد و النبات و الحيوان الذين وقع فيهم الخلاف بين المحجوبين من أهل العقول و الأفكار و بين أهل الشهود و الايمان و قال تعالى وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ من دابَّةٍ و قال وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ و قال وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ و قال قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً من قَوْلِها و قال عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ و قال عن الهدهد إنه قال لسليمان أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ به وَ جِئْتُكَ من سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَ أُوتِيَتْ من كُلِّ شَيْءٍ وَ لَها عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ من دُونِ الله فانظر فيما أعطى الله هذا الهدهد من العلم بالله فيما ذكره و قال تعالى أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً من الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ ثم أخبر أن طائفة من العباد لا توقن بذلك و تخرجه بالتأويل عن ظاهره فقال أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ أي لا يستقر الايمان بالآيات التي هذه الآية منها في قلوبهم بل يقبلون ذلك إيمانا و طائفة منهم تتأول ذلك على غير وجهه الذي قصد له و قال ص يشهد للمؤذن مدى صوته من رطب و يابس و قال في أحد هذا جبل يحبنا و نحبه و قال إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل إن أبعث ثم إنه قد صح أن الحصى سبح في كفه و صح حنين الجذع إليه الذي كان يستند إليه إذا خطب الناس قبل أن يعمل له المنبر فلما صنع له المنبر تركه فحن إليه فنزل من منبره و أتاه فلمسه بيده حتى سكن و صح أن كتف الشاة المسموم كلمه و قال ص لا تقوم الساعة حتى تكلم الرجل عذبة سوطه و تخبره فخذه بما فعل أهله بعده و ثبت عنه في قتل اليهود في آخر الزمان إذا استتر اليهود خلف الشجر يقول الشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي أقتله إلا شجرة الغرقد فإنها ملعونة لا تنبه على من يستتر بها من اليهود و هنا سر إلهي عجيب يعلم أن من الأشجار من راعى حق من استجار به اعتمادا من تلك الشجرة على رحمة الله و وفاء لحق الجوار و هو من الصفات المحمودة في كل طائفة و في كل ملة و قال رسول الله ص لابنة عمه أم هانئ قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ و كان مشركا و اليهود أهل كتاب على كل حال فهم أولى بأن يوفى لهم بحق الجوار و كان هذا من الله في حق هذه الشجرة التي استجار بها اليهود فسترتهم ليتحقق عندنا قوله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ من يَشاءُ فجاء بلفظة من و هي نكرة فدخل تحتها كل شيء لأن كل شيء حي ناطق فيدخل تحت قوله من لأن بعض النحاة يعتقدون أن لفظة من لا تقع إلا على من يعقل و كل شيء يسبح بحمد الله و لا يسبح إلا من يعقل من يسبحه و يثني عليه بما يستحقه فمن تقع على كل شيء إذ كل شيء يعقل عن الله ما يسبحه به فالله تعالى يرزقنا الايمان إذا لم نكن من أهل العيان و الكشف و الشهود لهذه الأمور التي أعمى الله عنها أهل العقول الذين تعبدتهم أفكارهم و غير المؤمنين الذين طمس الله على قلوبهم فمن علم إن كل شيء ناطق ناظر إلى ربه لزمه الحياءمن كل شيء حتى من نفسه و جوارحه فإن الله يقول يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و قال تعالى الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ و أخبر تعالى عن بعض الناس المشهود عليهم أنهم يقولون لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا الله يعني بالشهادة عليكم الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ فيا ولي لا تكن الجلود أعلم بالأمر منك مع دعواك إنك من أهل العقل و الإستبصار فهذه الجلود قد علمت نطق كل شيء و أن الله منطقه بما شاء ثم قال وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ لا أَبْصارُكُمْ وَ لا جُلُودُكُمْ أي هذا لا يمكن الاستتار منه لأنكم ما تعملون الذي تأتونه من المنكرات إلا بالجوارح فإنها عين الآلة تصرفونها في طاعة الله أو معصيته فلا يتمكن لكم الاستتار عما لا يمكنك العمل إلا به وَ لكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ الله لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ هذا خطاب لمن يعتقد أن الله لا يعلم الجزئيات خاصة ثم قال وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ أي أهلككم فَأَصْبَحْتُمْ من الْخاسِرِينَ و الخسران ضد الربح و هو نقص من رأس المال لما كان الأمر تجارة اتصف بالربح و الخسران يقول تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ عقيب قوله أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فلما باعوا الهدى بالضلالة خسروا و قال هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ من عَذابٍ أَلِيمٍ ثم ذكر ما هي التجارة فقال تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ في سَبِيلِ الله و إنما عدل في هذه الأمور إلى التجارة دون غيرها فإن القرآن نزل على قرشي بلغة قريش بالحجاز و كانوا تجارا دون غيرهم من الأعراب فلما كان الغالب عليهم التجارة كسى الله ذات الشرع و الايمان لفظ التجارة ليكون أقرب إلى أفهامهم و مناسبة أحوالهم و بعد أن أبنت لك عن الأمور على ما هي عليه إن كنت ذا نظر أو إيمان فإني ما أخبرتك إلا بممكن ما أخبرتك بمحال فلنقل بعد هذا البيان الشافي و الإيضاح الكافي لأهل طريق الله خاصة و خاصته من عباده من مكاشف و مؤمن إن البهائم ما اختصت بهذا الاسم المشتق من الإبهام و المبهم إلا لكون الأمر أبهم علينا فإنا قد بينا لك ما هي عليه من المعرفة بالله و بالموجودات و إنما سميت بذلك لما انبهم علينا من أمرها فإبهام أمرها إنما هو من حيث جهلنا ذلك أو حيرتنا فيه فلم نعرف صورة الأمر كما يعرفه أهل الكشف فهي عند غير أهل الكشف و الايمان بهائم لما نبهم عليهم من أمرها لما يرون من بعض الحيوان من الأعمال الصادرة عنها التي لا تصدر إلا عن فكر و روية صحيحة و نظر دقيق يصدر منهم ذلك بالفطرة لا عن فكر و لا روية فأبهم الله على بعض الناس أمرهم و لا يقدرون على إنكار ما يرونه مما يصدر عنهم من الصنائع المحكمة فذلك جعلهم يتأولون ما جاء في الكتاب و السنة من نطقهم و نسبة القول إليهم ليت شعري ما يفعلون فيما يرونه مشاهدة في الذي يصدر عنهم من الأفعال المحكمة كالعناكب في ترتيب الحبالات لصيد الذباب الذي جعل الله أرزاقهم فيه و ما يدخره بعض الحيوان من أقواتهم على ميزان معلوم و قدر مخصوص و علمهم بالأزمان و احتياطهم على نفسهم في أقواتهم فيأكلون نصف ما يدخرونه خوف الجدب فلا يجدون ما يتقوتون به كالنمل فإن كان ذلك عن نظر فهم يشبهون أهل النظر فأين عدم العقل الذي ينسب إليهم و إن كان ذلك علما ضروريا فقد أشبهونا فيما لا ندركه إلا بالضرورة فلا فرق بيننا و بينهم لو رفع الله عن أعيننا غطاء العمي كما رفعه الله عن أبصار أهل الشهود و بصائر أهل الايمان و في عشق الأشجار بعضها بعضا التي لها اللقاح فإن ذلك فيها أظهر آيات لأهل النظر إذا أنصفوا

و اعلم أن العاقل كان من كان من أي أصناف العالم إن شئت إذا أراد أن يوصل إليك ما في نفسه لم يقتصر في ذلك التوصيل على العبارة بنظم حروف و لا بد فإن الغرض من ذلك إذا كان إنما هو إعلامك بالأمر الذي في نفس ذلك المعلم إياك فوقتا بالعبارة اللفظية المنطوق بها في اللسان المسماة في العرف قولا و كلاما و وقتا بالإشارة بيد أو برأس أو بما كان و وقتا بكتاب و رقوم و وقتا بما يحدث من ذلك المريد إفهامك بما يريد الحق أن يفهمك فيوجد فيك أثرا تعرف منه ما في نفسه و يسمى هذا كله أيضا كلاما كما قال تعالى أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً من الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ فأخبر أنها تكلمنا و ذلك أنها إذا خرجت من أجياد و هي دابة أهلب كثيرة الشعر لا يعرف قبلها من دبرها يقال لها الجساسة فتنفخ فتسم بنفخها وجوه الناس شرقا و غربا جنوبا و شمالا برا و بحرا فيرتقم في جبين كل شخص ما هو عليه في علم الله من إيمان و كفر فيقول من سمته مؤمنا لمنسمته كافرا يا كافر أعطني كذا و كذا و ما يريد أن يقول له فلا يغضب لذلك الاسم لأنه يعلم أنه مكتوب في جبينه كتابة لا يمكنه إزالتها فيقول الكافر للمؤمن نعم أو لا في قضاء ما طلب منه بحسب ما يقع فكلامها المنسوب إليها ما هو في العموم سوى ما وسمت به الوجوه بنفختها و إن كان لها كلام مع من يشاهدها أو يجالسها من أي أهل لسان كان فهي تكلمه بلسانه من عرب أو عجم على اختلاف اصطلاحاتهم يعلم ذلك كله و قد ورد حديثها في الخبر الصحيح الذي ذكره مسلم في حديث الدجال حين دلت تميما الداري عليه و قالت له إنه إلى حديثك بالأشواق و هي الآن في جزيرة في البحر الذي يلي جهة الشمال و هي الجزيرة التي فيها الدجال و اعلم أنه ما من صورة في العالم الأسفل إلا و مثلها في العالم العلوي فصور العالم العلوي تحفظ على أمثالها في العالم السفلي الوجود و يؤثر فيها ما تجده من العلم بالأمور التي لا تقدر على إنكارها من نفسها لتحققها بما تجده فهذا أثر الصور العلويات الفلكيات في الصور السفليات العنصريات و تؤثر الصور العنصريات السفليات في الصور العلويات الفلكيات الحسن و القبح و التحرك بالوهب لما تحتاج إليه بما هي عليه من الاستعدادات فلا تقدر الصور العلويات أن تحفظ نفسها عن هذا التأثير لأن لهذا خلقت و بين العالمين رقائق ممتدة من كل صورة إلى مثلها متصلة غير منقطعة على تلك الرقائق يكون العروج و النزول فهي معارج و مدارج و قد يعبر عنها بالمناسبات و بين تلك الصور العلويات الفلكيات و بين الطبيعة رقائق ممتدة عليها ينزل من الطبيعة إلى هذه الصور ما به قوام وجودها فإذا انصبغت بذلك أفاضت على الصور السفليات العنصريات ما به قوام وجودها و لكن من حيث ما هي أجسام و أجساد لا غير ليحفظ عليها صورها و بين هذه الصور العلويات الفلكيات و بين النفس الكلية التي عبر عنها الشارع ص عن الله باللوح المحفوظ لما حفظ الله عليه ما كتب فيه فلم ينله محو بعد ذلك و لا تبديل فكل شيء فيه و هو المسمى في القرآن بكل شيء تسمية إلهية و منه كتب الله كتبه و صحفه المنزلة على رسله و أنبيائه مثل قوله تعالى وَ كَتَبْنا لَهُ في الْأَلْواحِ من كُلِّ شَيْءٍ و هو اللوح المحفوظ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ و هو اللوح المحفوظ ففصلت الكتب المنزلة مجمله و أبانت عن موعظته فبين هذه الصور و بين هذه النفس رقائق ممتدة من حيث أرواحها المدبرة لصور أجسادها تنزل عليها العلوم و المعارف بما شاء الله إما من العلم به أو العلم بما شاء من المعلومات الموجودات و المعقولات فإذا حصلت أرواح هذه الصور العلويات الفلكيات ما شاء الله من العلوم التي هي لها بمنزلة الغذاء لصورها الجسمية فبه قوام وجودها و نعيمها و لذتها فإذا انصبغت بتلك الأنوار و تحققت بها أفاضت على نفوس الصور السفليات العنصريات من تلك العلوم بحسب ما قبله استعدادها فيتفاضلون في العلم لتفاضل الاستعداد ثم يعلم بعضهم بعضا و ليس التعليم إلا رفع الحجب التي حجبها استعدادهم عن قبول ذلك الفيض فكنى عن ذلك الرفع بالتعليم فلم يكن التعليم إلا من ذلك الفيض من تلك الصور العلويات الفلكيات كما يرفع المانع الذي يمنع الماء عن جريته فإذا رفعته جرى الماء في ذلك الموضع الذي كان المانع يمنع من جريته عليه ففاتح هذا السد لم يجر الماء كذلك المعلم من هذه الصور السفليات لغيرها من أمثالها إنما رفع عنها حجاب الجهل و الشك فانكشف لذلك الفيض الروحاني فقبلت من العلوم ما لم يكن عندها فتخيلت إن المعلم لها من رفع غطاء جهلها و ليس الأمر كذلك فافهم و بين هذه الصور العلويات الفلكيات و بين الصور السفليات العنصريات رقائق ممتدة للأسماء الإلهية و الحقائق الربانية و هي الوجوه الخاصة التي لكل ممكن الذي صدر منه عن كلمة كن بالتوجه الإرادي الإلهي الذي لا يعلمه المسبب عنه من غيره و إن كان له وجه خاص من نفسه يعلم ذلك أو يجهله و من ذلك الوجه يفتقر كل شيء إلى الله لا إلى سببه الكوني و هو السبب الإلهي الأقرب من السبب الكوني فإن السبب الكوني منفصل عنه و هذا السبب لا يتصف بالانفصال عنه و لا بالاتصال المجاور و إن كان أقرب في حق الإنسان من حبل الوريد فقربه أقرب من ذلك فيعطي الله تعالى لكل صورة علوية و سفلية من العلوم الاختصاصية التي لا يعلم بها إلا ذلك المعطى له خاصة ما شاء الله و هذه هي علوم الأذواق التي لا تنقال و لا تنحكى و لا يعرفها إلا من ذاقها و ليس في الإمكان أن يبلغها من ذاقها إلى من لم يذقها و بينهم في ذلك تفاضل لا يعرف و لا يمكن أن يعرف عين ما فضله به فلما كان في العلم هذا الاختصاص كان ثم جنات اختصاص و اعلمأنه ليس في المنازل و لا في المقامات منزل عم جميع العالم و الإنسان إلا هذا المنزل فله عموم الرحمة في العالم لأن العالم من حيث حقيقته قام على أربعة أركان في صورته الجسمية و الروحانية فهو من حيث طبيعته مربع و من حيث روحه مربع فمن حيث جسده ذو أربع طبائع عن أركان أربعة و من حيث روحه عن أم و أب و نفخ و توجه فجاءته الرحمة من أربعة وجوه لكل وجه رحمة تخصه فالرحمة التي تبقي عليه رطوبته حتى لا تؤثر فيها يبوسته غير الرحمة التي تحفظ عليه يبوسته لئلا تفنيها رطوبته و الرحمة التي تحفظ عليه برودته لئلا تفنيها حرارته غير الرحمة التي تحفظ عليه حرارته لئلا تفنيها برودته فتمانعت فبقيت لهذا التمانع و التكافؤ صورة الجسم ما دام هذا التكافؤ و الممانعة و من هذا المنزل انبعثت هذه الرحمات الأربع فمن وقف عليها من نفسه علم ما له و من لم يقف عليها من نفسه جهل حاله و إنما حجب الله من حجب عن شهودها حتى لا يتكلموا كما ورد في حديث معاذ و حديث عمر و كشفها الله للامناء حيث علم منهم أنهم لا يؤدون الأمانة إلا لأهلها فإن الله قد خلق للعلم أهلا بمثل هذا و جعل وصول العلم إليهم بمثل هذا على نوعين إما منه إليهم و إما من معلم قد علم أمانة غيره و هو أمين مثل ما علم من أمانته فالقى ذلك العلم إليه إذ كان من أهله و هو مأمور من الله تعالى بأداء الأمانة فإذا وقفت على هذه الرحمات من نفسك حالت بينك و بين كل ما يؤدي إلى بعدك عن الله تعالى و عن سعادتك و اتصفت بالانقياد إلى الله في كل حال بما دعاك إليه هذا أثرها فيك إذا شاهدتها فتورثك الأدب الإلهي و لا يكون هذا الآتي بهذا العلم إليك إلا عالما بك و بما تكون به حياتك و هو من الأرواح السيارة و الملائكة أولي الأجنحة على طبقاتها في الأجنحة فأعلاهم أقلهم أجنحة و أقلهم أجنحة من له جناحان فإنه ما ثم من له جناح واحد لا مساعد له إما من جناح أو غيره و قد رأينا حيوانا على فرد رجل و قد خرج من صدره شبه درة المحتسب يحركه تحريك الجناح و يعدو بتلك الحركة و يحرك رجله الواحدة بحيث أن السابق من الخيل لا يلحقه ما بين القل و جيجل ببلاد المغرب فلهذا لنا من لا مساعد له فمن الملائكة من له جناحان إلى ستمائة جناح إلى ما فوق ذلك فهذا علم لا يأتي لمن أتى إليه إلا على يدي ملك كريم مطيع لا يعصي الله ما أمره له جناحان ينزل بهما إلى قلب هذا العبد فإن أجنحة الملائكة للنزول لا للصعود و أجنحة الأجسام العنصرية للصعود لا للنزول لأن الملائكة تجري بطبعها الذي عليه صورة أجسامها إلى أفلاكها التي عنها كان وجودها فإذا نزلت إلى الأرض نزلت طائرة بتلك الأجنحة و هي إذا رجعت إلى أفلاكها ترجع بطبعها بحركة طبيعية و إن حركت أجنحتها حتى أنها لو لم تحرك أجنحتها لصعدت إلى مقرها و مقامها بذاتها و أجسام الطير العنصري يحرك جناحه للصعود و لو ترك تحريك جناحه أو بسطة لنزل إلى الأرض بطبعه فما يبسط جناحه في النزول إلا للوزن في النزول لأنه إن لم يزن نزوله و بقي مع طبعه تأذى في نزوله لقوة حكم الطبع فحركة جناحه في النزول حركة حفظ فاعلم ذلك و اعلم أن البهائم تعلم من الإنسان و من أمر الدار الآخرة و من الحقائق التي الوجود عليها ما يجهله بعض الناس و لا يعلمه كما حكي عن بعضهم أنه رأى رجلا راكبا على حمار و هو يضرب رأس الحمار بقضيب فنهاه الرائي عن ضربه رأس الحمار فقال له الحمار دعه فإنه على رأسه يضرب فجعله عين الحمار و علم الحمار أنه مجازي بمثل ما فعل معه و قوله دعه لما علم الحمار ما له في ذلك من الخير عند الله أو لعلمه أيضا بأنه ما وفى له بحق ما خلق له من التسخير فعلم أنه مستحق بالضرب فنبه بذلك السامع له أن الشخص إذا لم يجيء بحق ما تعين عليه لصاحبه استحق الضرب أدبا و جزاء لما كان منه و هذه كلها وجوه محققة لصورة هذا الفعل و القول من هذا الحمار إلى غير ذلك من الوجوه التي يطلبها هذا الفعل و قال رسول الله ص في ناقته لما هاجر إلى المدينة و بركت الناقة بفناء أبي أيوب الأنصاري فأراد من حضر من أصحابه ص أن يقيمها و النبي ص راكب عليها فقال دعوها فإنها مأمورة و قال حبسها حابس الفيل يعني عن مكة و حديث الفيل مشهور الصحة فجميع ما سوى الثقلين و بعض الناس و الجان على بينة من ربهم في أمرهم من حيوان و نبات و جماد و ملك و روح و يتضمن هذا المنزل من العلوم علم الأعداد و علم الحروف و هو علم الأولياء كذا قال محمد بن علي الترمذي الحكيم و علم المجمل و علم الرحمات المختصة بالإنسان و علم التبيان و علم البشائر و علم مراتب الايمان و علم إقامة نشأة الأعمال من المكلفين و غيرالمكلفين و علم التلقي الروحاني المظهر من الملقي الذي هو الحق لا الملك و علم أداء حقوق الغير و علم ما يكون من الله لمن مشى في حق أخيه و علم تولى الحق ذلك بنفسه و علم ما هي الحضرة الإلهية عليه من الأمان الذي لا يعلمه إلا العالمون بالله ذوقا و علم تقلب الأحوال فتتقلب لتقلبهم المواهب الإلهية و علم الآيات و الدلالات و على ما ذا تدل و اختلافها مع أحدية المدلول و علم ما يحجب القلب عن العلم بالشيء مع وجود البيان في ذلك و علم العناية الإلهية بوهب العلم و علم ما يحصل من العلم بطريق الورث و علم مراتب الحيوان و فيما ذا يتفاضلون و ما يكونون فيه على السواء و هل الإنسان يلحق بالحيوان أو هو نوع خاص و بما ذا يختص عن الحيوان و قد علمنا إن كل حيوان فهو ناطق و علم آداب الملوك و كيف ينبغي أن يكون الملك في ملكه و لنا في هذا الفن كتاب سميناه التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية و علم النصائح لدفع الضرر و التوقي و علم التوحيد الذي يختص بالبهائم و علم جواز الكذب على كل ناطق مع العلم بأنه صادق ما عدا الثقلين فإنهما قد يكذبان في كثير مما يخبرون به و علم اتخاذ الملوك الجواسيس و ما ينبغي للجاسوس أن يظهر به من الصفات في حال تجسسه و ما يحمد من ذلك و إن كان كذبا و علم مشورة الأعلى للأدنى مع علمه بأنه يصل إلى العلم بما يريد العلم به من غير مشورة و كون الحق تعالى أمر نبيه ص بمشاورة أصحابه في الأمر الذي يعن له إذا لم يوح إليه فيه شيء و علم قول النبي ص تهادوا تحابوا و ما للعطاء في النفوس من الأثر القادح في الايمان هل هو محمود أو مذموم فإن الإحسان محبوب لذاته فهل المحسن مثل ذلك أم ينفصل عن الإحسان فإنها مسألة خطرة عظيمة في إحسان من أمرك الله أن تعاديه فتقبل إحسانه من غير أن يؤثر فيك مودة له إيثار الجناب الله و امتثالا أمره و هذا هو خروج عن الطبع و هو صعب مشكل يمكن أن لا يتصور وقوعه و إن لم يظهر له حكم في الظاهر فإن الباطن لا يمكن له دفع ذلك و علم الموازنة بين المحسنين فيما أحسنا فيه لشخص بعينه هل يقع للنفس ترجيح من حيث ما أحسنا به لا من حيث الإحسان فإن وقع فيه تفاضل هان الأمر فيه على المؤمن العالم المشاهد إحسان الله العام المسخر و علم الخواص و الظهور به في موطن القربة إلى الله تعالى بذلك و علم شكر المنعم و علم ما تستحقه الربوبية مما لا يقع فيه اشتراك و علم الالتباس للابتلاء و علم النظر إلى المخطوبة و ما أبيح للناظر أن ينظر منها شرعا فإنه أمر بذلك و علم صورة تعلم العلم و علم الاعتراف بين يدي المعلم بالجهل و علم الحيل و المكر و الكيد و ما يذم من ذلك و ما يحمد و علم الثناء المطلق و المقيد و هل ثم ثناء مطلق أو لا يصح ذلك بالحال و إن أطلقه اللفظ و علم حصر ما يتقيد به الثناء من كل مثنى و مثنى عليه و فيه علم التخيير من العالم بالحق و فيه علم منزلة الأرض و ما زينت به و فيه علم سبب إجابة الله دعاء الكافر و المشرك و متى يوحد المشرك ربه و فيه علم اندراج النور في الظلمة و فيه علم الخلق و الرزق و فيه علم القيامة و فيه علم إنكار الممكن و فيه علم كشف الغيب في حضرة الغيب و فيه علم من ينادي و لا يجاب و فيه علم هل يعم الحشر كل ميت أو لا يحشر إلا بعض الموتى و فيه علم الناقور الذي هو الصور و ما هو و فيه علم أي جزاء هو أفضل من عمله أو كل جزاء أفضل من عمله و هو علم شريف و فيه علم عبادة الرب من حيث ما هو مضاف إلى كون ما و فيه علم ما تعطي الرؤية من علم ما كان يعلم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ