قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السابع و الستون و ثلاثمائة في معرفة منزل التوكل الخامس الذي ما

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن التوكل يثبت الأسباباو يفتح الأغلاق و الأبوابا
و يجود بالخير الأعم لنفسهو يقرب الأعداء و الأحبابا
و يقول للنفس الضعيفة ناصحاوحد إلهك و اترك الأربابا
إني خليفته و قد وكلتهفمن اقتفى أثري إليه أصابا
إني له رحم و ذاك وسيلتيفلقد نجا من يحفظ الأنسابا

قال الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فوصف نفسه بأمر لا ينبغي أن يكون ذلك الوصف إلا له تعالى و هو قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فهو تعالى معنا أينما كنا في حال نزوله إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من الليل في حال كونه استوى على العرش في حال كونه في العماء في حال كونه في الأرض و في السماء في حال كونه أقرب إلى الإنسان من حَبْلِ الْوَرِيدِ منه و هذه نعوت لا يمكن أن يوصف بها إلا هو فما نقل الله عبدا من مكان إلى مكان ليراه بل ليريه من آياته التي غابت عنه قال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ من آياتِنا و كذلك إذا نقل الله العبد في أحواله ليريه أيضا من آياته فنقله في أحواله مثل قوله ص زويت لي الأرض فرأيت مشارقها و مغاربها و سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها و كذلك قوله تعالى عن إبراهيم ع وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ من الْمُوقِنِينَ و ذلك عين اليقين لأنه عن رؤية و شهود و كذلك نقله عبده من مكان إلى مكان ليريه ما خص الله به ذلك المكان من الآيات الدالة عليه تعالى من حيث وصف خاص لا يعلم من الله تعالى إلا بتلك الآية و هو قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا من الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ من آياتِنا و حديث الإسراء يقول ما أسريت به لا لرؤية الآيات لا إلي فإنه لا يحويني مكان و نسبة الأمكنة إلى نسبة واحدة فأنا الذي وسعني قلب عبدي المؤمن فكيف أسرى به إلي و أنا عنده و معه أينما كان فلما أراد الله أن يرى النبي عبده محمدا ص من آياته ما شاء أنزل إليه جبريل ع و هو الروح الأمين بدابة يقال لها البراق إثباتا للأسباب و تقوية له ليريه العلم بالأسباب ذوقا كما جعل الأجنحة للملائكة ليعلمنا بثبوت الأسباب التي وضعها في العالم و البراق دابة برزخية فإنه دون البغل الذي تولد من جنسين مختلفين و فوق الحمار الذي تولد من جنس واحد فجمع البراق بين من ظهر من جنسين مختلفين و بين من ظهر منجنس واحد لحكمة علمها أهل الله في صدور عالم الخلق و عالم الأمر و في صدور الأجسام الطبيعية و ما فوقها فركبه ص و أخذه جبريل ع و البراق للرسل مثل فرس النوبة الذي يخرجه المرسل إليه للرسول ليركبه تهمما به في الظاهر و في الباطن أن لا يصل إليه إلا على ما يكون منه لا على ما يكون لغيره ليتنبه بذلك فهو تشريف و تنبيه لمن لا يدري مواقع الأمور فهو تعريف في نفس الأمر كما قررناه بما قلناه فجاء ص إلى البيت المقدس و نزل عن البراق و ربطه بالحلقة التي تربطه بها الأنبياء ع كل ذلك إثبات للأسباب فإنه ما من رسول إلا و قد أسرى به راكبا على ذلك البراق و إنما ربطه مع علمه بأنه مأمور و لو أوقفه دون ربط بحلقة لوقف و لكن حكم العادة منعه من ذلك إبقاء لحكم العادة التي أجراها الله في مسمى الدابة أ لا تراه ص كيف وصف البراق بأنه شمس و هو من شأن الدواب التي تركب و إنه قلب بحافره القدح الذي كان يتوضأ به صاحبه في القافلة الآتية إلى مكة فوصف البراق بأنه يعثر و العثور هو الذي أوجب قلب الآنية أعني القدح فلما ص جاءه جبريل بالبراق فركب عليه و معه جبريل فطار البراق به في الهواء فاخترق به الجو فعطش و احتاج إلى الشرب فأتاه جبريل ع بإناءين إناء لبن و إناء خمر و ذلك قبل تحريم الخمر فعرضهما عليه فتناول اللبن فقال له جبريل ع أصبت الفطرة أصاب الله بك أمتك و لذلك كان ص يتأول اللبن إذا رآه في النوم بالعلم خرج البخاري في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال أريت كأني أتيت بقدح لبن فشربته حتى رأيت الري يخرج من تحت أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم فلما وصل إلى السماء الدنيا استفتح جبريل فقال له الحاجب من هذا فقال جبريل قال و من معك قال محمد ص قال و قد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح فدخلنا فإذا بآدم ص و عن يمينه أشخاص بنيه السعداء أهل الجنة و عن يساره نسم بنيه الأشقياء عمرة النار و رأى ص نفسه في أشخاص السعداء الذين على يمين آدم فشكر الله تعالى و علم عند ذلك كيف يكون الإنسان في مكانين و هو عينه لا غيره فكان له كالصورة المرئية و الصور المرئيات في المرآة و المرايا فقال مرحبا بالابن الصالح و النبي الصالح ثم عرج به البراق و هو محمول عليه في الفضاء الذي بين السماء الأولى و السماء الثانية أو سمك السموات فاستفتح جبريل السماء الثانية كما فعل في الأولى و قال و قيل له فلما دخل إذا بعيسى ع بجسده عينه فإنه لم يمت إلى الآن بل رفعه الله إلى هذه السماء و أسكنه بها و حكمه فيها و هو شيخنا الأول الذي رجعنا على يديه و له بنا عناية عظيمة لا يغفل عنا ساعة واحدة و أرجو أن ندرك زمان نزوله إن شاء الله فرحب به و سهل ثم جاء السماء الثالثة فاستفتح و قال و قيل له ففتحت و إذا بيوسف ع فسلم عليه و رحب و سهل و جبريل في هذا كله يسمى له من يراه من هؤلاء الأشخاص ثم عرج به إلى السماء الرابعة فاستفتح و قال و قيل له ففتحت فإذا بإدريس ع بجسمه فإنه ما مات إلى الآن بل رفعه الله مَكاناً عَلِيًّا و هو هذه السماء قلب السموات و قطبها فسلم عليه و رحب و سهل ثم عرج به إلى السماء الخامسة فاستفتح و قال و قيل له ففتحت فإذا بهارون و يحيى ع فسلما عليه و رحبا به و سهلا ثم عرج به إلى السماء السادسة فاستفتح و قال و قيل له ففتحت فإذا بموسى ع فسلم عليه و رحب و سهل ثم عرج به إلى السماء السابعة فاستفتح و قال و قيل له ففتحت فإذا بإبراهيم الخليل ع مسندا ظهره إلى البيت المعمور فسلم عليه و رحب و سهل و سمي له البيت المعمور الضراح فنظر إليه و ركع فيه ركعتين و أعلمنا أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الباب الواحد و يخرجون من الباب الآخر فالدخول من باب مطالع الكواكب و الخروج من باب مغارب الكواكب و أخبره أن أولئك الملائكة يخلقهم الله كل يوم من قطرات ماء الحياة التي تسقط من جبريل حين ينتفض كما ينتفض الطائر عند ما يخرج من انغماسه في نهر الحياة فإن له كل يوم غمسة فيه ثم عرج به إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال و ورقها كأذان الفيلة فرآها و قد غشاها الله من النور ما غشى فلا يستطيع أحد أن ينعتها لأن البصر لا يدركها لنورها و رأى يخرج من أصلها أربعة أنهار نهران ظاهران و نهرانباطنان فأخبره جبريل أن النهرين الظاهرين النيل و الفرات و النهرين الباطنين نهران يمشيان إلى الجنة و أن هذين النهرين النيل و الفرات يرجعان يوم القيامة إلى الجنة و هما نهرا العسل و اللبن و في الجنة أربعة أنهار نهر من ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ و نهر من لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ و نهر من خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ و نهر من عَسَلٍ مُصَفًّى و هذه الأنهار تعطي لأصحابها علوما عند شربهم منها متنوعة يعرفها أصحاب الأذواق في الدنيا و لنا فيها جزء صغير فلينظر ما ذكرناه في ذلك الجزء و أخبره أن أعمال بنى آدم تنتهي إلى تلك السدرة و إنها مقر الأرواح فهي نهاية لما ينزل مما هو فوقها و نهاية لما يعرج إليها مما هو دونها و بها مقام جبريل ع و هناك منصته فنزل ص عن البراق بها و جيء إليه بالرفرف و هو نظير المحفة عندنا فقعد عليه و سلمه جبريل إلى الملك النازل بالرفرف فسأله الصحبة ليأنس به فقال لا أقدر لو خطوت خطوة احترقت ف ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و ما أسرى الله بك يا محمد إلا ليريك من آياته فلا تغفل فودعه و انصرف على الرفرف مع ذلك الملك يمشي به إلى أن ظهر لمستوي سمع منه صريف القلم و الأقلام في الألواح بما يكتب الله بها مما يجريه في خلقه و ما تنسخه الملائكة من أعمال عباده و كل قلم ملك قال تعالى إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ثم زج في النور زجة فأفرده الملك الذي كان معه و تأخر عنه فاستوحش لما لم يره و بقي لا يدري ما يصنع و أخذه هيمان مثل السكران في ذلك النور و أصابه الوجد فأخذ يميل ذات اليمين و ذات الشمال و استفزعه الحال و كان سببه سماع إيقاع تلك الأقلام و صريفها في الألواح فأعطت من النغمات المستلذة ما أداه إلى ما ذكرناه من سريان الحال فيه و حكمه عليه فتقوى بذلك الحال و أعطاه الله في نفسه علما علم به ما لم يكن يعلمه قبل ذلك عن وحي من حيث لا يدري وجهته فطلب الأذن في الرؤية بالدخول على الحق فسمع صوتا يشبه صوت أبي بكر و هو يقول له يا محمد قف إن ربك يصلي فراعه ذلك الخطاب و قال في نفسه أ ربي يصلي فلما وقع في نفسه هذا التعجب من هذا الخطاب و أنس بصوت أبي بكر الصديق تلي عليه هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ فعلم عند ذلك ما هو المراد بصلاة الحق فلما فرغ من الصلاة مثل قوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ مع أنه لا يشغله شأن عن شأن و لكن لخلقه أصناف العالم أزمان مخصوصة و أمكنة مخصوصة لا يتعدى بها زمانها و لا مكانها لما سبق في علمه و مشيئته في ذلك فأوحى الله إليه في تلك الوقفة ما أوحى ثم أمر بالدخول فدخل فرأى عين ما علم لا غير و ما تغيرت عليه صورة اعتقاده ثم فرض عليه في جملة ما أوحى به إليه خمسين صلاة في كل يوم و ليلة فنزل حتى وصل إلى موسى ع فسأله موسى عما قيل له و ما فرض عليه فأجابه و قال إن الله فرض على أمتي خمسين صلاة في كل يوم و ليلة فقال له يا محمد قد تقدمت إلى هذا الأمر قبلك و عرفته ذوقا و تعبت مع أمتي فيه و أني أنصحك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجع ربك و سله التخفيف فراجع ربه فترك له عشرا فأخبر موسى بما ترك له ربه فقال له موسى راجع ربك فراجعه فترك له عشرا فأخبر موسى فقال له راجع ربك فراجعه فترك له عشرا فأخبر موسى فقال له راجع ربك فراجعه فترك له عشرا فأخبر موسى فقال له راجع ربك فراجعه فقال له ربه هي خمس و هي خمسون ما يبدل القول لدي فأخبر موسى فقال راجع ربك فقال إني أستحي من ربي و قد قال لي كذا و كذا ثم ودعه و انصرف و نزل إلى الأرض قبل طلوع الفجر فنزل بالحجر فطاف و مشى إلى بيته فلما أصبح ذكر ذلك للناس فالمؤمن به صدقه و غير المؤمن به كذبه و الشاك ارتاب فيه ثم أخبرهم بحديث القافلة و بالشخص الذي كان يتوضأ و إذا بالقافلة قد وصلت كما قال فسألوا الشخص فأخبرهم بقلب القدح كما أخبرهم رسول الله ص و سأله من حضر من المكذبين ممن رأى بيت المقدس أن يصفه لهم و لم يكن رأى منه ص إلا قدر ما مشى فيه و حيث صلى فرفعه الله له حتى نظر إليه فأخذ ينعته للحاضرين فما أنكروا من نعته شيئا و لو كان الإسراء بروحه و تكون رؤيا رآها كما يراه النائم في نومه ما أنكره أحد و لا نازعه و إنما أنكروا عليه كونه أعلمهم أن الإسراء كان بجسمه في هذه المواطن كلها و له ص أربعة و ثلاثون مرة الذي أسرى به منها إسراء واحد بجسمه و الباقي بروحه رؤيا رآها و أما الأولياء فلهم إسراءات روحانية برزخية يشاهدون فيها معاني متجسدة في صور محسوسة للخيال يعطون العلم بما تتضمنه تلك الصور من المعاني و لهم الإسراء في الأرضو في الهواء غير أنهم ليست لهم قدم محسوسة في السماء و بهذا زاد على الجماعة رسول الله ص بإسراء الجسم و اختراق السموات و الأفلاك حسا و قطع مسافات حقيقية محسوسة و ذلك كله لورثته معنى لا حسا من السموات فما فوقها فلنذكر من إسراء أهل الله ما أشهدني الله خاصة من ذلك فإن إسراءاتهم تختلف لأنها معان متجسدة بخلاف الإسراء المحسوس فمعارج الأولياء معارج أرواح و رؤية قلوب و صور برزخيات و معان متجسدات فمما شهدته من ذلك و قد ذكرناه في كتابنا المسمى بالإسراء و ترتيب الرحلة

أ لم تر أن الله أَسْرى بِعَبْدِهِمن الحرم الأدنى إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
إلى أن علا السبع السموات قاصداإلى بيته المعمور بالملإ الأعلى
إلى السدرة العليا و كرسيه الأحمىإلى عرشه الأسنى إلى المستوي الأزهى
إلى سبحات الوجه حين تقشعتسحاب العمي عن عين مقلته النجلا
و كان تدليه على الأمر إذ دنىمن الله قربا قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
و كانت عيون الكون عنه بمعزلتلاحظ ما يسقيه بالمورد الأحلى
فخاطبه بالأنس صوت عتيقةتوقف فرب العرش سبحانه صلى
فأزعجه ذاك الخطاب و قال هليصلي إلهي ما سمعت به يتلى
و شال حجاب العلم عن عين قلبهو أوحى إليه في الغيوب الذي أوحى
فعاين ما لا يقدر الخلق قدرهو أيده الرحمن بالعروة الوثقى
و ألفاه تواقا إلى وجه ربهفأكرمه الرحمن بالمنظر الأجلى
و من قبل ذا قد كان أشهد قلبهبغار حراء قبل ذلك في المجلى

فإذا أراد الله تعالى أن يسرى بأرواح من شاء من ورثة رسله و أوليائه لأجل أن يريهم من آياته فهو إسراء لزيادة علم و فتح عين فهم فيختلف مسراهم فمنهم من أسرى به فيه فهذا الإسراء فيه حل تركيبهم فيوقفهم بهذا الإسراء على ما يناسبهم من كل عالم بأن يمر بهم على أصناف العالم المركب و البسيط فيترك مع كل عالم من ذاته ما يناسبه و صورة تركه معه أن يرسل الله بينه و بين ما ترك منه مع ذلك الصنف من العالم حجابا فلا يشهده و يبقى له شهود ما بقي حتى يبقى بالسر الإلهي الذي هو الوجه الخاص الذي من الله إليه فإذا بقي وحده رفع عنه حجاب الستر فيبقى معه تعالى كما بقي كل شيء منه مع مناسبه فيبقى العبد في هذا الإسراء هو لا هو فإذا بقي هو لا هو أسرى به من حيث هو لا من حيث لا هو إسراء معنويا لطيفا فيه لأنه في الأصل على صورة العالم و صورته على صورته تعالى فكله على صورته من حيث هو تعالى فإن العالم على صورة الحق و الإنسان على صورة العالم فالإنسان على صورة الحق فإن المساوي لأحد المتساويين مساو لكل واحد من المتساويين فإنه إذا كان كل ألف با و كل با جيم فكل ألف جيم فلينظر جيم من حيث هو ألف لا من حيث هو با كذلك ينظر الإنسان نفسه من حيث هو على صورة الحق لا من حيث هو على صورة العالم و إن كان العالم على صورة الحق و لما كان الترتيب على ما وقع عليه الوجود لتاخر النشأة الجسمية الإنسانية عن العالم فكانت آخرا فظهرت في نشأتها على صورة العالم و ما كان العالم على الكمال في صورة الحق حتى وجد الإنسان فيه فبه كمل العالم فهو الأول بالمرتبة و الآخر بالوجود فالإنسان من حيث رتبته أقدم من حيث جسميته فالعالم بالإنسان على صورة الحق و الإنسان دون العالم على صورة الحق و العالم دون الإنسان ليس على الكمال في صورة الحق و لا يقال في الشيء إنه على صورة كذا حتى يكون هو من كل وجوهه إلا الذي لا يمكن أن يقال فيه هو كما قلنا في جيم إنه ألف لكونه با و الباء ألف و لكن قد تميز عين كل واحد بأمر ليس هو عين الآخر و هو كون الألف ألف و الباء باء و الجيم جيم كذلك الحق حق و الإنسان إنسان و العالم عالم و قد بان ذلك بالتساوي فإنه إن لم تكن ثم حقيقة يقع بها تميز الأعيان لم يصح أن تقول كذا مساو لكذا بل تقول عين كذابلا تجوز فإني قد أشرت إلى أمرين فقد وقع التمييز فلا بد من فصل يعقل لو لا ذلك الفصل ما كانت كثرة في عين الواحد فلم يبق للواحد سوى أحديته التي يقال بها لا هو عين الآخر و بالذي يقال به هو عين الآخر هو أحدية الكثرة فإنه كثرة بإطلاق ألف با جيم عليه ثم قال في إقامة البرهان كل هذا هو هذا فأشار فكثر و أعاد الضمير فوحد فوصل و فصل فالفصل في عين الوصل لمن عقل فإذا وقف الغير على ما قدمناه و علم أنه ما كان على صورة العالم و إنما كان على صورة الحق أسرى به الحق في أسمائه ليريه من آياته فيه فيعلم أنه المسمى بكل اسم إلهي سواء كان ذلك الاسم من المنعوت بالحسن أو لا و بها يظهر الحق في عباده و بها يتلون العبد في حالاته فهي في الحق أسماء و فينا تلوينات و هي عين الشئون التي هو فيها الحق ففينا بنا يتصرف كما نحن به فيه نظهر و لهذا قلنا

دليلي فيك تلوينيو هذا منك يكفيني
فلم أسأل عن الأمرالذي إليك يدعوني
فإني لست أدريهو ليس الأمر يدريني
فلو يدريني الأمرلما ميزت تكويني
و لا قلنا و لا قالواسيهديني و يحييني
و قد قالوا و قد قلنافأعنيه و يعنيني
فأفنيه و أبقيهو يفنيني و يبقيني
فارضيه فيمدحنيو أغضبه فيهجوني

فإذا أسرى الحق بالولي في أسمائه الحسنى إلى غير ذلك من الأسماء و كل الأسماء الإلهية علم تقلبات أحواله و أحوال العالم كله و إن ذلك التقلب هو الذي أحدث فينا عين تلك الأسماء كما علمنا أن تقلبات الأحوال أحكام تلك الأسماء فاسم الحال الذي انقلبت منه و الذي انقلبت إليه هو اسمي به أقلب كما به تقلبت فبالرءوف الرحيم كان ص بالمؤمنين رءوفا رحيما و بالمؤمن كان مؤمنا و بالمهيمن كان مهيمنا فجعلنا شهداء بعضنا على بعض و على أنفسنا و بالصبور و الشكور كان ما ابتلي به من الريح لسوق الجواري في البحر آية لِكُلِّ صَبَّارٍ لما فيها من الأمر المفزع الهائل شَكُورٍ لما فيها من الفرح و النعمة بالوصول إلى المطلوب بسرعة و لقد رأيت ذلك ذوقا من نفسي جرينا بالريح الشديد من ضحى يومنا إلى غروب الشمس مسيرة عشرين يوما في موج كالجبال فكيف لو كان البحر فارغا و الربح من ورائنا كنا نقطع أكثر من ذلك و لكن أراد الله أن يرينا آيات كل صبار شكور فما من اسم سمي به نفسه إلا و سمانا به فبها نتقلب في أحوالنا و بها نقلب فمن علم هذه الآيات فقد أسرى الحق به في أسمائه فأراه من آياته ليكون سميعا بصيرا سميعا لما يخبر به الحق من التعريفات باللسان الخاص و هو ما أنزله من كلامه الذي نسبه إليه و باللسان العام و هو ما يتكلم به جميع العالم مما يتكلمون به كان ما كان فإنه قد سمعنا ما حكاه الحق لنا من كلام اليهود فيه و سمعناه من اليهود فسمعناه باللسان العام و الخاص فحكى ما نطقهم به إذ ليس في وسع المخلوق أن ينطق من غير أن ينطق فإذا نطق نطق فافهم فحكى به عنهم بهم عنه فإذا كمل حظه من الإسراء في الأسماء و علم ما أعطته من الآيات أسماء الله في ذلك الإسراء عاد يركب ذاته تركيبا غير ذلك التركيب الأول لما حصل له من العلم الذي لم يكن عليه حين تحلل فما زال يمر على أصناف العالم و يأخذ من كل عالم ما ترك عنده منه فيتركب في ذاته فلا يزال يظهر في طور طور إلى أن يصل إلى الأرض فيصبح في أهله و ما عرف أحد ما طرأ عليه في سره حتى تكلم فسمعوا منه لسانا غير اللسان الذي كانوا يعرفونه فإذا قال له أحدهم ما هذا يقول له إن الله أسرى بي فأراني من آياته ما شاء فيقول له السامعون ما فقدناك كذبت فيما ادعيت من ذلك و يقول الفقيه منهم هذا رجل يدعي النبوة أو قد دخله خلل في عقله فهو إما زنديق فيجب قتله و إما معتوه فلا خطاب لنا معه فيسخر به قوم و يعتبر به آخرون و يؤمن بقوله آخرون و ترجع مسألة خلاف في العالم و غاب الفقيه عن قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ و لم يخص طائفة من طائفة فمن أراه الله شيئا من هذه الآيات على هذه الطريقة التي ذكرناها فليذكر ما رآه و لا يذكر الطريقة فإنه يصدق و ينظر في كلامه و لا يقع الإنكار عليه إلا إذا ادعى الطريقة و اعلم أنه ليس بين العالم و صاحب هذه الطريقة و الصفة فرق في الإسراء لأنه لرؤية الآيات و تقلبات الأحوال في العالم كله آيات فهم فيها و لا يشعرون فما يزيد هذا الصنف على سائر الخلق المحجوبين إلا بما يلهمه الله في سره من النظر بعقله و بفكره أو من التهيؤ بصقالة مرآة قلبه ليكشف له عن هذه الآيات كشفا و شهودا و ذوقا و وجودا فالعالم ينكرون عين ما همفيه و عليه و لو لا ذكره الطريقة التي بها نال معرفة هذه الأشياء ما أنكره عليه أحد فالناس كلهم لا أحاشي منهم من أحد يضربون الأمثال لله و قد تواطئوا على ذلك و لا واحد منهم ينكر على الآخر و الله يقول فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ و هم في عماية عن هذه الآية فأما أولياء الله فلا يضربون لله الأمثال فإن الله هو الذي يضرب الأمثال للناس لعلمه بمواقعها لأن الله يعلم و نحن لا نعلم فيشهد الولي ما ضربه الله من الأمثال فيرى في ذلك الشهود عين الجامع الذي بين المثل و بين ما ضرب له ذلك المثل فهو عينه من حيث ذلك الجامع و ما هو عينه من حيث ما هو مثل فالولي لا يضرب لله الأمثال بل هو يعرف ما ضرب الله له الأمثال كقوله تعالى الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ أي صفة نوره كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ من شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ من يَشاءُ بما ضربه لعباده من هذا النور بالمصباح لنوره الممثل به من يشاء وَ يَضْرِبُ الله الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فهذا مصباح مخصوص ما هو كل مصباح فلا ينبغي أن يقال نور الله كالمصباح من كونه يكشف المصباح كل ما انبسط عليه نوره لصاحب بصر مثل هذا لا يقال فإن الله ما ذكر ما ذكره من شروط هذا المصباح و نعوته و صفاته الممثل به سدى فمثل هذا المصباح هو الذي يضرب به المثل فإن الله يعلم كيف يضرب الأمثال و قد قال إنه ما يضرب الأمثال إلا للناس و نهانا أن نضرب لله الأمثال فإن الله يعلم و نحن لا نعلم فإن ضربنا الأمثال فلننظر فإن كان الله قد ضرب في ذلك مثلا للناس فلنقف عنده و هو الأدب الإلهي و إن لم نجد لله في ذلك مثلا مضروبا فلنضرب عند ذلك مثلا للناس الذين لا يعلمون ذلك إلا بالمثل المضروب و إن أنصفنا فلا نضربه لله فإن الله يعلمه و تتحرى الصواب في ضرب ذلك المثل إن كنت صاحب فكر و اعتبار و إن كنت صاحب كشف و شهود فلا تتحرى فإنك على بينة من ربك فلا تقصد ما أنت فيه بل تبديه كما شهدته مثل ما يحكى ما ضرب الله لنفسه من المثل فهذه حالة أولياء الله في ضرب الأمثال كما قال في اختلاف الناس في عدد أصحاب الكهف رجما بالغيب لأنهم ما شاهدوهم و لذا جاء بفعل الاستقبال فقال سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ الآية ثم قال قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ يعني كم عددهم إِلَّا قَلِيلٌ إما من شاهدهم ممن لا يغلب عليه الوهم و إما من أعلمه الله بعدتهم و قال تعالى ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ من باب الإشارة في الجمع بين الآيتين و لكن كما قال من أنه رابع ثلاثة لا ثالث ثلاثة لأنه لا يقال رابع أربعة إلا في الجنس الواحد و الأمثال فإذا انتفت المثلية لم يقل فيه إنه خامس خمسة إذا كان معهم و إنما يقال فيه خامس أربعة أو سادس خمسة أ لا ترى الكلب لما لم يكن من النوع الإنساني قالوا سبعة و ثامنهم كلبهم و لم يقولوا ثمانية ثامنهم كلبهم فافهم تصب إن شاء الله

فلا تضرب لرب الكونمن أكوانه مثلا
فلا أحد يماثلهفجل بذاته و علا
فلم أضرب له مثلاو كل الناس قد فعلا
فلا تضرب له مثلاو كن في حزب من عقلا

فلما أراد الله أن يسرى بي ليريني من آياته في أسمائه من أسمائي و هو حظ ميراثنا من الإسراء أزالني عن مكاني و عرج بي على براق إمكاني فزج بي في أركاني فلم أر أرضى تصحبني فقيل لي أخذه الوالد الأصلي الذي خلقه الله من تراب فلما فارقت ركن الماء فقدت بعضي فقيل لي إنك مخلوق من ماءٍ مَهِينٍ فأهانته ذلته فلصق بالتراب فلهذا فارقته فنقص مني جزآن فلما جئت ركن الهواء تغيرت على الأهواء و قال لي الهواء ما كان فيك مني فلا يزول عني فإنه لا ينبغي له أن يعدو قدره و لا يمد رجله في غير بساطه فإن لي عليك مطالبة بما غيره مني تعفينك فإنه لولاه ما كنت مسنونا فإني طيب بالذات خبيث بصحبة من جاورني فلما خبثتني صحبته و مجاورته قيل فيه حمأ مسنون فعاد خبثه عليه فإنه هو المنعوت و هو الذي غيرني في مشام أهل الشم من أهل الروائح فقلت له و لما ذا أتركه عندك قال حتى يزول عنه هذا الخبث الذي اكتسبه من عفونتك و مجاورة طينك و مائك فتركته عنده فلما وصلت إلى ركن النار قيل قد جاء الفخار فقيل و قد بعث إليه قال نعم قيل و من معه قال جبريل الجبر فهو مضطر في رحلته و مفارقة بنيته فقال لي عنده في نشأته جزء مني لا أتركه معه إذ قد وصل إلى الحضرة التي يظهر فيها ملكي و اقتداري و نفوذ تصرفي فنفذت إلى السماء الأولى و ما بقيمعي من نشأتي البدنية شيء أعول عليه و لا أنظر إليه فسلمت على والدي و سألني عن تربتي فقلت له إن الأرض أخذت مني جزأها و حينئذ خرجت عنها و عن الماء بطينتي فقال لي يا ولدي هكذا جرى لها مع أبيك فمن طلب حقه فما تعدى و لا سيما و أنت لها مفارق و لا تعرف هل ترجع إليها أم لا فإنه تعالى يقول إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ و لا يعلم أحد ما في مشيئة الحق إلا أن يعلمه الحق بذلك فالتفت فإذا أنا بين يديه و عن يمينه من نسم بنيه عيني فقلت له هذا أنا فضحك فقلت له فأنا بين يديك و عن يمينك قال نعم هكذا رأيت نفسي بين يدي الحق حين بسط يده فرأيتني و بنى في اليد و رأيتني بين يديه فقلت له فما كان في اليد الأخرى المقبوضة قال العالم قلت له فيمين الحق تقضي بتعيين السعادة فقال نعم تقضي بالسعادة فقلت له فقد فرق الحق لنا بين أصحاب اليمين و أصحاب الشمال فقال لي يا ولدي ذلك يمين أبيك و شماله أ لا ترى نسم بنى على يميني و على شمالي و كلتا يدي ربي يمين مباركة فبنى في يميني و في شمالي و أنا و بنى في يمين الحق و ما سوانا من العالم في اليد الأخرى الإلهية قلت فإذا لا نشقى فقال لو دام الغضب لدام الشقاء فالسعادة دائمة و إن اختلف المسكن فإن الله جاعل في كل دار ما يكون به نعيم أهل تلك الدار فلا بد من عمارة الدارين و قد انتهى الغضب في يوم العرض الأكبر و أمر بإقامة الحدود فأقيمت و إذا أقيمت زال الغضب فإن الرسالة تزيله فهو عين إقامة الحدود على المغضوب عليه فلم يبق إلا الرضاء و هو الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فإذا انتهت الحدود صار الحكم للرحمة العامة في العموم فأفادني أبي آدم هذا العلم و لم أكن به خبيرا فكان لي ذلك بشرى معجلة إلهية في الحياة الدنيا و تنتهي القيامة بالزمان كما قال الله خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ و هذه مدة إقامة الحدود و يرجع الحكم بعد انقضاء هذه المدة إلى الرحمن الرحيم و للرحمن الأسماء الحسنى و هي حسني لمن تتوجه عليه بالحكم فالرحيم برحمته ينتقم من الغضب و هو شديد البطش به مذل له مانع بحقيقته فيبقى الحكم في تعارض الأسماء بالنسب و الخلق بالرحمة مغمورون فلا يزال حكم الأسماء في تعارضها لا فينا فافهم فإنه علم غريب دقيق لا يشعر به بل الناس في عماية عنه و ما منهم إلا من لو قلت له ترضى لنفسك أن يحكم عليك ما يسوءك من هذه الأسماء لقال لا و يجعل حكم ذلك الاسم الذي يسوء في حق غيره فهذا من أجهل الناس بالخلق و هو بالحق أجهل فأفاد هذا الشهود بقاء أحكام الأسماء في الأسماء لا فينا و هي نسب تتضاد بحقائقها فلا تجتمع أبدا و يبسط الله رحمته على عباده حيث كانوا فالوجود كله رحمة ثم رحلت عنه بعد ما دعا لي فنزلت بعيسى ع في السماء الثانية فوجدت عنده ابن خالته يحيى ع فكانت الحياة الحيوانية و لو كان يحيى بن خالته لكان روحا و لما كانت الحياة الحيوانية ملازمة للروح وجدت يحيى عند روح الله عيسى لأن الروح حي بلا شك و ما كل حي روح فسلمت عليهما فقلت له بما ذا زدت علينا حتى سماك الله بالروح المضاف إلى الله فقال أ لم تر إلى من وهبني لأمي ففهمت ما قال فقال لي لو لا هذا ما أحييت الموتى فقلت له فقد رأينا من أحيا الموتى ممن لم تكن نشأته كنشأتك فقال ما أحيا الموتى من أحياهم إلا بقدر ما ورثه عني فلم يقم في ذلك مقامي كما لم أقم أنا مقام من وهبني في إحياء الموتى فإن الذي وهبني يعني جبريل ما يطأ موضعا إلا حيي ذلك الموضع بوطأته و أنا ليس كذلك بل حظنا أن نقيم الصور بالوطء خاصة و الروح الكل يتولى أرواح تلك الصور و ما يطئوه الروح الذي وهبني هو يعطي الحياة في صورة ما أظهره الوطء فاعلم ذلك ثم رددت وجهي إلى يحيى ع و قلت له أخبرت إنك تذبح الموت إذا أتى الله به يوم القيامة فيوضع بين الجنة و النار ليراه هؤلاء و هؤلاء و يعرفون أنه الموت في صورة كبش أملح قال نعم و لا ينبغي ذلك إلا لي فإني يحيى و إن ضدي لا يبقى معي و هي دار الحيوان فلا بد من إزالة الموت فلا مزيل له سواى فقلت له صدقت فيما أشرت إلي به و لكن في العالم يحيى كثير فقال لي و لكن لي مرتبة الأولية في هذا الاسم فبي يحيى كل من يحيى من الناس من تقدم و من تأخر و إن الله ما جعل لي من قبل سميا فكل يحيى تبع لي فبظهوري لا حكم لهم فنبهني على شيء لم يكن عندي فقلت جزاك الله عني خيرا من صاحب موروث و قلت الحمد لله الذي جمعكما في سماء واحدة أعني روح الله عيسى و يحيى ع حتى أسألكما عن مسألة واحدة فيقع الجواب بحضور كل واحد منكما فإنكما خصصتما بسلام الحق فقيل في عيسى إنه قال في المهد وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا و قيل في يحيى وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا فأخبر عيسى عن نفسه بسلامالحق عليه و الحق أخبر بسلامه على يحيى فأي مقام أتم فقال لي أ لست من أهل القرآن قلت له بلى أنا من أهل القرآن فقال انظر فيما جمع الحق بيني و بين ابن خالتي أ ليس قد قال الله في وَ نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ فعينني في النكرة فقلت له نعم قال أ لم يقل في عيسى ابن خالتي إِنَّهُ من الصَّالِحِينَ كما قال عني فعينه في النكرة ثم قال إن عيسى هذا لما كان كلامه في المهد دلالة على براءة خالتي مما نسب إليها لم يترجم عن الله إلا هو بنفسه فقال وَ السَّلامُ عَلَيَّ يعني من الله قلت له صدقت قلت و لكن سلم بالتعريف و سلام الحق عليك بالتنكير و التنكير أعم فقيل لي ما هو تعريف عين بل هو تعريف جنس فلا فرق بينه بالألف و اللام و بين عدمهما فإنا و إياه في السلام على السواء و في الصلاح كذلك و جاء الصلاح لنا بالبشرى في و في عيسى بالملائكة فقلت له أفدتني أفادك الله فقلت له فلم كنت حصورا فقال ذلك من أثر همة والدي في استفراغه في مريم البتول و البتول المنقطعة عن الرجال لما دخل عليها المحراب و رأى حالها فأعجبه فدعا الله أن يرزقه ولدا مثلها فخرجت حصورا منقطعا عن النساء فما هي صفة كمال و إنما كانت أثر همة فإن في الإنتاج عين الكمال قلت له فنكاح الجنة ما فيه نتاج فقال لا تقل بل هو نتاج و لا بد و ولادته نفس تخرج من الزوجة عند الفراغ من الجماع فإن الإنزال ريح كما هو في الدنيا ماء فيخرج ذلك الريح بصورة ما وقع عليه الاجتماع بين الزوجين فمنا من يشهد ذلك و منا من لا يشهده كما هو الأمر عليه في الدنيا عالم غيب لمن غاب عنه و عالم شهادة في حق من شهده قلت له أفدتني أفادك الله من نعمه العلم به ثم قلت له هذه سماؤك قال لي لا أنا متردد بين عيسى و هارون أكون عند هذا و عند هذا و كذلك عند يوسف و إدريس ع فقلت له فلما ذا خصصت هارون دون غيره من الأنبياء فقال لي لحرمة النسب ما جئت لعيسى إلا لكونه ابن خالتي فأزوره في سمائه و آتي إلى هارون لكون خالتي أختا له دينا و نسبا قلت فما هو أخوها لأن بينهما زمانا طويلا و عالما فقال لي قوله وَ إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ما هذه الأخوة أ ترى هو أخو ثمود لأبيه و أمه فهو أخوهم فسمى القبيلة باسم ثمود و كان صالح من نسل ثمود فهو أخوهم بلا شك ثم جاء بعد ذلك بالدين أ لا ترى أصحاب الأيكة لما لم يكونوا من مدين و كان شعيب من مدين فقال في شعيب أخو مدين وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً و لما جاء ذكر أصحاب الأيكة قال إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ و لم يقل أخاهم لأنهم ليسوا من مدين و شعيب من مدين فزيارتي لهما صلة رحم و أنا لعيسى أقرب مني لهارون ثم عرج بي إلى السماء الثالثة إلى يوسف ع فقلت له بعد أن سلمت عليه فرد و سهل بي و رحب يا يوسف لم لم تجب الداعي حين دعاك و رسول الله ص يقول عن نفسه إنه لو ابتلي بمثل ما ابتليت به و دعي لأجاب الداعي و لم يبق في السجن حتى يأتيه الجواب من الملك بما تقول النسوة فقال لي بين الذوق و الفرض ما بين السماء و الأرض كثير بين أن تفرض الأمر أو تذوقه من نفسك لو نسب إليه ص ما نسب إلي لطلب صحة البراءة في غيبته فإنها أدل على براءته من حضوره و لما كان رحمة كان من عالم السعة و السجن ضيق فإذا جاء لمن حاله هذا سارع إلى الانفراج و هذا فرض فالكلام مع التقدير المفروض ما هو مثل الكلام مع الذائق أ لا تراه ص ما ذكر ذلك إلا في معرض نسبة الكمال إلي فيما تحملته من الفرية علي فقال ذلك أدبا معي لكونى أكبر منه بالزمان كماقال في إبراهيم نحن أحق بالشك من إبراهيم فيما شك فيه إبراهيم و كما قال في لوط يرحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أ تراه أكذبه حاشى لله فإن الركن الشديد الذي أراده لوط هو القبيلة و الركن الشديد الذي ذكره رسول الله ص هو الله فهذا تنبيه لك أن لا تجري نفسك فيما لا ذوق لك فيه مجرى من ذاق فلا تقل لو كنت أنا عوض فلان لما قيل له كذا و قال كذا ما كنت أقوله لا و الله بل لو نالك ما ناله لقلت ما قاله فإن الحال الأقوى حاكم على الحال الأضعف و قد اجتمع في يوسف و هو رسول الله حالان حال السجن و حال كونه مفترى عليه و الرسول يطلب أن يقرر في نفس المرسل إليه ما يقبل به دعاء ربه فيما يدعوه به إليه و الذي نسب إليه معلوم عند كل أحد إنه لا يقع من مثل من جاء بدعوته إليهم فلا بد أن يطلب البراءة من ذلك عندهم ليؤمنوا بما جاء به من عند ربه و لم يحضر بنفسه ذلك المجلس حتى لا تدخل الشبهة في نفوس الحاضرين بحضوره و فرق كبير بين من يحضر في مثل هذا الموطن و بين من لا يحضر فإذا كانت المرأة لم تخن يوسف في غيبته لما برأته و أضافت المراودة لنفسها لتعلم أن يوسفلم يخن العزيز في أهله و علمت أنه أحق بهذا الوصف منها في حقه فما برأت نفسها بل قالت إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ فمن فتوة يوسف ع إقامته في السجن بعد أن دعاه الملك إليه و ما علم قدر ذلك إلا رسول الله ص حيث قال عن نفسه لأجبت الداعي ثناء على يوسف فقلت له فالاشتراك في إخبار الله عنك إذ قال وَ لَقَدْ هَمَّتْ به وَ هَمَّ بِها و لم يعين فيما ذا يدل في اللسان على أحدية المعنى فقال و لهذا قلت للملك على لسان رسوله أن يسأل عن النسوة و شأن الأمر فما ذكرت المرأة إلا أنها راودته عن نفسه و ما ذكرت أنه راودها فزال ما كان يتوهم من ذلك و لما لم يسم الله في التعبير عن ذلك أمرا و لا عين في ذلك حالا فقلت له لا بد من الاشتراك في اللسان قال صدقت فإنها همت بي لتقهرني على ما تريده مني و هممت أنا بها لأقهرها في الدفع عن ذلك فالاشتراك وقع في طلب القهر مني و منها فلهذا قال وَ لَقَدْ هَمَّتْ به يعني في عين ما هم بها و ليس إلا القهر فيما يريد كل واحد من صاحبه دليل ذلك قولها الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ و ما جاء في السورة قط إنه راودها عن نفسها فأراه الله البرهان عند إرادته القهر في دفعها عنه فيما تريده منه فكان البرهان الذي رآه أن يدفع عن نفسه بالقول اللين كما قال لموسى و هارون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً أي لا تعنف عليها و تسبها فإنها امرأة موصوفة بالضعف على كل حال فقلت له أفدتني أفادك الله ثم ودعته و انصرفت إلى إدريس ع فسلمت عليه فرد و سهل و رحب و قال أهلا بالوارث المحمدي فقلت له كيف أبهم عليك الأمر على ما وصل إلينا فما علمت أمر الطوفان بحيث لا تشك فيه و النبي واقف مع ما يوحى به إليه فقال وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فهذا مما أوحى به إلي قلت له وصلني عنك إنك تقول بالخرق فقال فلو لا الخرق ما رفعت مكانا عليا فقلت فأين مكانتك من مكانك فقال الظاهر عنوان الباطن قلت بلغني أنك ما طلبت من قومك إلا التوحيد لا غير قال و ما فعلوا فإني كنت نبيا أدعو إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد فإن التوحيد ما أنكره أحد قلت هذا غريب ثم قلت يا واضع الحكم الاجتهاد في الفروع مشروع عندنا و أنا لسان علماء الزمان قال و في الأصول مشروع فإن الله أجل أن يكلف نفسا إلا وسعها قلت فلقد كثر الاختلاف في الحق و المقالات فيه قال لا يكون إلا كذلك فإن الأمر تابع للمزاج قلت فرأيتكم معاشر الأنبياء ما اختلفتم فيه فقال لأنا ما قلناه عن نظر و إنما قلناه عن إل واحد فمن علم الحقائق علم إن اتفاق الأنبياء أجمعهم على قول واحد في الله بمنزلة قول واحد من أصحاب النظر قلت فهل الأمر في نفسه كما قيل لكم فإن أدلة العقول تحيل أمورا مما جئتم به في ذلك فقال الأمر كما قيل لنا و كما قال من قال فيه فإن الله عند قول كل قائل و لهذا ما دعونا الناس إلا إلى كلمة التوحيد لا إلى التوحيد و من تكلم في الحق من نظره ما تكلم في محظور فإن الذي شرع لعباده توحيد المرتبة و ما ثم إلا من قال بها قلت فالمشركون قال ما أخذوا إلا بالوضع فمن حيث كذبوا في أوضاعهم و اتخذوها قربة و لم ينزلوها منزلة صاحب تلك الرتبة الأحدية قلت فإني رأيت في واقعتي شخصا بالطواف أخبرني أنه من أجدادي و سمي لي نفسه فسألته عن زمان موته فقال لي أربعون ألف سنة فسألته عن آدم لما تقرر عندنا في التأريخ لمدته فقال لي عن أي آدم تسأل عن آدم الأقرب فقال صدق إني نبي الله و لا أعلم للعالم مدة نقف عندها بجملتها إلا أنه بالجملة لم يزل خالقا و لا يزال دنيا و آخرة و الآجال في المخلوق بانتهاء المدد لا في الخلق فالخلق مع الأنفاس يتجدد فما أعلمناه علمناه و لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ من عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ فقلت له فما بقي لظهور الساعة فقال اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ قلت فعرفني بشرط من شروط اقترابها فقال وجود آدم من شروط الساعة قلت فهل كان قبل الدنيا دار غيرها قال دار الوجود واحدة و الدار ما كانت دنيا إلا بكم و الآخرة ما تميزت عنها إلا بكم و إنما الأمر في الأجسام أكوان و استحالات و إتيان و ذهاب لم يزل و لا تزال قلت ما ثم قال ما ندري و ما لا ندري قلت فأين الخطاء من الصواب قال الخطاء أمر إضافي و الصواب هو الأصل فمن عرف الله و عرف العالم عرف أن الصواب هو الأصل المستصحب الذي لا يزال و أن الخطاء بتقابل النظرين و لا بد من التقابل فلا بد من الخطاء فمن قال بالخطإ قال بالصواب و من قال بعدم الخطاء قال صوابا و جعل الخطاء من الصواب قلت من أي صفة صدر العالم قال من الجود قلت هكذا سمعت بعض الشيوخ يقول قال صحيح ما قال قلت و إلى ما ذا يكون المال بعد انتقالنا من يوم العرض قال رحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قلت أي شيء قال الشيئيتان فالباقي أبقاه برحمته و الذيأوجده أوجده برحمته ثم قال محال العوارض ثابتة في وجودها و العوارض تتبدل عليها بالأمثال و الأضداد قلت ما الأمر الأعظم قال العالم به أعظم ثم ودعته و انصرفت فنزلت بهارون ع فوجدت يحيى قد سبقني إليه فقلت له ما رأيتك في طريقي فهل ثم طريق أخرى فقال لكل شخص طريق لا يسلك عليها إلا هو قلت فأين هي هذه الطرق فقال تحدث بحدوث السلوك فسلمت على هارون ع فرد و سهل و رحب و قال مرحبا بالوارث المكمل قلت أنت خليفة الخليفة مع كونك رسولا نبيا فقال أما أنا فنبي بحكم الأصل و ما أخذت الرسالة إلا بسؤال أخي فكان يوحى إلي بما كنت عليه قلت يا هارون إن ناسا من العارفين زعموا أن الوجود ينعدم في حقهم فلا يرون إلا الله و لا يبقى للعالم عندهم ما يلتفتون به إليه في جنب الله و لا شك أنهم في المرتبة دون أمثالكم و أخبرنا الحق إنك قلت لأخيك في وقت غضبه لا تشمت بي الأعداء فجعلت لهم قدرا و هذا حال يخالف حال أولئك العارفين فقال صدقوا فإنهم ما زادوا على ما أعطاهم ذوقهم و لكن انظر هل زال من العالم ما زال عندهم قلت لا قال فنقصهم من العلم بما هو الأمر عليه على قدر ما فاتهم فعندهم عدم العالم فنقصهم من الحق على قدر ما انحجب عنهم من العالم فإن العالم كله هو عين تجلى الحق لمن عرف الحق فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ بما هو الأمر عليه

فليس الكمال سوى كونهفمن فاته ليس بالكامل
فيا قائلا بالفناء اتئدو حوصل من السنبل الحاصل
و لا تركنن إلى فائتو لا تبع النقد بالآجل
و لا تتبع النفس أغراضهاو لا تمزج الحق بالباطل

ثم ودعته و نزلت بموسى ع فسلمت عليه فرد و سهل و رحب فشكرته على ما صنع في حقنا مما اتفق بينه و بين نبينا محمد ص في المراجعة في حديث فرض الصلوات فقال لي هذه فائدة علم الذوق فللمباشرة حال لا يدرك إلا بها قلت ما زلت تسعى في حق الغير حتى صح لك الخير كله قال سعى الإنسان في حق الغير إنما يسعى لنفسه في نفس الأمر فما يزيده ذلك إلا شكر الغير و الشاكر ذاكر لله بأحب المحامد لله و للساعي منطقة بتلك المحامد فالساعي ذاكر لله بلسانه و لسان غيره قال الله تعالى لموسى ع يا موسى اذكرني بلسان لم تعصني به فأمره أن يذكره بلسان الغير فأمره بالإحسان و الكرم ثم قلت له إن الله اصطفاك على الناس برسالته و بكلامه و أنت سألت الرؤية و رسول الله ص يقول إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت فقال و كذلك كان لما سألته الرؤية أجابني فخررت صعقا فرأيته تعالى في صعقتي قلت موتا قال موتا قلت فإن رسول الله ص شك في أمرك إذا وجدك في يوم البعث فلا يدري أ جوزيت بصعقة الطور فلم تصعق في نفخة الصعق فإن نفخة الصعق ما تعم فقال صدقت كذلك كان جازاني الله بصعقة الطور فما رأيته تعالى حتى مت ثم أفقت فعلمت من رأيت و لذلك قلت تُبْتُ إِلَيْكَ فإني ما رجعت إلا إليه فقلت أنت من جملة العلماء بالله فما كانت رؤية الله عندك حين سألته إياها فقال واجبة وجوبا عقليا قلت فيما ذا اختصصت به دون غيرك قال كنت أراه و ما كنت أعلم أنه هو فلما اختلف على الموطن و رأيته علمت من رأيت فلما أفقت ما انحجبت و استصحبتني رؤيته إلى أبد الأبد فهذا الفرق بيننا و بين المحجوبين عن علمهم بما يرونه فإذا ماتوا رأوا الحق فميزه لهم الموطن فلو ردوا لقالوا مثل ما قلنا قلت فلو كان الموت موطن رؤيته لرآه كل ميت و قد وصفهم الله بالحجاب عن رؤيته قال نعم هم المحجوبون عن العلم به إنه هو و إذا كان في نفسك لقاء شخص لست تعرفه بعينه و أنت طالب له من اسمه و حاجتك إليه فلقيته و سلمت عليه و سلم عليك في جملة من لقيت و لم يتعرف إليك فقد رأيته و ما رأيته فلا تزال طالبا له و هو بحيث تراه فلا معول إلا على العلم و لهذا قلنا في العلم إنه عين ذاته إذ لو لم يكن عين ذاته لكان المعول عليه غير إله و لا معول إلا على العلم قلت إن الله دلك على الجبل و ذكر عن نفسه أنه تجلى للجبل فقال لا يثبت شيء لتجليه فلا بد من تغير الحال فكان الدك للجبل كالصعق لموسى يقول موسى فالذي دكه أصعقني قلت له إن الله تولى تعليمي فعلمت منه على قدر ما أعطاني فقال هكذا فعله مع العلماء به فخذ منه لا من الكونفإنك لن تأخذ إلا على قدر استعدادك فلا يحجبنك عنه بأمثالنا فإنك لن تعلم منه من جهتنا إلا ما نعلم منه من تجليه فإنا لا نعطيك منه إلا على قدر استعدادك فلا فرق فانتسب إليه فإنه ما أرسلنا إلا لندعوكم إليه لا لندعوكم إلينا فهي كلمة سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا الله وَ لا نُشْرِكَ به شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً من دُونِ الله قلت كذا جاء في القرآن قال و كذلك هو قلت بما ذا سمعت كلام الله قال بسمعي قلت و ما سمعك قال هو قلت فبما ذا اختصصت قال بذوق في ذلك لا يعلمه إلا صاحبه قلت له فكذلك أصحاب الأذواق قال نعم و الأذواق على قدر المراتب ثم ودعته و انصرفت فنزلت بإبراهيم الخليل ع فسلمت عليه فرد و سهل و رحب فقلت يا أبت لم قلت بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ قال لأنهم قائلون بكبرياء الحق على آلهتهم التي اتخذوها قلت فأشارتك بقولك هذا قال أنت تعلمها قلت إني أعلم أنها إشارة ابتداء و خبره محذوف يدل عليه قولك بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إقامة الحجة عليهم منهم فقال ما زدت على ما كان عليه الأمر قلت فما قولك في الأنوار الثلاثة أ كان عن اعتقاد قال لا بل عن تعريف لإقامة الحجة على القوم أ لا ترى إلى ما قال الحق في ذلك وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ و ما كان اعتقاد القوم في الإله إلا أنه نمروذ بن كنعان لم تكن تلك الأنوار آلهتهم و لا كان نمروذ إلها عندهم لهم و إنما كانوا يرجعون في عبادتهم لما نحتوه آلهة لا إليه و لذلك لما قال إبراهيم رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ لم يجرأ نمروذ أن ينسب الأحياء و الإماتة لآلهتهم التي وضعها لهم لئلا يفتضح فقال أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ فعدل إلى نفسه تنزيها لآلهتهم عندهم حتى لا يتزلزل الحاضرون و لما علم إبراهيم قصور أفهام الحاضرين عما جاء به لو فصله و طال المجلس فعدل إلى الأقرب في أفهامهم فذكر حديث إتيان الله بالشمس من المشرق و طلبه أن يأتي بها من المغرب فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ فقلت له هذا إعجاز من الله كونه بهت فيما له فيه مقال و إن كان فاسدا لأنه لو قاله قيل له قد كانت الشمس طالعة من المشرق و أنت لم تكن و أكذبه من تقدمه بالسن على البديهة فقال و ما المقال قلت يقول ما نفعل الأمر بحكمك و لا تبطل الحكمة لأجلك قال صدقت فكان بهته إعجازا من الله سبحانه حتى علم الحاضرون أن إبراهيم ع على الحق و لم يكن لنمرود أن يدعي الألوهة ثم رأيت البيت المعمور فإذا به قلبي و إذا بالملائكة التي تدخله كل يوم تجلى الحق له سبحانه الذي وسعه في سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة فهو يتجلى فيها لقلب عبده لو تجلى دونها لأحرقت سبحات وجهه عالم الخلق من ذلك العبد فلما فارقته جئت سدرة المنتهى فوقفت بين فروعها الدنيا و القصوى و قد غشيتها أنوار الأعمال و صدحت في ذري أفنانها طيور أرواح العاملين و هي على نشأة الإنسان و أما الأنهار الأربعة فعلوم الوهب الإلهي الأربعة التي ذكرناها في جزء لنا سميناه مراتب علوم الوهب ثم عاينت متكآت رفارف العارفين فغشيتني الأنوار حتى صرت كلي نورا و خلع على خلعة ما رأيت مثلها فقلت إلهي الآيات شتات فأنزل علي عند هذا القول قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ النَّبِيُّونَ من رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فأعطاني في هذه الآية كل الآيات و قرب على الأمر و جعلها لي مفتاح كل علم فعلمت أني مجموع من ذكر لي و كانت لي بذلك البشرى بأني محمدي المقام من ورثة جمعية محمد ص فإنه آخر مرسل و آخر من إليه تنزل آتاه الله جوامع الكلم و خص بست لم يخص بها رسول أمة من الأمم فعم برسالته لعموم ست جهاته فمن أي جهة جئت لم تجد إلا نور محمد ينفق عليك فما أخذ أحد إلا منه و لا أخبر رسول إلا عنه فعند ما حصل لي ذلك قلت حسبي حسبي قد ملأ أركاني فما وسعني مكاني و أزال عني به إمكاني فحصلت في هذا الإسراء معاني الأسماء كلها فرأيتها ترجع إلى مسمى واحد و عين واحدة فكان ذلك المسمى مشهودي و تلك العين وجودي فما كانت رحلتي إلا في و دلالتي إلا علي و من هنا علمت أني عبد محض ما في من الربوبية شيء أصلا و فتحت خزائن هذا المنزل فرأيت فيها من العلوم علم أحدية عبودة التشريف و لم أكن رأيته قبل ذلك و إنما كنت رأيت جمعية العبودية و رأيت علم الغيب بعين الشهادة و أين منقطع الغيب من العالم و يرجع الكل في حق العبد شهادة و أعني بالغيب غيب الوجود أي ما هو في الوجود و هو مغيب عن بعض الأبصار و البصائر و أما غيب ما ليس بموجود فمفتاح ذلك الغيب لا يعلمه إلا هو تعالى و رأيت فيه علم القرب و البعد ممن و عمن و رأيت فيه علم خزائن مزيد العلوم و تنزلها على قلوب العارفين و بمن تحق و من يقسمها على القلوب و ما ينزل منها عن سؤال و عن غير سؤال فإذا سأل الإنسان مزيد العلم فليسأل كما أمر الله تعالى نبيه أن يسأل إذ قال له وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فنكر و لم يعين فعم فأي علم نزل عليه دخل تحت هذا السؤال فإن النزول عن سؤال أعظم لذة من النزول عن غير سؤال فإن في ذلك إدراك البغية و ذلة الافتقار و إعطاء الربوبية حقها و العبودة حقها فإن العبد مأموران يعطي كل شيء حقه كما أعطى الله كل شيء خلقه و في العلم المنزل عن السؤال من علو المنزلة ما لا يقدر قدر ذلك إلا الله و رأيت علم حصر الآيات في السمع و البصر فأما شهود و إما خبر و رأيت التوراة و علم اختصاصها بما كتبها الله بيده و تعجبت من ذلك كيف كتبها بيده و لم يحفظها من التبديل و التحريف الذي حرفه اليهود أصحاب موسى فلما تعجبت من ذلك قيل لي في سرى اسمع الخطاب بل أرى المتكلم و أشهده في اتساع رحمة أنا فيها واقف و قد أحاطت بي فقال لي أعجب من ذلك إن خلق آدم بيديه و ما حفظه من المعصية و لا من النسيان و أين رتبة اليد من اليدين فمن هذا فأعجب و ما توجهت اليدان إلا على طينته و طبيعته و ما جاءته الوسوسة إلا من جهة طبيعته لأن الشيطان وسوس إليه و هو مخلوق من جزء ما خلق منه آدم فما نسي و لا قبل الوسوسة إلا من طبيعته و على طبيعته توجهت اليدان ثم مع هذا فما حفظه مما حمله في طينته من عصاة بنيه فلا تعجب لتغيير اليهود التوراة فإن التوراة ما تغيرت في نفسها و إنما كتابتهم إياها و تلفظهم بها لحقه التغيير فنسب مثل ذلك إلى كلام الله فقال يُحَرِّفُونَهُ من بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أن كلام الله معقول عندهم و أبدوا في الترجمة عنه خلاف ما هو في صدورهم عندهم و في مصحفهم المنزل عليهم فإنهم ما حرفوا إلا عند نسخهم من الأصل و أبقوا الأصل على ما هو عليه ليبقى لهم العلم و لعلمائهم و آدم مع اليدين عصى بنفسه و لم يحفظ حفظ كلام الله فهذا أعجب و إنما عصم كلام الله لأنه حكم و الحكم معصوم و محله العلماء به فما هو عند العلماء محرف و هم يحرفونه لأتباعهم و آدم ما هو حكم الله فلا يلزمه العصمة في نفسه و تلزمه العصمة فيما ينقله عن ربه من الحكم إذا كان رسولا هو و جميع الرسل و هذا علم شريف فإن الله ما جعل في العالم هدى لا يصح أن يعود عمى فإنه أبان لمن أوصله إليه فما اتصف بالعمى إلا من لم يصل إليه الهدى من ربه و من قيل له هذا هدى لا يقال إنه وصل إليه حتى يكون هو الذي أنزل عليه الهدى و حصل له العلم بذلك فإن هذا لا يكون عنده عمى أبدا فما استحب العمى على الهدى إلا من هو مقلد في الأمرين لأبناء جنسه فالعمى يوافق طبعه و الهدى يخالف طبعه فلذلك يؤثره عليه فرأيت فيها علم من اتأد و على الله اعتمد و هذا هو التوكل الخامس و هو قوله تعالى في سورة المزمل فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا و رأيت فيها علم ما ينال بالورث و علم ما ينال بالكسب و رأيت فيها علم الفرق بين شكر المكلف و شكر العبد و رأيت فيها علم تنوع الأحكام لتنوع الأزمان فإنه من المحال أن يقع شيء في العالم إلا بترتيب زماني و تقدم و تأخر و مفاضلة لأن الله أشهدني أسماءه فرأيتها تتفاضل لاشتراكها في أمور و تميزها في أمور مع الاشتراك و كل اسم لا يقع فيه اشتراك مع اسم لا مفاضلة بين ذاتك الاسمين فاعلم ذلك فإنه علم عزيز و رأيت فيها علم تسليط العالم بعضه على بعض و ما سببه فرأيته من حكم الأسماء الإلهية في طلبها ظهورها و ولايتها و ما هي عليها من الغيرة و رأيتها تستعين بالمشارك لها من الأسماء فهي المعانة المعينة و لذلك خرج الخلق على صورتها فمنها المعان و المعين و لما وقع الأمر هكذا خاطبهم بحكم التعاون فقال وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى فيكون ما فطروا عليه عباده فإنهم قد يتعاونون بتلك الحقيقة عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ و رأيت علم الجبر فرأيته آخر ما تنتهي إليه المعاذر و هو سبب مال الخلق إلى الرحمة فإن الله يعذر خلقه بذلك فيما كان منهم فإنهم لا يبقى منهم إلا التضرع الطبيعي و لو لا إن نشء الآخرة مثل نشء الدنيا ذو جسم طبيعي و روح ما صح من الشقي طلب و لا تضرع إذ لو لم يكن هناك أمر طبيعي لم يكن للنفس إذا جهلت من ينبهها على جهلها لعدم إحساسها إذ لا حس لها إلا بالجزء الطبيعي الذي هو الجسد المركب و بالجهل شقاؤها فكانت النفس بعد المفارقة إذا فارقت و هي على جهالة كان شقاؤها جهلها و لا تزال فيه أبدا فمن رحمة الله بها إن جعل لها هذا المركب الطبيعي في الدنيا و الآخرة و ما كل أحد يعلم حكمة هذا المركب الذي لا يخلو حيوان عنه و رأيت علم الرجعة و هو علم البعث و حشر الأجساد في الآخرة و أن الإنسان إذا انتقل عن الدنيا لن يرجع إليها أبدا لكنها تنتقل معهبانتقاله فمن هذه الدار من ينتقل إلى الجنة و منهم من ينتقل إلى النار فالنار و الجنة تعم الدار الدنيا و نعيمها فإنه ما يبقى دار إلا الجنة و النار و الدنيا لا تنعدم ذاتها بعد وجودها و لا شيء موجود فلا بد أن يكون في الدارين أو في أحدهما فأعطى الكشف أن تكون مقسمة بين الدارين و قد ورد في الخبر النبوي من ذلك ما فيه غنية و كان بعض الصحابة يقول يا بحر متى تعود نارا و هو الحميم الذي يشربه أهل النار و قوله ص في الأنهار الأربعة إنها من الجنة فذكر سيحان و جيحان و النيل و الفرات و بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة و مجالس الذكر حيث كانت روضات من روضات الجنة و الأخبار في ذلك كثيرة و لسنا من أهل التقليد بحمد الله بل الأمر عندنا كما آمنا به من عند ربنا شهدناه عيانا و رأيت فيها علم مرتبة قول النبي ص إني مكاثر بكم الأمم و إن ذلك من الشرف و المجد في موطنه فلا يهمل مثل هذا فإن لكل موطن شرفا يخصه لا يكون شرفه إلا به و هنا زلت جماعة من العارفين حيث لم يفرقوا بين شرف النفوس و شرف العقول و إنهما لا يتداخلان و أن الكمال في وجود الشرفين و رأيت فيها علم ما يرى الإنسان إلا ما كان عليه سواء عرف ذلك أو جهله فإنه لا بد أن يشهده فيعرفه في الموضع الذي لا ينفعه العلم به و لا مشاهدته إياه و رأيت فيها علم التداخل و الدور و هو أنه لا يكون الحق إلا بصورة الخلق في الفعل و لا يكون الخلق فيه إلا بصورة الحق فهو دور لا يؤدي إلى امتناع الوقوع بل هو الواقع الذي عليه الأمرفإن الله لا يمل حتى تملوا فهذا حكم خلق في حق و قال فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ من يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً فهذا منه كما كان عوده و مآله منا و رأيت فيها علم منزلة القرآن من العالم و لمن جاء و بما جاء و إلى أين يعود و رأيت فيها علم التلبيس و أن أصله العجلة من الإنسان فلو اتئد و تفكر و تبصر لم يلتبس عليه أمر و قليل فاعل ذلك و رأيت فيها علم الليل وحده و النهار وحده و الزمان وحده و اليوم وحده و الدهر وحده و العصر وحده و المدة وحدها و رأيت فيها علم التفصيل و فيما ظهر و رأيت فيها علم ما لزم الإنسان من حكم الله الذي فصله الشرع فلا ينفك عنه و رأيت فيها علم تقابل النسختين و أن الإنسان في نفسه كتاب ربه و رأيت فيها علم سبب وجوب العذاب في الآخرة و هو جلي و العلم الخفي إنما هو في وجود سبب عذاب الدنيا و لا سيما في حق الطفل الرضيع و هل الطفل الرضيع و جميع الحيوان لهم تكليف إلهي برسول منهم في ذواتهم لا يشعر به و إن الصغير إذا كبر و كلف لا يشعر و لا يتذكر تكليفه في حال صغره لما يقوم به من الآلام و بالحيوان فإنه تعالى ما يعذب ابتداء و لكن يعذب جزاء فإن الرحمة لا تقتضي في العذاب إلا الجزاء للتطهير و لو لا التطهير ما وقع العذاب و هذا من أسرار العلم الذي اختص الله به من شاء من عباده وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ و إِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ و ما من شيء في الوجود إلا و هو أمة من الأمم قال تعالى وَ ما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في كل شيء و قال ص في الكلاب إنها أمة من الأمم فعمت الرسالة الإلهية جميع الأمم صغيرهم و كبيرهم فما من أمة إلا و هي تحت خطاب إلهي على لسان نذير بعث إليها منها و فيها و رأيت فيها علم حكم الوجوب الموسع المخير كأوقات الصلوات و التخيير في الكفارات و رأيت فيها علم كون الحق مع إرادة العبد لا يخالفه و هذه الصفة بالعبد أولى فكما أمر الله عبده فعصاه كذلك دعاه عبده فلم يجبه فيما سأل فيه كما أمره فلم يطعه أ لا ترى إلى الملائكة لما لم تعص أمر الله أجابها الله في كل ما سألته فيه حتى إن العبد إذا وافق في الصلاة تأمينه تأمين الملائكة غفر له و رأيت فيها عموم العطاء الإلهي و إنه من الكرم الإلهي إتيان الكبائر في العالم المكلف فإنه لا بد لطائفة من التبديل فيبدل بها كبير بكبير

إحياء نفس بقتل نفس في كل نوع و كل جنس

فمن الناس من يبدل له بالتوبة و العمل الصالح و من الناس من يبدل له بعد أخذ العقوبة حقها منه و سبب إنفاذ الوعيد في حق طائفة حكم المشيئة الإلهية فإذا انتهت المدة طلبت المشيئة في أولئك تبديل العذاب الذي كانوا فيه بالنعيم المماثل له فإن حكم المشيئة أقوى من حكم الأمر و قد وقع التبديل بالأمر فهو بالإرادة أحق بالوقوع و ستر الله هذا العلم عن بعض عباده و اطلع عليه من شاء من عباده و هو من علم الحكمة التي من أوتيها فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و لذلك قال الحق تعالى وَ كانَ الله غَفُوراً رَحِيماً غفورا أي يستر رحيما بذلك الستر بعد قوله فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ و قالفي المسرفين لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فجاء بالمغفرة و الرحمة في حق التائب و صاحب العمل الصالح كما جاء بهما في المسرفين الذين لم يتوبوا و نهاهم عن القنوط و أكد بقوله جَمِيعاً و أكثر من هذا الإفصاح الإلهي في مال عباده إلى الرحمة ما يكون مع عمارة الدارين الجنة و جهنم و إن لكل واحدة منهما ملأها لا يخرجون منها فعطاء الله لا مانع له و إنما الاسم المانع إنما متعلقة أن نعيم زيد ممنوع عن عمرو كما إن نعيم عمرو ممنوع عن زيد فهذا حكم المانع لا أنه يمنع شمول الرحمة و رأيت فيها علم الفرق بين مفاضلة المفضولين في الدنيا و بينهم في الآخرة و رأيت فيها علم من ترك ما هو عليه لما ذا ترك و سببه و رأيت فيها علم إن الله هو المعبود في كل معبود من خلف حجاب الصورة و رأيت فيها علم الرفق بالعالم و معاملة كل صنف بما يليق به من الرفق و رأيت فيها علم ما يجني الإنسان إلا ثمرة غرسه لا غير و رأيت فيها علم الحدود في التصرفات و مقاديرها و أوزانها و رأيت فيها علم التخلق بالأخلاق الإلهية من كونه ربا خاصة و رأيت فيها علم حكم مرتبة الجزء من الكل و إن كان الجزء على صورة الكل و رأيت فيها علم نتاج المقدمتين الفاسدتين علما صحيحا مثل كل إنسان حجر و كل حجر حيوان فكل إنسان حيوان فلم يلزم من فساد المقدمتين أن لا تكون النتيجة صحيحة و هذا لا يعرف ميزانه و رأيت فيها علم تأثير المثل في مثله بما ذا أثر فيه و ليس أحدهما بأولى من الآخر و لا أحق بنسبة التأثير إليه و المثلان ضدان فافهم و رأيت فيها علم العبث و كيف يصح مع قوله تعالى وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا و العبث فيما بينهما فبأي نظر يكون عبثا و بأي نظر لا يكون باطلا و قول الله تعالى أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً فقيد و ما قيد الباطل و رأيت علم فضل الذكور على الإناث و هي مفاضلة عرضية لا ذاتية و رأيت فيها علم أحكام المحال و الحال و المكان و المتمكن فيه و رأيت فيها علم الحجب المانعة من التأثير الإلهي في المحجوب بها و رأيت فيها علم سلطنة الأحدية و أنه لا يبقى لسلطانها أحد و هل يصح فيها تجل أم لا فالذي قال بالتجلي فيها ما يريد هل أحدية الواحد أو أحدية المجموع و كذلك من لا يقول بالتجلي فيها هل يريد أحدية الواحد أو أحدية المجموع و رأيت فيها علم آداب السماع و ترك الكلام عنده و رأيت علم إلحاق الأدنى بالأعلى في حكم ضرب المثل له و من هو هذا الأعلى و بما ذا كان أعلى و رأيت فيها علم المجبور على الثناء على من كان يذمه قبل الجبر و رأيت فيها علم السبب المانع الذي يمنع العاقل من سلوك الأشد و الأخذ بالأولى و الأحق و رأيت فيها علم العروج و النزول من الشخص الواحد لاختلاف الأحوال و من نزل لما ذا نزل و من أنزله و من صعد لما ذا صعد و من أصعده و رأيت فيها علم أحوال الناس في البرزخ فإنه تقابلت فيه الأخبار فهل يعم التقابل أو يخص و هل العموم و الخصوص في الزمان أو في الأشخاص و رأيت فيها علم ما فائدة الآيات التي لا تأتي للاعجاز فلأي شيء أتت و رأيت فيها علم ما السبب الذي أجرأ الضعيف من جميع الوجوه على القوي من جميع الوجوه مع علمه بأنه قادر على إهلاكه و رأيت فيها علم طاعة إبليس ربه في كل شيء إلا في السجود لآدم و ما ذكر آدم بأنه عصى نهي الله و قيل في إبليس أَبى و لم يقل فيه عصى أمر الله هل ذلك شرف يرجع لآدم لكونه على الصورة و ما لإبليس هذا المقام و ذكر الله في آدم أنه عصى ربه فذكر من عصى و لم يذكر في حق إبليس إلا أبى و لم يذكر أنه أبى امتثال أمر ربه و في آية أخرى قيل لَمْ يَكُنْ من السَّاجِدِينَ و في آية أخرى قيل اسْتَكْبَرَ و في آية أخرى قال أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً و في آية أخرى قيل أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ فانظر ما أفادك الحق في هذه الآيات و ما في طيها من الأسرار و رأيت فيها علم الاغترار و رأيت فيها علم من فضل آدم من المخلوقين و أن فضله لم يعم و هكذا أخبرني رسول الله ص في واقعة رأيتها و هكذا أخبر الخليل إبراهيم ع شيخنا أبا مدين بأن فضل آدم لم يعم و رأيت فيها علم الإمامة و الإمام و رأيت فيها علم إن الدنيا عنوان الآخرة و ضرب مثال لها و أن حكم ما فيها هو أتم و أكمل في الآخرة و رأيت فيها علم السبب الذي لأجله يميل قلب صاحب العلم بالشيء عما يعطيه علمه و ما حكمه و رأيت فيها علم سنة الله في عباده لا تتبدل و رأيت فيها علم توقيت محادثة الحق التي لا بد لصاحب العناية منها و الجمع بين الشهود و المحادثة و ما يكون من المحادثة مسامرة و إن الحق لا يمتنع من المسامرة و يمتنع من المحادثة في أوقات ما و هي خطاب إلهي من العبد لله و من الله للعبد و ما ينتج هذا العلم لمن علمه يوم القيامة و رأيت فيها علم أحوال الصادقين فيحركاتهم في الدخول إلى الحضرة الإلهية من العالم و الخروج منها إلى العالم و ممن تمكن في هذا المقام أبو يزيد البسطامي و رأيت فيها علم تشخص العدم حتى يقبل الحكم عليه بما يؤثر فيه الوجود و إن لم يكن كذلك فلا يعقل و صورته صورة تجلى الحق في أي صورة ظهر يحكم عليه بما يحكم به على تلك الصورة التي تجلى فيها و يستلزمه حكمها و من ذلك نسب إليه تعالى ما نسب من كل ما جاءنا في الكتاب و السنة و لا يلزم التشبيه و رأيت فيها علم الطب الإلهي في الأجسام الطبيعية لا في الأخلاق و قد يكون في الأخلاق فإن مرض النفس بالأخلاق الدنية أعظم من مرض الأجسام الطبيعية و رأيت فيها علم ما لا يتعدى العامل ما يقتضيه طبعه و مزاجه إن كان ذا مزاج فإن كان العامل ممن لا مزاج له فإن عمله بحسب ما هو عليه في ذاته و رأيت فيها علم حكم من يسأل عما يعلم فيجيب أنه لا يعلم فيكون ذلك علما به عند السائل أنه يعلم ما سأله عنه فإن أجابه بما يعلم كما هو الأمر في نفسه و عليه علم أنه لا يعلم المجيب ما سأل عنه السائل و رأيت فيها علم التعاون على حصول العلم إذا وجد هل يحصل به كل علم يتعاون عليه أو يحصل به علم بعض العلوم دون بعض و رأيت فيها علم سبب وضع الشرائع و إرسال الرسل و رأيت فيها علم التحكم على الرسل ما سببه و هل هو محمود أو مذموم أو لا محمود و لا مذموم أو في موطن محمود و في موطن مذموم و رأيت فيها علم المانع من وقوع الممكنات دفعة واحدة أعني ما وقع منها و هل ذلك ممكن أم لا و فيما يمكن ذلك و فيما لا يمكن و الذي يمكن فيه هل وقع أم لا و ما ثم إلا جوهر أو عرض حامل و محمول قائم بنفسه و غير قائم بنفسه فيدخل في ذلك التقسيم الجسم و غيره و هل الجسم مجموع أعراض و صفات و الجوهر كذلك أم ليس كذلك و رأيت فيها علم مرتبة التسعة من العدد و رأيت فيها علم تعارض الخصمين ما أداهما إلى المنازعة هل أمر وجودي أو عدمي و رأيت فيها علم الحق المخلوق به و رأيت فيها علم تسمية الاسم الواحد من الأسماء بجميع الأسماء كما ذهب إليه صاحب خلع النعلين أبو القاسم بن قسي رحمه الله في كتاب خلع النعلين و رأيت فيها علم مراتب المحامد و عواقبها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ