اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الله لما سمي نفسه بالظاهر و الباطن اقتضى ذلك أن يكون الأمر الوجودي بالنسبة إلينا بين جلي و خفي فما جلاه لنا فهو الجلي و ما ستره عنا فهو الخفي و كل ذلك له تعالى جلي قال رسول الله ص في دعائه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك و هو الجلي عند من علمه الله إياه و الخفي عمن لم يعلمه ثم قال أو استأثرت به في علم غيبك فهذا خفي عما سوى الله فلا يعلمه إلا الله فإنه تعالى يَعْلَمُ السِّرَّ و هو ما بينه و بين خلقه وَ أَخْفى و هو ما لا يعلمه إلا هو مثل مفاتح الغيب التي عنده لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ فهو عالِمُ الْغَيْبِ و هو الخفي وَ الشَّهادَةِ و هو الجلي و ما أوجده من الممكنات و هو الجلي أيضا و ما لم يوجده منها و هو الخفي أيضا و لا يخلو العالم من هاتين النسبتين دنيا و لا آخرة فالمزيد الواقع من العالم في العالم فهو من الخفي و المزيد لا يزال فالعالم مزيد خارج من الخفاء إلى الجلاء لا يزال فالجلي من سؤال السائلين إنما يسمعه الحق من الاسم الظاهر و الخفي منه يسمعه من الاسم الباطن فإذا أعطاه ما سأل فالاسم الباطن يعطيه للظاهر و الظاهر يعطيه للسائل فالظاهر حاجب الباطن و الجلي حاجب الخفي كما إن الشعور حاجب العلم و اعلم أن الله عز و جل يعامل عباده بما يعاملونه به فكأنه تعالى بحكم التبعية لهم و إن كان ابتداء الأمر منه و لكن هكذا علمنا و قرر لدينا فإنا لا ننسب إليه إلا ما نسبه إلى نفسه و لا يتمكن لنا إلا ذلك فمن حكم تبعية الحق تعالى للمخلوق قوله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و قوله ص في الصحيح إن لله لا يمل حتى تملوا و قوله تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ و قوله سبحانه من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه
فكل مخالف أمر الحق فإنه يستدعي بهذه المخالفة من الحق مخالفة غرضه و لذلك لا يكون العفو و التجاوز و المغفرة من الحق جزاء لمخالفة العبد في بعض العبيد و إنما يكون ذلك امتنانا من الله عليه فإن كان جزاء فهو جزاء لمن عفا عن عبد مثله و تجاوز و غفر لمن أساء إليه في دنياه فقام له الحق في تلك الصفة من العفو و الصفح و التجاوز و المغفرة مثلا بمثل يدا بيدها و ها ورد في الخبر الصحيح عن رسول الله ص ما كان الله لينهاكم عن الربا و يأخذه منكم فما نهى الله عباده عن شيء إلا كان منه أبعد و لا أمركم بكريم خلق إلا كان الحق به أحق و اعلم أن هذا المنزل هو منزل الميراث المعنوي و هو منزل الشريعة و كون الحياة شرطا في جميع وجود النسب المنسوبة إلى الله و هذه النسبة أوجبت له سبحانه أن يكون له اسمه الحي فجميع الأسماء الإلهية موقوفة عليه و مشروطة به حتى الاسم الله فالاسم الله هو المهيمن على جميع الأسماء التي من جملتها الحي و نسبة الاسم الحي لها المهيمنية على جميع النسب الأسمائية حتى نسبة الألوهة التي بها تسمى الله الله قال ص العلماء ورثة الأنبياء و ما ورثوا دينارا و لا درهما و إنما ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر و قال نحن معاشر الأنبياء لا نرث و لا نورث ما تركنا صدقة يعني الورث أي ما يورث من الميت من المال فلم يبق الميراث إلا في العلم و الحال و العبارة عما وجدوه من الله في كشفهم و أهل النظر في نظرهم و هؤلاء هم العلماء الذين يخشون الله لعلمهم بأنه يعلم حركاتهم و سكناتهم على التعيين و التفصيل فإنه الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ و في جميع أحوالك فأبان ص إن الأنبياء لهم التقدم فإنهم لا يورثون حتى ينقلبوا إلى الله من هذه الدار فكل ما يناله المتبع لنبي خاص في حياته فإنه إنعام من ذلك النبي لا ميراث و كل ما ناله من نبي قد مات فذلك علم موروث فكل وارث علم في زمان فإنما يرث من تقدمه من الأنبياء ع لا من تأخر عنه فوراثة عالم كل أمة كانت لنبي قبل رسول الله ص فوراثة جزئية و هذه الأمة المحمدية لما كان نبيها محمد ص آخر الأنبياء و كانت أمته خير الأمم صح للوارث منهم أن يرثه و يرث جميع الأنبياء ع و لا يكون هذا أبدا في عالم أمة متقدمة قبل هذه الأمة فلهذا كانت أفضل أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ لأنها زادت على الوارثين بأمر لم ينله إلا هذه الأمة فكل وارث نبي فعلمه من فيض نور من ورثه من الله و نظره سبحانه إلى أنبيائه أتم النظر فعلم الورثة أتم العلوم و كل علم لا يكون عن ورث فإنه ليس بعلم اختصاص كعلم أصحاب الفترات فإن علمهم ليس بعلم وراثة و إن كانوا علماء و لكنهم لم يكونوا متبعين لنبي لأنه لم يبعث إليهم و ليسوا بأنبياء فما كان لهم من الله نظرة الأنبياء فنزلوا عن درجة الورثة في العلم و علموا إن لله أنبياء و أما الذين لا يقرون بالأنبياء و لا بالنبوة على ما هي عليه في نفسها و يرون أن مسمى الأنبياء إنما هو لمن صفى جوهرة نفسه من كدورات الشهوات الطبيعية و التزم مكارم الأخلاق العرفية و إنه إذا كان بهذه المثابة انتقش في نفسه ما في العالم العلوي من الصور بالقوة فنطق بعلم الغيوب و ليست النبوة عندنا و لا هي في نفسها كذلك و لا بد و قد تكون في بعض الأشخاص على ما قالوه و لكن مع جواز ما ذكروه من نقش ما في العالم من الصور بالقوة في نفس هذا الشخص مما وقع في الوجود و لا يقع في جزئيات الأمور فإن الذي في حركات الأفلاك و سباحة الكواكب و في السموات من العلوم التي تكون من آثارها لا علم لها بذلك من كوكب و سماء و فلك و ملك فيعرف هذا الشخص منها ما لا تعرف من نفسها و ما ذكر عن أحد من نبي و لا حكيم أنه أحاط علما بما يحوي عليه حاله في كل نفس نفس إلى حين موته بل يعلم بعضا و لا يعلم بعضا مع علمنا إن الله عز و جل أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و أن الله قد أودع اللوح المحفوظ علمه في خلقه بما يكون منهم إلى يوم القيامة و لو سئل اللوح ما فيك أو ما خط القلم فيك من علم الله عز و جل ما علم فإن الله أودع ذلك كله في نظره لمن هو دونه و لا يعلم ما يكون عن ذلك النظر من الأثر إلا الله فإن الأثر ما بظهر عن النظر بل عن استعداد القابل و لهذا قال وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ فانظر في لمحة البصر الواحد ما تدرك من المنظورات و هذا الأمر و إن كان واحدة فإنه بالوجود مختلف لاختلاف القوابل في الاستعداد فلا يعلم الأمور على التفصيل إلا الله وحده وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ من عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ و كل صاحب مجاهدة و خلوة و تصفية نفس على غير شريعة و لا مؤمن بها على ما هي عليه فينفسها فإن العلم الذي يكون عليه و يجده عند هذا الاستعداد ليس بعلم ميراث و لا للحق إليه نظر نبوي بل غايته إن يتلقى من الأرواح الملكية بقدر ما هو عليه من المناسبة و من الله على قدر ما أعطاه نظره الفكري لأنه لا كشف له البتة من الله لأن ذلك من خصائص الأنبياء ع و متبعيهم لا من قال بهم و لم يتبع واحدا منهم على التعيين من أصحاب التعريف و لا عمل عملا في زمان الفترة لقول نبي و إن وافق بعمله عمل نبي لكنه غير مقصود له الاتباع فإن الإلقاء إليه دون الإلقاء إلى الوارث العامل على ذلك لقول ذلك النبي و بين العلمين بون عظيم و تمييز ذوقي مشهود جعلنا الله و إياكم من الوارثين و كل من أظهر اعتقاد النبوة و صرف ما جاءت به من الأحكام الظاهرة إلى معان نفسية لم تكن من قصد النبي بما ظهر عنه ما اعتقدته العامة من ذلك فإنه لا يحصل على طائل من العلم و من اعتقد فيما جاء به هذا النبي أنه في الظاهر و العموم على ما هو عليه حق كله و له زيادة مصرف آخر مع ثبوت هذه المعاني فجمع بين الحس و المعنى في نظره فذلك الوارث العالم الذي شاهد الحق على ما هو عليه و هذا لا يحصل إلا بالتعمل و ليس معنى التعمل أن يقول هذا الذي ليس له هذا الاعتقاد ثم يسمع به مني أو من غيري فيقول أنا أعتقده و أربط نفسي به فإن كان ما قاله حقا فإنا له و إن لم يكن فما يضرني فمثل هذا لا ينفعه و لا يفتج له فيه لأنه غير مصدق به على القطع بل هو صاحب تجربة و أين الايمان من الشك و التجربة فهذا أعمى البصيرة ناقص النظر فإنه لو صح منه النظر الفكري في الأدلة لعثر على وجه الدلالة فانقدح له المطلوب و أسفر له عن الأمر على ما هو عليه كما أسفر لغيره ممن وفى النظر حقه فإنه إذا وفى الناظر نظره حقه لزمه الايمان ملازمة الظل للشخص لأنهما مزدوجان فإنه يطلع بعين الدليل على رتبة هذا المسمى بالنبي و الشارع عند الله فمن المحال أن يشهده ذوقا و لا يتبعه حالا هذا ما لا يتصور و لقد آمنا بالله و برسوله و ما جاء به مجملا و مفصلا مما وصل إلينا من تفصيله و ما لم يصل إلينا أو لم يثبت عندنا فنحن مؤمنون بكل ما جاء به في نفس الأمر أخذت ذلك عن أبوي أخذ تقليد و لم يخطر لي ما حكم النظر العقلي فيه من جواز و إحالة و وجوب فعملت على إيماني بذلك حتى علمت من أين آمنت و بما ذا آمنت و كشف الله عن بصري و بصيرتي و خيالي فرأيت بعين البصر ما لا يدرك إلا به و رأيت بعين الخيال ما لا يدرك إلا به و رأيت بعين البصيرة ما لا يدرك إلا بها فصار الأمر لي مشهودا و الحكم المتخيل المتوهم بالتقليد موجودا فعلمت قدر من اتبعته و هو الرسول المبعوث إلى محمد ص و شاهدت جميع الأنبياء كلهم من آدم إلى محمد ع و أشهدني الله تعالى المؤمنين بهم كلهم حتى ما بقي منهم من أحد ممن كان و يكون إلى يوم القيامة خاصهم و عامهم و رأيت مراتب الجماعة كلها فعلمت أقدارهم و اطلعت على جميع ما آمنت به مجملا مما هو في العالم العلوي و شهدت ذلك كله فما زحزحني علم ما رأيته و عاينته عن إيماني فلم أزل أقول و أعمل ما أقوله و أعمله لقول النبي ص لا لعلمي و لا لعيني و لا لشهودي فواخيت بين الايمان و العيان و هذا عزيز الوجود في الاتباع فإن مزلة الاقدام للأكابر إنما تكون هنا إذا وقعت المعاينة لما وقع به الايمان فتعمل على عين لا على إيمان فلم يجمع بينهما ففاته من الكمال أن يعرف قدره و منزلته فهو و إن كان من أهل الكشف فما كشف الله له عن قدره و منزلته فجهل نفسه فعمل على المشاهدة و الكامل من عمل على الايمان مع ذوق العيان و ما انتقل و لا أثر فيه العيان و ما رأيت لهذا المقام ذائقا بالحال و إن كنت اعلم أن له رجالا في العالم لكن ما جمع الله بيني و بينهم في رؤية أعيانهم و أشخاصهم و أسمائهم فقد يمكن أن أكون رأيت منهم و ما جمعت بين عينه و اسمه و كان سبب ذلك أني ما علقت نفسي قط إلى جانب الحق أن يطلعني على كون من الأكوان و لا حادثة من الحوادث و إنما علقت نفسي مع الله أن يستعملني فيما يرضيه و لا يستعملني فيما يباعدني عنه و أن يخصني بمقام لا يكون لمتبع أعلى منه و لو أشركني فيه جميع من في العالم لم أتأثر لذلك فإني عبد محض لا أطلب التفوق على عباده بل جعل الله في نفسي من الفرح أني أتمني أن يكون العالم كله على قدم واحدة في أعلى المراتب فخصني الله بخاتمة أمر لم يخطر لي ببال فشكرت الله تعالى بالعجز عن شكره مع توفيتي في الشكر حقه و ما ذكرت ما ذكرته من حالي للفخر لا و الله و إنما ذكرته لأمرين الأمر الواحد لقوله تعالى وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ و أية نعمة أعظم من هذه و الأمر الآخر ليسمع صاحب همة فتحدث فيه همة لاستعمال نفسه فيما استعملتها فينال مثل هذا فيكون معي و في درجتي فإنهلا ضيق و لا حرج إلا في المحسوس و الألوهية خاصة و لهذا لا يتعلق حكم الغيرة إلا بهذين المقامين فأما المحسوس فلحصره فإنه إذا كان عندك لم يكن عين ما هو عندك عند غيرك و أما في الألوهية فإن المدعي فيها كاذب و من هي له صادق فمتعلق الغيرة كون من ليست فيه الألوهية و يدعيها كاذبا فالغيرة على المقام فإنها لا تكون إلا لواحد ليس لغيره فيها قدم و الغيرة مشتقة من الغير فهذا قد أبنت لك عن سواء السبيل و اعلم أن أطيب ما يورث من العلم ما يرثه العالم من الأسماء الإلهية فإن قلت و كيف تورث الأسماء الإلهية و لا يكون الورث إلا بعد موت قلنا و كذلك أقول فاعلم أني أريد بهذا النوع من العلم كون الحق سبحانه قادرا على إن يفعل ابتداء ما لا يفعله و لا وقع إلا منك كما قد بينا إنك آلة له تعالى فلما كان منك و لا بد ما يمكن أن يكون له دونك و من المحال أن يكون لما هو منك كونان فإن الكائن لا يقبل كونين بل هو وجود واحد فينزل هذا القدر من الكون الظاهر منك مما كان له منزلة المال الموروث ممن كان له إذ يستحيل أن يكون له مع موته كما استحال أن يكون هذا الكائن عن غير من كان عنه فتحقق هذه النكتة فإنها عجيبة في أصحاب الأذواق لا في أحكام العقل و اعلم أنه لما لم يتمكن أن يتقدم الاسم الحي الإلهي اسم من الأسماء الإلهية كانت له رتبة السبق فهو المنعوت على الحقيقة بالأول فكل حي في العالم و ما في العالم إلا حي فهو فرع عن هذا الأصل و كما لا يشبه الفرع الأصل بما يحمله من الثمر و ما يظهر منه من تصريف الأهواء له على اختلافها عليه و ما يقبل من حال التعرية و اللباس إذا أورق و تجرد عن ورقه و الأصل ليس كذلك بل هو الممد له بكل ما يظهر فيه و به إذ ليس له بقاء في فرعيته و أحكامها إلا بالأصل كذلك الاسم الحي مع سائر الأسماء الإلهية فكل اسم هو له إذا حققت الأمر فيسري سره في جميع العالم فخرج على صورته فيما نسب إليه من التسبيح بحمده و التسبيح تنزيه و التنزيه تعرية و كذلك الأصل معرى عن ملابس الفروع و زينتها من ورق و ثمر و كل ذلك منه و هو منزه في ذاته عن أن تقوم به فقد أعطى ما لا يقوم به و لا يكون صفة له و هذا علم لا يمكن أن يحصل إلا لصاحب كشف و إذا حصل له لا يمكن أن يقسم العالم إلى حي و إلى غير حي بل هو عنده كله حي و لكن تنسب عندنا الحياة لكل حي بحسب حقيقة المنعوت بها المسمى عند أهل الكشف و الشهود لا عند من لا يرى الحياة إلا في غير الجماد و النامي في نظره ليس كلامنا إلا مع أهل الكشف الذين أشهدهم الله الأمر على ما هو عليه في نفسه فاعلم ذلك و اعلم أنه لما كان الاسم الحي اسما ذاتيا للحق سبحانه لم يتمكن أن يصدر عنه إلا حي فالعالم كله حي إذ عدم الحياة أو وجود موجود من العالم غير حي لم يكن له مستند إلهي في وجوده البتة و لا بد لكل حادث من مستند فالجماد في نظرك هو حي في نفس الأمر و أما الموت فهو مفارقة حي مدبر لحي مدبر فالمدبر و المدبر حي و المفارقة نسبة عدمية لا وجودية إنما هو عزل عن ولاية ثم إنه ما من شرط الحي أن يحس فإن الإحساس و الحواس أمر معقول زائد على كونه حيا و إنما من شرطه العلم و قد يحس و قد لا يحس و لو أحس فليس من شرط الإحساس وجود الآلام و اللذات فإن العلم يغني عن ذلك مع كون العالم لا يحس بما جرت العادة أنه لا يدرك إلا بالحس و أنت تعلم و جميع العقلاء أن الله عالم بكل شيء مع تنزيهه عن الإحساس و الحواس فلحصول العلم طرق كثيرة عند من يستفيد علما و الحس طريق موصلة إلى العلم بالمحسوس فقد يوصل إلى العلم به من غير طريق الحس فيكون معلوما في الحالتين لكنه لا يكون محسوسا لمن علمه من غير طريق الحس لكنه هو له مشهود و معلوم كما لا نشك أنا نرى ربنا بالأبصار عيانا على ما يليق بجلاله و هو مرئي لنا و لا نقول فيه إنه محسوس لما يطلبه الحس من الحصر و التقييد فهذه رؤية غير مكيفة و كلامنا في هذا مع من يقول بالرؤية بالبصر و لا نقول بالكيف و لا الحصر و التقييد بل نراه منزها كما علمناه منزها و قد قدمنا في غير موضع من هذا الكتاب تصويب كل اعتقاد و صحة كل مقالة عقلية في الله و أما المقالات الشرعية المنزلة من الله فيه فالإيمان بها واجب و ما جاءت لتخالف العقل فإنها قد جاءت بموافقة العقل في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و قد جاءت بما لا يقبله دليل العقل من حيث نظره فزاد علما به لم يكن ليستقل به قبله بإيمانه إن كان عن خبر أو بذوقه إن كان عن شهود و سلمنا له ما وصف به نفسه من كل ما لا يستقل به العقل من حيث انفراده بذلك في نظره لكوننا لا نحيط علما بذاته لا بل لا نعلمها رأسا و لما كانت الأعيان في الوجود لها اتصال بعضها ببعض و لها انفصال بعضها عن بعض جعلالله ذلك علامة لمن لا كشف له على إن للعالم بالله اتصالا معنويا من وجه و فصلا من وجه فهو من حقيقة ذاته و ألوهته و فاعليته متصل منفصل من وجه واحد ذلك الوجه عينه لأنه لا يتكثر و إن كثرت أحكامه و أسماؤه و معقولات أسمائه فاتصاله خلقه إيانا بيديه ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ و انفصاله انفصال ألوهة من عبودة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ بانفصاله الْحَكِيمُ باتصاله و لكن لا يكون التكوين من العالم إلا باتصاله لا بانفصاله و العالم يكون ما كلفه الله به من العبادات و لهذا أضاف أعمالها إلى العبد و أمره أن يطلب الإعانة من الله في ذلك كما أنه آلة للحق في بعض الأفعال و الآلات معينة للصانع فيما لا يصنع إلا بآلة و العالم منفصل عن الحق بحده و حقيقته فهو منفصل متصل من عين واحدة فإنه لا يتكثر في عينه و إن تكثرت أحكامه فإنها نسب و إضافات عدمية معلومة فخرج على صورة حق فما صدر عن الواحد إلا واحد و هو عين الممكن و ما صدرت الكثرة أعني أحكامه إلا من الكثرة و هي الأحكام المنسوبة إلى الحق المعبر عنها بالأسماء و الصفات فمن نظر العالم من حيث عينه قال بأحديته و من نظره من حيث أحكامه و نسبه قال بالكثرة في عين واحدة و كذلك نظره في الحق فهو الواحد الكثير كما أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و أين التنزيه من التشبيه و الآية واحدة و هي كلامه عن نفسه على جهة التعريف لنا بما هو عليه في ذاته ففصل بليس و أثبت بهو و أما نداؤه تعالى للعالم و نداء العالم إياه فمن حيث الانفصال فهو ينادي يا أَيُّهَا النَّاسُ و نحن ننادي يا ربنا ففصل نفسه عنا كما فصلنا أيضا أنفسنا عنه فتميزنا و أين هذا المقام من مقام الاتصال إذا أحبنا و كان سمعنا و بصرنا و جميع قوانا و جعل ذلك حين أخبرنا اتصال محب بمحبوب فنسب الحب إليه و نحن المحبوبون و لا خفاء بالفرق بين أحكام المحب و منزلته و بين أحكام المحبوب و منزلته فارتفعنا به و نزل سبحانه بنا و ذلك حتى لا يكون الوجود على السواء فإنه محال التسوية فيه فلا بد من نزول و رفعة فيه و ما ثم إلا نحن و هو فإذا كان حكم واحد النزول كان حكم الآخر الرفعة و العلو و كل محب نازل و كل محبوب عال و ما منا إلا محب و محبوب ف ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و ما منا إلا نازل علي فهذه أحكام مختلفة في عين واحدة
و اعلم أيدك الله أن في هذا المنزل من العلوم علم الحجب المتصلة بالمحجوب فإن القرب المفرط حجاب مثل البعد المفرط و فيه علم مجالسة العبد ربه إذا ذكره و انقسام أهل الذكر فيه إلى من يعلم أنه جليس الحق في حين ذكره الحق و إلى من لا يعلم ذلك و سبب جهله بمجالسته ربه كونه لا يعلم ربه فلا يميزه أو كونه لا يعلم أن ربه ذكره لصمم قام به و غشاوة على بصره فإن الذاكر الصحيح يعلم متى يذكره ربه و إن لم يعلم شهودا مجالسة ربه و غيره يعلم ذلك و يشهد جليسه فكما هو الحق جليس من ذكره كذلك العبد جليس الحق إذا ذكره ربه و لا يجالسه إلا عبد في الحالتين و لو جالسة به فعبوديته لم تزل فإن عينه لم تزل لأن غاية القرب أن يكون الحق سمعه و بصره فقد أثبت عينه و ليس عينه سوى عبودته و فيه علم ما الفرق بين مجالسة الحق تعالى في الخلوة و الجلوة هل الصورة في ذلك واحدة أم تتنوع بتنوع المجالس و فيه علم ما يتحدث به جليس الحق مع الحق و في أي صورة يكون ذلك فإن المشاهدة للبهت فهل كل مشاهدة للبهت أو لا يكون البهت إلا في بعض المشاهدات و لا بد من العلم بأن المتجلي هو الله تعالى و فيه علم كل من دعا الله كائنا من كان إنه لا يشقى و لا أحاشي أحدا و إن شقي الداعي لعارض فالمال إلى السعادة الأبدية و فيه علم من خاف غير الله بالله ما حكمه عند اللهو هو مقام عزيز لكونه خاف بالله و من هذه حالته لا يرى غير الله فكيف يخاف غير الله يقول الله تعالى فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و فيه علم من طلب الأمان من الله بالغير هل هو مصيب صاحب علم أو مخطئ صاحب جهل و هل يخاف الله لعينه أو يخاف لما يكون منه فمتعلق الخوف إن كان لما يكون منه فمتعلقه ما يكون منه و هو ما يقوم بك و فيه علم أثر العادات في الأكابر أهل الشهود لما ذا يرجع مع علمهم بأنه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فما مشهودهم هل مشهودهم فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و هم جاهلون بما في إرادة الحق بهم فتؤثر العادات فيهم بوساطة حالهم في هذا المقام الذي تعطيه الإرادة الإلهية و فيه علم هل الأمور كلها بالنسبة إلى الله على السواء أو ليست على السواء فإن لم تكن على السواء فما السبب الذي أخرجها أن تكون على السواء قال تعالى وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ و قوله وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فهو قوله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ ابتداء و إعادتهم أهون من ابتدائهم و ابتداؤهم أهون من خلق السموات و الأرض فخلق السموات و الأرض أكبر قدرا من خلق الناس فإن الناس لهما عليهم حق ولادة فالناس منفعلون عنهما فإن الجرمية غير معتبرة هنا فإنه قال وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ و ما من أحد إلا و هو يعلم حسا أن خلق السموات و الأرض أكبر في الجرم من خلق الناس و ما ثم إلا انفعال الجسم الطبيعي عنهما لا غير و فيه علم ابتداء كل عين في كونها فليس لها مثال سبق و فيه علم الفرد الأول الذي هو أول الأفراد و فيه علم ما يسمى كلاما فإن ذلك مسألة خلاف طال فيها الكلام بين أهل النظر و قول الله لزكريا ع إن جعل الله له آية على وجود يحيى ع أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً فاستثني و ما استثنى إلا الكلام و الأثر موجود من الإشارة و الرمز كما هو موجود من نظم الحروف في النطق و فيه علم النيابة عن الله و نيابة الحق عن العبد و من أتم فإنه أمر أن يتخذ وكيلا و جعل بعضنا خلفاء في الأرض و أخبر أنا ننطق بكلامه و هو القائل منا إذا قلنا بعض أقوالنا و فيه علم المناسبة التي تشمل العالم كله و إنه جنس واحد فتصح المفاضلة فيما تحته من الأنواع و الأشخاص فإن الإمام أبا القاسم بن قسي صاحب خلع النعلين منع من ذلك فاعتبر خلاف ما اعتبرناه فهو مصيب فيما اعتبره مخطئ باعتبارنا إذ ما ثم إلا حق و أحق و كامل و أكمل فالمفاضلة سارية في أنواع الجنس للمفاضلة التي في الأسماء بالإحاطة و ما يزيد به هذا الاسم على غيره كالعالم و القادر و كالقادر و القاهر و فيه علم التأثيرات في العالم و فيه علم ما حكم من رأى لنفسه قدرا و هل إذا أتى بما يدل عليه و هو كامل هل إتيانه بذلك شفقة على الغير أو تعظيما لنفسه و هل يؤثر مثل ذلك في الرضاء أم لا يؤثر فيه و من أعلى من يحتج عن نفسه و يذب عنها أو من لا يحتج عنها بل يكون مع الناس عليها و متى يصلح أن يكون للإنسان هذا الحكم و متى يصلح أن لا يكون له هذا الحكم و قوله وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ ... فَاصْبِرْ و لم يقل تعالى فارض بحكم ربك و فيه علم سعى الإنسان في عدالته عند الحكام لقبول شهادته فهو من باب السعي في حق الغير لا في حق نفسه لأمور تطرأ إن لم يكن عدلا لا يقبل الحاكم شهادته فربما ظهر الباطل على الحق فوجب السعي في العدالة لهذا كما قال أنا سيد الناس يوم القيامة و ما قصد الفخر و إنما قصد الإعلام و إراحة أمته من التعب حتى لا تمشي في ذلك اليوم كما تمشي الأمم إلى نبي بعد نبي للشفاعة فتقتصر على محمد ص بما أعلمها من ذلك و أن الرجوع إليه في آخر الأمر
رأى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا
فتميزت الأمة المحمدية عن سائر الأمم في ذلك الموطن بهذا القدر إلى غير هذا و فيه علم موطن بيان الأمور لجميع الخلق و ارتفاع التلبيس و رجوع الناس و غيرهم إلى الحق و هل ذلك نافعهم أم لا و فيه علم ما لا يصح إلا لله الاتصاف به و فيه علم ما يجب لله و ما يستحيل و فيه علم حكم من يبتغي نصرة من خذله الله تعالى عند الله تعالى و فيه علم من يريد شرفا بتشريف من ينسب إليه و فيه علم الفرق بين المهدي و الهادي و فيه علم النبوة العامة و النبوة الخاصة و ما يبقى منها و ما يزول و فيه علم هل يكون للولي الذي ليس بنبي مقام في الولاية لا يكون ذوقا لنبي أم لا و فيه علم ما هي النعم الظاهرة و الباطنة و من يتنعم بكل نعمة منهما من الإنسان و فيه علم علامات المقربين عند الله و بما ذا يعرفون و فيه علمهل يلحق اللاحق بالسابق و أي المنزلتين أفضل و فيه علم من يرى أن أحوال الآخرة على ميزان أحوال الدنيا سواء في جميع الأمور و فيه علم ما ينبغي أن يكون عليه صاحب جنة الأعمال و ما يكون عليه صاحب جنة الورث و ما يكون عليه صاحب جنة الاختصاص و فيه علم سبب اختصاص عالم الأمر بالأمر و عالم الإنسان بالنهي و الأمر و فيه علم ما نفى الله من أسمائه أن يشرك فيه فلم يشرك و فيه علم ما لا يدرك إلا بالحوالة و فيه علم الجزاء و محله أيضا و فيه علم صفة الطريق إلى الجنة و من يسلك و فيه علم من أرخى الله له في طوله في الدنيا هل يرخي له في الآخرة كذلك جزاء و فيه علم اختلاف أحوال الخلق في الاستدعاء إلى الله تعالى يوم القيامة للفصل و القضاء و فيه علم ما هو أعظم الأهوال عند الله و لم يأت به إلا الإنسان خاصة و ما أجرأه على ذلك و قد خلقه الله ضعيفا فقيرا إلى كل شيء و فيه انقلاب الولي عدوا لمن كان له وليا و انقلاب العدو وليا لمن كان له عدوا و فيه علم العلم الضروري و النظري و البديهي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ